منح الصلح … رحل وهو الأغنى

لمنح الصلح روح لا تموت.  ولفكره النابض قلوب لبنانية وعربية لا تتوقّف.

لقد سكنت كلماته أقلاما كثيرة، وتقمّصت في كتّاب بارزين تخرّجوا من مدرسته السرية.

في مجالس لبنانية وعربية مختلفة، بعيدة وقريبة، كانت روح أفكاره الحاضر الأبرز، وفي بعض الأحيان الحاضر الوحيد.

كان زاهداً بمغريات الشهرة والحياة.  يقيّم الأشخاص بما في عقولهم لا بما في جيوبهم.  فالثروة في نظره، تقاس بغنى الكلمات ومعانيها.

كم من ثري دخل بيته غنياً وخرج منه فقيراً.

وكم من متكلّم فقد صوته واستسلم لحنجرة البيك.

في جنازته، حملت أفكاره النعش، لتودّع خالقها وتبقى خالدة في أركان الوطن الثقافية والإعلامية والسياسية.

لم يكن منح “بيك” من النوع الذي يجيد التعايش مع الألقاب، التي ورثها من أصول آل الصلح الارستقراطية، وفرضها عليه أصدقاؤه ومحبوه.  وقد نجح في تفريغ اللقب من معانيه المتعالية، معتمداً على شخصيته الرقيقة المتواضعة، التي تخفي عناداً فكرياً يصعب اختراقه، من شدة تحصيناته الثقافية المتعمقة بتاريخ المنطقة وعائلاتها وأحداثها.

في سنواته الأخيرة، لم يجد منح الصلح سوى عصاه الخشبية، التي بقيت وفية لمساندته في الوقوف أمام الأمراض التي اجتاحت جسده.

لقد آمن بهذه العصا، التي كانت خير عائلة صغيرة من العائلة الكبيرة.

فالبيك كان يدرك أن الألقاب لا تعيش، مثلها مثل المال والثروة والقصور.

لذلك، رحل وهو الأغنى والأكثر قدراً والأعلى شأناً.

سامر الحسيني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s