حديث الشارع:«القانون» والجنون فنون

من حملات التوعية ليازا

من حملات التوعية ليازا

لم يكن اللبناني محتاجاً لقانون السير ليشد الحزام. فهو يشده 24 ساعة على 24 ساعة في المنزل وفي السوبر ماركت وأمام بياع الفول والفلافل… ويشده على الآخر أمام الملحمة والمسمكة، والمطاعم الشعبية عموماً وذات الخمس نجوم خصوصاً.

ولم يكن ينتظر هذا القانون الهمايوني ليتزود بجهاز إطفاء… فهو كان يحتاجه قبل القانون، وبالذات بعده، لإطفاء حريق أعصابه، وكذلك حرائق الغلاء وارتفاع أسعار الاستشفاء والدواء والغذاء وفواتير الكهرباء والماء… وشم الهواء.

وما كان هذا اللبناني سيخفف السرعة عملاً بقانون السير، فهو يخففها أصلاً محاولاً تأخير سيره الى ما تحت خط الفقر.

وما كان هذا اللبناني سيكترث ببند عقوبات «قيادة السيارات» تحت تأثير «السطلنة» من تناول الخمر والمخدرات… لو أن هذه العقوبات تتطبق أيضاً على «قيادة البلاد» بـ«سطلنة» لا سلطان عليها… لا في قانون السير… ولا في دستور الطائف.

«شوارعي»

 

سوزان نجم الدين: بلدي وعائلتي خط أحمر

أنهت سوزان نجم الدين أخيراً تصوير أحدث مسلسلاتها الدرامية المصرية "وش تاني"، من تأليف وليد يوسف واخراج وائل عبد الله، حيث تقاسمت أدوار البطولة مع النجمين حسين فهمي وكريم عبد العزيز والممثلة منّة الفضالي

أنهت سوزان نجم الدين أخيراً تصوير أحدث مسلسلاتها الدرامية المصرية “وش تاني”، من تأليف وليد يوسف واخراج وائل عبد الله، حيث تقاسمت أدوار البطولة مع النجمين حسين فهمي وكريم عبد العزيز والممثلة منّة الفضالي

عبد الرحمن سلام:

تعيش الممثلة السورية سوزان نجم الدين في المرحلة الراهنة من حياتها الفنية والانسانية، أجمل ايامها. كيف لا وقد تم تتويجها في بداية شهر نيسان (ابريل) الماضي، “سفيرة الحب والسلام” في المهرجان العربي “المحبة والسلام” الذي أقيم في القاهرة، بحضور شخصيات رسمية وفنية واجتماعية تمثل 22 دولة عربية.

وبعد أقل من ثلاثة اسابيع على التكريم المذكور، كانت سوزان تلبّي دعوة وزارة الثقافة والاعلام العراقية، لتكون “ضيفة الشرف” المكرّمة في “مهرجان بابل الثقافي”.

وقبيل التكريمين، تلقت النجمة السورية لقب “النجمة الأكثر أناقة” في مهرجان “جوردان اووردز” الذي اقيم في العاصمة الأردنية عمان، بعد منافسة شديدة مع عشرات النجمات العربيات، اضافة الى فوزها بلقب “نجمة شاشة رمضان ـ 2014″، وفقاً لاستطلاع جماهيري اجرته اذاعة الرياضة والشباب المصرية، وذلك عن دورها في مسلسل “مذكرات سيئة السمعة”، وبعد تكريمها في “مهرجان الفن الذهبي” في دورته الخامسة الذي اقيم في العاصمة الجزائرية.

■ من أين جاءت سوزان نجم الدين الى عالم التمثيل وهي التي لم تدخل أي معهد للتمثيل؟

– الخطوة الأولى على طريق الفن خطوتها منذ كنت طالبة جامعية، حيث التحقت بفرقة “زنوبيا للفنون الشعبية” وبقيت معها لأكثر من عام، وكنا نقدم عروضنا على “مسرح الحمراء” في دمشق.

■ والانتقال من “الفنون الشعبية” الى العمل الدرامي التلفزيوني كيف تم؟ ومن كان مكتشفك الأول؟

– عملي كمهندسة بالتلفزيون مهدّ أمامي الطريق لدخول العمل التمثيلي، حيث رشحني المخرج نجدت أنزور لمسلسل “نهاية رجل شجاع”. هذا الدور لفت الانتباه الى موهبتي بشدة، وتوالت من بعده علي بقية الأدوار.

■ لكن المعلومات الأرشيفية تؤكد أن بدايتك جاءت عبر دور لك في مسلسل “الدخيلة”، وأنك كنت يومذاك تتابعين دراستك الجامعية؟

– دوري في “الدخيلة” قدمني للمرة الأولى كممثلة، ومن خلاله شاركت الزميلين الكبيرين جهاد سعد ورضوان العقيل، ولا شك في أن مشاركتي هذه كانت الأولى، لكن مسلسل “نهاية رجل شجاع” هو الذي أضاء بشدة على موهبتي وثبت أقدامي، وبسببه، توالت عليّ العروض، ومنها على سبيل المثال: “الكواسر ـ الثريا ـ خان الحرير ـ حنين ـ صلاح الدين الأيوبي ـ أمهات ـ الظاهر بيبرس ـ ملوك الطوائف ـ عمر ـ طيور الشك ـ مذكرات سيئة السمعة” وسواها، اضافة بالطبع الى خماسيتين حققتا نجاحاً مميزاً: “حب محرم ـ صرخة روح” من دون أن أنسى بالتأكيد دوري اللافت في “جبران خليل جبران” أمام الكبيرين غسان مسعود وجهاد سعد، ومن اخراج كبير المخرجين فردوس الأتاسي.

