نورا مرعي: أخوض الشعر والرواية والنقد بمقبض الطموح

الشاعرة اللبنانية نورا مرعي

الشاعرة اللبنانية نورا مرعي

غادة علي كلش:

المتابع لنهج الدكتورة الشابة اللبنانية نورا مرعي في التأليف الشعري والروائي والبحثي تستوقفه هذه البنية الإنتاجية الثلاثية الأطراف، فكل طرف يعادل بعمقه وجمالية أسلوبه الطرفين الآخرين، فما هو سرّ هذه السواسية المتميزة في كتابة البحث والشعر والرواية، وماذا عن روايتها الجديدة “ستحبينني يوما”؟

تقول نورا: كل طلقة لا تصيب لا تساوي شيئًا، وتلك المعادلة الصّعبة رأيتها من خلال ثلاثيتي في الشّعر والبحث والرّواية، لكل طرف من هذه الأطراف طلقته الّتي أصابت في مكان، وأدّت إلى شيء في مكان آخر، فلكل مجال طريقته الخاصة ودربه الّذي سرت عليه كي أحقّق ما أصبو إليه في التّعبير والكتابة وإنتاج ما سيصل إلى الجميع. بالنّسبة إلى مجال البحث الأكاديمي، فهو يتعلّق برغبتي في تحقيق حلمي في أن أكون متخصصة بمجال الأدب العربي لا سيما الرّمز في الشّعر العربي الحديث، وهذا الدّرب ساعدني، بل سهّل عليّ الدّخول إلى عالم الشّعر والتّعمق في ثناياه، وكان لي رؤاي الخاصة وكتاباتي في هذا المجال، بالإضافة إلى ما أقوم بكتابته يوميًّا والّذي صار يحمل طابعًا مغايرًا، ويميل حينًا إلى الغموض وحينًا آخر إلى السّهولة… أمّا مجال الرّواية، فذلك عالم آخر، من خلاله تمكّنت من الكتابة عن تلك الخلجات الدّاخلية والانكسارات المتكررة الّتي رغبت في أن تكون موضوعاتي، والّتي تجلّت منذ الرّواية الأولى ” هذا هو قدري”، والّتي كان موضوعها مختلفًا عن رواية ” ستحبينني يومًا” الّتي ولجت فيها عالم الحب الافتراضي والالكتروني، لأعالج موضوعًا كثر الحديث عنه في الآونة الأخيرة.

■ روايتك الجديدة “ستحبينني يومًا” تخوض في الحالة الإنعكاسية الجديدة لعالم التواصل الإلكتروني ولمفرداته النفسية والعاطفية والإجتماعية المريبة أحيانا، وتمتلك مفاتيح السرد الراقي والتصوير الوافي. هل يمكن القول إنّ عملك الروائي هذا هو المكشاف العميق لسريّة إجتماعية جديدة مستمدة من شبكة هذا التواصل ومن الفيس بوك تحديدا؟

– لا يمكن اعتبار أعمالي في مجال كتابة الرواية على أساس أنّها مستمدة من عالم الفيس بوك على الرّغم من تداخل بعض التّفاصيل مع هذا العالم الّذي شكّل نقلة نوعية على صعيد الاتصالات وإزالة الحواجز؛ ولكن عالم الرّواية يظلُّ المجال الرّحب لبثّ الأفكار والإضاءة على فلسفة المؤلف وعلى نظرته إلى الحياة وإلى قضايا الإنسان كما يفهمها وكما يريد للقارئ أن يقتنع بها! كلّ ذلك يجري على لسان أبطال الرّواية وعبر سلوكهم وحواراتهم ؛ من دون أن يكون المؤلف واضحَ الحضور في نسيج الرّواية.

■ أين يمكننا أن نتلمس تأثير الفيس بوك في روايتك (ستحبينني يوما)؟

– في فضاء الفيس بوك، الكثير من الأسرار الّتي صار يعيشها الجميع، وأسمع عنها في كلّ جلسة، ونتكلم بها في كلّ مكان…. وفكرة تلك الرّواية بالذّات استمدها خيالي في لحظة كنت أتكلم بهذا الموضوع مع صديقة لي تعرّضت لخيبة عشقية بسبب تلك المواقع، إذ لم تتمكن من كشف حقيقة حبيبها الّذي كان متزوّجًا إلا بعدما وقعت في فخ الحبّ… وكان أن فتح الحوار معها بابًا خياليًّا، فبدأت بسرد أحداثها، منها ما كان واقعيًّا ومنها ما كان غير واقعيّ، وفي الأحوال كلّها تمكّنت من نقل موضوع صار لا بدّ من إلقاء الضّوء عليه… حتّى لا يتبخّر فوق جدار السّراب… وحتّى يكون لهذا الصّراع الجديد في هذا العالم وجودٌ نبشّر به ونحاول إرشاد النّاس إلى ضرورة الانتباه في ظلّ عالم متحرّر، ومتفكّك في آنٍ معًا… والصّراع الّذي ولد في تلك الرّواية بين الحبّ والأخلاق، وبين بدايات العشق ونهاياته، هو صراع قاتل واقعي يعايشه الجميع، بحيث يصل كل إنسان إلى الضّياع إن لم يتمكّن من وضع النّقاط على الحروف، كي تغلب كفّة الأخلاق على سواها.

