السينما اللبنانية: صالات ممتلئة وأفلام فارغة

مشهد من فيلم يلا عقبالكن

مشهد من فيلم يلا عقبالكن

كتب عبد الرحمن سلام:

“عجلة الانتاج السينمائي اللبناني، عادت بفضل الله واجتهاد وتعب أهل الفن السينمائي للدوران، بعد توقف استمر لسنوات طويلة، تسببت به، بداية، الحرب اللبنانية، ثم تردداتها الاقتصادية – الانتاجية على سوق السينما اللبنانية”.

بهذه العبارات، يواجهك كل عامل في المجال السينمائي، وإلى أي تخصص انتمى.  ويضيف: هذا مع الاعتراف بالطبع، بأن مرحلة ما بعد الحرب، شهدت بعض الانتاجات المحلية التي قد لا تتجاوز عدد اصابع اليدين، على مدى السنوات الـ15 التي تلت نهاية ايام التقاتل بين اللبنانيين، ومع الاعتراف كذلك، بأن هذا الانتاج اقتصر على ما يمكن وصفه بـ”سينما الحرب”.

عند هذه النقطة، ينتهي رأي اهل السينما، لتبدأ الوقائع بسرد مفرداتها حول واقع السينما اللبنانية منذ بدء “دوران عجلة الانتاج” بحسب قول السينمائيين اللبنانيين، في السنوات الأربع الاخيرة.

بداية، نعترف للسينما اللبنانية بشجاعتها (اذا جاز التعبير)، كونها، خاضت ـ وما زالت ـ معركة انتاجات سينمائية، هي اشبه ما تكون بـ”المغامرة الفنية غير المحسوبة النتائج”، خصوصا على صعيدي الانتاج، والتسويق، (الخارجي تحديدا) حيث ان السوق المحلية قد لا تغطي ربع تكلفة انتاج فيلم من النوع المتوسط.

“مغامرة” بكل ما للكلمة من معنى، بسبب ضعف الامكانات المادية والتقنية، اضافة الى ضعف الهيكلية البنيوية التي يتطلبها تحمّل مثل هذه المسؤولية، كأن يتوفّر لها ـ على الاقل ـ ستوديو سينمائي (ولو واحدا) قادرا على تلبية وتأمين حاجات الانتاج والاخراج وفريق التمثيل وبقية الافرقاء التقنيين، من حيث متطلبات التصوير الداخلي (على سبيل المثال)، وهي تعتبر اولى مجالات النقص الرئيسية، ما يشكل نقطة الضعف الاساسية في عمليات الانتاج السينمائي في لبنان. هذا الواقع  يجبر القيمين على هذا الانتاج، اللجوء، إما الى تكثيف التصوير الخارجي (بكل ما يسبب ذلك من عثرات للمؤلفين والمخرجين والممثلين وبقية التقنيين)، وبالتالي الاستنجاد  بالبيوت والفيلات وبقية مواقع التصوير الخارجية  التي كان يمكن تفادي اثقالها المادية والمهنية، لو توفّر مثل هذا الستوديو، كما يجبر صناع الفيلم على تخصيص مساحة لا بأس بها من “الجنريك” من اجل توجيه الشكر لعشرات المطاعم والمؤسسات وأصحاب البيوت والفيلات التي استضافت “التصوير الداخلي”، خارجيا.

وبالعودة قليلا الى سنوات ما قبل الحرب اللبنانية، يتبين لكل مطّلع ان السينما اللبنانية، حققت، بالمفهوم التقني للعمل السينمائي، أكثر من انجاز، حيث كان لها اكثر من ستوديو سينمائي متكامل الصفات والمواصفات: “ستوديو بعلبك” و”الستوديو العصري”، الاول أنشأه بنك “انترا” الذي كان رئيس مجلس ادارته يوسف بيدس، وهدفه تحويل المنطقة التي اقام فيها الستوديو الى “هوليوود لبنان”، فيما الثاني اقامه مستثمر لبناني.  وقبل هذين الستوديوين، كان المصور ـ المخرج ميشال هارون قد أنشأ ستوديو حمل اسمه، وإنما بإمكانية تقنية ـ مالية اقل. وإذا كان الستوديوان “بعلبك” و”العصري” استضافا معظم انتاجات السينما اللبنانية منذ العام 1962 وحتى نهاية العام 1975، وسواء كانت هذه الانتاجات لبنانية بالكامل، أم بالاشتراك مع مصر أو سوريا، فإنه يسجل لستوديو “هارون” مساهمته في ارساء الأساس لصناعة الفيلم اللبناني، كونه أسهم، ولو بإمكانات ضئيلة، في تقديم الخدمات لكل الافلام التي صورت ما قبل العام 1962. وفي المحصلة، تكون السينما اللبنانية، على مدى المرحلة المذكورة، قد انتجت افلاماً متفاوتة المستوى والمضمون، ولكنها اسست فعليا لنهضة سينمائية لو كتب لها الاستمرار بقوة الدفع الذي بدت عليه منذ بدايات الستينيات وحتى اواسط السبعينيات، لكان للفيلم اللبناني شأنا آخر، عما هو عليه اليوم، ومنذ ان عادت “دواليبه” للعمل، كما يقول السينمائيون اللبنانيون.

