محمود النجار: القلب البديل غربة الوريد عن الجسد

حوار غادة علي كلش:

 يعيش الكاتب العراقي محمود النجار، ومنذ زمن ليس بالقصير في هولندا. أي وسط حياة المجتمع الأوربي بكل فئاته.  هو شاعر واعلامي أيضا، وعضو إتحاد الكتاب والشعراء الهولنديين .شارك في الكثير من الأمسيات الشعرية العربية- الهولندية المشتركة . وتمت ترجمة الكثير من أعماله الى اللغة الإنكليزية والهولندية وبعض اللغات الأخرى . روايته الأخيرة” القلب البديل” التي صدرت عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” تخط سيرة صراع بين الحياة والموت، وتروي سيرة غربتين. حول هذه الرواية  كان “للكفاح العربي” مع  محمود النجار الحوار الآتي:

* تغدو معادلة البديل في روايتك الأخيرة” القلب البديل” أبعد من تجريد الفعل أومن تفريد الإجراء. كأنما البدائل تستقيم في ثلاثة أبعاد: الموت/ الحياة وما بين الموت والحياة.هل يمكن اعتبار روايتك هذه مرثية إشكالية بطلها وضحيتها في الوقت عينه القلب؟

– قد تكون  روايتي  هي من الأعمال القلائل التي استطاعت أن تكتب عنوانها منذ الوهلة الأولى وأن تتمسك به كعنوان دائم لعمل روائي وجد له مكاناً بين الكتب ولم تتنازل عنه ، وقد أضحى عنواناً ثابتاً لا بديل له وهو القلب البديل ، مثلما اختطت ونقشت حروفها الأولىبنفسها على قمة أسطر فصولها.

نعم استطيع القول بأن رواية القلب البديل  ،هي أبعد من أن تتلخص بالحديث عن عملية كبيرة ومعقدة ، إلا وهي عملية زرع القلب. هي بالفعل مثلما تفضلت بسؤالك ، أبعد من تجريد الفعل وفرادة الإجراء وتفاصيله ، فهي تحمل في طياتها الكثير من الأبعاد الانسانية ، واستطيع القول بأن الرواية تتحدث عن إنسان بصورة قلب وقلب ينبض بلا تناغم وبوجعٍ لا تضبط إيقاعاته أية قواعد تذكر ، لكنه أصر على أن يبقى إنساناً ومعطاءً وكان على يقين أن يلتقي برفيق يحبه ، ليتبادلا الحياة معاً . فإن الواهب ودع قلبه والمستفيد اِحتضن القلب ورحب به واِنتعش بالأخذ والعطاء بذات الوقت ، وبهذا صنعا معاً سمفونية الحياة مع اليقين الوافر والركون بعض الوقت تحت الرعاية الإلهية بمرحلة غيبوبة قلقة على ضفاف الموت. وهي كما أشرت إليه حضرتك في سؤالك وفي شقه الثالث بالتحديد، بأنها مرثية بطل القلب ذاته .

* السرد في فصول الرواية، يرتقي بالمكنون الصوتي الداخلي،إلى سيرة من نوع آخر- ان صح التعبير- سيرة لا تخلو من صدى النبض والدماء،ولا من يوميات الحياة البديلة. ما هي البوصلة الفنية التي استخدمتها كروائي وشاعر،في استجواب ايقاع الأوردة؟

