صيام عن الإبداع: الاقتباس بطل مسلسلات رمضان

كتب عبد الرحمن سلام:

اتّسم موسم رمضان 2014 الدرامي بـ”صيام” المؤلفين عن التأليف، وتحوّلهم إلى ناسخين ومقتبسين أو مجرّد مدبلجين لأفلام أجنبية شهيرة إلى العربية.

عملية الاستنساخ الدرامي العربي ليست ظاهرة جديدة، لكن مسلسلات 2014 بالتحديد خرقت الأرقام القياسية، وأصابت المشاهد العربي بحالة التباس لا تميّز بين عابد فهد وريتشارد غير.

الدراما العربية في خطر. فبعد دبلجة المكسيكي والتركي، ها هو “التعريب السهل” يصل إلى حد اقتباس نصوص الأفلام الأجنبية بالنقطة والفاصلة

مسلسل "لو" سجّل الاقتباس الأوسع، إذ لم يكتف صناعه باستنساخ قصّة فيلم "الخائنة" الأميركي من بطولة ريتشارد غير وديان لين، بل نسخوا أيضاً الأجواء الدرامية المحيطة بعابد فهد ونادين نسيب نجيم ويوسف الخال

مسلسل “لو” سجّل الاقتباس الأوسع، إذ لم يكتف صناعه باستنساخ قصّة فيلم “الخائنة” الأميركي من بطولة ريتشارد غير وديان لين، بل نسخوا أيضاً الأجواء الدرامية المحيطة بعابد فهد ونادين نسيب نجيم ويوسف الخال

.  إنها أزمة نصّ حقيقيّة، ناتجة عن افتقار بعض الكتاب القدرة على الابداع وابتكار الأفكار لخلق حياة دراميّة من صلب الواقع الذي تعيشه الأمة العربية.

شهدت دراما العام 2014 غزارة في الانتاج المصري – السوري – اللبناني المشترك، الذي حقق نسبة مشاهدة عالية، بغض النظر عن المستوى الفكري او الدرامي، او حتى الانتاجي ـ التقني. والمقصود هنا بالانتاج “اللبناني ـ المشترك” الذي تم بمساهمة لبنانية (ماديا وتمثيلا) مع شركات ونجوم من مصر.

ولأن انتاج العدد الاكبر ـ كما هي العادة منذ انطلاق الدراما التلفزيونية العربية ـ هو انتاج مصري، لا بد بالتالي من الاشارة الى ان هذه الدراما تأسست، واكتسبت هويتها، وطابعها السردي، على يد جيل من الكتاب، اتوا من خلفية سياسية واحدة، حتى وان اختلفوا احيانا حول بعض تفاصيلها، وليبقى الجامع بينهم وجهة نظر واحدة تجاه فن الدراما. من ابرز هؤلاء، الراحل اسامة انور عكاشة، ومحفوظ عبد الرحمن، ويسري الجندي، مرورا بأسماء كثيرة اخرى، وصولا الى الاجيال التي تلت، واستمرت، في غالبيتها مستظلة في ظل المؤسسين الاوائل.

لهذا، بقينا نسمع كتاب الجيل الجديد وهم يرددون في مجالسهم، ويقرنون اقوالهم بما قدموا من دراما، بتعابير جامدة، استغلها السابقون، يوم كانت تتناسب مع ظروف نشأة الدراما، وأيضا، استمرينا في سماع “الحوارات” ذاتها في كل تفاصيل اعمال كتاب النشء الجديد، الذين ما زالوا يتمسكون بمقولة “الدراما مرآة المجتمع”. وهذه المقولة مستمرة في تلخيص انتاجاتهم الفكرية.

