شهداء على أبواب جهنّم

isis knifeأغلب شهداء هذا الزمن، لا هم أحياء، ولا هم عند ربهم يُرزقون.  فميليشيات “الثورات الإسلامية” متعاقدة مع جهنّم ولديها وكالة حصرية بتصدير الإنتاج المحلي إليها.

من دون الدخول في براعة “المشايخ” في تفسير نصوص القرآن والسنّة غب الطلب ووفق المطلوب، فإن ما يجري في وطننا العربي من ارتكابات، بعيدة عن سماحة الإسلام ورحمته، هي ارتكابات تسقط صفة الشهيد، إلا عن أبرياء قتلوا في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ولأن “دم المسلم على المسلم حرام”، ولأن “لا إكراه في الدين”، ولأن “لكم دينكم ولي دين”، ولأن “القاتل والمقتول في النار” … لكل هذا لا بد أن الجنّة تشكو في هذا الزمن من الكساد والقلّة، في حين أن جهنّم تشهد ازدحاماً وإقبالاً لم تعرفه من قبل.

آن أوان المصارحة للكف عن تداول الرشوة المزيّفة، وبالتالي، توزيع لقب الشهيد على مقتولين، هم قتلة بشّرهم الخالق بالقتل ولو بعد حين.

على كل، ليست هذه القضية التي تشغل البال.  إذ ليس المهم معرفة مقر القتلى فيما إذا كان الجنة أو النار … أو بئس المصير.

المهم أن الأمة العربية مقبلة على انتحار جغرافي خطير.  وأن صوت الحكمة أضعف من أن يصل إلى آذان مجتمعاتنا الصماء، بفعل أصوات القذائف والصواريخ والرصاص وصيحات التكبير المعبّأة بالكفر، حتى ولو أخذت لهجة الإيمان.

ولما كان “جحا أولى بلحم ثوره”، فمن باب أولى أن نقتصر هذا المقال عن الثيران الهائجة في كل مكان في لبنان.

ومن الظلم أن نحصر الهيجان بثيران الإرهابيين، ونتستّر على هيجان السياسيين والمذهبيين والإعلاميين … وكل من هبّ على أخيه ودب، كالدابة، في طريق الفتنة.

إن سياسة “عضّ الأصابع” المتبادلة بين فريقي آذار، قد تنتهي، لا سمح الله، إلى بتر أصابع الفريقين، وبالتالي لن يجد لبنان اليد التي تُسقط في الصندوق ورقة انتخاب رئيس الجمهورية، أو أوراق انتخاب لوجبة جديدة من نوابه القدامى.

وفي هذه الحالة، طبعاً، لن تتوافر اليد التي توقّع على قوانين السلسلة والميزانية وتنظيم وضع النازحين السوريين … و … و… .

لا بد لتفادي انهيار البلد، من سحب الأيدي من معركة “عضّ الأصابع” ومحاولة مد الأيدي لتتضافر الأصابع في إنقاذ لبنان، بدل استمرارها في اللعب بمصيره  … وبقفاه.

سامر الحسيني

ريتا حايك أكثر من مقدّمة

عبد الرحمن سلام:

صحيح ان مسرحية “كعب عالي” شكّلت علامة فارقة في مسيرة الممثلة ومقدمة البرامج الشابة ريتا حايك، لكنها ليست الخطوة الوحيدة التي أهلّتها لتبؤ المكانة التي هي عليها اليوم.

في الحوار التالي، اضاءة على المشوار، في مجالي التمثيل والتقديم.

■ أول سؤال يتبادر الى الذهن هو لماذا صُنِّفت مسرحيتك “كعب عالي” التي أعطتك شحنة فنية ـ جماهيرية، “لمن هم فوق الـ18″، كما ورد في اعلانات التلفزة؟

– أمر غير مفهوم حقيقة، وهي المرة الأولى التي يصنّف فيها عمل مسرحي لمن هم فوق الـ18. لقد حاولت أن أفهّم الرقابة بأن المسرحية لا خروج فيها، وأنها تشبه واقعنا وتنقل بشفافية حياة الأزواج، كما ترسم علاقة الرجل بالمرأة بكل صورها: من حميمية وتحرش جنسي وخلاف في الرأي ومصالحة، وأعلنت أن كل هذا وارد في الحوارات والمشاهد التي تقدمها المسرحية. وأعتقد أن الرقابة، ولأنها لم تتمكن من حذف أي حوار أو مشهد حرصاً على مضمون المسرحية، صنفتها، وهذه سابقة لافتة برأيي وذكية في الوقت نفسه، ما يؤكد بالتالي أن الرقابة بدأت تتعاطى مع الأعمال الفنية، المرئية خصوصاً، بوعي، مع حرصها على تفادي كل ما يمكن أن يؤذي المجتمع اللبناني متنوّع الثقافات والأديان.