“غدي” و”عصفوري” و”BeBe” و”حبة لولو” و”سكر بنات” وأفلام اخرى بلغ مجموعها في العام 2013 تسعة افلام لبنانية، حركت من دون شك السينما اللبنانية منذ العام 2010، بعد مرحلة ركود استمرت لسنوات، وأسهمت بتخطي الفيلم اللبناني حدوده المحلية وبلوغ المهرجانات الاقليمية والعالمية، ومنافسة (محليا) العديد من الافلام المصرية.  والمنافسة هنا، قد تعني حيناً جودة المضمون الفني، وقد تعني احيانا كثيرة المردود المادي من السوق المحلية وبعض الاسواق العربية المجاورة. وهذه “الظاهرة” أثارت حماسة بعض المخرجين اللبنانيين والمنتجين والممثلين، فدفعتهم الى الاقدام على مشاريع مماثلة، متفائلين بالقادم من الاعوام.

لكن من الواضح أن السينمائيين اللبنانيين يبنون آمالهم على أن نجاح العمل فنيا ومضمونا، يستند أساساً على ما يحققه من ايرادات، وليس أكثر.  مع العلم ان الايرادات يمكن مضاعفتها عبر استخدام “تقنيات” لا علاقة لها بالعمل السينمائي، بقدر علاقتها بالاشكال التي تظهر عليها بعض الممثلات، او بالحوارات التي يتداولها الممثلون والممثلات، أو بالايماءات والاسقاطات التي تلهب احاسيس ومشاعر الجمهور، اذ ليس كل فيلم يحقق المردود المادي يصنّف في خانة “النجاح”.

إن الكثير من انتاجات الأعوام الاخيرة، قدم إما “قصص حب”، مع ما تحتاج اليه مثل هذه النوعية من الافلام من “توابل” و”مقبلات” تغري المشاهد. وإما حكايات مستقاة من محطات الحرب اللبنانية التي “مجّ” المشاهد اللبناني مقاربة تفاصيلها لكثرة تناولها.

وبين الحرب والحب، يجد المشاهد اللبناني نفسه ضحية لكثير من الكادرات المبتذلة.  حتى المخرجة اللبنانية الأكثر شهرة وعالمية نادين لبكي وقعت في فيلمها “وهلأ لوين” (2011) في كليشاهات التعايش الاسلامي المسيحي وتنقل الكاميرا بين المسجد والكنيسة.

أما آخر الانتاجات سطحية، كان من دون أي منازع فيلم “يلا عقبالكن” الذي ملأ صالات السينما بالمشاهدين، دون أن يقدم لهم أي مضمون يعالج بعمق تحديات العنوسة التي تعاني منها بطلات الفيلم الأربع.

إن الابتذال في الانتاج السينمائي اليوم، لا يبرره واقع تاريخ السينما اللبنانية.  فبدايتها كان في العام 1929، بفيلم حمل عنوان “مغامرات الياس مبروك” اخرجه الايطالي المقيم في لبنان جوردانو بيدوتي، الذي عاود الكرة في العام 1931 بفيلم حمل عنوان “مغامرات ابو عبد”. هذان الفيلمان فتحا الباب امام مغامرين كثر لخوض التجربة، فتم انتاج فيلم بعنوان “بين هياكل بعلبك” في العام 1936 من اخراج جوليو دي لوكا.