لكن المشكلة مع هذه المقولة، ليست فقط في كونها “تغتال” الخيال، او لأنها تحاصر الابداع الدرامي بالواقع الاجتماعي المفرط، بل لأنها تسهم في عملية الاقصاء التي اصبحت سدا منيعا في وجه اي طموح يسعى الى جعل الدراما “مرآة لحياة الناس” وليس فقط “مرآة المجتمع”.  فأعمال اسامة انور عكاشة وابناء جيله من كتاب الدراما التلفزيونية، برمزيتها المعتادة، تعاملت مع “المجتمع” كطبقات واضحة، حيث كانت التوجهات، في صعود حيناً، وفي هبوط حيناً، وفي صراع شبه دائم احيانا. كما ان الاشخاص، بالاساس، في تلك الدراما، كانوا يعبرون عن افكار تمثل شرائحهم الاجتماعية، حيث ان كل شخصية لم تكن تعبر فقط عن فرديتها، وإنما تمثل “رمزا” لشكل ما، او لظاهرة ما، او حتى لطبقة اجتماعية. وكل هذه الرموز والعلاقات، كانت تتحرك، لترسم صورة عن هوية “مصر”، أو لذلك المجتمع المستهدف في الدراما المصرية، والذي من صلبه، تولدت الدراما المصرية بفضل كتاب مجبولين بطيف ثقافي ـ وطني ـ اجتماعي واع.

لنبدأ… مع ذكر الاسماء.

■ مسلسل “سرايا عابدين” الذي كتبت قصته الاديبة الكويتية هبة مشاري وأخرجه عمرو عرفة، سجّل في مقدمة “التيتر” انه “دراما مستوحاة من قصة حقيقية”. وفيها، يؤدي النجم السوري قصي خولي شخصية الخديوي اسماعيل.  هذه الشخصية، سبق ان أداها في العام 1962 الممثل القدير  الراحل حسين رياض في فيلم “ألمظ وعبده الحامولي”، ثم اعاد تقديمها ببراعة، الممثل محمد وفيق، في مسلسل “بوابة الحلواني”، ما يعني ان شخصية “تاريخية” واحدة، قدمتها الدراما المصرية ثلاث مرات، وبرغم ذلك، وجدت، في النسخة التاريخية الجديدة (سرايا عابدين) الانتقاد الكبير، حيث وصف “الامير” احمد فؤاد (ابن الملك الراحل فاروق)، في بيان اصدره في القاهرة، المسلسل المذكور، بـ”مسلسل المغالطات التاريخية التي تشوه تاريخ جد ابيه (الخديوي اسماعيل) الذي حكم مصر بين العامي 1863 و1879″، ومضيفا “ان هذا المسلسل يعتبر مهزلة تمس سمعة مصر”، و”ان احفاد اسماعيل لا يقبلون بمثل هذه الاهانات والاتهامات ولن يسكتوا عليها”.

■ وبالانتقال الى مسلسل “السيدة الاولى”، وهو دراما معاصرة، نكتشف ان بطلته الممثلة غادة عبد الرازق حرصت اشد الحرص على تجاوز رغبة المشاهدين بمقارنة جديدها بما سبق وقدمت من ادوار، وكأنها، مع كل مسلسل تلعب بطولته، تحاول الافادة من خبرة التراكمات، وان تبني عليها، وهذه من دون شك ايجابية تحسب لها. وهي في مسلسلها الجديد “السيدة الأولى” ارادت لدورها “مريم” ان يتشبه بالفعل بـ”السيدة الاولى”: اعصاب باردة… فولاذية، وعقل راجح، مدبر قادر على ضبط الهفوات وحتى منع حدوثها.

وما كان واضحا، في الحلقات التي تابعناها، هو خشية صنّاع العمل من “الاسقاطات السياسية”، وهذه الخشية فرضت بالتالي “توضيحا” في “تيتر” المسلسل الى ان الحوادث “هي من وحي الخيال وان اي تشابه مع اي وقائع مجرد صدفة غير مقصودة”.

بالمناسبة، هذا التنبيه وجدناه في “تيتر” اكثر من مسلسل في رمضان 2014 (المرافعة ـ ابن حلال… الخ).

ولأن الخيال المشار اليه، تداخل كثيرا مع الواقع المصري بعد الثورة، وجد المشاهد نفسه يبحث عن خيوط من حاضره وأمسه ليربط بها الشخوص والسرد والبعد، وليستحضر في ذاكرته سؤالا: من المقصود بشخصية “هاشم الرئيس” (لعب الدور ممدوح عبد العليم)؟ رئيس مصر الحالي الذي ـ بحسب المسلسل ـ يتعرض لمحاولة اغتيال في الذكرى الاولى لتنصيبه، فيما كان يعلن عن قرارات شعبية.