■ هل وصلك ثناء زميليك في العمل عمار شلق وطلال الجردي على أدائك؟ هل سمعت كلامهما عنك؟ وما ردك عليهما؟

– نعم… سمعت ما قاله الزميلان، وأنا في غاية السعادة لأنني شاركتهما العمل كونهما مدرسة حقيقية في التمثيل العفوي، الذي يدفع بالمشاهد الى معايشة العمل، وهذا ما هو مطلوب. اضافة الى أنني فخورة في الوقت ذاته في رأيهما فيَّ وأعتبره شهادة، لأنني، بخبرتي المتواضعة، تمكنت من التفاعل معهما بصدق. وأعترف أنني وقعت في غرام النص الذي كتبه جاك مارون، ولذا لم أتردد لحظة بالموافقة على المشاركة في المسرحية، وتحديداً في لعب الدور.

■ زميلتك كارول الحاج، ذكرت في حديث صحفي أنها “أحبت تمثيلك لأن ليس فيه تمثيل”. وكانت بذلك تشير الى عفويتك.

– أشكر الزميلة كارول على اشادتها الرقيقة، وأنا أحبها كممثلة، وسبق أن تابعتها في برنامج “رقص النجوم” حيث لفتتني عفويتها، وصدق مشاعرها. وهذه مناسبة لأعلن أنه لو سنحت لها الفرصة بلعب الدور لكانت بالتأكيد ابدعت فيه و… ربما أكثر مني، وأنا، أؤمن بالحظ، والفرص، والزميلة كارول شاهدت المسرحية، وحادثتني في الكواليس، وأبدت بصدق سعادتها بالدور الذي أديته، وهذه الشهادة زادتني شعوراً بعبء  المسؤولية لأنها متأتية من ممثلة محترفة.

■ ريتا حايك… هل تعتقد أن المسرح اللبناني يعاني نقصاً في كتابه؟ وإلا لماذا اللجوء الى الاقتباس في معظم ما نراه على المسرح، ومن ذلك “كعب عالي”؟

– لا اعتقد أن “المسرح” يُختصر في مجتمع محدد، أو مُحدّد ببلد أو بيئة معينة، وأرى أن الكل على وجه الأرض يعيشون المشكلات ذاتها… أما عن الكتّاب المسرحيين، فهم موجودون عندنا لكنني لا اعرف اسباب ابتعادهم عن العمل الخاص بهم وأجهل بالتالي لماذا يفضلون، عبر الاقتباس، إلباس رداء المجتمع اللبناني للعمل الأجنبي، ليشبه واقعنا.

■ من اعمالك الدرامية التلفزيونية، نتذكر بكثير من الاعجاب، دورك في مسلسل “آماليا” وفيه لعبت دور “نورما”، الفتاة الوصولية… ولأنني أعلم أن هذه الصفة ليست فيك على الاطلاق،  اسألك ما الصعوبة في تجسيدك لدور لا يشبهك؟

– بداية، أشكرك على هذا الاطراء، وهذه حقيقة، فأنا أبعد ما أكون عن “الوصولية”، إلا أنني أعتبر اسناد الدور لي تحد حقيقي لأنني بالفعل اؤدي دوراً لا يشبهني. دور “نورما” لفتاة وصولية لا تجد مشكلة في تقديم تنازلات كي تصل الى هدفها. البعض رأى فيها شخصية “سيئة” والبعض رأى فيها “ضحية” بيئتها غير المستقرة، ولذلك، لا يمكن الحكم على الشخصية من دون فهم كل الخلفيات.

■ هل تعتبرين ان نجاحك في مسلسل “آماليا” ثم مشاركتك في برنامج السباحة Splash شكلا مفترقاً جديداً في مسيرتك التي تطورت وأوصلتك الى ما أنتِ عليه اليوم؟

– أنا أؤمن بأن كل نشاط فني مدروس أقوم به يشكل لي خطوة للأمام، مع الاعتراف بأن كل ما ذكرته في سؤالك شكل لي سلسلة متكاملة ومتماسكة أوصلتني الى حيث أنا اليوم.

■ وهل نتوقع أن نشاهدك في برنامج “رقص النجوم” في موسمه الثالث؟

 كل شيء وارد… حتى اللحظة، لم أفاتح بالموضوع، وفي الوقت ذاته لا مانع عندي من خوض التجربة، بشرط أن تسمح ظروفي الانسانية والمهنية.

■ كنت ضيفة الفنان عادل كرم وبرنامجه “هيدا حكي” في الدورة السابقة. وكما لاحظ المشاهدون، فإن مقدم البرنامج (وهو زميل لك وفنان) لم يتردد في استفزاز عفويتك الى الحدود القصوى، وأنه، في بعض اللحظات، لامس “الخطوط الحمر” اذا جاز التعبير؟

– شخصيا، أحببت الحلقة وهي جمعت بين الجدّ والمزاح والغزل والفكاهة و… الجرأة… أنا لم أنزعج من أي سؤال طرحه عليّ عادل، ولم أتضايق من مزاحه لأنني أصلاً أحب من يستفزني، طالما أن هذا الاستفزاز يحرك ذكائي في الاجابة، وفي السيطرة على الموقف، وعلى التحكم بالأمور بالشكل الذي أريده أنا، وهذا ما حدث، بدليل عدد الاتصالات التي وصلتني في اليوم التالي لعرض الحلقة، وكلها افرحتني ومنحتني طاقة وقوة.

