التمديد الثاني: ضرورات «البرلمان» تبيح محظورات الدستور

ساعة التمديد تدق في ساحة النجمة

ساعة التمديد تدق في ساحة النجمة

الأربعة ملايين مواطن لبناني، في طريقهم الى مشاركة المليون والنصف مليون نازح سوري، في شتى أنواع الظروف المعيشية القاسية. فجميع القاطنين على أرض «سويسرا الشرق» مهدد بالعتمة والعطش والعجز عن ولوج أبواب المستشفيات، إلا من استطاع إليها سبيلا.

إنه الفراغ الذي يتنقل بلا رادع من المؤسسات الدستورية، الى مستلزمات الحياة اليومية.

ما حصل، وما في طريقه الى الحصول، ليس من باب التهويل، ولا يرتبط إطلاقاً بالمخيلة التشاؤمية، التي تفرض نفسها على كل لبناني مهما كان متفائلاً.

ما حصل واقع، وما سيحصل نتيجة.

في المؤسسات، لا داعي للتذكير بأن الفراغ المتعمد في رئاسة الجمهورية سيؤدي الى شبه فراغ في مجلس الوزراء. إذ يكفي أن يمتنع واحد من أصل24 صاحب فخامة عن توقيع أي مرسوم ليتحول الى مصنف في أرشيف مجلس الوزراء. خصوصاً وأن الـ24 صاحب فخامة لا يساومون على مصالحهم الحزبية. وخصوصاً أنهم ينتمون الى أحزاب شتى لا تلتقي إلا على أمر واحد هو عدم الاستقالة من الحكومة. لأن الجميع يدرك بأن الاستقالة تعني خراب البصرة.

والفراغ القائم في الرئاسة، وشبه الفراغ القائم في مجلس الوزراء، سيؤدي الى فراغ كامل في مجلس النواب، عندما يحين الاختيار بين شرين: التمديد أو الانتخاب.

التمديد في حد ذاته تكرار لمخالفة الدستور. ومع ذلك فثمة استحالة في إقراره لأسباب عدة. فهو أولاً يحتاج الى دورة عادية، وإلى إحالة من الرئيس الغائب، أو نوابه الأربع والعشرين وزيراً لا ينقصون واحداً، فكيف إذا كانوا وزراء عون الثلاثة وما قد يضاف إليهم من وزراء يرون أن حل الأزمة الدستورية في البلاد تحتاج الى مجلس نيابي جديد، يضم كتلاً نيابية جديدة بالحجم.

أما الانتخاب فإنه يواجه عُقداً أكثر تعقيداً من التمديد الصعب، وربما المستحيل. فبين أصحاب الفخامة الأربع وعشرين وزيراً عدد لا يستهان به من الوزراء لا يناسب مرجعياته إجراء الانتخابات وفق قانون الستين النافذ. بعد أن تأكد العجز النيابي التام عن سن قانون جديد… وهكذا لا يبقى في الميدان غير حديدان، الذي سينط في صناديق الاقتراع إذا قبل النجارون الكبار بتنجير الصناديق والقبول بخوازيق نتائج «قانون الستين» التي تتخوف قوى 8 آذار من مفاجآتها، هذه المواقف ستؤدي طبعاً الى عدم توافق مجلس الوزراء على اصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، وبالتالي، استحالة إجراء الانتخابات النيابية.

إذاً، وفق النصوص الدستورية، لا تمديد ولا انتخابات.

لكن الرئيس نبيه بري لن يستسلم للعقد الدستورية، ولن يقبل أن يكون مصير قصر عين التينة كمصير قصر بعبدا. وقد يلجأ لإنقاذ مملكته من الانهيار، الى قاعدة «الظروف القاهرة»، التي من خلالها يمكنه إيجاد أكثر من طريقة للتمديد، تحت شعار «الضرورات تبيح المحظورات». فغالباً ما كان الدستور «يغني على ليلى» الأستاذ.

وسط ضياع المؤسسات، وفي ظل تخبط دستوري غير مسبوق. يضيف العماد عون خبطة دستورية تنحرف بأزمات لبنان الحقيقية الى أزمة وهمية، رغم أنها تؤدي الى حل كل الأزمات. فقد دعا رئيس التيار الوطني الحر الى انتخاب الرئيس على مرحلتين، الأولى طائفية محصورة بالمسيحيين تتم فيها التصفية على مرشحين اثنين للرئاسة، يدخلان سباق المرحلة الثانية على مستوى الوطن.

رغم أن المبادرة البرتقالية ماتت في مهدها، لأن فكرتها تقلب الكيان اللبناني وميثاقه وطائفه ودستوره. إلا أن دلالاتها مهمة. فهي تشير الى أن عون وصل الى قناعة بأن وصوله الى الرئاسة بات مستحيلاً بعد أن فشل في جذب أصوات تيار المستقبل، ولأنه متمسك بحلمه الرئاسي ألقى بمبادرة انتخاب المرحلتين معتبراً أن قوته المسيحية تتضمن وصوله مع نده سمير جعجع الى المرحلة الثانية، التي يضمنها من خلال حصوله على ما يشبه الاجماع في الصوت الشيعي يضاف إليه رصيده المسيحي وما يفر من أصوات سنية من قبضة الرئيس الحريري، وأصوات درزية من قبضة وليد جنبلاط.

إلا أن ثقل الحجر الذي رماه العماد سرعان ما استقر في مياه الانتخابات الراكدة، ليعود الفراغ سيد الموقف ولأجل غير معلوم.

في هذه الأجواء الغارقة في الأوجاع الشعبية وعدم إكتراث الطاقم السياسي، يكون لبنان مقبلاً على أيام سوداء انقطع فيها الحوار بين القيادات، وتنقطع فيها الكهرباء وتهدد بالمزيد، وينقطع فيها الماء عن اللبنانيين… مع بروز خطر أن تنقطع فيها الرواتب عن الموظفين، مع احتمال أن ينقطع حيل الأمن في مواجهة الإرهابيين.

ولن ينقذ السياحة في لبنان تصريح لوزير الداخلية عن صحوة الأمن. ولن ينقذ اللبناني من الحاجة إمتلاء صناديق المصارف بالودائع. ولن تنقذ خزينة الدولة سلسلة من الضرائب الإضافية، وبالذات «المضافة» منها.

لكن ليبقى لبنان مدى الأزمان، كما يقول نشيده الوطني، عليه أن يعتمد على نشيد فيروز «بلكي بيصحى الضمير»… والضمير هنا عائد لأهل السياسة وزعماء الطوائف، الذين تشكو ضمائرهم من «ثقل النوم»، والتي لم توقظها إلى الآن لا أحزمة داعش الناسفة، ولا سيارات القاعدة المفخخة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s