وما هي دلالات اضعاف هذا الرئيس في المسلسل المذكور، وإلى الحد الذي جعل الحكم في قبضة الزوجة “مريم”؟

اما مخرج المسلسل محمد بكير فلا شك انه وجد نفسه بمواجهة دقيقة ومهمة للغاية، جعلته بالتأكيد يتساءل: من هي بطلة “السيدة الاولى”؟ سوزان مبارك (زوجة الرئيس الاسبق محمد حسني مبارك) التي برزت في الواجهة خلال السنوات الاخيرة من حكم زوجها؟ ام هي جيهان السادات (زوجة الرئيس الاسبق محمد انور السادات) المعروف في سيرتها “ان بصّارة” توقعت لها الوصول الى منصب “ملكة”، وأصبحت في ما بعد السيدة الاولى؟

■ ومن المسلسلات الكوميدية التي وجدت اقبالا شديدا، وحققت نسبة مشاهدة عالية جدا، مسلسل “صاحب السعادة”، من بطولة النجم عادل امام، ومعه خفيفة الظل الممثلة “لبلبة”.

الواضح، ان المسلسلات التي تسند بطولتها لعادل امام اصبحت وجبة درامية اساسية على المائدة الرمضانية، منذ اعوام، ينتظرها جمهور كبير من المشاهدين، وأيضا من اهل السينما والنقاد. يعني “ابناء المهنة”. وللكل من هؤلاء هدفه من المشاهدة او المتابعة؟

وأغلب الظن ان هذا الالتزام السنوي ـ اذا جاز التعبير ـ ليس امرا سهلا على نجم بوزن عادل امام، لا سيما وانه اصبح يستعين بفريق عمل محدد، وعلى رأس هذا الفريق، المؤلف الكاتب يوسف معاطي الذي يمازحه الكتّاب الاصدقاء عندما يصفونه بـ”المؤلف الملاكي” للنجم عادل امام.  ورغم هذا “الوصف ـ المداعبة ـ الانتقاد”، فإن هذا المؤلف يثبت، مسلسلا بعد آخر، عن حس كوميدي لا ينضب، بل هو متقدم وقابل للتطور والاستمرار، حيث التراكمات الدرامية ـ الكوميدية اصبحت تملأ العديد من صفحات سجل الاثنين معاً: الممثل النجم والمؤلف الكاتب.

كذلك، يسجل حضور المخرج رامي عادل امام في “صاحب السعادة”، وهو الذي قدمه والده كمخرج منذ سنوات عدة، تميزا، فهو اثبت رؤية شبابية متجددة. اضافة الى حضور الابن الآخر، الممثل محمد، الذي يشارك هذه المرة بمساحة كبيرة، استنادا الى نجاحه في ادوار سابقة محدودة، اسندت اليه في العامين المنصرمين.

“صاحب السعادة” كمسلسل، يمكن اختصاره بـ”الضحك المجاني والنقد الاقل”، وعلى عكس ما تعوّده الجمهور من نجمه عادل امام، حيث “النقد الاجتماعي” غالبا ما كان طاغيا على اعماله السابقة، سينمائية كانت ام تلفزيونية، حيث “الضحك للضحك”، وهذه المرة، كان السمة الاكثر وضوحا في المسلسل الذي يروي حكاية اقل من عادية. لكن هذا لا يعني تراجع مقدرة عادل امام الكوميدية وامكاناته الادائية، فالعكس هو الصحيح، اضافة الى انه مستمر في ضخ “المواهب” الكوميدية الجديدة في الدراما التلفزيونية، ومن قبل السينمائية. وبالعودة الى عشرات الاعمال السابقة لعادل امام، نكتشف اسماء اصبحت اليوم ذات شهرة كبيرة في عالم الكوميديا، بعد ان شاركت الى جانب “الزعيم” بلقطة هنا او بمشهد هناك.