■ تخوضين اليوم تجربة فريدة وجديرة في مسارك الفني عبر اطلالتك كمقدمة للبرنامج العالمي “يلا نرقص” So You Think You Can Dance عبر شاشة MTV اللبنانية. فماذا عن التجربة؟ وأهمية دورك فيه كمذيعة… مقدمة للمواهب المشاركة؟

– اسمح لي أن أعترف بأنني كنت من اشد المعجبين بالبرنامج بنسخته الأميركية، وأيضاً، بمقدمته “كات ديلي”… وكنت، في قرارة نفسي، أتساءل: لماذا لا يتم استقدام هذا البرنامج الى لبنان أو الى البلدان العربية؟ وعندما عرض عليّ تقديمه، شعرت بسعادة فائقة تغمرني، أولاً بسبب تحقق امنية استحضار البرنامج الى لبنان، وثانياً لأن حلمي تحقق كذلك بالعمل مع المخرج باسم كريستو والمشرفة على البرنامج جنان ملاط، وثالثاً، لأنني سأطل عبر شاشة MTV. برنامج “يلا نرقص” يشبهني، ولذا أحبه وأشبّهه بـ”الأدرينالين” الذي يحرّكنا.

وتعلق ريتا حايك: ان ضغط البث المباشر حولته الى قوة بدلاً من التردد أو الخوف، وبذلك حافظت على رباطة جأشي عندما حدث ما لم يكن في الحسبان في الحلقة الاولى المباشرة، حيث اوقف العطل التقني بث صوتي. وفي تلك اللحظات، كنت فقط افكر بالمجهودات الكبيرة التي بذلناها كلنا، كفريق عمل واحد، فنانين وفنيين، حتى وصلنا الى الحلقة المباشرة. كنت أرى المتبارين الراقصين والتعب الكبير الذي قدّموه. وكنت أستعيد في ذاكرتي تعب بقية فريق العمل، ولذا، أدركت على الفور أن أقل ما يمكن أن أسهم به في مثل “الورطة التقنية” الطارئة، هو ضبط اعصابي والتحكم بالتوتر وتحويله الى حماسة مضاعفة.

■ هل نغوص قليلاً بالتفاصيل؟ خصوصاً وأن “البعض” افترض ان في الأمر “تخريباً”؟

– أرفض هذه المقولة باصرار، وأعتبر أن الذي جرى يمكن أن يتكرر مع اي برنامج وعبر اي شاشة، وأن مثل هذه الأمور اشبه ما تكون بـ”عوائق” لا يجوز التوقف عندها. وان الأهم، هو كيف نتعامل معها، ونحن عرفنا ذلك وأكملنا الحلقة بشكل هادئ وطبيعي.

■ هل ساورتك الهواجس قبيل تقديم البرايم المباشر الاول؟

– كنت حاطة “إيديي بمي باردة”.

وتضيف: كنت واثقة انني اعمل مع محترفين.

■ ريتا حايك… هل من صلة سابقة بينك وبين الرقص؟ وان كان الامر كذلك، فهل يمكن اعتباره الدافع لاختيارك لتقديم البرنامج؟

– حكايتي مع الرقص قديمة وتعود الى الوالد الذي كان من ابرز “راقصي الدبكة” في مسرحيات فيروز وصباح. منه ورثت أنا وأختي عشق الرقص، وبتشجيع منه تابعنا دروساً في صغرنا لفن “الباليه الكلاسيك”. شقيقتي أكملت في هذا المجال، فيما أنا توجهت الى المسرح، وفي خلال دراستي الجامعية خضعت لدورات في الباليه جاز والشرقي مع فرقة كركلا، ثم تابعت دروساً في “السالسا”.

■ بناء على الخبرة المستمدة من الدراسة، كيف ترين المتسابقين في برنامج “يلا نرقص”؟

– أرى أن الحماسة متوافرة عند الجميع وكل منهم يسعى الى الفوز، وقد لمست من خلال الاختلاط ان لكل منهم حكاية مع الكفاح والتصميم سبق لي ان عشتها، ولذا، أعلم بما مروا به، وبإحساسهم، وبرغبتهم الأكيدة ببلوغ الفرصة التي يسعون إليها.

وكأنها تذكرت أمراً ما، تتوقف عن الحديث لبرهة قبل ان تضيف:

-هذا النوع من الالتزام عشته، وتعرفت الى صعوبته وأيضاً تذوقت طعم النجاح فيه أيام الجامعة، ولذا، أتأثر بقصصهم، وأسعد بالتطور الملحوظ الذي يحققونه أسبوعاً بعد أسبوع، بفضل تعاملهم مع أبرز وأهم الراقصين ومنسقي الرقص الذين وفرهم لهم البرنامج من فرنسا وأميركا وبريطانيا والدانمرك ومصر، وأرى أن هذا التنوّع يبرز جلياً على المسرح.

