قهوجيات: مزارات…!

يُقال إنه فيما مضى كان على جانب الطريق بين العراق والحجاز “مقام” كبير لإحدى الصالحات يقوم على خدمته رجل دين وقور نَذَرَ نفسه لهذه المهمة الجليلة، ويقيم معه نفر من مريديه يتتلمذون على يديه ويتأدبون بهدف كسب المعرفة والتربية الصحيحة الملتزمة بالسلوك الحَسَن وحُسن السيرة.

كان هذا الرجل يعيش برخاء مما يَدُرُّه عليه “الضريح” من صدقات وافرة ونذورات قَيِّمة. في أحد الأيام أراد أحد تلامذته وكان من المفضَّلين والمقرَّبين منه أن يذهب إلى “مكّة” طلباً لزيارة الأماكن المقدّسة وأداء فريضة الحج، فأذنَ له أستاذه الشيخ بالسفر وودَّعه بعد أن أعطاه حماراً صغيراً يستعين به على حمل بعض حوائجه أثناء الطريق ويؤنسه في وحدته في تلك الرحلة الطويلة. لسوء الحظ وبعد مسيرة مضنية أَصيب الحمار بعارض ومات! حزن التلميذ عليه حزناً شديداً، إذ كان الحمار رفيقه وأنيسه، وعَزَّ عليه أن يترك جثته في العراء فقرَّر أن يحفر له حفرة يدفنه فيها بدلاً أن من تأكله الوحوش. بدأ الحفر والدموع تفيض من عينيه، وما كاد ينتهي من دفنه حتى فوجئ بقافلة كبيرة من الحجَّاج تدهمه وهو يهيل التراب الذي غطى الجثة بالكامل. توقف قائد القافلة وسأله عن أمره فخجل أن يقول له أنه كان يدفن حماراً، بل قال باكياً وبلهجة فجائعية نائحة إن رفيقاً له من أهل البر والتقوى والصدق والوَرَع كان يقصد الحج معه وافته المنيّة فقام بدفنه!

أثَّرت الحادثة في نفس قائد القافلة وطلب من رفاقه تقديم المساعدة لهذا المسكين المفجوع فانهالت عليه التبرعات من الجميع. وقبل أن تتابع القافلة سيرها طلب القائد منه أن يأتي ببعض الحجارة ويضعها حول القبر لئلا تُمحى معالمه وتضيع.

وهكذا، بينما هو يجمع الحجارة إذا بقافلة جديدة تصل وتستعلم عما يقوم به، فقصَّ عليهم حكايته مع زيادة ما يناسب المقام، ولم تكن هذه القافلة بأقل سخاء من القافلة الأولى. استمرأ أخونا هذا المورد وأخذ يزيد في إتقان الضريح وإقامة بناء عليه من الدخل المتزايد حتى أصبح لافتاً للأنظار من بعيد، واشتهر في الجوار وصار حديث الركبان وتعاظم زائروه وما ينفقون عليه، وترك صاحبنا الحج ولزمَ الضريح ولم يفارقه.

في العام التالي وقد نسيَ الأستاذ تلميذه كلياً بعد أن انقطعت أخباره، نوى أن يحج للمرة الثانية، وكم كانت المفاجأة له أن يجد في طريقه مزاراً لم يكن قد رآه في المرة الماضية أثناء حجِّه السابق. عندما اقترب منه أحب أن يستطلع شأن المزار فبوغتَ بتلميذه وقد أطال لحيته وكبَّر عمَّته وأرخى طويلاً جبَّته، وسأله بعد عناق طويل عن شأنه وعن قصة المزار، فلم يكذب تلميذه عليه بل حكى له القصة الحقيقية بحذافيرها، فأعاد الأستاذ الجليل عناق التلميذ مرة ثانية وهو يقهقه مسروراً من نباهة وبراعة تلميذه الذي فاق كل التوقعات وفاق أستاذه في ابتكار الحلول لكسب العيش وقال له: الله.. الله عليك! إن المدفون هنا في هذا المزار هو إبن الحمارة المدفونة في المقام الذي عندي!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s