قهوجيات: وبالوالدين إحساناً

تشكو المجتمعات في عصرنا الحديث من التفكك العائلي، وعدم الاعتناء والانتباه للكبار في السن، لذلك كَثُرَت وتعدّدت الملاجئ ودور العجزة والمصحَّات وما يُسمى “بيوت الراحة”. فما أن يبلغ الشخص سن الشيخوخة حتى يشعر بإهمال الآخرين له وعزوفهم عن التعاطي معه فيصاب بحالة انعزالية ووحدة مريرة، فيلجأ إلى تلك البيوت أو يأخذونه إليها كأحد الحلول الحياتية التي تؤمّن له – بشكل أو بآخر – بقية عمره وقضائه في أرجائها.

ولقد عانت بعض الدول العربية – وما زالت – من هذه الحالة جراء أسباب متعددة قد لا يكون انفراط العقد العائلي – فقط – أحد أسبابها.

كذلك فقد قاست دول شرقية كبيرة من هذا الأمر حين أصبح البعد شاسعاً بين الأبناء وآبائهم وأمهاتهم وتلكوء الأبناء عن الاعتناء والانتباه لكبارهم في السن لفقدانهم القدرة الجسدية أو لدرجة الوعي على التعامل مع متطلبات الحياة، مما جعل بلداً كبيراً كالصين أن تُصدر قانوناً يجبر الأبناء والبنات على زيارة والديهم بانتظام والمحافظة على مستوى من التواصل معهما.

وذكرت وسائل اعلام صينيَّة أن القانون الجديد، الذي دخل حيِّز التنفيذ يُحظِّر إهمال “الحاجات الروحية” للأشخاص المتقدمين في السن، بعدما كانت القوانين السابقة تَفرض على الأبناء والبنات الاهتمام بالحاجات المادية للوالدين فحسب.

وبموجب القانون الجديد يتعيَّن على أفراد العائلة الذين لا يقيمون مع الوالدين البالغ عمرهما أكثر من ستين سنة أن يزوروهما في شكل منتظم والتواصل معهما بصورة متكررة. وأجبر القانون حتى هؤلاء الذين يعملون في مناطق بعيدة عن منازلهم أن يتقيّدوا وينفّذوا هذا القانون، وفي حال عدم الالتزام يحق للوالدين طلب وساطة أو رفع قضيّة أمام المحكمة! ولقد صَوَّتَ مؤتمر الشعب الوطني لمصلحة القانون.

ورغم تجذُّر احترام المسنِّين في الحضارة “الصينيّة”، إلاَّ أنَّ العقود الماضية التي شهدت تحولات اقتصادية ضخمة أدَّت إلى تصدَّع تلك الصورة مع تراجع عدد الأبناء الذين يحافظون على الروابط الأسرية مع ذويهم. وعندما تكون الدولة غير قادرة على تأدية الخدمات الواجبة للمواطنين، تتكاثر فيها الجمعيات الخيرية ونوادي المساعدات التي تفتح أبوابها وتقوم بنشاطات متعددة للحصول على الهبات والتبرعات من قبل أهل الخير والإحسان.

ومهما علا مستوى تلك المؤسسات خدماتياً، فإنها لا تستطيع تعويض النزلاء عن العاطفة التي حُرِموا منها وعن حميمية التواصل بين الأبناء والآباء، إذ لا يكفي زيارتهم في المناسبات والأعياد وما إلى ذلك فهم بحاجة إلى الدفء الإنساني والحنان الذي يخفف من عزلتهم ووحدتهم حتى لا أقول يأسهم من الحياة.

فالعاطفة لا تُفرض بقانون ولا بروادع مادية، والرقَّة والحنان والألفة لا تخضع لقرارات حكومية، فهي تُولد مع الإنسان وتنمو بالوعي والإيمان والتربية السليمة والسلوك الصحيح.

غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s