“ثوابت” لا تعرف الخجل

ثوابت اليوم غير ثوابت قديم الزمان.

كان من بين ثوابتنا في زمن الأخلاق والقيم: تقديس السيادة، إحترام الدستور، الالتزام باستقلال القضاء، التمسّك بالوحدة الوطنية … وأمور أخرى كانت تفرضها الوطنية والمبادئ.

أما ثوابت اليوم، فهي لا تعرف الحياء، وبالتالي، لا يخجل أربابها ومن يتبعهم، من اتباعها ورفض التزحزح عنها.

سيادة لبنان صارت سيادات. فهي إيرانية وسعودية وقطرية وتركية وسورية وأميركية وروسية وفرنسية.

لكل مجموعة لبنانية سيادتها.

أما الدستور، فقد بلّه الجميع وشرب ماءه.

وأما العدالة، فأحكامها خاضعة لأحكام النقض السياسي.

وأما الوحدة الوطنية، فقد تحوّلت إلى أحاديات مذهبية حادة.

ومن ثوابت اليوم، الكراهية المتبادلة، والتكاذب المفضوح، والأحقاد الدفينة، والمذهبية التي تذهب بالوطن والوطنية.

ومن ثوابت اليوم أيضاً، الفساد بكل أشكاله، والتلوّث البحري والمائي والغذائي والدوائي … ولا يجب أن ننسى التقنين الذي أصبح استراتيجية ثابتة لشركة كهرباء لبنان.

ونخشى كذلك أن يتحوّل الفراغ الرئاسي إلى ثابت آخر أشدّ فتكاً بالدستور وبلبنان.

وسط هذا المناخ الموبوء، لا يمكن الحكم عما إذا كان لبنان بلغ مرحلة الدولة الفاشلة، أم أنه دولة تتفكك في طريقها إلى الفشل الكامل.

صحيح أن كراسي مجلس الوزراء ما زالت صالحة لجمع المختلفين سياسياً والمتخلّفين وطنياً، لكنها كراسي لا تتحرك، لأنها تحمل أثقالاً لا يمكن احتمالها، من المشاكسة والمخالفة ورفض التفاهم … إلا على ما قلّت أهميته وخفّت قيمته.

هنا، لا بد من الإشفاق على الرئيس تمام سلام.  فهو رئيس شكلي على مجلس يضم في الواقع 23 رئيساً إضافياً.

معذور تمام بيك، فقد جاء إلى الحكم في زمن التهميش والتطنيش.

أما مجلس النواب، فهو الآخر يمضي سنواته الممدة بين العطلة والتعطيل.

إذاً، أين المفر والمذهبية أمامنا، والإرهاب وراؤنا، والأحقاد على جوانبنا؟

يقال أن لا مفر من “الحوار” … الذي أصبح لازمة عربية.  مطلوب في ليبيا ومطارد من ميليشياتها.  ومطلوب في مصر ومطارد من “إخوانها”.  ومطلوب في سوريا ومطارد من تشدد فرقائها.  ومطلوب في اليمن ومطارد من “حوثييه”.  ومطلوب في العراق ومطارد من مرجعياته.

حوارات لا نصير لها بين المتحاورين.  وكأنهم يجتمعون، عندما يجتمعون، لاستيلاد المزيد من الخلافات.  ولا نظن أن ما نتباهى به من حوار بين “المستقبل” و”حزب الله”، وما نعلّق عليه الآمال من حوار بين “التيار” و”القوات”، سيلقيان غير مصير القاء تهم الإفشال عندما يحين موعد إعلان الفشل.

ومع ذلك، يبقى اللبنانيون متفائلين بحواري عين التينة والرابية، ربما لأنهم اعتادوا “شراء السمك ببحرو”.

سامر الحسيني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s