■ تقاربين في كتاباتك دلالات الغدروالألم في الحب،  والصبر في الكفاح، والتفوق في العلم. وهي دلالات موجودة في مرتكزاتنا. ما هوالصدى الذي يلاقيه قلمك عند المتلقي في مجتمعنا العربي؟

– عندما يكتب الكاتب رواية يكون ملزمًا بإتاحة الحرية لأبطالها بحيث تجري الأحداث على طبيعتها، ومهما كان موضوع الرّواية؛ فإنّها تتّخذ من الإنسان موضوعًا لها؛ وطالما أن الحديث عن الإنسان فلا بدَّ للرّواية من أن تتمحور حول عواطف الإنسان وميوله وأنماط سلوكه سواء في ذلك ما كان إيجابيًا وما كان منها سلبيًا؛ لذلك لم يكن غريبًا في أعمالي الرّوائية أن أتناول العواطف والميول الّتي أشرت َ إليها وذلك من أجل الإحاطة والموضوعية لا سيما وأن أبطال رواياتي حقيقيون؛ من هنا كان تقبّل القرّاء كثيفًا إلى درجة أنني وتلبية للإقبال سأكرّر الإصدارات طالما أن الجمهور من القرّاء يتابعني بهذا.

■ تخطى الشعر العربي منذ عقود الشعر الكلاسيكي، وانصهر في الشعر الحديث. ماذا عن الرواية العربية، فاليوم ثمة تقنيات حديثة في روايات الغرب،هل نجح الروائي العربي في مجاراتها برأيك؟

– اسمحي لي، وقبل أن أجيبك على سؤالكَ، بأن أوضّح فكرة ظلّت في نطاق التّداول منذ بداية القرن الماضي عن مفهوم الكلاسيكية، حيث يجري التّعاطي معها على أساس أنّها تمثّل القديم والأصيل، والصّحيح أنّ الكلاسيكية ترتكز إلى العقل وتتخذ موضوعاتها من الماضي. لذا، فإنّ النّتاج الشّعري العربي ومنذ القديم؛ لم يعرف الكلاسيكية كما عرفها الغرب بحيث ظلّ شعرنا غنائيًا وذاتيًا بمعنى آخر ظل أبعد ما يكون عن إنتاج المسرحية والملاحم والرّوايات، لذلك سنظل نلهث للحاق بالغرب وخاضعين لقوانينه النّقدية في كلّ مرة نريد أن نكتب ملحمة أو نؤلف مسرحية أو أن نكتب رواية، وقد توصل الكثير من كتاب الرواية عندنا إلى، ليس مجرد اللّحاق بالغرب، إنّما تجاوزه نحو الأحسن.

■ ما هو السبب أو الأسباب التي أوصلتنا الى هذا الوضع؟

– كانت قسوة البيئة وعدم استقرارها في جزيرة العرب تذكي حرارة المنافسة بين الشّعراء وتدفعهم للانكماش والتّقوقع حول الذّات، وكان التّكسّب بالشّعرعاملاً إضافيًا يميل بالشّاعر صوب ذاته ومن ثمّ يألفها ولا يرى لها مثيلاً لذلك، وربّما لأسباب أخرى صار شعرنا كما ترى ذاتيًا بمعظمه ما خلا بعض الشّوارد عند البحتري وبعض الأبيات الّتي ذهبت مذهب المثل عند المتنبي وغيره أمثال أبي العلاء المعري وابن الرومي.

■ هل تختصرالقصيدة التي تكتبينها روايتك. وهل تفيض روايتك بكل مااختصرته القصيدة. أم أنّ لديك ميكانيكية خاصة تفصل بين النتاجين على صعيد الغاية والخلاصة؟

– ما يصح في بناء الرواية لا يصحّ بالضّرورة في عالم الشّعر بالمطلق؛ وذلك أن الرّواية عمل كلاسيكي يرتكز إلى العقل، وربّما غلب على الكتابة مناخ رومنسي خلال الحوارات المنولوجات أو ما يقوله الرّاوي؛ فستظل الرواية محسوبة على الكلاسيكية وسيظلّ ارتباطها بالعقل وثيقًا. أمّا في حالات الشّعر فالأمر مختلف جدًا حيث يميل الشّعر إلى الغموض والرّواية تنزع إلى الوضوح؛ في عالم الرّواية عليّ أن اتوارى وراء الأحداث، أما وأنا مأخوذة بالشّعر فإني أصير أكثر التصاقًا بذاتي، في الرّواية يكون الآخرون وفي الشّعر أكون أنا.

■ هل أثرت بيئتك الثقافية والاجتماعية في ثقافتك العلمية والأدبية ، أم كان لمكوّنك الشخصي فرادة في درب الشّعر والأدب والفكر؟

– لقد كنت منذ الصّغر عاشقة الكتاب وعاشقة القراءة وتمكّنت من تكوين شخصية سارت في متون الكتب بمفردها أولاً وبدعم من أساتذتي لاحقًا، هذا كلّه أسهم في صقل شخصيتي الثّقافية والعلمية والأدبية. فقراءة جبران خليل جبران ومصطفى لطفي المنفلوطي وطه حسين وغيرهم… ومن ثم الانتقال إلى عالم الشّعر من خلال قراءة المتنبّي ونزار قبّاني ونازك الملائكة والسيّاب وأدونيس ودرويش وحاوي وغيرهم من الشّعراء الّذين تركوا أثرهم الخاص في كتاباتي وفي تحوّل كتاباتي من مجرد خواطر عادية إلى بنى متكاملة، عمدتها الغموض والإيحاء والرّمز. لذا، لا يمكن اعتبار أنّ عاملاً واحدًا هو الأساس في التأثير بكتاباتي، إنّما مجموعة عوامل أسهمت في ذلك، ولا يمكن أن ننسى أن الشّاعر ابن بيئته وبالتّالي فمن الطّبيعي أن يتأثر ببيئته الاجتماعية والثّقافية أيضًا.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s