– بالفعل بدأت الكتابة مثلما أسلفت من قبل ، منذ الاستيقاظ الأول من الغيبوبة التي سافرت بها الى ضفاف العالم الآخر والعودة للحياة ، عالم الموت وضفاف السَكينة لعدة أيام ، ومنذ تاريخ العودة ولحظاتها الأولى والإنتباه لما يدور من حولي واستقبالي للحياة الجديدة بتلك الدهشة المغموسة بالوجع والفرحة التي حاول العقل أن يؤجلها، لهذا حاولت توثيق الكثير من الحالات الإنسانية ومحاولة لتقديم الشكر لمن وهبوني الحياة وأعادو لي البسمة التي نسيت طرائقها وملامحها منذ زمن طويل، وهم مجموعة متكاملة .إنها القدرة الإلهية والواهب الإنسان الذي تبرع بقلبه ، أما عن البوصلة الفنية ، أظنني حاولت أن أنقل تجربتي الحياتية بطريقة سردية وإيصال رسالة معنونة عن واقع حياتنا العربية ، ولهذا حاولت جاهداً إدخال ما استطعت من الواقع الحقيقي ومخاضات حيوات إنساننا العربي، محاولاُ التطرق بطريقة مبسطة  الى طفولتنا وما مرّت به من براءة وقساوة وألم وصولاً لمرحلة الشباب الذي عانى ويعاني من حرائق الحروب وارهاصات الحرمان والكبت . حاولت من خلالها إيصال رسالة للقارئ أينما كان عما يدور في حياتنا العراقية والعربية وعما يدور بالجانب الآخر من الحياة وهي حياة الاغتراب وحياة التطور الغربي. نعم  حاولت أن تكون الرواية وبوصلتها عبارة عن خلطة إنسانية خالصة تحمل الكثير من الألوان والشخوص الحياتية التي تصادفنا ونتعامل معها .

* ثمة غربتان أساسيتان في الرواية. غربة البطل عن قلبه. وغربته عن وطنه. هل يخاف المرء برأيك من خسارة الوطن أكثر من خسارة القلب؟ ولا ننسى ههنا أن البطل حاول في الماضي وهو في بلده أن ينتحرمع صديقيه؟

– هناك غربتان قاحلتان ، من المؤكد إن الغربة الأولى هي غربة الوطن والتي قاربت على العقدين من الزمن وأدمن عليها بطل الروايةبكل مراراتها وعقمها ، بل إعتبرها انتصاراً للحياة وجهاداً ، إرتحل بقلبه المتعب باحثاً عن عشبة الحياة المفعمة بالصحة والكرامة ، وهاهو يظفر بها بآخر المطاف ، فلو إنه تقاعس وبقي في وطنه الأم ، لقضي أمره منذ ما يقارب العقدين من الزمن ، وهذا ما أشار اليه وما مرّ به وسجل معاناته بين فصول الروايه من موت محقق قبل هذا البديل الناقذ والمخلص، أما غربة القلب عن البطل أو العكس، فأنها حقيقة طبية وعلمية وربانية ، فليس من السهل تطابق الأنسجة ورضوخ القلب لحاضنة جديدة بعد مرور أكثر من اربعة عقود ونيف ، لهذا كانت مرحلةالترويض صعبة وعملية معقدة ، تلك التي نشأت بين القلب والجسد ومحاولة تطويع وقبول أحدهما الآخر ،ولم تمر تلك العملية بسهولة ، وقد حدثت بعض الانتكاسات الصحية المتفاوتة ، لولا رعاية الله والرعاية الكبيرة من قبل الأطباء ، بالأضافة إلى العقاقير الباهظة الثمن ودعوات الأهل ودموع الوالدين والأخوة والأخوات .. أما المقاربة بين خسارة القلب وخسارة الوطن .. فكلاهما خسارة موجعة وتعني ” لا الحياة ” ، ولولا الوطن والقلب لما وجد للبطل أو القلب أي نبض يذكر ، أما الحديث عن محاولة الانتحار للطفل اقصد البطل في طفولته ، لهو دليل قاطع على شخصية البطل القوية وعدم تقبله للخسارة بسهولة وهذا ما انعكس على طريقة حياته والنجاحات الكثيرة رغم الكبوات خلال مسيرته الطويلة ، وما تحمله شخصيته من عناد واصرار على الوصول لغايته ، كان هو الدافع القوي على اتخاذه قرار إجراء العملية بمفرده وكان لديه القناعة الكاملة على النجاح واصرار كبير على الاستمرارية والتشبث بالحياة .