■ لكن فجأة، ومن دون مقدمات، تابع المشاهدون غياب واحدة من لجنة التحكيم الممثلة “روجينا”، وانضمام الفنانة أليسار كركلا، مع الاعتراف بأن “روجينا” كان لها حضورها المحبب لدى المشاركين والمشاهدين؟

– صحيح ان الممثلة “روجينا” نجحت في اكتساب محبة المشاهدين والمشاركين بخفة ظلها، وحنوها، والكاريزما التي تميزت بها، لكن في المقابل، أرى أن لجنة تحكيم “يلا نرقص” قد اكتملت بالفعل بانضمام أليسار كركلا اليها، ولا شك في أن الاسم، بحد ذاته “بيكفي” ليعلن عن استاذة أكاديمية ومحترفة تحمل في مسيرتها ثقلاً كبيراً من النجاحات. ولو كنت مكان المشتركين لتملكتني السعادة بانضمام أليسار كركلا الى لجنة تحكيم البرنامج، لأنها القادرة على تقييمي وارشادي.

■ وماذا عن زميلتها الفنانة المصرية نيللي كريم؟

– لا شك في أنها نجمة محبوبة في مصر ولبنان على حد سواء، ولديها الخلفية الأكاديمية المطلوبة في رقص الباليه، وأرى أن ملاحظاتها تكمل ملاحظات أليسار ما يجعل اللجنة متجانسة ومتنوعة في آن، وبخلفية غنية، لا سيما وان نيللي متخصصة بالباليه، وبيار دولاين برقص الصالون، وشارل مكريس بـ”الهيب هوب” وأليسار كركلا بكل انواع الرقص.

وتضحك النجمة الشابة ريتا حايك وهي تنهي هذه الفقرة بطرح سؤال: أليست خلطة راقصة جميلة؟

■ ريتا… عودة قليلة الى الوراء تشهد بأنها ليست المرة الأولى التي تلعبين فيها دور المقدمة؟

– صحيح. لكن الفرق هو ان تجربتي مع “يلا نرقص” جاءت بعد “تدرجي”، عبر برامج متعددة، فأنا بدأت مع “روتانا كافيه” حيث كنت واحدة من بين مقدمات صبايا كثيرات كن يقدمن برنامجاً مباشراً. أما في Xfactor، فصحيح انني لم أكن المقدمة الأساسية إلا أنني كنت الاقرب الى الناس والاعلاميين والمشتركين وأيضاً النجوم. أما اليوم، فأنا أقدم “يلا نرقص” من أوله الى آخره، وبذلك يمكن القول انني بدأت من “نقطة انطلاق” ووصلت الى الوجهة التي كنت أسعى اليها، مع ان امامي بعد الكثير الكثير.

■ والتمثيل أين أصبح على اجندتك؟ وهل ان التقديم انساكي المسرح والتلفزيون وبقية منابر التمثيل؟

– بالتأكيد لا. فأنا الانسانة التي تريد أن أكونها. أنا ممثلة… مقدمة و… في كل المجالات، ابذل كل طاقتي وأستمتع بكل شغف. ربما ان لديّ الفرص لأكون ما أريده، سأستفيد، وسأحقق نفسي في كل مجال يتاح لي، وبالتأكيد، لن احصر نفسي في اطار  واحد ولن أحدد خياراتي وآفاقي، والمهم، أن أفعل ما أحب أن أفعله وليس ما يعرض عليّ فعله.

■ آخر مشاركتك في الدراما التلفزيونية كانت عبر سلسلة “كفى” للكاتب طارق سويد. فماذا عنها؟

– اسمح لي بداية أن عنوان “كفى” يصلح لكثير من القضايا التي يجب وضع حد لها. اقول “كفى” للكراهية وأتساءل لماذا علينا أن نوافق على تحكم الكره فينا؟ فالعالم موجود بتنوعه وثرائه، ومقولة “أنا… او لا احد” التي تسود في البلد وفي نفوس البعض يجب ان تزول، فالتعددية مطلوبة، ومفيدة وجميلة، ومن هذه القناعة، أطالب بأن يركز كل منا على ذاته، وأحلامه، بدلاً من أن يهدر طاقته في مراقبة الآخرين، وبذلك، قد تصطلح الأمور.

■ تتحدثين عن “الكراهية” وكأنك كنت من ضحاياها؟

– تربيت على الايمان بأن لكل مجتهد نصيب، وأن الحقد والكراهية يصيبان، أول ما يصيبان، صاحبهما… كما تعلمت ان بعد كل “سقطة” عليّ الاجتهاد للوقوف مجددا واتمام المسيرة. وأؤمن بأن الحياة اقصر بكثير من ان نهدرها على الحسد او الكره أو سواهما من الآفات الاجتماعية ـ اللاأخلاقية.

■ وماذا عن النقد الذي طاولك في محطات كثيرة؟

– طالما انه يخلو من الأذية والشخصية، فأنا أتقبله وقد استفيد منه، فكلنا معرضون للوقوع في أخطاء مهنية. ولا بأس بالاعتراف بالخطأ، والأهم، هو الرجوع عنه.