■ وهل مشاركاتك اقتصرت على المسلسلات الدرامية الاجتماعية والتاريخية؟

– بالطبع لا. فأنا أعلم تماماً أن على الفنان الطامح للاستمرار، التنويع في الأدوار والشخصيات، وأنا بطبعي أهوى التنقل بين مختلف أنواع الدراما، وأسعى الى التنويع في اختيار الشخصيات والأدوار والمواضيع، ولذا، تجدني حاضرة في المسلسل الكوميدي، كما في مسلسل “روح الست” و”فرصة عمر”. وفي “البوليسي”، كما في مسلسل “الهاربة” من اخراج زهير أحمد قنوع. وأيضاً، في السينما الغنائية، كما في فيلم “أرض المحبة”.

■ سوزان. ما هي حقيقة نقل الاقامة من سوريا الى مصر بشكل دائم؟ خصوصاً وأن مروجي الخبر ربطوا الأمر بالأوضاع الجارية في سوريا، ومشيرين الى مصاعب في الانتقال عندما يستدعي الأمر السفر؟

– بداية أؤكد أن موضوع الاقامة في القاهرة لا علاقة له على الاطلاق بأي أحداث ذات صلة ببلدي سوريا. فأنا، مثلي مثل الملايين من أبناء وطني، أعيش بأمان وطمأنينة، والسفر والتنقل متاح في كل لحظة. لكن الذي حدث، هو أنني كنت أتواجد، في ما مضى، بالقاهرة، عندما يكون لي عمل أشارك فيه، لكن الحال تبدّل اليوم، وأصبح عندي الكثير من الأعمال السينمائية والتلفزيونية تستدعي وجودي بشكل كبير في القاهرة، فكان لا بد بالتالي من قرار الاقامة شبه المستمرة في مصر، وهذه الاقامة أتاحت لي المشاركة في كثير من الأعمال، مثل مسلسل “كش ملك” الذي أنهيت تصويره منذ فترة، وفيه أجسد البطولة النسائية أمام الفنان مجدي كامل، وهو من تأليف “شركة صوت القاهرة” ومن اخراج حسام عبد الرحمن، وفيه ألعب دور “نهال” مذيعة التلفزيون التي تكشف الكثير من فضائح الفساد، تورط فيها رجال نفوذ وأعمال فاسدين.

وتضيف: لكن اقامتي في القاهرة لن تمنعني من تقديم الدراما السورية، بدليل مشاركتي في مسلسل “امرأة من رماد” الذي يرصد الانعكاسات النفسية والمادية والاجتماعية للناس في سوريا، في ظل الحرب الدائرة على ارضها منذ سنوات، والمسلسل من تأليف جورج عربجي ومن اخراج نجدت أنزور، وأنا سأكون في دمشق خلال ساعات من أجل استكمال بعض مشاهد المسلسل المذكور.

■ لكنك اعتذرت عن مسلسل “طوق البنات” حيث كان من المفترض أن تلعبي بطولة الجزئين الثاني والثالث، وان تؤدي شخصية “لمعات”، في أول مشاركة لك في “دراما البيئة الشامية”؟

– الدافع للاعتذار كان ضيق الوقت، وارتباطي بأكثر من عمل في القاهرة، على عكس كل الشائعات التي انطلقت ضدي، وسعت لالحاق الأذية بسمعتي الوطنية كونها ذكرت انني لن أشارك بأي عمل يصور في بلدي؟ هذه شائعة كاذبة من صنع خيال مؤلفيها ولا تمت للحقيقة بأي صلة، بدليل لعبي لبطولة الفيلم السينمائي السوري “حب في الحرب” تحت ادارة المخرج عبد اللطيف عبد الحميد والذي صور بالكامل في سوريا.

■ تابع الكثيرون عبر صفحتك على “الفيس بوك” اعتذارك النهائي عن المشاركة في مسلسل “علاقات خاصة” من اخراج رشا شربتجي. وربما هذه الاعتذارات أوحت لمروجي الشائعات “كذبة” رفضك العمل في الدراما السورية؟

– وهل المطلوب من الفنان أن يشارك في كل الأعمال التي تعرض عليه؟ فربما يكون عامل الوقت مانعاً. أو الانشغال؟ أو أن يكون العمل غير مناسب له… أو… أو… فهناك عشرات الاسباب التي قد تمنع الفنان من قبول عمل ما من دون أن يكون من بينها الخلاف الشخصي.

■ الأمر المستغرب أن حملة “الشائعات” التي حاولت النيل منك، تعدت الأمور المهنية ـ الفنية، الى “العائلي ـ الشخصي”، فقد تحدثت عن انفصال عائلي ورحيل الزوج مع الأولاد الى اميركا؟

– صحيح… هذه “الاكذوبة” راجت بالفعل، وهي أتت ضمن حملة مغرضة حاولت في مجملها النيل من مواقفي السياسية والوطنية تجاه بلدي الحبيب سوريا، خصوصاً وأنها أرجعت أسباب الطلاق الى خلافات في الآراء السياسية تجاه الأوضاع التي تمر بها سوريا، بيني وبين زوجي، كما حاولت النيل بشراسة من عائلتي في محاولة لزرع الانقسام بين أفرادها. وعبر “الكفاح العربي”، وهذا الحوار، أقول ان بلدي وعائلتي يشكلان “خطاً أحمر”، أرفض بقوة المساس بهما… أما دفاعاً عن خصوصيتي، فقد أصدرت بياناً صحفياً عبر مكتبي الاعلامي، كشفت فيه كل الحقائق والوقائع.

■ وماذا جاء في البيان الصحفي؟

– أكدت فيه انني وزوجي على وفاق تام من كل النواحي الزوجية والأسرية والسياسية، وأننا نعيش بوفاق ووئام وسلام كأسرة مترابطة، يكللها الصدق والاحترام والثقة والحب.

