جميلة الرضا: جدلت النهر وأحصيتُ سبع مرايا لسماء واحدة

غادة علي كلش:

تدهشك الشاعرة الطبيبة اللبنانية جميلة عبد رضا  بقصائدها المجدولة بباقات الياسمين،المنسابة إلى جداول الأرض،المتسللة بين هسيس العشب، والموصولة بأنغام العصافير. قصائدها  تغتني بالرهافة والتفكر، وتعتمد العاطفة والحب موئلا لها. عن ديوانها الأول: “أجدل نهرا كي لا أغرق”، وديوانها الثاني “سبع مرايا لسماء واحدة” الصادر حديثا،كان “للكفاح العربي” مع الشاعرة جميلة هذا الحوار:

■ يحملُ ديوانك  الشعريّ  الأول  “أجدلُ   نهرًا   كي  لا  أغرق”  ابتداء  من عنوانه  وانتهاءً  بخاتمته  صيغة   بنائية غنيّة  بمفردات  الطبيعة والبحر  والأصداف والموج  والغيمات والحب  والآهات. هل   شعرك   هو وليد   الغوص   في  أنهار  النفس والحياة  واللغة، علمًا أنك طبيبة   تتعاملين  مع   قوة  المقبض؟

– لم لا، من البديهيّ أنّ  التأثر  بالطبيعة  لا  يؤثر   بسلوكنا وقاموسنا  اللغويّ فقط، بل ولشدّة تأثرنا،نحن  نتآخى  مع  الطبيعة  ونقلّدها… ونتقمص أدوارها  أحيانا. ألا نذهب  بأسرارنا  إلى  الأشجار   نجالسها؟ وإلى  النهر  نوشوشه، وإلى  البحر  نرمي  أسرارنا فيه ونحاكيه ونتعلم السباحه ليس  من  أجله  بل  أيضًا  من  أجل  الغوص  في  ذواتنا  وهي  الأصعب؟ مع  تجربتي  الأولى، كان  عليّ  أن  أعنْوِن  كتابي وأعرّف  عن  هويتي  الجديدة  بعد  الطبّ. فذهبت  الى داخلي  وانتبهت إلى  انني. أكتبُ  كي: “أستردّ  أنهاري  من  صخرة  الضجر

  كي  أُهدي  الألم  قيثارة وخواتم  من  مطر…

  أكتبني  كي  لا  أغرق

  وجدلتُ  النهر  كي  لا  أغرق.”

 فنحن   حين  نبحث   عن  ملامحنا  الشاردة  أو  التائهة، قد  نفرّ  إلى  الطبيعة للتنفّس  لأننا  نتشابه  في   المرايا  والخبايا ، ولكننا  أيضَا  نبحث   عن  ذاتنا  في   الأعماق، وليس  فقط  فوق  المسام  والملامح. هو  البحث، ربما  عن  فسحة  الخلاص  والحياة.وأنا  حين  أعلنت  عن هويتي  الجديدة   تلبَسْتُ  النهر… كتابةً فجدلته    للخلاص.. خوفا  من  الغرق  والموت  المعنوي.

 فما بين  الشعر  والطبّ… هو الانسان. الشعر  فن  الحواس والطبّ علم الحواس  والجسد. الطبيب  هو  الأكثر  إدراكاً   للحسّ   وللحواس. ألم   يؤنْسن  الشاعر  الشعر؟  وما   المقبض  الا  سندان  المنطق  الذي  يتمسك  به  الطبيب  حين  يلمس  بحسّه  ومنْطِقه  آلام  الآخر.  فالطبيب لم  يكن  بالمرّة، محايدا   للألم   وللإحساس، بل هو يدخل  متطرفًا  في  مشاعره   كما   منطقيًا  في  وضع   نقاطه. يدخل  حياة  ألم  الآخر  في  العمق.

