مناورة «المؤتمر التأسيسي»: متاريس الفراغات

كتب المحرر السياسي:

كما الأحداث تتطور نحو الأسوأ، كذلك الخلافات السياسية.

إن نجاح الجيش في ضرب الإرهاب في طرابلس، لا يعني القضاء عليه. فما زال للإرهاب جولات تهدد لبنان. وقد تكون  متعددة الأمكنة ومعززة بالإمكانيات الإضافية.

ولا يجب الإتكاء كثيراً على نفي «البيئة الحاضنة» للقول أن الإرهاب لن يتمكن من العودة الى العبث في أمن البلد واستقراره. فالإرهاب لا يحتاج الى الحضانة، لأنه يعتمد سياسة الكر والفر، فأغلب عملياته تأخذ بنظرية «إضرب… واهرب». بدليل أنه هرب من عرسال وما زال يهددها ويهدد جوارها. وقد يكون هروبه من طرابلس أحد تكتيكاته حيث لا تُستبعد عودته ولو بعد حين.

الإرهاب يتقن إقتناص الفرص، وفرصته الآخذة في التزايد تكمن في الخلافات السياسية المتفاقمة، والتي تشكل له «البيئة الحاضنة» الحقيقية.

لا شك في أن «المزايدات» بين التيارات السياسية المختلفة توفر ثغرات آمنة لعبور الإرهاب الى العمق اللبناني. وهي أكثر حماية للإرهابيين من سكان بضعة أحياء أغلب بيوتها آيلة الى السقوط، ويعيشون في خوف من الإرهابيين والدولة معاً.

هذا يعني أن الخلافات السياسية تغذي الإرهاب، وأن الإرهاب يغذي الخلافات السياسية. فكلاهما ينمو على حساب الآخر.

ولأن الغموض والسرية يكتنفان النشاط الإرهابي، يصبح الكلام عنه نوعاً من التنظير و«التبصير». في حين أن الخلافات السياسية مكشوفة وبلا ستر يغطيها. وهي كالأمراض المستعصية لا دواء لها، وكل محاولات المعالجة التي طرحها الرئيس الحريري، لم تمنع اتساع انتشارها في «المجتمعات» اللبنانية، التي كانت في يوم ما مجتمعاً واحداً.

وإذا كان الاهتمام بالفراغ الرئاسي قد تراجع الى ذيل طابور الاهتمامات الوطنية، فإن الفراغ النيابي، سيشكل الطعنة القاتلة للبنان وكيانه وميثاقه وطائفه ودستوره.

من الواضح أن هناك من يسعى الى تراكم الفراغات. والتمديد للمجلس الحالي لن يوقف الاستمرار في السعي الى الفراغ الكبير والقاتل عندما يطرح «التمديد الثالث». وهو أمر آت لا ريب فيه، مع الاصرار على عدم انتخاب الرئيس. وهو اصرار لا يبدو أن ثمة أملاً في الرجوع عنه، إلا إذا انقلبت طاولة الأحداث وتبدلت اتجاهات الرياح.

لم تعد الغاية من سياسة «تراكم الفراغات» خافية على المراقبين. فأنصار هذه السياسة يعملون على تعطيل المؤسسات في انتظار التوقيت المناسب لتوجيه الضربة القاضية، عندما لا يكون من حل للمأزق اللبناني الكبير سوى انتخاب المؤتمر التأسيسي لوضع دستور جديد للبنان، يجعل الأكثرية النسبية تتحكم بالأقليات الكبيرة والصغيرة، والتي بتوافقها، عبر العرف اللبناني التاريخي، تشكلت صيغة العيش المشترك.

لا شك في أن القفزة الى مثل هذ النوع من الديمقراطيات في بلد يختلط فيه حابل الطوائف بنابل المذاهب، سيكون قفزة نحو تهديد السلم الأهلي، لسبب لا يمكن انكاره. فلبنان بلد يعيش على العصبيات الدينية، ومشهود له بتبدل التحالفات وفق المصالح الطائفية والمذهبية. وليس أمام المذهب الذي، يسعى الى الحكم، سوى التحالف مع مذهب آخر على حساب باقي المذاهب، التي ستجد نفسها مضطرة للتحالف بدورها لمواجهة التسلط الحاكم.

