الحواران الإسلامي والمسيحي: إقتناص الفرص أم إضاعة الفرصة

جعجع وعون في صورة من الارشيف

جعجع وعون في صورة من الارشيف

كتب المحرر السياسي: 

تتنقل أزمات لبنان ما بين السماء والأرض.

العواصف لا تهدأ ولا تتراجع.

وإذا كانت عاصفة «زينة» قد طغت بعنفها، وعمّ صقيعها كل أنحاء البلاد، فإن صقيع معالجات الأزمات المستوطنة مؤسسات لبنان ما زال يمنع المسؤولين من الاقتراب وملامسة الحلول خوفاً من أن تلسعهم برودة الحلول أو حرارة المشاكل المشتعلة.

وفي الحالة اللبنانية النادرة، وربما الوحيدة في تاريخ الدول، فإن الفراغ ليس شرطه شغور الموقع، كما هو الوضع في رئاسة الجمهورية، فمن الممكن أن يكون الفراغ واقعاً بقوة التعطيل المتعمد، كما هو الوضع في مجلسي النواب والوزراء.

من حيث الشكل فإن المؤسسات الدستورية قائمة، لكنها بالفعل هي مؤسسات عاجزة من كثرة العصي  التي تمنع دواليبها من الحركة.

لقد أخطأ الرئيس تمام سلام عندما استسلم لعقدة الإجماع الوزاري، وأسس بذلك لعقدة أمرّ وأدهى من عقدة الثلث المعطل، لتحل محلها عقدة الوزير المعطِّل. فحتى الله لم يجمع الناس على دين أو رأي واحد. فكيف إذاً سيجمع الرئيس سلام وزراءه الأربع والعشرين على قرار واحد؟.

ولهذا، فإن ما تم اختراعه من معطلات جعل الفراغ والنصاب في السرايا حالتين تتناقضان بالمفهوم وتتساويان بالفعل، فنحن إذاً أمام شبه فراغ حكومي لا تمر من بين أيديه سوى القرارات التافهة التي تحظى بإجماع لا يحضر إلا عند بحث التفاهات.

وإذا كان مجلس الوزراء، وعلى مدار عدة جلسات، لم ينجح في الاتفاق على موضوع «الزبالة»، فلا يحق لنا أن نلومه إذا استمر في عجزه عن الاتفاق حول سلسلة الرتب والرواتب، التي لا يدري أحدٌ ما إذا كانت قد ماتت في مهدها أم أنها ما زالت قادرة على البقاء قيد الحياة.

لا يمكن استعراض كل ما هو كبير ومعطل في مجلس الوزراء، ولا يمكن كذلك سرد مجموعة القوانين، التي لا تجد نصاباً يلمها في مجلس النواب. لكن يمكن استعراض تداعيات هذا الإستخفاف السياسي والدستوري في دولة لم تعد تبعد كثيراً عن إعلانها دولة فاشلة. فكل الطرق التي يسلكها المسؤولون والسياسيون تؤدي الى سقوط لبنان. أما التغني بقدرات اللبناني على ابتداع الحلول، والتغزل بمعجزاته الإقتصادية… فكل هذا لا يخرج عن كونه ورم سرطاني نرفض الإعتراف به.

بصيص الأمل الوحيد المتسرب في النفق المظلم الذي يسير فيه لبنان، هو في حوارين أصبحا حديث البلد.

حوار المستقبل وحزب الله، وحوار الوطني الحر مع القوات.

مشكلة الحوار الأول الذي انطلق، أن فيه عدة أبواب مغلقة ممنوع فتحها. كالرئاسة الأولى، وسلاح حزب الله، والتدخل في سوريا، ومحكمة لاهاي، ومع ذلك يمكن لهذا الحوار أن يسهم في انقاذ الحد الأدنى، إذا وصل المتحاورون الى الحد الأدنى من جدية الإنقاذ.

والإنقاذ المطلوب، قبل تحسين العلاقة بين الفريقين، هو إنقاذ الحكومة من التعطيل. أي العودة الى الثلث المعطل، لا الاستمرار في الوزير المعطِّل. إذ من غير المعقول أن يكون الوزير ملزماً بقرار الثلثين، وعندما يصبح جزءاً من كعكة رئاسة الجمهورية يصبح معطلاً لما التزم به في مجلس الوزراء.

إن إلغاء بدعة «الوزير المعطِّل» يعيد للحكومة دورها وقدرتها على معالجة شؤون الناس والدولة معاً. ويبدو أن هذا الموضوع، على أهميته، غير وارد في الجدول الحواري. وهذا يعني أن وباء الفراغ سيبقى ضارباً في القرارات الحكومية الكبرى.

وثاني القضايا الغائبة عن الحوار هي إعادة الحياة الى المجلس النيابي. وذلك بإلزام كتل الفريقين المتحاورين بحضور جلسات مجلس النواب كافة والامتناع عن الغياب، لتعود المؤسسة التشريعية لأداء مهامها الدستورية، وبالتالي، سن القوانين ومراقبة الحكومة وميزانيتها وغير ذلك من واجبات أناطها الدستور بنوابه.

وبعودة الحياة الى الحكومة ومجلس النواب نكون قد أبعدنا مخاطر انهيار الدولة. لتسير البلاد عندئذٍ تحت مظلة الدستور، لا عبر سياسة مخالفة الدستور وخرقه.

عندما يتوافق المستقبل وحزب الله على هاتين النقطتين، يكون للحوار نتائج على مستوى الوطن. أما إذا بقي الحال على ما هو عليه من حكومة تعجز عن اصدار المراسيم، ومن مجلس يعجز عن تأمين النصاب، فإن الحوار سيكون عبارة عن تسوية جزئية لخلافات خاصة… ستعود حتماً للغرق في الخلافات الوطنية وكأن الحوار لم يكن.

وأمر الحوار الثاني بين جعجع وعون سيأخذ المسار نفسه وسيصل الى النتائج نفسها إذا ترك الأمراض الوطنية تتفاقم وحصر  حساباته في تأسيس لعلاقات ستبقى ضيقة حتى ولو وصلت المصافحات بين العماد والحكيم الى حالة من العناق والقبل.

إذاً تيار المستقبل وحزب الله، وكذلك القوات والتيار الوطني، هم جميعاً بين خيارين: اقتناص الفرص… أو إضاعة الفرصة… فكيف إذا كانت الأخيرة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s