لقد اعتدنا، في اعمال عادل امام على كثير من الضحك المغلّف برسائل اجتماعية او سياسية انتقادية لفساد اهل الحكم، لكن هذ الحقيقة غابت عن “صاحب السعادة”، أو كانت جد خدولة، حيث اعاد البعض هذا الامر الى “فرصة” اراد المؤلف (ربما) وأيضا الممثل النجم، منحها للحكم الجديد في مصر، وليبقى هذا المسلسل، رغم صورته التي تعكس تراجع فكر الدراما التلفزيونية في مصر، كنوعية، مقارنة بالقصة، احد اقل الاعمال جودة في مسيرة المؤلف والنجم الممثل، مع الاعتراف بأنه كان الاكثر اضحاكا.

■ مسلسل “ابن حلال” قد يكون من المسلسلات الدرامية المصرية القليلة التي تنقل واقع حياة أبناء الاحياء الفقيرة الذين يعيشون على الهامش، ورغم ذلك، تجدهم سعداء، يسيرون (بحسب المثل) “جنب الحيط”، تجنبا لأذية قد تطاولهم من اصحاب النفوذ. ورغم ذلك، تصيبهم لعنة المتنفذين من دون اي ذنب ارتكبوه.

الكثيرون من الذين تابعوا احداث وشخصيات “ابن حلال” يرون ان وقائع الدراما في المسلسل، وأيضا الشخصيات التي يقدمها، معروفة لدى الكثيرين من ابناء الشارع المصري في عصر حسني مبارك، وتحديدا، الشخصية الرسمية التي قدمها الممثل احمد فؤاد سليم (صاحب السلطة الحاكم الآمر والمطاع)، وهي بدت قريبة جدا من شخصية وزير الاعلام المصري الاسبق صفوت الشريف.

ولا مغالاة ان ذكرنا ان “ابن حلال” اصاب اكثر من هدف بحجر واحد. فهو أولاً، قدم اكتشافا رائعا في عالم تجسيد ادوار “ابن البلد” الذي كاد ان يختفي برحيل الفنان احمد زكي، وجاء “محمد رمضان” بشكله، وبنيانه الجسماني، وتحركه العفوي، والكاريزما الخاصة به، ليملأ هذا الفراغ.

وهو ثانيا، قدم موضوعا من قلب الاحياء العشوائية بكل ما فيها من مآسي، حيث الاب يوافق على تزويج (بيع) ابنته، وحيدته، الصبية، من معمر ثري خليجي، طمعا بالمال، حيث الظلم يطاول الابرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، حيث السلطة ورجالها هم المتحكمون برقاب وأرزاق العباد.

وهو اخيرا، اكد ان للباطل جولة (ولو كانت كبيرة) وان للحق جولات (مهما طال الزمن)، رغم أن احداث هذا المسلسل قد تجدها “بالمفرّق” في عشرات المسلسلات.

■ يصل بنا قطار الدراما الرمضانية 2014 الى ثلاثة انتاجات مصرية ـ لبنانية – سورية: “لو” من بطولة السوري عابد فهد واللبنانيان نادين نسيب نجيم ويوسف الخال. و”اتهام” من بطولة نجمة الاستعراض الغنائي ميريام فارس، ومعها من مصر: عزت ابو عوف، حسن الرداد، احمد خليل وسواهم. ومن لبنان: تقلا شمعون، نهلا داود، فادي ابراهيم وطوني عيسى وغيرهم. ثم “كلام على ورق” للنجمة اللبنانية هيفاء وهبي، ومعها من لبنان عمار شلق وندى بوفرحات، ومن مصر: ماجد المصري، احمد زاهر، الراحل حسين الامام، روجينا.

بالنسبة الى مسلسل “لو”، فقد بات معلوما لدى كل من تابع حلقاته انه مقتبس عن الفيلم الاميركي” الخائنة” Unfaithful الذي لعب بطولته النجم ريتشارد غير (عابد فهد في النسخة العربية) وديان لين (نادين نسيب نجم).

لا جديد يمكن ذكره عن “لو” سوى ان مخرجه نجح، بالاضافات التي ضخها المقتبس (ولا اقول المؤلف)، الى مط الساعة والنصف السينمائية، الى 30 حلقة تلفزيونية، ليعالج موضوع خيانة زوجية تقع في بئرها زوجة رجل اعمال، اخذته اعماله بعيدا عنها لبعض الوقت.