■ وماذا عن سفر الزوج ـ رجل الأعمال سراج الأتاسي مع الأولاد الى اميركا؟

– هذا السفر جاء نتيجة قرار سبق واتخذناه معاً، منذ أشهر، بسبب ارتباط سراج بأعمال ومشاريع تستوجب وجوده لبعض الوقت في اميركا، وهو قرار لا علاقة له ابداً بظروف بلدنا سوريا، وبالتالي من الطبيعي أن يوجد الأولاد معه، وكان من المفترض أن أكون معهم لولا ارتباطاتي وتعاقداتي الفنية بين مصر وسوريا والخليج، هذا مع العلم، اننا، كأسرة، نقيم منذ سنوات، ما بين سوريا وولاية فلوريدا الأميركية حيث نمضي معظم أشهر السنة.

■ تابعك جمهور التلفزيون في رمضان (2013) في عملين مميزين: “باب الخلق” مع محمود عبد العزيز، و”عمر” الذي تناول سيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. في رأيك، اي العملين اضاف لرصيدك، لا سيما وان عروض شهر رمضان تعتبر مكسباً لأي فنان؟

– لا شك في أن العملين أضافا الكثير لرصيدي ولمسيرتي، حيث كان لكل منهما طعمه ومذاقه واحساسه ودوره الدرامي. في “باب الخلق” قدمت شخصية “يسرية هانم” المؤثرة بشدة ضمن الأحداث، برغم محدودية الدور الزمنية، على المستوى الشخصي، وقد استمتعت بالعمل مع النجم الكبير محمود عبد العزيز. أما في مسلسل “عمر”، فقدمت شخصية الملكة الفارسية “بوران” التي تنازلت عن العرش والحكم، وأنا أرى أنني أرسلت، عبر هذا الدور، رسالة مهمة للحكام غير المؤهلين للمكان الذي يشغلونه، وضرورة التنحي عنه.

■ دورك في مسلسل “مذكرات سيئة السمعة” (العام 2010) منحك الرسوخ في ذاكرة المشاهدين والمخرجين والكتاب، وكان المتوقع أن تستغل سوزان نجم الدين الأمر، والاقدام على لعب ادوار كثيرة اخرى عرضت عليها، لكن ما حدث كان العكس حيث شهدنا لك غياباً غير متوقع.

– هذا صحيح. وأنا أعتبر أنني اتخذت القرار الصائب، بعد معرفة الجمهور المصري بي، وبعد حالة الحب التي أصبحت أجدها في مصر، حيث كان عليّ احترام المشاهد من خلال انتقاء الأدوار، فالقضية بالنسبة اليّ لم تكن بالعدد أو الكم الذي أقدمه، بقدر ما كانت بالنوعية، ولذا، اعتذرت عن الكثير من العروض، وإلى أن عثرت على سيناريو “كش ملك” الذي كتبه بحرفية عالية المؤلف رضا الوكيل.

■ رصيدك في الدراما العربية تجاوز الأربعين مسلسلاً (تقريباً). فهل تندمين على أي منها؟ وأي واحد يشعرك بالسعادة الكبيرة؟

– بصراحة أقول: لا يوجد عمل ندمت على المشاركة فيه، سواء في سوريا أو في مصر أو في أي انتاج عربي آخر. وأنا أرى أن كل أعمالي شكلت لي محطات مهمة، سواء على الصعيد الفني او على الصعيد الشخصي.

■ أجمع النقاد على أن للممثلة سوزان نجم الدين مذاقاً خاصاً ومختلفاً في الدراما التاريخية. فهل تشاركين هؤلاء هذا الرأي؟

– اعتقد ان الأمر هذا يعود للنشأة والدراسة وعشق التاريخ، ورؤيتي الشخصية هي أنه يمكن الاسقاط من خلال الشخصيات التاريخية على العصر الحديث الذي نعيشه. على المستوى الشخصي، استمتعت بكل الشخصيات التاريخية التي قدمتها، ابتداء من شخصية “الجارية” في مسلسل “ابو زيد الهلالي” مروراً بشخصية “عصمت الدين خاتون” في صلاح الدين الأيوبي، و”ولادة بنت المستكفي” في مسلسل “ملوك الطوائف” و”شجرة الدر” في مسلسل “الظاهر بيبرس” ووصولاً الى شخصية “ليلى بنت المنهال” في مسلسل “خالد بن الوليد”.

■ كلمة أخيرة تودين توجيهها لمن؟

– للمشككين بوطنيتي. ولمطلقي الشائعات بحقي وبحق اسرتي… لهؤلاء أقول: سامحكم الله.

عودة “أفلام المقاولات”: فنانو الملاليم يحصدون الملايين

006كتب عبد الرحمن سلام:

هل عاد زمن “أفلام المقاولات”، التي كانت احدى ابرز ظواهر السينما المصرية في سنوات الستينيات والسبعينيات؟ يجمع النقاد أن الافلام الأخيرة تبشّر بعودة تلك الظاهرة، ومنها، على سبيل المثال، فيلما “دكتور سيليكون” من بطولة اللبنانية مروى ومعها نيرمين الفقي وشعبان عبد الرحيم، وفيلم “علقة موت” من بطولة شمس والشحات مبروك وسماح بسام.