■ لك اكثر من تجربة في اعمال لبنانية درامية ـ تلفزيونية، ولك في المقابل اعمال “متعددة الجنسيات” ان صح التعبير؟ فما الفرق بين النوعيتين؟ وهل هناك اصلاً فرق؟

ردت على السؤال بسؤال، مستفهمة عن اي عمل أتحدث، فذكرتها بدورها في مسلسل “زويدو ـ 4” وهو انتاج عربي مشترك، وفي جزئه الثاني ادت دور “لالا” خاطفة الرجال… قالت:

-في الاعمال المشتركة من الطبيعي أن يكون هناك فرق… وفرق كبير، لا سيما في اللهجات حيث كل ممثل يتحدث بلهجته. في بداية الأمر، وجدت (وأنا أتكلم عن نفسي) صعوبة في فهم الزملاء الآخرين كوننا لم نلتق سابقاً، اضافة الى أن رحلتي الى دبي (موقع تصوير الكثير من مشاهد المسلسل) كانت الاولى لي. لكن بمرور الأيام، وبسبب اللقاءات التي كانت تجمعنا في خلال العمل، ذابت معظم الفوارق بين فريق العمل.

■ الملاحظ أن اقبالا منظوراً على المخرجين السوريين والمصريين في غالبية الأعمال المختلطة. لماذا في رأيك، وقد خضت التجربة؟

– لا شك في أن “الافضل” في الاعمال الدرامية ـ التلفزيونية هم الاخوة السوريون. لكن عندما نتحدث عن السينما فالاشقاء المصريون هم الرواد. هذا التنويع، يضفي رؤية متجددة على مختلف الاعمال الفنية المصورة. حتى بعض الاعمال اللبنانية، مثل “روبي”، استعانت بالمخرج السوري رامي امين، و”ديو” استعان بالمخرج السوري سيف الدين سبيعي، والمسلسلين حققا نجاحاً كبيراً… وسأسمح لنفسي بالاعلان انني احببت كثيرا اسلوب المخرج سبيعي السلس جداً في “ديو الغرم” وأعتقد، بل أجزم، أن البيئة اللبنانية ليست غريبة عنه كونه يعيش في بيروت.

■ ولماذا اثارة هذه النقطة من دون سواها؟

– لأنني سمعت بعض الانتقادات في حينه وكلها سلبية في حق المخرجين السوريين واللبنانيين.

■ اسألك أخيراً: سبق لك ان تابعت دروساً في التمثيل في مدرسة “ستيللا ادلر” في نيويورك. فما الذي تطبقينه من هذه الدراسة في مهنتك؟

– ما تلقيته في خلال دراستي اعطاني نضجاً أكبر في كيفية التعامل مع الشخصيات التي اختارها، ومع محيطي، لانني، عندما اسافر، أكون بمفردي، ما يجبرني على الاعتماد على الذات والتأقلم مع كل المواقف التي سأمر بها. وهذه الخبرة المزدوجة في الحياة والتمثيل أفادتني كثيراً لتجنب الروتين والملل على مستوى الحياة الشخصية، كما خولتني فهم الشخصيات التي اؤديها، ورسم ملامحها ودراستها بعمق لفهم ابعادها. فأنا، والكثيرين والكثيرات مثلي من الزملاء والزميلات، عندما نمثل فيلماً سينمائياً، يكون لدينا الوقت الكافي لاستحضار ماضي الشخصيات التي نؤديها، وفهم البيئة التي أتوا منها، بينما، عند تصوير المسلسلات، لا يمكننا فعل وذلك لضيق الوقت، فنكتفي بفهم الشخصيات ضمن الاطر الموضوعة فيها، والمتاحة، ورسم ملامحها ودراسة اطباعها.

وتسكت “شهرزاد” عن الكلام المباح. فقد مضى على بدء اللقاء زهاء الساعتين، ولذا كان عليّ الاكتفاء بما حصلت عليه من اجوبة ومعلومات، وترك ضيفة الحوار ريتا حايك لتستعد، لأن وقت دخولها الى الستوديو قد حان.

حديث الشارع: أمة «الهبل»

isis worldنحن الشعوب العربية، مع أننا لسنا بكامل قوانا العقلية، نقر ونعترف بأننا نشكل أمة من «الهبل» (جمع أهبل). وبأننا شعوب مسيّرة من أعالي القوم إلى أسفل السفلاء.

مسيَّرون منذ أن أطلقت في العام 2005 كوندوليزا رايس وزيرة خارجية أميركا نظرية «الفوضى الخلاقة» في الشرق الأوسط.

والفوضى الخلاقة ظهرت، أول ما ظهرت، في أدبيات الماسونية القديمة.

ومنذ أن بشرتنا رايس بهذه النظرية المسمومة، ونحن العرب نخضع لوصفتها الخلاقة هذه، ونتجرّع سمومها بلا تفكير وبلا تقدير.

وهكذا أتانا «الربيع العربي» ضاحكاً منا وعلينا. وأحببناه بجنون عصف بكل عقل وقضى على كل عاقل.

ولأننا مسيّرون بما تشتهي أميركا، ها نحن نتحول إلى وحوش متوحشة ومتجحشة.

نقتل ونتقاتل.

نُدَمَّر ونُدَمِّر.

نذبح ونكبّر… وكأن التكبير يكفي ليتساوى بـ«الذبح الحلال» الخراف والإنسان.

في زماننا هذا أصبح الجهل «نورن» ينبعث من جلباب أبو بكر البغدادي الأسود… أو من ثنايا لحيته السوداء.

وفي زماننا هذا أصبح الإسلام كفراً وأصبح تفسير كلام الله كتفسير المنجمين للأحلام.

