إسلام بلا عروبة

walidلم يختر الله كسرى أنو شروان رسولاً ليبشر بالإسلام. ولم ينتظر ظهور جورج واشنطن أو لينين أو ونستون تشرشل أو ماو تسي تونغ أو شارل ديغول أو الخميني ليكون أحدهم رسول المسلمين.

لا يحتاج الله لنشر آخر دياناته السماوية إلى ذوي القوة والنفوذ والثروة.

بإرادة إلهية، إختار الله أرض العرب مهداً للدين الحنيف. وبإرادة إلهية، إختار العربي محمد رسولاً. وبإرادة إلهية، أنزل القرآن باللغة العربية، لا بالفارسية أو الفرنسية أو الانكليزية أو الصينية أو الروسية.

لقد خصّ الله العرب رسولاً ولغةً. وأوكل إليهم إرث محمد خاتم الأنبياء، وتراث الإسلام خاتم الأديان.

إذاً، بأي حق يجري تحريف الإرادة الإلهية، ومن ثم انتحال صفة الوصاية على الإسلام، وبالتالي انتزاعه من موطنه العربي.

الإسلام منذ أن بزغ فجره، لم يسلّم قيادته إلا للعرب. والعرب لم يعرفوا، بفضل إسلامهم، الطائفية أوالمذهبية أو العنصرية.

في تاريخنا، لم تفرّق العروبة بين مسلم ومسيحي.

حتى اليهودي كان، قبل إسرائيل، جاراً ومواطناً وصديقاً.

في تاريخنا، لم يحكم العرب شيخ أو رجل دين. وفي غياب العمائم البيضاء والسوداء عن السلطة، لم تميز مجتمعاتنا بين السني والشيعي والدرزي والعلوي والإسماعيلي والشركسي.

كانت العروبة حزام الأمان المستعصي على الفتن.

بقيت العروبة تحمي الجميع، إلى أن سُرق منها الإسلام. فظهر رجال الدين كقادة يحكمون، أو كمتحكمين بالقادة.

عندما خرج الإسلام من عروبته، إندلعت الحرائق المدمرة في الوطن العربي. وساد التطرف والتكفير. وهدرت الدماء ببشاعة ووحشية.

عندما خرج الإسلام من عروبته، تم تشويهه … وكادت تنهار قيمه وإنسانيته وعدالته ورحمته.

إن الذين يتصدرون المشهد الإسلامي لـ”الدفاع” عن الإسلام، إنما يدفعون به إلى ما قبل الإسلام، وبالتأكيد إلى ما هو أسوأ. فالجاهلية، رغم جهالتها وعصبية قبائلها، لم ترتكب القتل الجماعي، والتدمير الشامل، وضرب الصواريخ “الذكية”، وإلقاء البراميل “الغبية”، والتهجير والنزوح والحصار.

كل هذا الإجرام يرتكب مع “تكبير” هنا وهتافات “مذهبية” هناك.

لقد فعلوا بالإسلام ما لم يجرؤ هتلر على فعله بالبشرية. وجرى ذلك تحت إدعاء حب الإسلام والكتاب والنبي وأهل البيت!! وهذا هو الحب القاتل.

وفي ضوء ما سبق، لن يُغسل الإسلام من أدران التطرف إلا بعودته إلى أحضان العروبة.

لا يمكن أخذ الإسلام إلى المنافي.

لا يمكن نفيه إلى إيران أو تركيا أو أفغانستان.

بدأ من هنا … وإلى هنا يعود حتماً. أما استمرار خطف الإسلام فهو تمرّد على إرادة الله، الذي اختار أرض العرب أرضاً لكل الأنبياء والمقدسات.

وليد الحسيني

Advertisements

“اسرائيل أولاً”

وقّع دونالد ترامب صكّ نقل ملكية القدس الى إسرائيل.

أكثركم اعتبرها جريمة تعادل نكبة 1948، وتتفوّق على هزيمة 1967.

فعلتم ما فعلناه في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي.

في تلك الفترة، استهوانا التظاهر والتنديد والشجب والغضب. وعزمنا العزم على إلقاء إسرائيل في البحر.