فما أسباب عودة تلك الظاهرة مرة أخرى؟ وهل يصبح لها نجومها، من أبناء جيل السينما الجديد، مثلما كان لها في فترتي الستينيات والسبعينيات، نجوم من وجوه المرحلة المذكورة؟

لا شك في ان مواقع التصوير اليوم تشهد عودة لكثير من الافلام “قليلة التكلفة” منها: “عمود فقري” من بطولة علا غانم، و”بني آدم” لنهال عنبر، و”شارع محمد علي” لغادة ابراهيم، وفيلم “9” للمخرج ايهاب راضي، اضافة الى افلام اخرى كان قد تم الانتهاء  من تصويرها، ومنها: “حارة مزنوقة” من بطولة علا غانم، و”ابو فتلة” من بطولة الراقصة الفضائحية سما المصري.

يصف النقاد هذه الأفلام، بأنها “تهديد مباشر لسمعة صناعة السينما”، بسبب تواضعها فنياً، وافتقارها للمعنى والمضمون والقيمة الفنية، عكس انتاجات “السينما المستقلة” التي يتم انتاجها بميزانيات محدودة، لكنها تحظى بإحتفاء نقدي وجماهيري، وتستطيع تمثيل مصر في المهرجانات الدولية، ومنها، فيلم “فتاة المصنع” و”ديكور” وغيرهما.

وفي هذا الصدد، تؤكد نقابة السينمائيين انها ترحب بوجود “مختلف النوعيات” من الأفلام، طالما انها تستعين بأعضاء النقابة في انجاز أشكالها، حيث صدر عن النقابة تلك، ما يفيد بسماحها بوجود هذه الانتاجات الضعيفة، الى ان يتم وضع حد لمعوّقات ومشكلات السينما ـ وهي كثيرة ـ وتحتاج الى تضافر جهود السينمائيين، منتجين وصناع عمل، وأيضاً الى دعم الدولة الممثلة بوزارة الثقافة، خصوصاً وأن هذه الأعمال تجد لها مكاناً في دور العرض السينمائية، كما ان هذه الأفلام يتم استخراج تصاريح التصوير لها من النقابة، بعد دفع الرسم النسبي، ولا يمكن بالتالي للنقابة أن تعمل على اعاقة انتاج مثل هذه الافلام، من منطلق دعم الصناعة.

ويعلّق نقيب السينمائيين: ان توجد أفلام متواضعة افضل من عدم وجود أفلام.

الكاتبة والناقدة السينمائية ماجدة خير الله تجد أن ظاهرة “أفلام المقاولات” ليست جديدة على السينما المصرية، حيث كان الغرض منها في الماضي، تعبئة شرائط الفيديو بما يرضي طموحات طبقة معينة من الجمهور التي تقبل على شراء هذا النوع من الأفلام.  لكن الغرض منها حالياً هو ملء فترات بث القنوات الفضائية الطويلة. والحل لهذه الظاهرة، يتمثل في عودة الدولة للمشاركة في الانتاج السينمائي مرة أخرى، اذ لا تكفي المؤتمرات والاجتماعات التي تنظمها الدولة مع الفنانين وصنّاع السينما للتحدث عن مستقبل السينما، والخروج بالكثير من الحلول لمشكلاتها المستعصية، والتي تظل على الأوراق، ولا يتم تطبيق شيء منها على أرض الواقع.

الناقد السينمائي كمال رمزي، طرح رأيه في الموضوع، معلناً أن أصحاب دور العرض مجبرون على عرض “أفلام المقاولات”، كي لا يتعرّضوا لخسائر، وحتى يستطيعوا الوفاء بالتزاماتهم المادية، لا سيما في ظل ندرة انتاج الأفلام الجيدة، بسبب ظروف عدم الاستقرار الأمني المسيطر ـ حتى اللحظة ـ على الشارع المصري، وفي ظل التفجيرات التي تحدث في العديد من المناطق والمحافظات، الأمر الذي جعل انتاج أفلام سينمائية كبيرة، يعتبر مخاطرة ومجازفة كبيرة للمنتجين.

الفنان حسين فهمي العائد الى السينما بفيلمه الجديد “في لمح البصر”، لا يرى خطراً على السينما المصرية من عودة “أفلام المقاولات” من جديد، لأن الانتاج السينمائي الأميركي نفسه يتضمن مثل هذه النوعية من الأفلام التي يتم انتاجها بهدف الاستهلاك السريع، ومن دون أن يتوقع منها أحد أي نجاح كبير أو تأثير.

ويضيف حسين فهمي: انما الخطر الحقيقي على السينما يكون عندما يتوقف انتاج الأفلام الجيدة، ومع استمرار وجود السينما المحترمة لن يشكل ظهور “أفلام التسلية” اي خطر، لأنها لا تستمر طويلاً في دور العرض، ولا تحقق اي نجاح؟!

لا شك في أن الأزمات المالية التي تمر بها كبرى شركات الانتاج السينمائي، امثال “الشركة العربية، النصر، الماسة، أوسكار، العدل، فيديو 2000″، وسواها، ساعدت على بروز “منتجين” جدد على الساحة السينمائية، يعملون بروح “الهواة” ويملكون الرغبة الشديدة في الكسب ليس أكثر، من دون أن يدركوا، أو أن يمتلكوا “مفاتيح اللعبة السينمائية”، ولذا، اكتفوا بالتقليد الأعمى، وأقبلوا على انتاج أعمال بأقل تكلفة مالية، لمجرد الوجود في السوق السينمائي.  ومن تلك الأفلام “حركة عيال” من بطولة مجموعة ممثلين غير معروفين، منهم: خالد حمزاوي، وفاء قمر، أحمد فتحي، ومعهم مجموعة من الممثلين المعروفين تلفزيونياً أكثر من معرفة جمهور السينما بهم، مثل: سامي مغاوري ووجدي عبد المنعم وعفاف رشاد. فهذا الفيلم ليس التجربة الأولى لمنتجه حيث سبق وقدم فيلم “سبّوبة” من بطولة رندة البحيري وخالد حمزاوي، والفيلم هذا لم يحالفه الحظ في الايرادات عند طرحه في دور العرض السينمائية.