إنه زمن «الخلافة» من أجل الإختلاف.

ومن حق هبلنا علينا أن نرفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام… والعروبة والإسلام».

«شوارعي»

كرة قدم

لعبة كرة القدم تكاد تكون الرياضة الأكثر شعبية في العالم، وقد خصَّصت المحطات التلفزيونية برامج وندوات عن عالم كرة القدم، هذا إلى جانب ذكر نتائج المباريات المحلية والعالمية من ضمن نشرة الأخبار. هذا الهَوَس بالانحياز لهذا الفريق أو ذاك إلى درجة التعصّب الأعمى، ناهيك عن المراهنات ومتابعة أخبار الدوري الكروي والتعليق عليها من قبل متخصصين أو لاعبين سابقين أو صحافيين.

وعادة تكون الندوة التلفزيونية تحليلاً مفصَّلاً ومدعماً بالصورة عن مباراة ما، حيث يخوض المشاركون في مناقشة المباراة بمعرفتهم وتجربتهم في دنيا الكرة، وغالباً ما تستضيف هذه الندوات على الهواء خبيراً كروياً أجنبياً وتترجم آراؤه مباشرة إلى اللغة العربية. هذه الرياضة استقطبت الكبير والصغير وأصبحت جزءاً من أحاديث الناس في جلساتهم ولقاءاتهم.

هذا الاهتمام العالمي رفع من قيمة الاستثمار الكروي إلى أقصى مداه فأصبحت ميزانيات الأندية بملايين الدولارات والتأمين على “أرجل” اللاعبين الكبار بالملايين أيضاً.

ويجذب المونديال انتباه الناس بل اهتمامهم كل أربع سنوات حيث تصرف خلالها أيضاً مئات الملايين من الدولارات على الاعلانات والتسويق، وبنفس الوقت تظهر نجومية النجوم من اللاعبين فترتفع أثمانهم التي تستفيد منها الأندية التي ينتمون إليها إلى جانب ما يحصلون عليه شخصياً.

وتتكاثر جمعيات ورابطات المشجعين للأندية في كل بلد وتصل في تعصبها إلى درجة احداث الشغب والذي غالباً ما يسقط بنتيجته ضحايا.

ومنذ سنوات بل عقود بدأ ينمو في بلادنا هذا العشق والهيام بكرة القدم، ولكن من دون أن نصل إلى نتائج عالمية كما نرجو، وذلك على الرغم من الاستثمارات العربية في الأندية الأوروبية لا بل وشراء وامتلاك بعضها.

فحين يبدأ العارفون بعالم الكرة بالتحليل، فإنك تظن بأنهم يعالجون قضية خطيرة تمس الأمن القومي فيغوصون في الاجتهادات ومناقشة الاستراتيجيات والخطط والأخطاء باهتمام بالغ نتمنى لو تطرح قضايانا ومشاكلنا التي نتخبط فيها اليوم بهذه الجديّة!

إننا مع هذه الهواية الرياضية لا بل من مشجعيها، ولكننا نطالب برفع منسوب حواراتنا حول المسائل الخلافية العربية إلى مستوى طاولة مستديرة تناقش مباراة لكرة القدم!! فنحاول إظهار “الفاول” و”التسلل” وإشهار الكارت الأصفر والأحمر..!! وكيف نجد “حكَّاماً” يتصفون بالنزاهة وقول الصواب! فقد بدأت أكبر وأعقد قضايانا القومية تضيع بين “الأرجل”! واللاعبون أينما كان يباعون لمن يدفع أكثر، وأصبحت المسألة عرضاً وطلباً وتنافساً واستثماراً. ومنذ سنوات بدأت الصحف تخصص عشرات الصفحات المملوءة بالصُوَر ووجهات النظر والتعليقات الكروية المحلية والعالمية، وأصبحنا نقرأ عن رياضة كرة القدم أكثر من قراءتنا للمواضيع الفكرية والفنية والاجتماعية والسياسية.

جميل أن تنتشر الرياضة في بلادنا، ولكن ليس على حساب متابعة قضايانا الأساسية وتصبح همومنا العربية القاتلة في الدرجة الثانية، ودائماً موضوعة على “دكَّة” الاحتياط وإلى أجل غير مسمى!

                                                                                د. غازي قهوجي

Kahwaji.ghazi@yahoo.com

 

حسين حسون: “توت النسوة” شجرة شِعر تتحدّى القتل المجّاني

:غادة علي كلش

يدخل الكاتب والصحافي اللبناني حسين حسون إمارة الشعر، مستريحا بعض الشيء من كاهل الكتابة  في السياسة وفي قضاياها العربية والدولية. يطل علينا بباكورة شعرية عنوانها” توت النسوة”. عن هذه الباكورة بما فيها وما لها من مناخ ودور وغاية، كان لـ”الكفاح العربي” مع الشاعر حسون هذا الحوار:

■ “توت النسوة” باكورتك الشعرية المتأخّرة قياسًا إلى رقميّة عمرك. والمتقدّمة قياسًا إلى خاصيّة شعرك. هل هي وليدة السرّ الكامن بين ما تأخّر وما تقدّم؟

 – صحيح أنّ كتابي “توت النسوة” جاء متأخّرًا بعض الشيء، فأنا قد أوليت الإهتمام بكتاباتي السياسية أكثر. إلاّ أنّ الشعر في رأيي لا يقاس بعدد أعوام العمر. الشعر مكنون داخلي قد ينطلق في أي زمن عمريّ معيّن. لذا أطلقت شعري هذا في باكورتي ليكون ردّا معاكسًا لهذا الزمن الرديء الذي نعيشه. زمن القتل والإجرام والجهل والظلم والدم. أردت أن أتحدّى هذا الزمن بالحب والسلام والغزل. فقصائدي هي تحدّ للموت المجّاني، وللواقع المزري الذي نعايشه اليوم.