“لو”، جهز له صنّاعه كل وسائل النجاح: تمثيلا، مواقع تصوير، وفريق عمل تقني و… و… ويا ليتهم وفرو له، مع كل هذه الطاقات والامكانات، القصة المبتكرة التي تتماشى بتفاصيلها وواقع احداثها، مع واقعنا الاجتماعي العربي.

■ معروف ان النجمة ميريام فارس تتمتع بقاعدة جماهيرية كبيرة، جعلت كل الانظار تتوجه اليها والى مسلسلها “اتهام”، وفيه تلعب، للمرة الأولى، بطولة تلفزيونية درامية، والجميع يتشوق لمعرفة ان كان في مشاركتها “انجاز” ام “اتهام”.

الكاتبة كلوديا مارشيليان، تبنت في “اتهام”، قضية “الدعارة” (ذكر ان العنوان الاول المقترح للمسلسل كان “للكبار فقط: مدام كارمن”.

صحيح ان معالجة القضايا الحساسة لا تغيب عن نصوص هذه المؤلفة، لكن ما يؤخذ على “اتهام” كثرة حضور البكاء والنحيب والندب والسواد. وكل هذه “المعوقات” الحاضرة بوفرة، استكملها اخراج اللبناني فيليب اسمر الذي سلط الضوء عليها بقوة.

الحوادث في “اتهام” تتسارع حيناً، وتخف حيناً، وبعض المشاهد تشعرنا احيانا بالضحك بسبب “كومبارس” متكلم لا خبرة له في التمثيل، ولم تلق ادارة تمكنه من تفادي “الاداء المنغّم”، فيما مشاهد اخرى كانت اقرب الى “كليب” منها الى مسلسل درامي، وليبقى الجو العام مقبولا، وفي كثير من الاحيان جيدا من حيث التصوير والتقطيع وسواهما من الفنيات.

ميريام، المعتادة كثيرا على عدسات “الكليب” وتقديم الاستعراض، كانت جريئة بوقوفها امام كاميرا الدراما التلفزيونية، فيما اداؤها تأرجح ما بين العفوية والصدق، والتصنّع والتمثيل، والمبالغة في التعبير، خصوصا في مشاهد الندب واللطم والبكاء. برغم انها تميزت في مشاهد التأثر حيث تجنبت “الانهيارات المفتعلة”، إلا ان صوتها المختنق كان يضيّق على انفاسنا كمشاهدين.

ميريام فارس، لم تظهر في “اتهام” كنجمة تبدّل في كل مشهد، فستانها، لكنها ايضا لم تصل الى حدود الممثلة المتصالحة مع نفسها، حيث ظهرت في احد المشاهد (داخل المستشفى) بكامل ماكياجها، وبذلك، بدت “جميلة” في “ابشع” اللحظات و… المواقف، وهذا عيب الدراما اللبنانية التي لا تهتم بالتفاصيل الصغيرة التي قد تشكل تحولا خطيرا في مسار العمل وفي تأثيره في المشاهد.

■ كثيرون ربما تساءلوا عن سبب اختيار هيفاء وهبي لتلعب بطولة مسلسل “كلام على ورق”، وهو باكورة اعمالها الدرامية التلفزيونية، بعد تجربة سينمائية ناجحة في فيلم “دكان شحاتة” المصري.

وكثيرون في المقابل، تساءلوا ان كان سيناريو “كلام على ورق” هو الذي فرض هذا الاختيار، ام ان النص تمت كتابته وفي ذهن صناع العمل اسم هيفاء وهبي، وبالتالي، تم اسكانها في دور كتب خصيصا لها، ولامكاناتها.

