عودة “أفلام المقاولات”: فنانو الملاليم يحصدون الملايين

006كتب عبد الرحمن سلام:

هل عاد زمن “أفلام المقاولات”، التي كانت احدى ابرز ظواهر السينما المصرية في سنوات الستينيات والسبعينيات؟ يجمع النقاد أن الافلام الأخيرة تبشّر بعودة تلك الظاهرة، ومنها، على سبيل المثال، فيلما “دكتور سيليكون” من بطولة اللبنانية مروى ومعها نيرمين الفقي وشعبان عبد الرحيم، وفيلم “علقة موت” من بطولة شمس والشحات مبروك وسماح بسام.

فما أسباب عودة تلك الظاهرة مرة أخرى؟ وهل يصبح لها نجومها، من أبناء جيل السينما الجديد، مثلما كان لها في فترتي الستينيات والسبعينيات، نجوم من وجوه المرحلة المذكورة؟

لا شك في ان مواقع التصوير اليوم تشهد عودة لكثير من الافلام “قليلة التكلفة” منها: “عمود فقري” من بطولة علا غانم، و”بني آدم” لنهال عنبر، و”شارع محمد علي” لغادة ابراهيم، وفيلم “9” للمخرج ايهاب راضي، اضافة الى افلام اخرى كان قد تم الانتهاء  من تصويرها، ومنها: “حارة مزنوقة” من بطولة علا غانم، و”ابو فتلة” من بطولة الراقصة الفضائحية سما المصري.

يصف النقاد هذه الأفلام، بأنها “تهديد مباشر لسمعة صناعة السينما”، بسبب تواضعها فنياً، وافتقارها للمعنى والمضمون والقيمة الفنية، عكس انتاجات “السينما المستقلة” التي يتم انتاجها بميزانيات محدودة، لكنها تحظى بإحتفاء نقدي وجماهيري، وتستطيع تمثيل مصر في المهرجانات الدولية، ومنها، فيلم “فتاة المصنع” و”ديكور” وغيرهما.

وفي هذا الصدد، تؤكد نقابة السينمائيين انها ترحب بوجود “مختلف النوعيات” من الأفلام، طالما انها تستعين بأعضاء النقابة في انجاز أشكالها، حيث صدر عن النقابة تلك، ما يفيد بسماحها بوجود هذه الانتاجات الضعيفة، الى ان يتم وضع حد لمعوّقات ومشكلات السينما ـ وهي كثيرة ـ وتحتاج الى تضافر جهود السينمائيين، منتجين وصناع عمل، وأيضاً الى دعم الدولة الممثلة بوزارة الثقافة، خصوصاً وأن هذه الأعمال تجد لها مكاناً في دور العرض السينمائية، كما ان هذه الأفلام يتم استخراج تصاريح التصوير لها من النقابة، بعد دفع الرسم النسبي، ولا يمكن بالتالي للنقابة أن تعمل على اعاقة انتاج مثل هذه الافلام، من منطلق دعم الصناعة.

ويعلّق نقيب السينمائيين: ان توجد أفلام متواضعة افضل من عدم وجود أفلام.

الكاتبة والناقدة السينمائية ماجدة خير الله تجد أن ظاهرة “أفلام المقاولات” ليست جديدة على السينما المصرية، حيث كان الغرض منها في الماضي، تعبئة شرائط الفيديو بما يرضي طموحات طبقة معينة من الجمهور التي تقبل على شراء هذا النوع من الأفلام.  لكن الغرض منها حالياً هو ملء فترات بث القنوات الفضائية الطويلة. والحل لهذه الظاهرة، يتمثل في عودة الدولة للمشاركة في الانتاج السينمائي مرة أخرى، اذ لا تكفي المؤتمرات والاجتماعات التي تنظمها الدولة مع الفنانين وصنّاع السينما للتحدث عن مستقبل السينما، والخروج بالكثير من الحلول لمشكلاتها المستعصية، والتي تظل على الأوراق، ولا يتم تطبيق شيء منها على أرض الواقع.

الناقد السينمائي كمال رمزي، طرح رأيه في الموضوع، معلناً أن أصحاب دور العرض مجبرون على عرض “أفلام المقاولات”، كي لا يتعرّضوا لخسائر، وحتى يستطيعوا الوفاء بالتزاماتهم المادية، لا سيما في ظل ندرة انتاج الأفلام الجيدة، بسبب ظروف عدم الاستقرار الأمني المسيطر ـ حتى اللحظة ـ على الشارع المصري، وفي ظل التفجيرات التي تحدث في العديد من المناطق والمحافظات، الأمر الذي جعل انتاج أفلام سينمائية كبيرة، يعتبر مخاطرة ومجازفة كبيرة للمنتجين.