* تشهد بلادنا العربية تاريخا مفصليا مخيفا. كيف تتفاعل شخصيا مع هذه التحولات الدراماتيكية في العراق بشكل خاص؟

– لم أنفصل يوماً عن قضايا بلدي وبقية البلدان العربية، بل أن جميع النشاطات التي قمت بها من خلال مؤسستي الثقافية التي انشأتها عام 2010 ” مؤسسة أوطان الثقافية في لاهاي ، كانت تصب في غالبية انشطتها برسم الصورة الجميلة والحقيقية أمام المتلقي الأوربي، أما كيفية التعامل مع التحولات والأفكار والأفعال التي تدور في العراق ومنذ زمن ليس بالبعيد ، فأنه شيء يبعث على الحزن والقلق والخيبة وهي العقبة التي هزمت على جدرانها كل أحلامي ،وليس هناك الشيء الكثير الذي أفعله ، إلا الإلتزام الأخلاقي والصبر لقلمي ودعم كل مافيه خير لبلدي وشعبي من خلال القصيدة والرواية وما تطلقه أناي على منابر الأمسيات والمهرجانات الشعرية والأدبية، محاولاً نشر الخير والتحدث عن نعمةالأمان وصون ديمومة التعايش بهذه الحياة ، محاولاً إيقاد شمعة أمل أمام كل ما أراه وألمسه من تراجع سريع إلى زمن اللاستقرار واللاوعي والجهل والتخلف والقتل والدمار العشوائي الذي تمر به بلداننا العربية بصورة عامة وما يمر به العراق من خراب على وجه التحديد .

* كونك أيضا على تماس ثقافي مؤثر وفعال في هولندا، كيف تقوّم لنا فنون الآداب الهولندية،علما أننا لا نسمع الكثير عن الشعراء والكتّاب الهولنديين؟

– هناك في هولندا حراك ثقافي وأدبي دؤوب يكاد لا يتوقف على مدار السنة ، وحب الهولنديين للشعر وللرواية كبير ، بل أستطيع القول إن الغالبية العظمى منهم مازالوا متمسكين بشئ جميل قد نفتقر إليه في عالمنا العربي، ألا وهو القراءة المستمرة وحب الاطلاع على ثقافات العالم المختلفة، وهذا ما يجعلهم متقبلين وبرحابة صدر لثقافة الآخر والتعاطي معه، وإعطاء الفرصة للاستماع والاستمتاع ،في الوقت ذاته دعم المبدع أو المثقف من خلال توفير الكثير من مستلزمات النجاح وتطوير موهبته وقدراته الفكرية والأبداعية الأخرى، قد يختلف إنتاجهم الأدبي عما قرأناه سابقا من صور ومتغيرات وفلسفة وبحوث ورسائل ، تلك التي عاقرت وتزامنت ازمنة الحروب والتحولات السياسية والثقافية والمادية والوجودية، لكن أوروبا الآن وهولندا على وجه التحديد ، تمر ببعض البحبوحة الفكرية والهدوء الفكري والانساني، فغالبية كتاباتهم أخذت تتغنى بمرحلة الشباب والغنج والتي تحاكي البيئة ومفردات الطبيعة وألوانها والإنسانية ومفردات الحب المستريحة الخالية من العذابات والفراق وقسوة الأهل والشوق.. أما عدم سماع الكثير عنهم ، وذلك لاتساع الفجوة الفكرية بين ما تمر به ثقافتنا وبلداننا العربية وبين بحبوحة الثقافة والتقدم الذي يمرون به ، وبين ما تمر به امتنا من تراجع ومآسي وحروب وعدم الأهتمام بثقافات الآخر ، بالأضافة إلى صعوبة اللغة الهولندية ومحدودية مفرداتها ومستخدميها وعدم تداولها بشكل كبير خارج حدود هولندا ، ومع كل هذا  قدمت كما هو شأن عدد من المثقفين في الخارج  على صعيد التفاعل وتمازج الثقافات في أكثر من عمل عربي هولندي مشترك ، نشاطات عدة، وآخرها الإحتفالية التي أقامتها مؤسستنا ” أوطان ”  بالتعاون مع مسرح داكوتا  بمناسبة مهرجان الشعر العالمي والذي شارك فيه عدد من الشعراء الهولندين واذكر منهم ، اديث ده خلده وفرانس تيركن وخيرت فينامه وبريوني بورنس وآننا ديوريس واليزابيث دي بليكورت وغيرهم كثر.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s