وكما هو واضح، فإن البداية كانت بثلاثة افلام لمخرجين لبنانيين، الى ان اقدم اول لبناني علي العريس في العام 1943 على اخراج فيلمه “بائعة الورد”، ومن بعده بثلاث سنوات (1946) قدم فيلمه الثاني “كوكب اميرة الصحراء”.

هذه الافلام اعتبرت تجارب اولية لصناعة الفيلم السينمائي اللبناني الذي بدأ بالفعل خطواته الفعلية “الاحترافية” في العام 1951 بفيلم “عروس لبنان” من بطولة محمد سلمان وحنان (لبنانيان) وإنما من اخراج حسين فوزي (مصر).

ومع بداية العام 1952، استقبلت دور العرض في بيروت، اول فيلم لبناني بالكامل، انتاجا واخراجا وتصويرا وتمثيلا، حمل عنوان “عذاب الضمير” للمخرج جورج قاعي، ومن انتاج “شركة الارز” ومن بطولة احسان صادق، نهوند ولوسيان حرب لتتوقف من ثم عملية الانتاج السينمائي اللبناني لخمس سنوات، ولتعود في العام 1957، وإنما بزخم اقوى، حيث، اضافة الى فيلم “اللحن الاول” للمخرج محمد سلمان، و”زهور حمراء” للمخرج ميشال هارون، قدم المخرج المصري حلمي رفلة ثلاثة افلام لبنانية: ابن افريقيا، بنت الشيخ، نساء من ذهب. وهذا المخرج، كما اعلن في حينه، وجد في طبيعة لبنان، “ستوديو قادرا على الاستغناء عن التصوير الخارجي”.

أما البداية الجدية لـ”دوران عجلة الانتاج السينمائي اللبناني” فكانت في العام 1958، حيث قدم المخرج جورج قاعي فيلمه “ذكريات”، وجورج نصر فيلمه “الى اين”، وجوزف فهدة “لمن تشرق الشمس”، ومحمد سلمان “موعد مع الامل” ولتتوالى، منذ ذلك التاريخ الانتاجات اللبنانية، وليصل عدد الافلام اللبنانية (بحسب موسوعة الافلام العربية) الى (198) فيلما على مدى (64) عاما، تخللتهم سنوات حرب استمرت 15 عاما، ضعف فيها الانتاج السينمائي وأخرجت من دائرته، الانتاجات العربية التي كانت لها اسهاماتها (وهي كثيرة) في صناعة الفيلم اللبناني، كما صنفتها “موسوعة الافلام العربية” ضمن “الانتاج السينمائي اللبناني”.

وفي مجموعة الانتاجات الممتدة من العام 1952 وصولا الى 1993، تنوعت الافلام اللبنانية حتى يمكن القول انها غطت معظم الجوانب التي يمكن للسينما ان تغطيها، حضرت الافلام الغنائية، والاستعراضية، والعاطفية، والبوليسية، والحربية، والكوميدية و.. و… الاباحية حتى.

صحيح انها كانت، في احيان كثيرة، دون مستوى الانتاجات العربية الاخرى، لكنها، في احيان اخرى، تفوقت على سواها، بدليل ان فيلم “مرحبا ايها الحب” (1962) للمخرج محمد سلمان ومن بطولة نجاح سلام وسامية جمال ويوسف فخر الدين وحسن المليجي، صور بالالوان الطبيعية، وقبل ان تعرف الكثير من الافلام العربية  الفيلم الملون، كما عرض على هامش مهرجان “كان” في العام ذاته، بحضور نجومه وصناعه، واستقبلوا استقبالا جيدا، سواء من الجمهور او من النقاد والاعلام الغربي.

نقرِّ ونعترف بأن الانتاج السينمائي اللبناني خطى ـ في السنوات الأربع الاخيرة، خطوات مشكورة، من حيث “الكم”، ولكن علينا ان نعترف في المقابل بأن “المضمون” ما زال هشا، روتينيا، مكررا، وان هو غادر احيانا، “غرف النوم” و”السخونة”، فهو ما زال يدور ضمن “الغرف المغلقة” وبالمفاهيم التقليدية، وهي العيوب التي ما زالت تحاصر الفيلم اللبناني، بمثل ما حاصرت افلام عربية اخرى، في بداية صناعة السينما العربية بشكل عام.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s