«الثورات» تأكل دولها

walidما يراه العرب في يقظتهم، هو أسوأ من أسوأ الكوابيس.

في العراق، أي بلاد ما بين النهرين، تفجّر نهر ثالث من الدماء، هو أغزر من دجلة وأطول من الفرات.

في ليبيا، توقف حفر آبار النفط، وعمّ فيها حفر القبور. وتوقف استيراد العمال الأجانب للبناء، وحل مكانه تصدير الليبيين الى المنافي للإذلال.

في اليمن، ومنذ أن دمرت «الجرذان» سد مأرب، قبل أكثر من 2500 سنة، لم يبنَ سد الى أن قامت «الجرذان البشرية» ببناء عشرات السدود المنيعة، التي تمنع اليمنيين من الاتفاق، وتسد عليهم أبواب الحياة، وتقطع عن شعب «القات»… القوت.

كان سد مأرب يحصر المياه لحصاد الغلال، لكن سدود اليوم تحصر اليمنيين لحصاد أرواحهم وأرزاقهم.

في تونس، البلد الذي يعيش على السياحة، يموت اليوم، شيئاً فشيئاً، بموت السياحة. بعد أن ساحت في أرجائه خلايا إرهابية بلغت سمعة وحشيتها أسماع العالم.

في مصر، الإغتيالات تتنقل بين رجال الأمن، والمتفجرات تتنقل بين المقرات الأمنية، وسيناء، رغم نجاحات الجيش المصري، ما زالت تنبعث منها رائحة الموت، وما زالت تبعث بجثث شهداء الجيش وقوى الأمن الى مدن ونجوع مصر. مما يعني أن مصر لم تتعافَ تماماً من وباء الربيع العربي، وأن استقرارها ما زال هشاً.

في سوريا، لم تعد «الغوطة» متنفساً لأهالي دمشق، بعد أن تحولت الى «منتزه» لمعارك دموية تكتم أنفاس أهل دمشق وريفها. ولم يعد «سهل الغاب» مصدراً للرزق، فهو اليوم غاب متوحش يحرق الأرزاق ويقطع الأعناق. ولم تعد حلب عاصمة سوريا التجارية، إذ عمّت فيها، وعمتها، تجارة الموت والدمار. ولم تعد الجزيرة صومعة الغذاء التي تطعم سوريا قمحاً، إذ تحولت حقولها نفسها الى طعام لنيران المعارك.

وبهذا الواقع الأسود نرى كيف تأكل «ثورات» الربيع العربي دولها وشعوبها بشراهة لم يعرفها التاريخ من قبل. وبما أن هذا الواقع الأسود بلا نهاية وهو مستمر في الانزلاق الى مزيد من الانقسام والحقد والدموية، فلا شيء يحول دون انتقاله الى دول عربية أخرى، نخشى أن يكون لبنان أولها. لأنه الأكثر تورطاً والأقل مناعة. وتأتي هذه الخشية وسط استهتار سياسي، وعصبية مذهبية، وفراغ مؤسساتي يهدد بالتسلل الى الحكومة والمجلس النيابي والمؤسسات العسكرية، إذا ما قرر العماد عون تنفيذ وعيده بمقاطعة مبنى ساحة النجمة والسرايا الكبير.

وإذا لم يعِ العرب، فإن مسلسل «الربيع الدامي» سيعم في الدول العربية، وسنكون، كما قال شوقي، «كلنا في الهم شرق».

وليد الحسيني

 

ديمقراطية “غير مطابقة للمواصفات”

متظاهرون ضد التمديد لمجلس النواب

متظاهرون ضد التمديد لمجلس النواب

يملك لبنان من المصطلحات “الديمقراطية” ما لم يعرفه العالم منذ ظهور أول ديمقراطية إبان الثورة الفرنسية حتى الآن.

“التمديد” مثلاً، استعملناه حتى الإدمان.  علكناه مرات عدة في مجلس النواب، وأكثر من مرة في رئاسة الجمهورية.  واجتررناه في تمديدات بالجملة للقيادات العسكرية والأمنية والقضائية … وأحياناً كثيرة لمجالس إدارات المؤسسات العامة.

هذا الحل “غير المطابق” للدستور، لم نسمع أو نقرأ عن تطبيقاته، حتى في أعتى الديكتاتوريات في العالم، حيث كانت تحافظ على الشكل الديمقراطي بإجراء انتخابات واستفتاءات تُفرَز نتائجها في إدارات المخابرات، وتأتي دائما مطابقة للنتائج المقررة سلفاً قبل إجراء الانتخابات نفسها.

مثال آخر عن اختراعاتنا الديمقراطية، “الثلث المعطّل”.  فلو سمع به عبد الرزاق السنهوري، العالم الدستوري الأول في الوطن العربي، لضحك حتى انقلب على قفاه، تماماً كما قلب “الثلث المعطّل” الديمقراطية على قفاها.

هذه البدعة تسمح لديكتاتورية الأقلية في أن تمارس “ديمقراطيتها” على الأكثرية، حتى ولو بلغت الثلثين.

مثال ثالث، “الفراغ”.  وهو دواء لبناني فريد من نوعه.  بالتأكيد لا يطابق المواصفات العالمية.  وبالتأكيد يؤدي إلى تفاقم الداء.

تصوّروا دولة، أي دولة في العالم، بلا رئيس.  ومع أنه تصوّر مستحيل، فإن ذلك أقصر الطرق إلى الفوضى والإنهيار.

ومع نموذج “الفراغ” الذي لم تسبقنا إليه حتى قبائل الأدغال، تم اكتشاف إختراع ديمقراطي آخر ملحق به، وهو “المقاطعة”.  فالنواب الكرام، الذين لا يتأخروا عن قبض رواتبهم من أجل عقد الجلسات النيابية، يقاطعون ويقطعون الطريق اليوم عن انتخاب الرئيس … ليتحوّل التشريع إلى ضحية إضافية، ولتصبح مصالح الناس والوطن في مهب الاختلاف على جنس ملائكة بعبدا.

مثال رابع، “الإجماع”.  وهو اختراع لبناني مدمّر أدّى إلى الشلل الدستوري والحكومي والحياتي.  وإذا كان رب العباد رفض فرض “الإجماع” على البشرية، فجعلها شعوباً وقبائل تتحالف وتتحارب، فإننا في لبنان جعلنا من “الإجماع” شرطاً لاتخاذ القرارات، ومصدراً من مصادر تعطيل السلطات والمؤسسات.

وإذا غابت عن الذاكرة أمثلة كثيرة، فإن الرئيس نبيه بري أخرج من كم حاوي الديمقراطية أرنب “تشريع الضرورة”.

و”الضرورة” في لبنان عادة ما تكون ضرراً لفريق ومصلحة لفريق آخر.  أي أننا حوّلنا التشريع إلى قوانين بسمنة وقوانين بلا سمنة وبلا زيت.

بعد كل هذه الأمثلة، لا بد من الاعتراف أن الديمقراطية لولا “فقهائها” اللبنانيين، لبقيت مجمّدة في مفهومها القديم والبالي، والمتمثل في حكم الأكثرية وسن القوانين واحترام مواعيد الاستحقاقات الانتخابية.

سامر الحسيني