رفيق الحريري الذكرى العاشرة والحاضرة

أَحبَّ رفيق الحريري لبنان … حتى الموت.

وهذا ما كان.

عشر سنين مرّت على “أم الفواجع”، ومازال الغياب مزلزلاً، ومازال الحزن مقيماً.  فعلى مثله لا تغلق ذاكرة ولا تشفى جراح.

من دونه تدنّى كل شيء.

مطاره الذي كان ذراعاً أنيقاً ونظيفاً لاحتضان ضيوف لبنان، تدنّت لياقته.

ومستشفى بيروت التي أرادها مفخرة طبية، تدنى مستواها ومحتواها وبليت أجهزتها، وتحوّلت إلى مغارة “علي بابا”.

ووسط بيروت الذي بناه بإلهام الفنان التشكيلي ليكون بهجة الناظرين والزائرين، ومقهى العرب ومطعمهم، وجاذب استثماراتهم ومقرّ نشاطاتهم الاقتصادية، يكاد يتحوّل إلى منطقة مقفرة، بعد أن كان نموذجاً تحلم بمثله كل العواصم العربية.

وجسوره وطرقاته وأنفاقه بدأت تتآكل إهمالاً، وتقصيراً ربما متعمداً.

والكهرباء التي أعادها لكل لبنان بلا تقنين وانقطاع، ها هي تلفظ قوتها وتخضع للتقنين في مكان وللإنقطاع في مكان آخر.

أشياء كثيرة وكبيرة بناها كرجل إعمار … عطّلتها قوى الدمار.

حتى الوطن الذي أنقذه في الطائف من حربه الطائفية، أعادوه بقوة إلى حروب مذهبية مموهة نيرانها بالرماد، الذي قد يتطاير عند أول عاصفة سياسية لتنكشف النار أمام أفواه نافخيها.

حتى جذوره التي تركها لتتابع نهجه ومسيرته، هددوها وأبعدوها في محاولة يائسة تعمل ليباس أشجار الحريري التي زرعها في السياسة والإقتصاد والإنماء.

كان رحمه الله واضحاً وصريحاً.  لا يحب أن يثير الغبار حول أفكاره وبرامجه.  إذ ليس هناك ما يحاول أن يخفيه.

خاض حرب الإعمار بعقلية رجل الإقتصاد … لا المقتصد.

كان يدرك وهو يبني لبنان أن البناء عدو الدمار.

كان يدرك وهو يعيد الحياة إلى اللبنانيين أن الحياة عدو الموت.

كان يدرك وهو يزرع الحب بين أبناء وطنه أن الحب عدو الكراهية.

كان يدرك وهو يعيد قيم التسامح أن التسامح عدو الحقد.

كان يدرك وهو يفرض الإعتدال أن الإعتدال عدو التطرف.

كان يدرك وهو يضيء كل لبنان أن الضوء عدو العتمة.

جرف الحرب ولملم الدمار وألقى بهما في بحر النسيان.

رسم بيروت عروساً … وأخرجها من وسط الركام مدينة تضجّ بالنور والفرح والناس.

بقي لديه الكثير من الأحلام قبل أن يتحالف ضده الموت والكراهية والحقد والتطرف والعتمة، ليشكّلوا معاً متفجرة هائلة كمنت لقلبه في قلب بيروت.

في تلك اللحظة الإرهابية الفظيعة، وقعت “أم الفواجع”.

وليست صدفة أن يقتلوه في يوم الحب.  فقد كانوا يدركون أن الحب هو رابطه المقدس بلبنان واللبنانيين … فقرروا قتلهما معاً.

لقد رحل رجل إعمار الوطن.  وكأنه أراد أن يكون مثواه الأخير مسجد محمد الأمين.  وكأنه أراد أن يكون هذا المسجد آخر إعماره … وآخر جسر يبنيه بين بيروت والله.

 

وليد الحسيني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s