قهوجيات: مسيرة للكلاب

تبرز عاصمة لبنان بيروت كمدينةٍ للعجائب والغرائب، حاضنةً للشيء ونقيضه، وحاوية لمختلف الاتجاهات السياسية والتيارات والأحزاب، وشاهدة على تصارعها ومنافساتها مع بعضها البعض عبر جميع وسائل الاعلام وعبر التظاهرات والمسيرات والمهرجانات والندوات، حيث يتخلّلها من وقت لآخر بعض التفجيرات القاتلة والاغتيالات وتدهور حالة الأمن وارتكاب التجاوزات بخرق القوانين والأعراف.. الخ.

مع هذا السيل المتفجِّر فإننا نرى غزارة طافحة في البرامج الغنائية واللقاءات الفنيّة والثقافية ومعارض الكتب المتنوعة والمنافسات الرياضية وسباق الماراتون الكبير والاحتفالات الفخمة لانتخاب ملكات الجمال وعروض الأزياء العالمية وأخر صرعات الموضة.. .

هذا التنوَّع المتعدد جعل من بيروت ميداناً عجيباً غريباً لاجتماع المتناقضات اللبنانية في الوقت نفسه وعلى تماس بل وتشابك بعضها بالبعض الآخر، استطاعت أن تستقطب وتستقبل أيضاً غالبية المتناقضات العربية وتصبح – منذ عقود – الملاذ الذي يتعايش فيه السلب والايجاب، والتطرف والاعتدال، والوعي والغياب عن الوعي!

من جملة الأعاجيب، وربما تمشياً مع رواج “المسيرات” شاهدنا منذ أيام مسيرة سلمية أنيقة “للكلاب” الداجنة في وسط المدينة برعاية “جمعية حقوق الكلاب”، حيث شارك فيها عدد من كلاب العاصمة والمناطق وكذلك من بعض البلاد العربية. كان هدف المسيرة إظهار جمال الكلاب وإيصال الصوت إلى المسؤولين للبت بحقوق الحيوانات كافة وليس فقط ما يخص الكلاب! والمطالبة بالعدالة وإرساء قواعد راسخة للسلم الأهلي واحترام صوت ونباح الآخر!! وَحَصَلَتْ أثناء تلك التظاهرة الحضارية الجميلة والمؤثّرة مبادرات التعارف الودي بين بعض الكلاب رغم تنوّع أجناسها، وكذلك بين أصحاب الكلاب أنفسهم، حيث تمَّ تبادل الخبرات وشرح الأهداف “الكلبيّة” البعيدة المدى!! والتأكيد على استمرار التواصل وتبودلت العناوين والإيميلات، وشكَّل الاحتفال فرصة ذهبيّة للمعلنين عن مأكولات الكلاب وأنواع الشامبو المخصَّص لها وعناوين العيادات والحمّامات وصالونات الحلاقة المجهّزة بأحدث المعدات والتقنيات المفيدة للكلاب والهررة وما يعادلها من حيوانات!

في ذلك الجو “الكلبي” الرائع لم يخل الأمر من بعض النباح الذي صَدَحَ من هنا وهناك، وكان نباحاً لطيفاً يدل على النوايا السليمة ويعبِّر عن ثقافة كلبيّة عميقة، على الرغم من تطفّل بعض الكلاب “الجعارية” الشاردة الطارئة التي بادرت إلى إطلاق “تهويشات” مزعجة، كانت أقرب إلى “العواء” منها إلى النباح!!

في بيروت اليوم نستطيع أن نكون من ضمن المدعوين إلى حفلة غناء ورقص، أو إلى حفل عرض أزياء، أو حضور ندوة ثقافية أو مهرجان سينمائي، أو معرض فن تشكيلي… .

في بيروت اليوم، هناك إمكانية للاشتراك بمسيرة حاشدة وتحت شعارات وطنية، قومية، حزبية، عشائرية.. . وكذلك هناك إمكانية للاشتراك بتظاهرة “كلبيّة” وتحت نفس الشعارات الآنفة الذكر!!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s