حسين حسون: “توت النسوة” شجرة شِعر تتحدّى القتل المجّاني

:غادة علي كلش

يدخل الكاتب والصحافي اللبناني حسين حسون إمارة الشعر، مستريحا بعض الشيء من كاهل الكتابة  في السياسة وفي قضاياها العربية والدولية. يطل علينا بباكورة شعرية عنوانها” توت النسوة”. عن هذه الباكورة بما فيها وما لها من مناخ ودور وغاية، كان لـ”الكفاح العربي” مع الشاعر حسون هذا الحوار:

■ “توت النسوة” باكورتك الشعرية المتأخّرة قياسًا إلى رقميّة عمرك. والمتقدّمة قياسًا إلى خاصيّة شعرك. هل هي وليدة السرّ الكامن بين ما تأخّر وما تقدّم؟

 – صحيح أنّ كتابي “توت النسوة” جاء متأخّرًا بعض الشيء، فأنا قد أوليت الإهتمام بكتاباتي السياسية أكثر. إلاّ أنّ الشعر في رأيي لا يقاس بعدد أعوام العمر. الشعر مكنون داخلي قد ينطلق في أي زمن عمريّ معيّن. لذا أطلقت شعري هذا في باكورتي ليكون ردّا معاكسًا لهذا الزمن الرديء الذي نعيشه. زمن القتل والإجرام والجهل والظلم والدم. أردت أن أتحدّى هذا الزمن بالحب والسلام والغزل. فقصائدي هي تحدّ للموت المجّاني، وللواقع المزري الذي نعايشه اليوم.

■ عنوان ديوانك يحمل دلالة إيمائية خاصة. إلى أي مدى تتقاطع ثمار شجرة التوت مع غمار كينونة الأنثى في مملكة  حواس الرجل؟

– معروف في تاريخ اللغة تعبير نون النسوة الذي هو أحد مكنونات اللغة العربية. ولأنّ هذا التعبير شائع ومتداول كثيرًا في الكتابات المنشورة، إرتأيت أنْ ألعب على دلالة نون النسوة، فاخترت تعبير توت النسوة، سيما وأنّ شجرة التوت لها ولأوراقها أيضا مدلول تاريخي ومعان عديدة.  لقد إخترتها لكي أصبغ على المرأة ثمرة من ثمار الدنيا المحكي عنها تاريخيًا. فالمرأة هي الكينونة التي تملأ الحياة، لذلك أنا لا أعتبرها نصف الحياة، بل أعتبرها كلّ الحياة.

■ ثمة رموز أساسية تنهض عليها معظم قصائد الديوان، منها مرادفات الغرام في المنام والبوح والأسر والأطياف. ومنها أيضًا معادلات الغزل في الضوء والبصر والنهار والدُجى. هل تسعى إلى قصيدة غزلية بمنظار تصويري مضيء، وهل تسعى إلى إخراج المرأة من القصيدة الساكنة في العتمة، نحو القصيدة الثابتة في التوهج؟

-هذا ما  سعيت إليه بالفعل. فقد استخدمت لغة شعرية خارجة نوعًا ما عن المألوف. واستخدمت شكل النصوص القصيرة وكتبتها  بأسلوب خاص لإخراج المرأة في صورة تعبيرية جديدة ومفردات غير تقليدية،ودور مختلف التوصيف. ذلك أنّ الدور الذي تؤدّيه المرأة في الحياة هو دور أساسي ومهمّ. من هنا كتبت قصائدي في صيغة من الدهشة، ضمن قالب شعري مسكون بمفردات  هذه الدهشة وصورها وتعابيرها. فالنّص الشعري الذي لا يحمل إدهاشا لا يكون شعرا.  من هنا قدّمت في ديواني هذا صورًا شعرية مشعّة بالمرأة، وأظهرت كرامة خاصّة لكينونتها الجسدية والروحية على حد سواء.