وهناك أيضاً فيلم بعنوان “آخر ورقة” لمنتجه أحمد فهمي الذي لا يزال حائراً بشأن عرضه، حيث يبحث عن موزّع سينمائي يتولى المهمة، والفيلم من بطولة دينا المصري وكريم قاسم وأحمد عبد الله محمود، ويدعمهم، (كما في فيلم “حركة عيال”) نجوم من الصف الثاني: ندى بسيوني وهشام اسماعيل، قصة عبد الله خالد، سيناريو وحوار حنان البمبي واخراج محمود سليم في اولى تجاربه الاخراجية.

والأمر المثير للدهشة، هو أن حال فيلم “آخر ورقة” من حيث الظروف التوزيعية، هو نفس الحال بالنسبة الى فيلم آخر عنوانه “المماليك” الذي يقدم الشاب الممثل رامي وحيد في أولى بطولاته السينمائية، ويشاركه مجموعة من الوجوه الشابة، منهم: عمرو عبد العزيز، نهى اسماعيل، ندى عادل، محمد الصاوي، حنان يوسف، غادة جريشة، خالد حمزاوي، والمطرب الشعبي محمود الحسيني.

وهناك أفلام كثيرة، تم الاعلان عنها، والانتهاء من تصويرها، ولكن لم تحدد مواعيد عرضها حتى اللحظة، ومنها: “حافية على جسر الخشب” من بطولة مجموعة وجوه شابة جديدة: نسمة ممدوح، سندريللا، ايمان السيد، ياسر الطوبجي، حسن عبد الفتاح، حسن عيد، تامر ضيائي، قصة وسيناريو وحوار مصطفى صابر واخراج تامر حربي وانتاج احمد السرساوي، والحال ذاته بالنسبة الى فيلم “جرح سطحي” الذي تم اسناد بطولته للمطربة الشابة آمال ماهر في اولى تجاربها السينمائية، ويشاركها في ادوار البطولة: اشرف مصيلحي وحسام فارس وساندي، من تأليف سامح فرح واخراج ابراهيم نشأت.

وإذا كانت هذه الأفلام تعاني من عدم وجود “موزعين” لها، فإن هناك انتاجات أخرى عديدة تواجه توقفاً لعدم قدرة منتجيها على استكمال تمويلها، رغم أن ميزانياتها ضئيلة للغاية، مثل أفلام: “هيصة” و”البار” و”سفاري” وسواها.

الناقد المعروف رؤوف توفيق، أكد أن عودة “أفلام المقاولات” لها أكثر من سبب، اهمها حالة الفوضى التي تعيشها السينما المصرية الآن، وعلى كل المستويات، تأليفاً وانتاجاً واخراجاً و… و… وبالتالي، من الطبيعي أن تنتج تلك الفوضى، أفلاماً رديئة، هذا بالاضافة الى حالة الطمع في تحقيق مكاسب كبيرة بأقل تكلفة انتاجية ممكنة.

ولذلك، ظهرت افلام تكلف “الملاليم” وتُكسِب أصحابها الملايين. وما شجّع على عودة “أفلام المقاولات”، يتابع الناقد الكبير، ظهور فضائيات متخصصة بعروض الأفلام، وهذه الفضائيات يتضاعف عددها يوماً بعد آخر، وهي تحتاج الى أن تملأ ساعات بثها، وبالتالي، هي لن تتوقف عند الأفلام الجيدة فقط، أو ذات الانتاج الكبير، لأنها مكلفة الأجر. ان كل هذه العوامل مجتمعة، أعادت “أفلام المقاولات” مرة أخرى، وربما سيكون من الصعب السيطرة على هذه “الموجة” الآن، ولكن مواجهتها تكمن في اصرار السينمائيين الذين يعرفون دور السينما ويخافون عليها، ويحبونها، على انتاج المزيد من الأعمال الجيدة، وهو ما حدث عند مواجهة موجة “افلام المقاولات” التي برزت في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم. صحيح ان “أفلام المقاولات” لم تختف، لكنها انحسرت بشكل كبير، وفي النهاية، لا يوجد قانون يمنع انتاج “فيلم مقاولات”.

وبمثل ما اجمع النقاد السينمائيون، وأهل الانتاج السينمائي، على وصف ايرادات موسم نصف السنة السينمائي بـ”المنهارة”، حيث مثلت الايرادات صدمة كبيرة وحقيقية للمهتمين بصناعة السينما، ومنها على سبيل المثال: ايرادات فيلم النجم الكوميدي الشهير أحمد حلمي “على جثتي” وقد شاركته بطولته النجمة غادة عادل تحت ادارة المخرج محمد بكير، بحيث لم يتجاوز التسعة ملايين جنيه فقط، رغم وجوده في 68 دار عرض سينمائي. وايرادات فيلم “الحفلة” من بطولة احمد عز ومحمد رجب وجومانا مراد، من اخراج احمد علاء، حيث بلغت في الأسبوع الثاني اثنين مليون جنيه فقط داخل 43 دار عرض. وايرادات فيلم “حفلة منتصف الليل” من بطولة رانيا يوسف وعبير صبري ودرة ومن اخراج محمود كامل حيث بلغت نصف مليون جنيه رغم عرضه في 19 دار عرض. وايرادات فيلم “مصوّر قتيل” من بطولة اياد نصار ودرة ومن اخراج كريم العدل، وقد حقق ايراداً ضئيلاً.

