وجه: الفن يفقد “صباحه”

 :sabahكتب عبد الرحمن سلام

“افرحوا وتذكروني”.  هذه وصية صباح (1924 – 2014) قبل رحيلها.  فالشحرورة بقيت نجمة حتى الرمق الأخير، رغم صخب مشوارها الفني وحياتها العاطفية ومقاومتها الشيخوخة بالغناء والأناقة الدائمة حتى آخر أيامها.

 

يوم سافرت صباح الى القاهرة لأداء بطولة أول افلامها السينمائية “القلب له واحد” (1942)، رافقها والدها جرجس الفغالي وكان شديد السيطرة عليها، يتصرف بأموالها، ويوقّع العقود السينمائية والغنائية عنها، وهي وصفته في احد اللقاءات التلفزيونية بـ”القاسي” الذي سبب لها عقدة نفسية دفعتها ـ في مرحلة مبكرة ـ الى الزواج، ومن ثم تكرار الزواج، لتثبت لنفسها انها “امرأة مرغوبة”، بعد أن دأب والدها على تذكيرها بأنها “ساذجة” و”غير قادرة على التصرف لوحدها”.

والصبية جانيت الفغالي (اسمها الحقيقي) المولودة في بدادون ـ لبنان في العام 1924، تلقت دروسها في المدرسة الرسمية قبل أن تنتقل الى بيروت وتنضم الى مدرسة اليسوعية، حيث كانت “تمثل” و”تغني” في الحفلات المدرسية وهي لم تبلغ بعد الـ12 من عمرها. وعن تلك المرحلة، ذكرت صباح ذات مرة: “كل شيء تغير من حولي، وانتقالنا الى بيروت شكل تحولا اساسيا لي، حيث المدارس المختلطة، وكان الكثيرون فيها يتسابقون لمرافقتي. كنت لا أهدأ. كنت في حيوية دائمة”.

وتتذكر صباح كيف شاهدها صهر الممثلة ـ المنتجة اللبنانية الاصل آسيا داغر، موزع الافلام “قيصر يونس”، وكيف همس في اذن والدها: “حرام عليك أن تبعد جانيت عن السينما”.

وتضيف: هذه الكلمات بقيت ترن في اذني الى حين التقيت في حفلة غنائية ـ مدرسية، مدير اذاعة “صوت اميركا” في تلك الايام كنعان الخطيب الذي أبدى اعجابه بموهبتي الغنائية وشجعني على الاستمرار.

في ذلك الزمان، كان الفنان الكبير يوسف وهبي قد اكتشف المطربة اللبنانية الكسندرا بدران، واصطحبها الى القاهرة، واختار لها اسم “نور الهدى”، وقدمها بهذا الاسم في اولى افلامها “جوهرة” الذي حقق نجاحا باهرا. ولأن يوسف وهبي كان قد وقع مع اكتشافه الجديد عقد احتكار طويل الامد، اختارت المنتجة آسيا داغر احضار “لبنانية” تتمتع بمواصفات محددة، لتجعل منها نجمة افلام غنائية، وهي أخذت بنصيحة موزع أفلامها، قيصر يونس، وتعاقدت مع والد جانيت على أن تتولى الابنة بطولة فيلم بعنوان “القلب له واحد” أمام انور وجدي، مقابل 150 جنيها مصريا، وان هذا الاجر سيتصاعد تدريجيا، فيلما بعد آخر.

وفي مقهى بشارع “فؤاد الاول”، ولد اسم “صباح”، وقد اطلقه عليها الشاعر صالح جودت، فيما استحضرت المنتجة لنجمة فيلمها الجديد، كبار الملحنين (في ذاك الزمان): رياض السنباطي، الشيخ زكريا احمد، محمد القصبجي، للاستماع الى الصوت القادم من جبل لبنان، ولتدريبه على الغناء المصري، حيث اجمع هؤلاء على ان صوت “الوجه الجديد” غير مكتمل المعالم بسبب صغر السن. ولأن مخرج “القلب له واحد” تمسك بالوافدة الجديدة الى السينما المصرية، بعد أن وجد فيها “خميرة” صالحة للتمثيل لما تتمتع به من خفة ظل، تم التفاهم على منحها ألحاناً خفيفة، وهذا ما حدث.