■ عنوان ديوانك يحمل دلالة إيمائية خاصة. إلى أي مدى تتقاطع ثمار شجرة التوت مع غمار كينونة الأنثى في مملكة  حواس الرجل؟

– معروف في تاريخ اللغة تعبير نون النسوة الذي هو أحد مكنونات اللغة العربية. ولأنّ هذا التعبير شائع ومتداول كثيرًا في الكتابات المنشورة، إرتأيت أنْ ألعب على دلالة نون النسوة، فاخترت تعبير توت النسوة، سيما وأنّ شجرة التوت لها ولأوراقها أيضا مدلول تاريخي ومعان عديدة.  لقد إخترتها لكي أصبغ على المرأة ثمرة من ثمار الدنيا المحكي عنها تاريخيًا. فالمرأة هي الكينونة التي تملأ الحياة، لذلك أنا لا أعتبرها نصف الحياة، بل أعتبرها كلّ الحياة.

■ ثمة رموز أساسية تنهض عليها معظم قصائد الديوان، منها مرادفات الغرام في المنام والبوح والأسر والأطياف. ومنها أيضًا معادلات الغزل في الضوء والبصر والنهار والدُجى. هل تسعى إلى قصيدة غزلية بمنظار تصويري مضيء، وهل تسعى إلى إخراج المرأة من القصيدة الساكنة في العتمة، نحو القصيدة الثابتة في التوهج؟

-هذا ما  سعيت إليه بالفعل. فقد استخدمت لغة شعرية خارجة نوعًا ما عن المألوف. واستخدمت شكل النصوص القصيرة وكتبتها  بأسلوب خاص لإخراج المرأة في صورة تعبيرية جديدة ومفردات غير تقليدية،ودور مختلف التوصيف. ذلك أنّ الدور الذي تؤدّيه المرأة في الحياة هو دور أساسي ومهمّ. من هنا كتبت قصائدي في صيغة من الدهشة، ضمن قالب شعري مسكون بمفردات  هذه الدهشة وصورها وتعابيرها. فالنّص الشعري الذي لا يحمل إدهاشا لا يكون شعرا.  من هنا قدّمت في ديواني هذا صورًا شعرية مشعّة بالمرأة، وأظهرت كرامة خاصّة لكينونتها الجسدية والروحية على حد سواء.

■ تقبض في قصائدك على مفاتيح الأشياء التفصيلية. كالسرير والثياب ورصيد البنك والسجاد، وتصهرها في البوح الشعري بفنيّة عالية. هل تمارس بشعرك فنّ النحت بأدوات القصيدة؟

– سبق وكتبت عن مسألة النحت بالكلمات. هذه مقاربة جيدة وأنا أحب هذه المفردة. أجد نفسي أنحت صورة المرأة الشعرية بأدوات الوصف التفصيلي المتميز، أي غير التقليدي، أحفر دقائقها وأصف تفاصيلها بالأشياء التي ترافقها في يومياتها، كالسجاد والسرير والفستان. أتطرق إلى أشيائها التي تتلاءم مع كينونتها وجمالها وأسلوبها وطبعها وذوقها. أنا احتفل بكل شيء يخص المرأة. فالمرأة هي جنّتي على الأرض.

■ الحب في قصائدك هو حب واقعي أرقّ من حدّ الخيال، وهوحب خيالي أكثر من حدّ الواقع. أليس في ذلك مماهاة دقيقة تجعلك موجودًا بين الحدّيْن؟

-عندما نعيش حالة حب مع الحبيبة،فنحن نعيش هذا الحب في الخيال  كما نعيشه في الواقع. لكنّنا نسعى إلى تحويل ما نتخيله في حياتنا اليومية عن المرأة إلى واقع، ونحيل الواقع بالتالي إلى خيال يحرّك أحاسيسنا ومشاعرنا أكثر من حدّ الواقع ـ كما جاء في سؤالك ـ فالمُحِّب يهمّه أن لا يغرق في جمود الواقع، ويهمّه أنْ يحرّكه أحيانًا بخيال رقيق وجميل يضفي العذوبة على حالة الحب.