بمثل ما أجمع النقاد وأهل الانتاج على التشاؤم بسبب ضعف الايرادات السينمائية، ما قد يتسبب بإعاقة حركة الانتاج المحترم، يضع هؤلاء كل الآمال اليوم على موسم الصيف السينمائي المقبل، لعل انتعاشة مفاجئة تبدل واقع الحال في دور العرض من قبل رواد السينما، خصوصاً وأن غالبية المنتجين والموزعين “رحّلوا” عروض أفلامهم الجديدة الى الموسم المذكور، ومنها افلام “أبو النيل” من بطولة احمد مكي واخراج عمرو عرفة، و”تتح” من بطولة محمد سعد واخراج سامح عبد العزيز، و”فبراير الأسود” من بطولة النجم الراحل خالد صالح ومن اخراج محمد أمين، و”توم وجيمي” من بطولة هاني رمزي ومن اخراج أكرم فريد، و”الجرسونييرة” من بطولة غادة عبد الرازق ومن اخراج هاني فوزي، و”الحرامي والعبيط” من بطولة خالد الصاوي ومن اخراج مصطفى… وسواها.

فهل يتطابق حساب “حقل” أهل السينما والنقاد مع “بيدر” جمهور الفيلم ودور العرض، وتنجح هذه الأفلام وسواها في سحب البساط من تحت أقدام “موجة أفلام المقاولات”، وتحقق بالتالي لمنتجيها الايرادات التي تشجعهم على العودة للانتاجات السينمائية المحترمة؟

موسم الصيف السينمائي المقبل هو وحده الذي يحمل الأجوبة، وان كانت نسبة التفاؤل عند النقاد وأهل الانتاج لا تبشر بالخير، ومن هنا، يرى هؤلاء أن “أفلام المقاولات” تهدد صناعة السينما في مصر، أقله في المدى المنظور.

وقاحة تاريخيّة

عادةً ما تكون الطُرَف الشعبيَّة المتداولة، وكذلك النوادر التي يتناقلها الناس في مجتمع ما تُعَبِّر بمجملها عن رؤى وهواجس دفينة ومعتقدات في أكثريتها متوارثة تلقي الضوء على مرامي وأهداف محددة لإضفاء بعض الصدقيّة على فحواها ودعم الرأي المقصود، رغم التناقض الذي يعتريها في أغلب الأحيان مع الحقيقة والواقع والتاريخ.

لقد انتشرت الأمثال والحكايات القصيرة بين الشعوب بنسبٍ متفاوتة، وشكَّلت لديهم محطات لدعم وتقوية حجّة ما يقولون ويروون أو إثبات مقولة ما، فتكون بذلك المُعَبِّر الواضح عن مزاج الناس وتفكيرهم وسلوكياتهم في مقاربة القضايا الحياتية الراهنة، لا بل المصيرية والآتية. هذه الحكايات وما يعادلها أتَت عبر سياقاتها المتنوعة بمثابة “اللوغو” الذي يشي بالموضوع فتنتج “الحكمة” التي تُتَوِّج النقاش الدائر حول القضيّة التي يدور حولها الحديث، وعادةً ما تكون الحكاية السريعة بيتاً من الشِعر أو مَثَلاً سائراً أو حكمة أو طرفة يغلب عليها طابع المفاجأة إلى حدود التعجُّب والاستغراب.

لقد طاول قلب الحقائق والبناء عليها العديد من الجماعات التي حاولت وتحاول زرع مفاهيم خاطئة عن طريق ابتداع مأثورات وهمية على أنها من الواقع التاريخي الثابت، وذلك عبر مئات الأمثلة والمقولات والحكايا.

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر فقد شاعت طرفة تدل بشكل أو بأخر على مدى الوقاحة التي لم ولن تقف عند حدود أي منطق قويم أو تفكير سليم.

تروي الطرفة على سبيل التندر والسخرية من الذات، وتبيِّن الطابع الطائفي المقيت المتجذر في الأخلاق اليهودية إلى جانب السلوك العنصري والفوقية المفتعلة المرتكزة على الكذب إلى جانب إدعاءات واهية تقول بالتميّز وبصوابية مسيرة ومسار “شعب الله المختار”!

تقول الطرفة إن أماً يهودية كانت ترافق إبنها الذي جُنِّد في جيش القيصر الروسي للقتال في حرب “القرم” بين الامبراطورية الروسية والدولة العثمانية.

عندما همَّت الأم بوداع إبنها ليرحل مع رفاقه إلى الحرب أوصَته قائلة: “يا بني لا تنسَ أن تتناول الطعام بعد أن تقتل تركياً! فأجابها الشاب: “حسناً يا أمي”. ثم أضافت: “واحرص على أن تأخذ قسطاً من الراحة بعد كل هجوم تقتل فيه أحد الجنود الأتراك”. فأجابها الإبن واعداً بتنفيذ وصاياها. بعد ذلك أردفت الأم قائلة: “لا تنسَ يا بني أن تحمل معك بعض التذكارات من الجندي التركي الذي ستقتله”. أجاب الشاب: “بالتأكيد يا أمي”! وبعد هنيهة من التردد والتحرك للرحيل بالعناق والنظرات الدامعة تساءل الجندي الشاب قائلاً: “ولكن ماذا يا أمي لو قتلني التركي؟”! هنا جحظت عينا الأم استهجاناً وقالت له بنبرة قوية واستغراب كبير: “يَقتلك؟ لماذا؟ وهل فعلت له شيئاً؟!”.

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

المتنبيان

الفيتوري والأبنودي

الفيتوري والأبنودي

يرحل الشعراء ويبقى الشعر.

عبد الرحمن الأبنودي متنبي العامية. ومحمد الفيتوري متنبي الفصحى.

كان شيطان الشعر عند كل منهما هو أعظم شياطين شعراء هذا الزمن.