لكن بداية صباح السينمائية، وللأسف، لم تبشر بنجاح كبير أو بمستقبل واعد قادر على الاستمرار في ظل حضور اسماء وأصوات لها شأنها، مثل ليلى مراد، وشادية، والاهم، مثل نور الهدى، حيث كان صوت صباح غير ناضج بعد، كما ان قدرتها على غناء اللون المصري كانت محدودة وتكاد تكون “عاجزة”، اضافة الى ان ملامحها التي ظهرت في الفيلم، لم تكن ملامح “ممثلة سينمائية جميلة او مثيرة”، بمثل ما كان عليه حال الممثلات المصريات في ذاك الزمان، وإنما كانت اشبه بملامح فتاة ريفية (قروية)، ما يعني ان صباح ستواجه صعوبة في الصمود.

بعد فيلم “القلب له واحد”، أدركت صباح، بفطرتها وذكائها، ان الالحان التي أعطيت لها، “حشرتها” في خانة “المغنيات” اللواتي يقدمن الاغنيات “الخفيفة” التي يتم تلحينها بسرعة، وتؤدى بسرعة، ويسمعها الناس بسرعة، وينسونها ايضاً بسرعة.  لذا، لم تعترض، عندما اطلق عليها بعض النقاد، يومذاك، “مطربة السندويش”، فسارعت الى الانتقال في اختيار اغنياتها بالتدرج، وعلى تطوير اختياراتها، متعاونة مع الملحنين الشباب الذين يحملون نفساً تلحينياً متجدداً، ومن هؤلاء، كمال الطويل، ومحمد الموجي ومحمد فوزي، ومن بعدهم بليغ حمدي ومنير مراد، وصولا، في مراحل لاحقة، الى ألحان محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش، وبذلك، انتقلت صباح، بالالوان الغنائية الجديدة التي بدأت تقدمها، من “مغنية” الى “مطربة”، كاشفة في الوقت ذاته عن قدرات صوتية وأدائية مميزة.  وبذلك، رسخت قدميها في عالم الغناء، بعد ان كانت اقرب الى “المنولوجست”، وساعدها في ذلك، “النضوج المزدوج”: جسدياً وصوتياً، وهو النضوج الذي اعادها الى السينما، وبقوة شديدة، لتصبح، بمرور السنوات، احدى اشهر نجمات الفيلم الغنائي في مصر والوطن العربي، ولتشارك اشهر نجوم الغناء في مصر ولبنان وسوريا، بطولات افلامهم، مثل عبد الحليم حافظ وفريد الاطرش ومحمد فوزي وفهد بلان… . وقد تكون صباح النجمة ـ المطربة الوحيدة، بعد زميلتها شادية، التي تشاركت مع كل نجوم السينما الغنائية، بالبطولة.

اما على الصعيد اللبناني، فإن صباح تعتبر من أهم من غنى الفولكلور اللبناني، وتعتبر حتماً، صاحبة فضل كبير، في المحافظة على هذا اللون الغنائي الجميل، كما تُعدّ من ابرز المساهمين والفاعلين في التأسيس للأغنية اللبنانية، حيث عملت على نشرها، عربيا وعالميا، وبذلك، كان لها فضل اضافي يتمثل بتقريب اللهجة الغنائية اللبنانية الى قلوب مختلف الشعوب العربية.

ومن عدم الانصاف، انكار دور صباح الريادي في هذا المجال، فهي كانت خير سفير للغناء اللبناني، شعراً ولحناً وأسلوب أداء، وهي التي حملته الى أرقى المسارح العالمية: “الأولمبيا” في باريس، “كارناغري هول” في نيويورك، “دار الاوبرا” في سيدني باستراليا، “قصر الفنون” في بلجيكا، “ألبرت هول” في لندن، وسواها من المسارح، حيث كان صوتها يتجلى على حقيقة، سواء في “الاغنية” أو “الموال” أو “الميجانا” أو “العتابا” أو “ابو الزلف” وكلها قوالب غنائية ذات امتدادات صوتية لا يقدر على تقديمها سوى المتمكنون من فن الغناء اللبناني، بكل مندرجاته وأساليبه وشروطه.

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s