قلدتمونا تماماً هتافاً وتظاهراً وتنديداً وشجباً وغضباً. وتجاوزتم عزمنا، فعزمتم على تدمير إسرائيل كاملة بالصواريخ التي لا تعد ولا تحصى.

نعترف أنّ هتافاتنا لم تستعد فلسطين. ولا تنديدنا رد كيد إسرائيل. ولا غضبنا أرعبها.

كان لجيلنا أعذاره. فهو لم يملك الجحافل ولا الإمكانات المادية والتسليحية والصاروخية. لهذا لجأ الى أضعف الإيمان وهو المقاومة بالقلب واللسان.

لكن ما أعذاركم، وأنتم أصحاب القوة وأبطال “توازن الرعب”.

اعتقدنا أنّ ردكم على الضياع الثاني للقدس، سيكون بتنفيذ وعدكم بتحويل إسرائيل الى حفنة من الرماد. فإذا بردكم لا يختلف عن ردنا قبل أكثر من ستين عاماً.

تظاهراتكم تشبه تظاهراتنا. وهتافاتكم هي هتافاتنا… لهذا نخاف عليكم أن تبلغوا فشلنا… وأكثر.

لن نستغرب. فالتاريخ الذي يكرر نفسه يصل الى النتيجة نفسها.

في ذلك الزمن رفعنا رايات الحرية والاشتراكية والوحدة.

الحرية أسّست سجوناً تتسع لكل أصحاب الرأي.

الاشتراكية خرج من رحمها الفساد والرشى والثروات المشبوهة.

الوحدة استولدت الإنفصال والإقليمية والإنعزالية.

لجأنا في ذلك الزمن الى الأحزاب القومية لإنقاذ أحلامنا الكبرى… فانشققنا وانقسمنا.

قادنا الفشل الحزبي الى التمسّك بالقيادات التاريخية… فانكسرنا وانهزمنا.

قفزنا بثقة عمياء الى ضفة المقاومة.. فدخلنا في حروب “الأخوة الأعداء”.

وممن فشل الى آخر… إنتهى كل شيء.

وعندما ساد الصمت الجماهيري وعمّ السكوت ساحات النضال، انتشر الفراغ وأطل “الإسلام السياسي” طارحاً نفسه كبديل لهذا الماضي الفاشل.

مع هذا الإجتياح المتنكر بالإسلام، ظهرت جماهير لا تشبهنا، وأفكار لا نعرفها.

فجأة وجدنا أنفسنا أمام تنظيمات وأحزاب تحلل الدم وتحرّم الرحمة.

الفرق بيننا وبينكم، اننا كنا حركات إنسانية. وكنا نتظاهر في وضح النهار وبوجوه وعناوين معروفة. اما أنتم فأعمالكم تشهد على “إنسانيتكم” المتوحشة.

نحن خسرنا قضايانا، لكننا لم نخسر شعوبنا. لم نفجّر سوقاً شعبية بزبائنها، ولا مدرسة بأطفالها، ولا شارعاً بمتنزهيه، ولا جسراً يربط في ما بيننا.

نحن خسرنا… وأنتم ماذا ربحتم؟

أنظروا حولكم وستعرفون.

أنظروا الى سوريا وليبيا والعراق واليمن.

أنظروا الى القرى والمدن المهجرة والمباني المدمّرة والمزارع المحروقة.

أنظروا الى أطفال فقدوا أمهاتهم، وإلى أمهات فقدن أطفالهن.

نحن لم ننجح في إلقاء إسرائيل في البحر. لكنكم نجحتم في إلقاء الأمة العربية في بحر الظلمات.

نذكركم، ويبدو أنكم نسيتم، بشعاركم “الموت لإسرائيل”، ونسألكم، وقد فتحت بوابات القدس للصهيونية، ونسألكم، وأنتم تملكون ما تملكون من صواريخ بالستية و”انتصارات إلهية”، لماذا لا يتقدم شعار “إسرائيل أولاً” على “سوريا أولاً” أو “العراق أولاً” أو “اليمن أولاً”؟

تقولون إنّ فلسطين هي البوصلة. فأين هي البوصلة، وأين هي فلسطين… بل أين هي القدس؟

من المحزن أن يكون الجواب بالأقوال لا الأفعال. فـ”إسرائيل أولاً” خطاب… أما الخطب ففي مكان آخر.

وليد الحسيني