تمرد كلاهما على مدرسة الشعر البارد، التي حولت الشعر من إثارة وثورة، ومن صور ساحرة، ومن إيقاع موسيقي يصل مرحلة الطرب، إلى شعر تتحول فيه الندوات الشعرية الى قاعة تخضع جماهيرها للتنويم المغناطيسي. وإلى شعر تقدم فيه صور تتزاوج بين التعقيد والنمطية. وإلى شعر إيقاعة يقع في الرتابة والملل.

كانا متنبيين في الحضور والإلقاء وقوة السبك ومتانة المتن والعجز.

لم ينجرا الى الخلط بين الشعر والنثر. ولم ينحرفا في اتجاه كسر الوزن والقافية.

لقد ألهبا الجماهير وأسمعت أشعارهما من به صمم.

رحم الله الراحلين عبد الرحمن الأبنودي ومحمد الفيتوري.

كانا صديقين وصادقين في انحيازهما للناس والعامة.

حقاً رحل الشاعران وتيتم الشعر حتى ولو كان بيننا أكثر من ألف شاعر.

وليد الحسيني

الحل في لبنان يمرّ من عدن

لبنان في مهب عاصفتي اليمن وسوريا

لبنان في مهب عاصفتي اليمن وسوريا

كتب المحرر السياسي:

يبدو أن “عين التينة” ما زالت تشكّل مصدات للرياح العاتية التي هبّت بين تيار المستقبل وحزب الله.  فالحوار بين الفريقين ما زال قائماً في قصر رئيس مجلس النواب نبيه بري، رغم التصريحات النارية المتبادلة بين الرئيس سعد الحريري وأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله.

من الملاحظ أنه للمرة الأولى، يقوم بالهجمات رئيسا الفريقين.  فقد تعوّدنا أن تناط هذه المعارك بالصف الثاني.  إذ لم يسبق تولّي الحريري ونصر الله هذه المهمة بنفسيهما.  وهذا يعني أن الجانبين استعملا الطلقة الأخيرة، في طلاق هو الأبغض عند اللبنانيين.

لكن ما هو الدافع الذي رفع لغة التخاطب إلى هذا السقف العالي؟

من الواضح أن عاصفة اليمن قد اجتاحت لبنان، لتضاف إلى عاصفة سوريا، التي ما زالت تهدد البنيان اللبناني بالانهيار سياسياً وأمنياً … وبدرجة أكبر اقتصادياً بفضل النزوح السوري الكبير.

لا شك في أن حزب الله هو من بدأ بتعريض لبنان إلى ترددات الزلزال اليمني وذلك عبر الهجوم العنيف على السعودية خاصة، ودول الخليج عامة، الذي تولاه مباشرة السيد حسن نصر الله من خلال كلمة تلفزيونية أعدّت خصيصاً لهذا الغرض.

كان من الطبيعي أن يرد تيار المستقبل على الحملة غير المسبوقة، ضد دول يعمل فيها أكثر من 80 في المئة من المغتربين اللبنانيين، دون أن نغفل السبب السياسي الذي قسّم لبنان بين محورين، المحور الإيراني والمحور السعودي.

وباشتعال هذه الحرب التي يأمل اللبنانيون أن تبقى محصورة في إطاريها الإعلامي والخطابي، بات من الصعب أن ينأى لبنان بنفسه عن عاصفة اليمن، تماماً كما فشل في أن ينأى بنفسه عن عاصفة سوريا.

إذاً، نحن الآن نتنشق دخاناً يمنياً وسورياً، ونعرف جيداً أن “لا دخان بلا نار”.  وهنا يبرز السؤال المفجع عما إذا كانت النار ستنتقل، في لحظة ما، من الشاشات التلفزيونية والكلمات الملتهبة إلى الشارع الذي يغلي، رغم المياه الباردة التي يحاول حوار عين التينة إلقاءها على الجمر المذهبي، الذي يغطي الأرض اللبنانية.

من الواضح أن التهدئة بين الفريقين مستحيلة، إلا إذا سبقتها تهدئة دولية تنحسر معها “عاصفة الحزم”، وتدخل معها إيران نادي حسن الجوار.  وهي تهدئة تبدو بعيدة جداً، حتى ولو نجح الرئيس الأميركي باراك أوباما في إقفال الملف النووي الإيراني وثم رفع العقوبات، ومن ثم الإفراج عن 150 مليار دولار، هي مجموع الودائع الإيرانية المجمدة في دول الغرب.

لقد كرّر التاريخ نفسه مراراً مع العرب.  فالجراح العربية التي تُفتح من النادر أن يُسمح لها بالإلتئام.  إنها جراح مفتوحة نعتادها ونتعايش معها.

هذا ما تعلّمناه من النموذج الفلسطيني، وهذا ما تعلّمناه من إزالة آثار حرب 1967، التي ما زالت كاملة في الجولان المحتل وناقصة بإذلال في كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو.

وهذا ما تعلّمناه في حرب لبنان الأهلية عام 1975، التي اختفت متاريسها وحافظت على وجودها، وإن تبدّلت اطرافها واختلفت أهدافها وأساليبها.

ولا يبدو كذلك أن جرح فبراير الليبي قابل للشفاء، حيث أن كل الدلائل تشير إلى استمرار القتل والتدمير والتهجير.  والجراح ايضاً مفتوحة في سوريا والعراق، والإرهاب ما زال ينمو في قلب مصر وعلى حدودها الليبية والفلسطينية.

في كل هذه الجراح يفتقد العرب، حتى الضمادات التي توقف نزيف الدم المتدفق بعبثية، وبعبث إسرائيلي وأميركي غير محدود، إلى درجة يمكن القول، دون أي مبالغة، أن إسرائيل لو استعملت كل قنابلها النووية لما استطاعت أن تدمّر وتقتل بحجم وكم ما فعله “الربيع النووي” في الوطن العربي.