الفنان حسين فهمي العائد الى السينما بفيلمه الجديد “في لمح البصر”، لا يرى خطراً على السينما المصرية من عودة “أفلام المقاولات” من جديد، لأن الانتاج السينمائي الأميركي نفسه يتضمن مثل هذه النوعية من الأفلام التي يتم انتاجها بهدف الاستهلاك السريع، ومن دون أن يتوقع منها أحد أي نجاح كبير أو تأثير.

ويضيف حسين فهمي: انما الخطر الحقيقي على السينما يكون عندما يتوقف انتاج الأفلام الجيدة، ومع استمرار وجود السينما المحترمة لن يشكل ظهور “أفلام التسلية” اي خطر، لأنها لا تستمر طويلاً في دور العرض، ولا تحقق اي نجاح؟!

لا شك في أن الأزمات المالية التي تمر بها كبرى شركات الانتاج السينمائي، امثال “الشركة العربية، النصر، الماسة، أوسكار، العدل، فيديو 2000″، وسواها، ساعدت على بروز “منتجين” جدد على الساحة السينمائية، يعملون بروح “الهواة” ويملكون الرغبة الشديدة في الكسب ليس أكثر، من دون أن يدركوا، أو أن يمتلكوا “مفاتيح اللعبة السينمائية”، ولذا، اكتفوا بالتقليد الأعمى، وأقبلوا على انتاج أعمال بأقل تكلفة مالية، لمجرد الوجود في السوق السينمائي.  ومن تلك الأفلام “حركة عيال” من بطولة مجموعة ممثلين غير معروفين، منهم: خالد حمزاوي، وفاء قمر، أحمد فتحي، ومعهم مجموعة من الممثلين المعروفين تلفزيونياً أكثر من معرفة جمهور السينما بهم، مثل: سامي مغاوري ووجدي عبد المنعم وعفاف رشاد. فهذا الفيلم ليس التجربة الأولى لمنتجه حيث سبق وقدم فيلم “سبّوبة” من بطولة رندة البحيري وخالد حمزاوي، والفيلم هذا لم يحالفه الحظ في الايرادات عند طرحه في دور العرض السينمائية.

وهناك أيضاً فيلم بعنوان “آخر ورقة” لمنتجه أحمد فهمي الذي لا يزال حائراً بشأن عرضه، حيث يبحث عن موزّع سينمائي يتولى المهمة، والفيلم من بطولة دينا المصري وكريم قاسم وأحمد عبد الله محمود، ويدعمهم، (كما في فيلم “حركة عيال”) نجوم من الصف الثاني: ندى بسيوني وهشام اسماعيل، قصة عبد الله خالد، سيناريو وحوار حنان البمبي واخراج محمود سليم في اولى تجاربه الاخراجية.

والأمر المثير للدهشة، هو أن حال فيلم “آخر ورقة” من حيث الظروف التوزيعية، هو نفس الحال بالنسبة الى فيلم آخر عنوانه “المماليك” الذي يقدم الشاب الممثل رامي وحيد في أولى بطولاته السينمائية، ويشاركه مجموعة من الوجوه الشابة، منهم: عمرو عبد العزيز، نهى اسماعيل، ندى عادل، محمد الصاوي، حنان يوسف، غادة جريشة، خالد حمزاوي، والمطرب الشعبي محمود الحسيني.

وهناك أفلام كثيرة، تم الاعلان عنها، والانتهاء من تصويرها، ولكن لم تحدد مواعيد عرضها حتى اللحظة، ومنها: “حافية على جسر الخشب” من بطولة مجموعة وجوه شابة جديدة: نسمة ممدوح، سندريللا، ايمان السيد، ياسر الطوبجي، حسن عبد الفتاح، حسن عيد، تامر ضيائي، قصة وسيناريو وحوار مصطفى صابر واخراج تامر حربي وانتاج احمد السرساوي، والحال ذاته بالنسبة الى فيلم “جرح سطحي” الذي تم اسناد بطولته للمطربة الشابة آمال ماهر في اولى تجاربها السينمائية، ويشاركها في ادوار البطولة: اشرف مصيلحي وحسام فارس وساندي، من تأليف سامح فرح واخراج ابراهيم نشأت.

وإذا كانت هذه الأفلام تعاني من عدم وجود “موزعين” لها، فإن هناك انتاجات أخرى عديدة تواجه توقفاً لعدم قدرة منتجيها على استكمال تمويلها، رغم أن ميزانياتها ضئيلة للغاية، مثل أفلام: “هيصة” و”البار” و”سفاري” وسواها.

