لبنان الممزق: الجيش يخوض معركة سياسية بين “الممانعة” و”الامتناع”

كتب المحرر السياسي:

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ليس الفراغ الرئاسي سبباً وحيداً لظاهرة انهيار الدولة في لبنان، فالأسباب المختلفة تتوالد بسرعة أفقدت، ما تبقى من مؤسسات، القدرة على المعالجة الجدية.

مجموعة من العقد والأزمات تتراكم فوقها عقد وأزمات جديدة. وعند التدقيق تتساوى جميعها باحتلال مرتبة الأولويات. فعقدة عرسال مثلاً، لا تقل أهمية عن أزمة الفراغ الدستوري. وأزمة الفراغ شديدة الارتباط بالأزمة السورية.

وأخطار داعش لم تلغِ خطر عدم إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وعدم إقرارها نتجت عنه فضيحة إفادات الثانوية العامة.

وخطف الجنود وأفراد من قوى الأمن، لم يهز معنويات الجيش فقط، بل يهدد بالانسحاب على القضاء، عبر مساعي مبادلة المخطوفين بقيادات من المتطرفين المسجونين في سجن رومية. والإفراج عن المتطرفين لن يفرج عن الاستقرار الأمني المهدد، باعتراف الدولة نفسها، بخلايا داعش وأخواتها النائمة شكلاً والمستيقظة فعلاً.

وكل هذه العقد تتضاءل أمام عقدة العطش التي تهدد اللبنانيين، في دولة لا تعرف سياسة درء الأخطار قبل وقوعها، ولا بعد وقوعها.

ولا تغيب أزمة ألف مياوم في اختلاق أزمة التعتيم الكهربائي، الذي بات يكلف المواطن أكثر من نصف دخله ثمناً لتشغيل المولدات الكهربائية تحاشياً لتلف الأغذية، والغرق في بحر من العرق، بسبب الحر الشديد والرطوبة الأشد.

يضاف الى كل هذه الأزمات الأمنية والاجتماعية، الغلاء المتصاعد في أسعار السلع، وهو أمر لا يستطيع المواطن تحمله، ولا قدرة للدولة على مواجهته والحد منه.

المصالحات المستحيلة

الى جانب كل هذه العقد والأزمات المستعصية يعيش لبنان عقداً وأزمات سياسية أشد استعصاءً. فالمصالحات بين الفرقاء لم تزل محصورة بشكليات يقوم بها النائب وليد جنبلاط، وما زال المتصالحون معه، (حزب الله وعون وفرنجية)، يعتبرونها شكلية ولا يأخذونها على محمل الجد. أما المصالحات المجدية فهي تنتظر مصالحات إقليمية، من المؤكد أنها بعيدة المنال. فمصالحة «تيار المستقبل» و«حزب الله» تحتاج الى علاقات بين السعودية وإيران ما تزال عالقة في حرب حكومة اليمن مع الحوثيين، وفي الحراك الشيعي في البحرين، وفي الهيمنة الإيرانية على العراق، وفي التداخل والتدخل في الأزمة السورية الحادة والممتدة في المجهول.

وعندما تغيب هذه المصالحة، التي بمقدورها وحدها كسر حدة الخلافات السياسية والمذهبية في لبنان، تصبح الاستحقاقات الدستورية، ما مضى منها، أي انتخاب الرئيس، وما هو آت، أي الانتخابات النيابية، مجرَّد استمرار في تعطيل الدستور وضرب أسس الديمقراطية في بلد يدعي دائماً أنه الديمقراطي الأول في منطقة امتلأت بالديمقراطيات المشبوهة والمشوَّهة.

الجيش أولاً

في خضم هذه التراكمات غير القابلة للعلاج، يبرز موضوع الجيش كمؤسسة حية بين مؤسسات تحتضر، وتنتظر ما هو أكبر من الفوضى ليجري دفنها.

لا شك في أن اختطاف مجموعة من أفراد الجيش وقوى الأمن الداخلي، شكل عبئاً على معنويات الحارس الأخير للوطن. ويبدو أن هذه القضية تتجه الى التصعيد الأعمى وسط تسليم بمبادلة بين المخطوفين والمتطرفين، وبين رفض للمبادلة، وحتى لمبدأ التفاوض تحت ذريعة الحفاظ على هيبة الدولة… حتى ولو كان ذلك على حساب هيبة الجيش الذي حشر في زاوية الانقسام السياسي حول هذا الموضوع الشديد الحساسية. إذ أن توالي عملية ذبح المخطوفين العسكريين، لن تهتز بسببه هيبة الجيش بل ستهتز معها معنويات الجنود والضباط الذين وجدوا أن الدولة وقواها السياسية لم تفعل شيئاً لرفع سكين الجزار الداعشي من فوق رقاب رفاقهم.

وكذلك يقع الجيش مرة أخرى أمام القرار السياسي المنقسم على نفسه، فلا هو قادر على ترك عناصره للذبح البشع، ولا هو مسموح له الدخول في مغامرة عمليات عسكرية لإنقاذ رفاق السلاح، نظراً لما قد تحمله هذه العمليات من تطورات وتورطات في الأزمة السورية.

وهكذا تكون الدولة قد وضعت أهم مؤسساتها تحت خيار مقصلة الذبح الداعشي أو العجز الحكومي.

وسط هذه المخاطر لا يجد الجيش إلا طبقة من «المطربين» الذين يغنون له الأناشيد الحماسية، في حين أن طبقة السياسيين لا تنسى، وهي تدفعه الى المأزق الكبير، من الاشادة به وبقياداته، من دون أن تتوقف عن تشييد الأفخاخ المتفجرة في طريقه.

في ضوء هذا المأزق اللبناني الأكبر يبرز دور الرئيس سعد الحريري في توفير الدعمين المالي والتسليحي عبر مساعيه السعودية والروسية. لكن ماذا تفيد الإمكانات، إذا كان جيشنا المتمكن، معطل بالخلاف السياسي حول دوره، حيث منهم من يريده «ممانعاً»… ومنهم من يريده «ممتنعاً».

التكاذب الديمقراطي

المشكلة في أزماتنا المتراكمة والمعقدة، كثرة الوصفات الدوائية التي يقدمها السياسيون لشفاء لبنان منها. والمصيبة الفاضحة أن أصحاب هذه الوصفات هم أنفسهم من يمتنع عن تناول هذه الأدوية.

آخر دواء لفك الاستعصاء الرئيسي في البلاد، أي انتخاب الرئيس، كان في مبادرة 14 آذار، التي تقضي بالتخلي عن عون وجعجع، كمرشحين استفزازيين، وبالتالي البحث عن مرشحين آخرين ينتمون الى الاعتدال، أو الى ما يمكن وصفه بالمنحاز المعتدل، سواء كان الانحياز الى «8 آذار»، أو كان لـ«14 آذار».

لكن هذا الدواء سرعان ما سحب من الصيدليات السياسية بقرار من التيار الوطني الحر، وبذلك وجد اللبنانيون أنفسهم أمام معاناة يصح فيها القول: «فالج لا تعالج».

والخوف، كل الخوف، من أن تكون نهاية تراكم مثل هذا الكم من الأزمات، وقوع الانفجار الأكبر الذي يجعل اللبنانيين ينسون انتخاب الرئيس والنواب، وينسون كذلك المخطوفين وسلسلة الرتب والرواتب وانقطاع الكهرباء وشح الماء… ويكتفون فقط في البحث عن ملجأ آمن.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s