لكن، في الحالتين، يبقى ان شخصية هيفاء امتزجت بشخصية “حبيبة” (بطلة المسلسل) وتفاعلا معاً الى درجة التوحد الدرامي، ما اسهم في اقناع مشاهدي “كلام على ورق” ان “حبيبة” هي الوجه الآخر لـ”هيفاء”، وان العكس صحيح ايضا؟ ولا شك في ان حضور هيفاء وهبي في مسلسل تلفزيوني يشكل عنصر جذب جماهيري كبير، تماما مثل حضور زميلتها ميريام فارس في مسلسل “اتهام”.  وحضور الاثنين كان كافيا لاحتلال مسلسليهما المكانة المتقدمة على جدول العروض الدرامية الرمضانية، ولكن من دون ان يشكل هذا الحضور دفعا للفكر الدرامي التلفزيوني، حيث لم يجد المشاهد اي جديد لا في الرؤية، ولا في الفكرة، ولا في الحوارات، بل ما حدث كان العكس تماما، حيث تقاربت اجواء المسلسلين الى درجة كبيرة، ودارت اجواء “اتهام” حول موضوع “الدعارة”، فيما تمحورت أجواء “كلام على ورق” داخل “كباريه” يمارس صاحبه “تجارة الاجساد” و… على عينك يا تاجر.

فهل ان النجمتين هيفاء وميريام، من وجهة نظر صنّاع “اتهام” و”كلام على ورق”، لا تصلحان سوى لمثل هذه النوعية من الدراما؟ ام ان هؤلاء وجدوا فيهما “دجاجتين تبيضان ذهبا” كما يقول المثل الشعبي؟

الاحصائيات تؤكد ان الرأي الاخير كان المتقدم عند صناع المسلسلين، من دون ان يسقطوا من حساباتهم الرأي الاول، بدليل كثرة الشاشات العربية التي سارعت الى شراء حق العرض للمسلسلين، لمجرد انهما من بطولة نجمتين جماهيريتين، وليس لأي سبب درامي أو فني آخر؟

■ الدراما السورية في رمضان، يصح بمعظمها القول انها “نسخة طبق الاصل”.  وإذا كان “باب الحارة” قد فتح الابواب العريضة امام “دراما البيئة الشامية”، فإن سبحة هذه الدراما “فرطت” في موسم 2014، بحيث اصبح المشاهد يتابع الشخصيات ذاتها، وإنما بممثلين مختلفين. فكما في “باب الحارة” (منذ حلقته الاولى) زعيم، وعكيد، وحارس، وزبال، وصاحب مقهى، وحمام شعبي و… و…، كذلك الحال في معظم المسلسلات السورية التي تقدم “البيئة الشامية”، مع اختلاف بسيط في المضمون، ومع اجماع على فكرة مواجهة “المحتل الفرنسي”، ومن قبله “العثماني”. بل اكثر من ذلك، فإن كبار نجوم الدراما السورية الذين استمروا بالعمل داخل بلدهم، متحدين كل المصاعب التي واجهتهم، انحازوا، في غالبيتهم، الى فكرة تقديم دراما “البيئة الشامية” في رمضان 2014، وأغلب الظن ان وراء هذا الانحياز، رغبة بالتأكيد لمحاربة الاستعمار (دراميا).

صحيح ان “الفكر الدرامي” العام لكل هذه المسلسلات تمحور حول موضوع واحد، وإنما “الاختلاف” الذي ميزها كان في “تنوع” القصص، وتناسقها مع واقع وحقيقة حدوثها. فـ”الزعيم” في “باب الحارة” ـ في كل اجزائه ـ هو مختلف شكلا ومضمونا عن زعيم “طوق البنات”.  و”عكيد” “باب الحارة” هو غيره، في سلوكه وغيرته على حارته وأبنائها، في “الغربال”.  و”حارس البوابة” في “باب الحارة” كان تقليديا، فيما هو في المسلسلات الشامية الاخرى التي دارت في الاجواء ذاتها، مختلف، وصاحب حضور فاعل.

خلاصة القول، ان الانتاج الدرامي السوري، لم ينوّع في منطلقات افكار مسلسلاته في رمضان 2014، ولكنه بالتأكيد، قدم “الحارات” الشامية، من وجهات نظر متعددة، وكذلك قدم شخصيات هذه “الحارات”، الرئيسية، بأشكال متعددة وغير نمطية، وليبقى الغائب الاكبر عن الدراما السورية في هذا الموسم، الدراما الاجتماعية المعاصرة التي سجلت في الاعوام السابقة حضورا لافتا، ولعل السبب، كما ذكرنا، هو تفاعل الانتاج السوري، والفنان السوري، مع الواقع المعاش على الارض.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s