■ لكِ   مفردات في  متون قصائدك  تُذكرنا   بمهنة الغوّاص  الذي  يغنم   من  أعماق   البحر  بكنوز  خفيّة. هل  مرد ذلك   كونك إبنة  صور التاريخية  الساحرة.

– لي   منطقتان   في  هويتي. فأنا  بالمفهوم  الأوضح  إبنة صور  التاريخة  وحفيدة  أليسار وهنا  تعلمتُ. أمّا في النشأة الأولى  فأنا  إبنة  منطقة  العامرية  الساحلية التي  تمتد  من  صور  ساحلا  جنوبا  نحو  خط  الناقورة، وحنينًا  صوب  فلسطين… هي منطقة  ملازمة  لبساتين  الليمون  والأشجار  وشجر  الكينا  وعصافير  الدوري  والطيور.  هي  الجارة  للبحر أيضأ… ومتنفس  النوارس. هي  المشرفة  على  تلال  الزيتون  وذكريات الصنوبر.  فهذة   الطبيعة  حيث  نشأت  ومازلتُ  أعيشُ  فيها، جبلت  طبيعتي فأصبحت  مائية  هوائية  ترابية نارية.

ولا  أخجل  من أن  تلوّنني  مفردات  طبيعتي.  لكن  أقول  إنّ  الفن هو  قائم  في ذاته، فلا  النشأة  ولا  الأصول  تلد  شاعرًا  أوكاتبا  أو موسيقيا، إنما هي  تّهذب  روحه  وتصقل  سلوكياته.وإن  قلنا   نهفو الى  الطبيعة  فهي  خطوة… ولكنّ   الذهاب  إلى  الروح   وقراءتها  أصعب… قد  يكون   الذهاب  مشيًا، وقد  يكون سباحةً  وغوصا، وقد  يكون  تحليقا وهو الشامل  لرحلة  الذهاب  نحو  لغة  الجسد  والروح. وفي رأيي هو الأجمل.

 وأخيرًا، نعم، ربّما هو قاموسي  المائي المريّش  بلغة  الطير وطقطقة الأصداف.

■ تتهادى   الصور  الحسيّة   الرقيقة   والعميقة   في  ديوانك هذا   لتشكل   نمطا خاصاً   بك.  هل  في   بالك   هدف  الوصول    الى  مقام  ما  في   دنيا  الشعر؟

-لا  أعرف ما  هوية كتاباتي  رمزيةّ  حسيّة أم  مجازية. لا  أعلم  إلا   انها   توظيف  لعملية  الحواس. فعندما  أكتب لا  أدري   كيف  تكون الأمور باللاوعي  واللاإدراك.  أكتب  ولا  أعلم من الذي  يتهادى  أو  يقفز  ولكن  هي  حالة  لاواعية، وربما  تكون مرّة  موجة  ومرّة مركبًا.

لكنّ  ما  يقودني  إلى  الكتابة  هوالشغف  أولاً… وحالة ممزوجة  بالقلق  والطاقة  في الوقت ذاته.  هو صحو وتلاشٍ، خلاص  وغرق. كلّ  هذا  هو   التحليق  والتنفس.

نحن بداية  نقول: “نكتب لأنفسنا”، وأقول: “أكتبُ”  كي لا أغرق. و”نكتب”  حين  نلامس  أنفسنا  بالعمق   بثلج    الروح وجمره.

ولكنّ   الحقيقة  أنّنا  نكتب  حتى  نلامس  الآخر، نلامس  إحساسه،   قلبه  وعقله. ورّبما  نودّ  ملامسة الآخر  القابع  فينا. أين   نصل  أو أصل  لا  أعلم إن  كانت   كيمياء  الشعر توصل  إلى  أيّ   مقام.