نعود إلى لبنان الذي يدّعي النجاح في تحييد نفسه عن هذا المشهد الكارثي، الذي وصل حتى إلى دول الخليج عبر اضطرارها لخوض حرب “عاصفة الحزم”.

لقد حشر لبنان انفه على أراض في حربي سوريا واليمن، ولهذا انتشرت في سمائه السياسية والأمنية سحابات دخان هاتين الحربين، في انتظار أن تصل إلى أرضه نيرانهما، طال الانتظار أو قصر.

وإذا كانت الأحداث السورية تتصف ببطء انتقالها إلى لبنان، رغم التداخل الجغرافي والسكاني والسياسي والاقتصادي، فإن أحداث اليمن قد تكون هي الأسرع في الوصول إلينا.  ويعود ذلك إلى أن موادها اللبنانية أسرع انتشاراً واشتعالاً، لأن حرب اليمن تمسّ مباشرة لبنان السعودي ولبنان الإيراني.  وكذلك لأنها هي الحرب الأخطر في المنطقة.  فمن نتائجها إنتاج منطقة شرق اوسطية جديدة.  حيث ستغيب الشمس المهزومة وستشرق الشمس المنتصرة.  أي أنها حرب ستحسم نفوذ أحد المحورين، محور دول الخليج ومصر والأردن والمغرب، أو محور دول الممانعة إيران وسوريا والعراق ونصف لبنان.

من هنا يبدو حوار عين التينة مجرد حوار يائس.  إشكاليته الكبرى أنه لا يستطيع الانتقال من الشكل إلى المضمون.  حيث أن مضمون الخلاف اللبناني – اللبناني ليس لبنانياً … فهو في الواقع خلاف بين كبيرين في المنطقة السعودية وإيران … وبذلك لا نبالغ إذا قلنا أن الحل في لبنان يمرّ من عدن، وأن الطريق إليه هو الطريق إلى صنعاء، وإن طال السفر.

دعوة إلى الحقيقة: كل ما يُعرف… يجب أن يقال

walidلم يعد التمويه صالحاً لإخفاء حقيقة ما يجري، كما لم يعد الإدعاء كافياً لتحويل الصراع الدائر من صراع قذر إلى صراع يحمل خليطاً متناقضاً من رايات الحرية والعروبة والإسلام وفلسطين.

لقد ذاب الثلج وبان المرج مملوءاً بالأشواك الجارحة والمسمومة. وصار لزاماً القول أن كل ما يُعرف يجب أن يقال.

قد يصعب تحديد من بدأ هذا المشهد الكارثي، الذي يكاد يعم الوطن العربي من محيطه إلى خليجه. لكن من السهل تحديد من خطط لهذه السنوات الشيطانية.

سنكون محقين لو اتهمنا أميركا وإسرائيل. إلا أن هذا الإتهام، حتى لو كان ثابتاً ومؤكداً، لا يلغي إتهام أنفسنا جميعاً، بأننا كنا أدواته الطيعة والمطيعة.

لقد خططوا لصراعاتنا، أن تكون في مكان ما، سنية ـ شيعية… فكانت رغم التمويه. وفي مكان آخر أن تكون عربية ـ فارسية… فكانت رغم الإدعاء بغير ذلك.

الجميع  ينهي عن عمل ويأتي بمثله. والجميع يشرب من نهر الجنون ولا يرتوي. والجميع كجهنم، يسأل هل من مزيد؟.

ثمة استثناءات لا يعترف أحد بها اليوم. وهي إن تكلمت فكلامها منتهي الصلاحية، ومتهم بأنه بقايا لغة خشبية يفترض إنقراضها. فالعروبة أصبحت تهمة ملعونة في ظل انتشار المذهبيات وانكفاء العرب كل داخل دولته.

صحيح أننا من هذه الإستثناءات، التي تشكل عملة مسحوبة من التداول، في زمن عملات فاعلة يتداولها من يتعامل بتفاعل مع هذا «الربيع» الذي لن يترك لنا ربع وطن.

ومع ذلك سنصيح في قلب الريح العاصفة بالأمة والمنطقة.

ما عاد مهماً ما يفكر من هم فوق، المهم أن قاع الشعوب العربية أصبح مسكوناً بالمذهبية. وهذا سيجعل الفتنة المشتعلة، أشد من «الفتنة الكبرى»، التي تلطخ تاريخنا القديم، والتي تتجدد اليوم، بأسلحة أكثر فتكاً. فالسيف استبدل بالصواريخ الحاصدة للأرواح بالجملة. والدرع استبدل بالحزام الناسف. والرمح استبدل بالقنابل الموجهة. والحصان استبدل بالدبابة.

في قاع الشعوب العربية أيضاً قناعة لا تتزحزح بأن ما يجري في المشرق العربي هو حرب عربية ـ فارسية، حتى ولو ارتدت ثوب فلسطين المثقوب بالتخلي إلى حد الخيانة، وبالإلتزام إلى حد الخطابة.

إن ما يُعرف ويجب أن يقال: أننا نمضي إلى بئس المصير.

في زمن التبشير بالثورة كنا ندعو شعوبنا النائمة إلى الاستيقاظ والانتفاض على الإستبداد والدعوة إلى الحرية والوحدة.

كنا ندعو إلى الاستيقاظ للنهوض بالمستقبل. واليوم، وحفاظاً على حد أدنى من المستقبل، ندعو جادين الشعوب العربية الهائجة، وندعو «ثيران» ثورات العرب والإسلام إلى العودة للنوم مستعيدين قول الشاعر معروف الرصافي:

ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم.

نعم ناموا يا عرب وفوزوا بإنسانيتكم وأوطانكم وأرواحكم… ناموا وإياكم أن تستيقظوا.

وليد الحسيني