■ تقبض في قصائدك على مفاتيح الأشياء التفصيلية. كالسرير والثياب ورصيد البنك والسجاد، وتصهرها في البوح الشعري بفنيّة عالية. هل تمارس بشعرك فنّ النحت بأدوات القصيدة؟

– سبق وكتبت عن مسألة النحت بالكلمات. هذه مقاربة جيدة وأنا أحب هذه المفردة. أجد نفسي أنحت صورة المرأة الشعرية بأدوات الوصف التفصيلي المتميز، أي غير التقليدي، أحفر دقائقها وأصف تفاصيلها بالأشياء التي ترافقها في يومياتها، كالسجاد والسرير والفستان. أتطرق إلى أشيائها التي تتلاءم مع كينونتها وجمالها وأسلوبها وطبعها وذوقها. أنا احتفل بكل شيء يخص المرأة. فالمرأة هي جنّتي على الأرض.

■ الحب في قصائدك هو حب واقعي أرقّ من حدّ الخيال، وهوحب خيالي أكثر من حدّ الواقع. أليس في ذلك مماهاة دقيقة تجعلك موجودًا بين الحدّيْن؟

-عندما نعيش حالة حب مع الحبيبة،فنحن نعيش هذا الحب في الخيال  كما نعيشه في الواقع. لكنّنا نسعى إلى تحويل ما نتخيله في حياتنا اليومية عن المرأة إلى واقع، ونحيل الواقع بالتالي إلى خيال يحرّك أحاسيسنا ومشاعرنا أكثر من حدّ الواقع ـ كما جاء في سؤالك ـ فالمُحِّب يهمّه أن لا يغرق في جمود الواقع، ويهمّه أنْ يحرّكه أحيانًا بخيال رقيق وجميل يضفي العذوبة على حالة الحب.

■ لديك كتاب عنوانه” اللبنانيون والهجرة” هل تعتقد أنّ هجرة اللبنانيين في مرحلتها الماضية، ومرحلتها الراهنة اليوم، أصبحت منقسمة بين زمنين: زمن الشمس وزمن اليأس؟

– نعم إنّ ما نعيشه اليوم شكّل ويشكّل حالة يأس عند اللبنانيين. فهناك يأس عام في لبنان يطاول كلّ اللبنانيين في ظلّ هذا الواقع العربي المرير الذي نشهده.  فلبنان هو جزء من هذا العالم العربي. من هنا اختلفت دوافع هجرة اللبناني اليوم عن هجرة آبائه بالأمس. فهجرة اللبنانيين في الماضي كانت من أجل العلم والتجارة والمال والأمل وتحقيق الأحلام الكبيرة. أمّا هجرته اليوم فقد أصبحت من أجل الحياة نفسها. اللبناني يهاجر اليوم من أجل أبسط مقوّمات الحياة، أي لكي يبقى على قيد الحياة.

■ هل ثمة خوف على مفهوم الهوية في ظلّ هذا النوع المخيف من أنواع الهجرة؟

-لا أعتقد أنّ ثمة خوف على مفهوم الهوية والإنتماء الوطني. فهذه الهجرة لا تتعلق بالمواطنة والإنتماء،بل تتعلق بالهروب من الموت المجاني الذي يخلو من أي قضية صغيرة كانت أم كبيرة. فحب الوطن يظل موجودا في قلب المهاجر. والمهاجر يفضّل أنْ يحبّ وطنه وهو حي،عن أن يموت في وطنه من أجل لا شيء. وهذه مرحلة ستكون عابرة،ولن تؤثر على علاقة اللبناني بهويته ولن تسلخه عنها.

الشاعر حسين حسونمقتطفات من ديوان “توت النسوة”:

“عندما تتصلين بي

يرنّ قلبي

وتتسابق كلّ حواسي

على الرد”

“تجمعنا لغة واحدة

أنت ممنوعة من صرفي

وأنا كلي نحوك”

“كنت مريضًا في الغرام

أغسل دمي كل شهر

مع إمراة جديدة

وحدها فئة حبك

ناسبت دمي… فشفيت”

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s