■ تمزجين  المعاني   المضادة  والعناصر   المتعددة  في  مزيج ساحر   رومانسي كأنما  ثمة مخيلة   بيضاء  تشكلت معك منذ الصغر،هل  للطفولة  دور  في  تكوين   هذا  المزج؟

-أنا  الآن هو ذاك الطفل  الذي  كان. منذ  الطفولة تحدّد تقريبًا  هوية الانسان وشخصيتة وتبقى  الّذاكرة  والمخزون  العاطفي  شحنة المخيلة.

أنا، ومنذ  عمر مبكر، أحببت  القراءة… كانت  الهدايا  التي  تأتيني  كتبا. وكنت  أكتب  دندنات  هكذا سميتها  من  الصغر… إلى  أن  تعالى  صوتي  فاشتركت  في نشاطات  المدرسة  ومجلة  المدرسة  وشاركت  في  نشاطات  عامة… كنت  أحب  الشعر  وإلقاءه. أحبه وأحب الفن، لكنني  ما  استطعت  العزف  ولا  الرسم. من هنا لا أظن مخيلتي بيضاء… فقد كانت  مشاغبة ملونة  خجولة  شقية. كانت المزيج.  ولهذا  اشعر  بأنني  أمزج  الأضداد   حتى أصل  إلى  التجانس.

■ هل تحضّرين  لديوان جديد، وما هو تقييمك  لردّ  فعل  النقّاد والقرّاء  على  ديوانك  الأول؟

-نعم  لدي ديوان جديد ثان هو   ” سبع  مرايا   لسماء  واحدة”  صدر حديثا عن “دار  نلسن”  وسأوقعه في  “معرض بيروت  العربي الدولي للكتاب” مطلع هذا الاسبوع.

أما بالنسبة الى ديواني الأول فعندما يذهب  الكتاب  الى  القراء  أفقد  ملكيته  ويصبح  ملكا  لمن يقتنيه.لذلك أنا أحترمُ كلّ  رأي  وتفاعل  مع  النصّ، ثمة من أظهر تفاعله مع مختلف قصائد الديوان،منهم منْ يعرفني  شخصيا  ومنهم من لا  يعرف  جميلة.  كذلك الأمر بالنسبة الى النقّاد، فأنا أحترم  كل  رأي.  فالقارئ والناقد  والصحفي، لكل واحد  منهم  ذائقته الخاصة.  وهذه  الكيمياء،  كيمياء   الشعر  إمّا  أن  تصل  الى  القلب  أو لا  تصل  أبدا.

■ كيف   تصفين    خطوة   النشر   كطبيبة    تدخل  حديثا    في  خانة   احتراف  الكتابة  الشعرية؟

– أوّلا خطوة النشر  هي  قرار. كتبت  منذ  فترة  طويلة، وكل كتاباتي  احتفظت  بها   وبقيت  في  الجوارير.

الآن  أتى  قراري  بأن  اخطو  نحوالنشر  كأي  شخص  آخر  وصل   إلى هذه  القناعة.  ولا  اقول  انه  قرار  خال  من  القلق  والخوف  والتردد  أحيانا. إلا  أنه  تم كطبيبة  فانا  أولا  إنسان وأُعيد  القول  إنّ الفن  قائم  في  ذاته، ولا علاقة لا  للنشأة  ولا  للأصول  به. وطبعا  ككل  شخص   ينوي  الدخول  الى  هذا  الفضاء، بي  ما  بي  من  حالات  قلق اولا، ولكنني  أتمسك  بالهواء  بكل  ما  فيه. وأحاول  تثبيت  قدمي  على  التراب، والتمسك  بالطاقة  والشغف، شغف  الحياة  رغم  واقعنا  الشجيّ  والمتعب، وذلك كي  أستمر  في احتراف الكتابة  وأبقى  على  قيد  التنفس.

من ديوانها الجديد “سبع مرايا لسماء واحدة”:

“أعبرُ إليكَ بمرايا الروح

من وردي

سبعَ مراتٍ

وسبعَ مراتٍ من مرايا الرؤى

نحو الجهة السرِّية من رقمي

لأشهد أنك سمائي

الواحدة”.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s