ضحايا

بشكل عام فإن من يسعون للتضحية بحياتهم في سبيل الغير هم من الندرة في عالمنا المعاصر، وهم من المميزين الذين يمتلكون وعياً عميقاً وإحساساً كبيراً تجاه المبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية، وهم من المتخطين للإغراءات الحياتية ومباهجها الآنية. إنّهم من صفوة الناس الذين يهبون أعمارهم للآخرين عندما يتطلب الأمر ذلك، وهذا أغلى وأعلى وأكبر ما يقدمه الإنسان على الإطلاق، خصوصاً إذا جاء عن اقتناع راسخ وإيمان شديد للقيام بالتضحية.

لقد كانت اليابان تنمو بمعدلات تفوق أعلى المعدلات التي حقَّقتها الصين، وكل ذلك بعد عشرين سنة فقط من هزيمة اليابان في الحرب وكارثة هيروشيما وناغازاكي المدينتين المدمرتين بالقنابل الذرية.

منذ أسابيع كَتَبَت صحيفة “الفايننشال تايمس” خبر نعي مؤثِّر لرجل ياباني، مع أن هذه الصحيفة لا تدرج نعي أي شخص ما لم يكن مميزاً بمقاييس عالمية، والواقع أن هذا الإنسان كان في غاية التميُّز وخير مثال على التضحية من أجل أمته ومجتمعه.

لقد كان هذا الرجل البالغ من العمر 58 عاماً رئيس المهندسين في محطة “فوكوشيما” النووية التي أصابتها أضرار جسيمة قبل سنتين جرّاء الزلزال الذي ضرب المنطقة. آنذاك تخوَّف الرجل وفريقه المؤلف من أربعين مهندساً من انفجار المفاعل النووي ما لم يتوصلوا إلى خفض منسوب حرارته، وذلك بالتبريد بواسطة مياه البحر، وكان عليهم قبل توافر جميع وسائل الحماية والوقاية القيام بعملهم مع ادراكهم التام الذي لا يقبل الشك انهم سيصابون بالسرطان القاتل بسبب الانبعاثات النووية من المفاعل المذكور.

خاطر جميع أعضاء الفريق وعلى رأسهم الإنسان الذي نعته “الفايننشال تايمس”، وتوصَّلوا إلى منع انفجار المفاعل، الأمر الذي كان سيودي بحياة آلاف اليابانيين المقيمين في دائرة يبلغ قطرها كيلومترات حول المفاعل. وربما أكثر ما يستثير الاعجاب والحزن في آن معاً أن هذا الرجل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة كان يقول: “إني أموت مرتاح الضمير… وحان وقت الرحيل..!”.

كذلك فإن رفاقه أيضاً ماتوا، أو هم يموتون من دون ندم أو تحسُّر فقد أدُّوا واجباتهم ووهبوا حياتهم عن اقتناع ورضا لينقذوا الآلاف من أبناء شعبهم.

بالمقابل يشهد العالم العربي اليوم صراعاً دموياً وميلاً جارفاً لإلغاء الآخر والقضاء عليه، حيث لا معنى ولا جدوى لمفاهيم التضحية وصفاتها النبيلة، فكأن موت الآخر هو المطلوب، والتضحية هي بالبشر والحجر وبألآف الأطفال والنساء.

أما التضحية في سبيل بقاء الغير، فهي غير التضحية بالغير، ولهذا فقد كَثُرت “الضحايا” في كل مكان وعلى جميع الأصعدة وتراجعت الأخلاق وانعدم الحسّ الإنساني، وأصبح الفساد مرض العصر الأول!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s