■ لديك كتاب عنوانه” اللبنانيون والهجرة” هل تعتقد أنّ هجرة اللبنانيين في مرحلتها الماضية، ومرحلتها الراهنة اليوم، أصبحت منقسمة بين زمنين: زمن الشمس وزمن اليأس؟

– نعم إنّ ما نعيشه اليوم شكّل ويشكّل حالة يأس عند اللبنانيين. فهناك يأس عام في لبنان يطاول كلّ اللبنانيين في ظلّ هذا الواقع العربي المرير الذي نشهده.  فلبنان هو جزء من هذا العالم العربي. من هنا اختلفت دوافع هجرة اللبناني اليوم عن هجرة آبائه بالأمس. فهجرة اللبنانيين في الماضي كانت من أجل العلم والتجارة والمال والأمل وتحقيق الأحلام الكبيرة. أمّا هجرته اليوم فقد أصبحت من أجل الحياة نفسها. اللبناني يهاجر اليوم من أجل أبسط مقوّمات الحياة، أي لكي يبقى على قيد الحياة.

■ هل ثمة خوف على مفهوم الهوية في ظلّ هذا النوع المخيف من أنواع الهجرة؟

-لا أعتقد أنّ ثمة خوف على مفهوم الهوية والإنتماء الوطني. فهذه الهجرة لا تتعلق بالمواطنة والإنتماء،بل تتعلق بالهروب من الموت المجاني الذي يخلو من أي قضية صغيرة كانت أم كبيرة. فحب الوطن يظل موجودا في قلب المهاجر. والمهاجر يفضّل أنْ يحبّ وطنه وهو حي،عن أن يموت في وطنه من أجل لا شيء. وهذه مرحلة ستكون عابرة،ولن تؤثر على علاقة اللبناني بهويته ولن تسلخه عنها.

الشاعر حسين حسونمقتطفات من ديوان “توت النسوة”:

“عندما تتصلين بي

يرنّ قلبي

وتتسابق كلّ حواسي

على الرد”

“تجمعنا لغة واحدة

أنت ممنوعة من صرفي

وأنا كلي نحوك”

“كنت مريضًا في الغرام

أغسل دمي كل شهر

مع إمراة جديدة

وحدها فئة حبك

ناسبت دمي… فشفيت”

منح الصلح … رحل وهو الأغنى

لمنح الصلح روح لا تموت.  ولفكره النابض قلوب لبنانية وعربية لا تتوقّف.

لقد سكنت كلماته أقلاما كثيرة، وتقمّصت في كتّاب بارزين تخرّجوا من مدرسته السرية.

في مجالس لبنانية وعربية مختلفة، بعيدة وقريبة، كانت روح أفكاره الحاضر الأبرز، وفي بعض الأحيان الحاضر الوحيد.

كان زاهداً بمغريات الشهرة والحياة.  يقيّم الأشخاص بما في عقولهم لا بما في جيوبهم.  فالثروة في نظره، تقاس بغنى الكلمات ومعانيها.

كم من ثري دخل بيته غنياً وخرج منه فقيراً.

وكم من متكلّم فقد صوته واستسلم لحنجرة البيك.

في جنازته، حملت أفكاره النعش، لتودّع خالقها وتبقى خالدة في أركان الوطن الثقافية والإعلامية والسياسية.

لم يكن منح “بيك” من النوع الذي يجيد التعايش مع الألقاب، التي ورثها من أصول آل الصلح الارستقراطية، وفرضها عليه أصدقاؤه ومحبوه.  وقد نجح في تفريغ اللقب من معانيه المتعالية، معتمداً على شخصيته الرقيقة المتواضعة، التي تخفي عناداً فكرياً يصعب اختراقه، من شدة تحصيناته الثقافية المتعمقة بتاريخ المنطقة وعائلاتها وأحداثها.

في سنواته الأخيرة، لم يجد منح الصلح سوى عصاه الخشبية، التي بقيت وفية لمساندته في الوقوف أمام الأمراض التي اجتاحت جسده.

لقد آمن بهذه العصا، التي كانت خير عائلة صغيرة من العائلة الكبيرة.

فالبيك كان يدرك أن الألقاب لا تعيش، مثلها مثل المال والثروة والقصور.

لذلك، رحل وهو الأغنى والأكثر قدراً والأعلى شأناً.

سامر الحسيني

ألقى عصاه ورحل

منح الصلحألقى منح بيك الصلح عصاه ورحل.

كان يتعكز عليها ويهش بها الفكر المنحرف.

هذه العصا الأدبية والفكرية كثيراً ما قوّمت سياسات عوجاء، وصحّحت أخطاء بحق الوطن والعروبة.

لقد رحل، وفي رحيله يرحل المفكّر في زمن التكفير.

ويرحل العاقل في زمن الجنون.

ويرحل الحكيم في زمن التهوّر.

ويرحل المعتدل في زمن التعصّب.

وترحل الكلمة السواء في زمن كلام السوء.

هو رحيل لكاتب خفيف الظل في زمن الكتبة الثقلاء.

اليوم رحل فارس الأحلام العربية.  وعندما يترجل منح الصلح عن فرس الحياة، يكون الفكر القومي قد فقد أعز رجاله.

ترى من نعزي بالفقيد وأين؟

كل لبناني وكل قومي له علينا واجب العزاء.  وكل الأمكنة العربية من حقها أن تعقد مجالس للتعزية.

رحم الله منح بيك سنفتقده كثيراً وطويلاً.

وليد الحسيني