الناقد المعروف رؤوف توفيق، أكد أن عودة “أفلام المقاولات” لها أكثر من سبب، اهمها حالة الفوضى التي تعيشها السينما المصرية الآن، وعلى كل المستويات، تأليفاً وانتاجاً واخراجاً و… و… وبالتالي، من الطبيعي أن تنتج تلك الفوضى، أفلاماً رديئة، هذا بالاضافة الى حالة الطمع في تحقيق مكاسب كبيرة بأقل تكلفة انتاجية ممكنة.

ولذلك، ظهرت افلام تكلف “الملاليم” وتُكسِب أصحابها الملايين. وما شجّع على عودة “أفلام المقاولات”، يتابع الناقد الكبير، ظهور فضائيات متخصصة بعروض الأفلام، وهذه الفضائيات يتضاعف عددها يوماً بعد آخر، وهي تحتاج الى أن تملأ ساعات بثها، وبالتالي، هي لن تتوقف عند الأفلام الجيدة فقط، أو ذات الانتاج الكبير، لأنها مكلفة الأجر. ان كل هذه العوامل مجتمعة، أعادت “أفلام المقاولات” مرة أخرى، وربما سيكون من الصعب السيطرة على هذه “الموجة” الآن، ولكن مواجهتها تكمن في اصرار السينمائيين الذين يعرفون دور السينما ويخافون عليها، ويحبونها، على انتاج المزيد من الأعمال الجيدة، وهو ما حدث عند مواجهة موجة “افلام المقاولات” التي برزت في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم. صحيح ان “أفلام المقاولات” لم تختف، لكنها انحسرت بشكل كبير، وفي النهاية، لا يوجد قانون يمنع انتاج “فيلم مقاولات”.

وبمثل ما اجمع النقاد السينمائيون، وأهل الانتاج السينمائي، على وصف ايرادات موسم نصف السنة السينمائي بـ”المنهارة”، حيث مثلت الايرادات صدمة كبيرة وحقيقية للمهتمين بصناعة السينما، ومنها على سبيل المثال: ايرادات فيلم النجم الكوميدي الشهير أحمد حلمي “على جثتي” وقد شاركته بطولته النجمة غادة عادل تحت ادارة المخرج محمد بكير، بحيث لم يتجاوز التسعة ملايين جنيه فقط، رغم وجوده في 68 دار عرض سينمائي. وايرادات فيلم “الحفلة” من بطولة احمد عز ومحمد رجب وجومانا مراد، من اخراج احمد علاء، حيث بلغت في الأسبوع الثاني اثنين مليون جنيه فقط داخل 43 دار عرض. وايرادات فيلم “حفلة منتصف الليل” من بطولة رانيا يوسف وعبير صبري ودرة ومن اخراج محمود كامل حيث بلغت نصف مليون جنيه رغم عرضه في 19 دار عرض. وايرادات فيلم “مصوّر قتيل” من بطولة اياد نصار ودرة ومن اخراج كريم العدل، وقد حقق ايراداً ضئيلاً.

بمثل ما أجمع النقاد وأهل الانتاج على التشاؤم بسبب ضعف الايرادات السينمائية، ما قد يتسبب بإعاقة حركة الانتاج المحترم، يضع هؤلاء كل الآمال اليوم على موسم الصيف السينمائي المقبل، لعل انتعاشة مفاجئة تبدل واقع الحال في دور العرض من قبل رواد السينما، خصوصاً وأن غالبية المنتجين والموزعين “رحّلوا” عروض أفلامهم الجديدة الى الموسم المذكور، ومنها افلام “أبو النيل” من بطولة احمد مكي واخراج عمرو عرفة، و”تتح” من بطولة محمد سعد واخراج سامح عبد العزيز، و”فبراير الأسود” من بطولة النجم الراحل خالد صالح ومن اخراج محمد أمين، و”توم وجيمي” من بطولة هاني رمزي ومن اخراج أكرم فريد، و”الجرسونييرة” من بطولة غادة عبد الرازق ومن اخراج هاني فوزي، و”الحرامي والعبيط” من بطولة خالد الصاوي ومن اخراج مصطفى… وسواها.

فهل يتطابق حساب “حقل” أهل السينما والنقاد مع “بيدر” جمهور الفيلم ودور العرض، وتنجح هذه الأفلام وسواها في سحب البساط من تحت أقدام “موجة أفلام المقاولات”، وتحقق بالتالي لمنتجيها الايرادات التي تشجعهم على العودة للانتاجات السينمائية المحترمة؟

موسم الصيف السينمائي المقبل هو وحده الذي يحمل الأجوبة، وان كانت نسبة التفاؤل عند النقاد وأهل الانتاج لا تبشر بالخير، ومن هنا، يرى هؤلاء أن “أفلام المقاولات” تهدد صناعة السينما في مصر، أقله في المدى المنظور.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s