صحيح أن الصراع في لبنان يبدأ سياسياً، لكنه سرعان ما يتحول الى صراع دموي في الشارع، وسرعان ما يستبدل فيه رفع اليافطات برفع السلاح.

إن الديمقراطية، بمفهومها الأكثري، تحتاج الى مجتمعات مدنية وعلمانية، كما في البلاد الراقية، لا الى مجتمع طائفي ومذهبي ومسكون بكراهية الآخر، كما في لبنان.

إن نفي فكرة المؤتمر التأسيسي، لا يلغي العمل من أجله. ومثل هذا التحول الكبير في النظام اللبناني، يحتاج الى وقت لم يحن أوانه بعد. وأبطال هذا التحول يدركون جيداً أن عليهم الانتظار لحين استكمال «تراكم الفراغات» ووصولها بالتالي الى الفراغ الأكبر، أي الفراغ النيابي، الذي به يتم تكريس الفراغ الرئاسي، والذي من بعده يصبح الفراغ الحكومي قائماً حتماً وبحكم الدستور.

وإذا كان التمديد الثاني لمجلس النواب قد مرّ بإجماع، لا ينقصه إلا عون وبعض الممتنعين عنه والراغبين به، فإن ذلك قد تم لأن ظروف «تراكم الفراغات» لم تنضج بعد. فما زالت أحداث المنطقة ملتهبة ولا تسمح بالانقلاب على الطائف. لكن الأمور، من الممكن أن تكون ملائمة عندما يحين موعد التمديد الثالث، وعندئذٍ يمكن الانقضاض على المجلس النيابي، وعندئذٍ أيضاً يكتمل «تراكم الفراغات» ولا يعود في الدستور ما يحمي المؤسسات أو يعيد بناءها. ومع الوصول الى هذا الباب الدستوري المغلق، يصبح اللجوء الى انتخاب المؤتمر التأسيسي هو الحل الوحيد المتاح لإعادة صيغة الدولة الجديدة لدولة قديمة قضى الفراغ على كل مؤسساتها.

وإلى أن تمر السنتان والسبعة أشهر، التي نفخها النائب نقولا فتوش في عمر المجلس النيابي، فإن لبنان سيستمر في معايشة القلق والعجز عن إيجاد الحلول لمشاكله العويصة، سواء انتخاب الرئيس، أو تثبيت الأمن، أو السيطرة على تجمعات النازحين السوريين، أو الخروج من الأزمات المعيشية والاقتصادية، التي يبدو أنها مواصلة السير في طريق التفاقم.

إن اللبناني السوي في عقله ووطنيته، لا يجد سبباً مقنعاً يمنع انتخاب الرئيس وفقاً للأصول الدستورية، ولا سبباً مقنعاً يبرر التمديد لمجلس لا يجلس نوابه على كراسيهم.

وما يدهش هذا اللبناني السوي، أن كل فريق يحمّل الآخر وزر الفراغ الرئاسي.

وفي المسرح السياسي اللبناني يصبح من يحضر الى جلسات الانتخاب معطلاً لها والممتنع عن حضورها مسهلاً لاكتمال نصابها.

وفي هذا المسرح «اللامعقول»، يرشح فريق 8 آذار العماد ميشال عون ويمتنع عن انتخابه، طالما أن المرشح المنافس سمير جعجع.

وفي مسلسل «اللامعقول» يطالب فريق 8 آذار بتخلي الفريق الآخر عن مرشحه، في حين يتمسك هو بمرشحه، ويرفض البحث عن مرشح ثالث يملأ الفراغ، الذي بدأ يحتله التطرف، أو يستغله على الأقل.

وسط هذه التراجيديا السياسية تبرز الدعوات الى الحوار، وقد جربه الرئيس بري من قبل، والرئيس سليمان من بعد، ولم يؤد سوى الى أمنيات رملية في زمن ممطر وعاصف جعلها تتطاير وكأنها لم تكن.

يبدو، يقيناً، أن الأزمة اللبنانية متشابكة بأزمات المنطقة… وبناء عليه أبشر بطول أزماتك يا لبنان.

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s