الدستور الهيروغليفي

walidالأعرج لا يعلِّم السوي المشي. وعليه فإن ما نسمعه من دفاعات عن الدستور لن تعيد له الاحترام المفقود.

إن الخلافات السياسية في لبنان جعلتنا نعاني من حرمان الإستقرار، أكثر مما تعانيه عكار من حرمان التنمية.

وأحدث مسلسل الخلافات اللبنانية، خلاف عون وبري على تفسير الدستور. فالخلاف القائم هو إستحضار طارئ ونادر لدستور غائب. يتم إلباسه “طاقية الإخفاء” كلما كانت المحاصصات بالرضى والتراضي. ولا يظهر إلا عند حاجة الزعامات إلى شاهد دفاع للمحاججة في أي نزاع حول الصلاحيات ومناطق النفوذ.

ودائماً تتحوّل مواد الدستور إلى مواد سجالية مبهمة، كأنها كتبت باللغة الهيروغليفية، لا العربية.

المصيبة ليست في تغييب الدستور فقط. فالمصائب اللبنانية لا تحصى.

منها:

الديمقراطية التي تحولت إلى حفلة تنكرية، حيث خلف القناع الديمقراطي، إقتناع بأن المذهبية هي الوجه الحقيقي لأصحاب الأقنعة.

الحكومة، وهي منذ زمن معتقلة في “سجن التوافق”. لا يمرّ من قراراتها إلا ما يسمح به غربال الخلافات في مجلس وزاري يضم كل الإتجاهات المتعاكسة والكامنة على أي كوع.

أما الطائفية، فهي المرض العضال المتسبب بكل مصائب لبنان. بما في ذلك أزمة النفايات الخالدة … وبواخر الكهرباء الغارقة، قبل أن تبحر، بين مد هذا الفريق وجزر ذاك.

ولا بد من التوسع في الحديث عن الطائفية، لأنها كما قلنا سبب كل علة.

يقال مثلاً أن الإنتخابات المقبلة ستنقذ لبنان، وأن وجوهاً جديدة ستبعث دماً جديداً في المجلس النيابي.

حتى لو صدقت “النسبية” وفاز الوجه الجديد، فإنه لن يختلف عن الوجه القديم. فالصبغة “المدنية” لا تدوم طويلاً عند إستعار نيران المذهبيات. وقبل كل هذا، فإن الناخب اللبناني عندما يختار لائحته الانتخابية، يختارها بمعيار مذهبي متعصّب. فشعب لبنان واحد من شعوب نادرة تحكمها “جيوش السماء”.

أغلبية شعبنا مشدود إلى الشعبية المذهبية. ولهذا لم يعد بالإمكان التمييز بين رجل الدين والسياسي.

أكثر الساسة في لبنان يقلّدون رجال الدين … وأغلب رجال الدين ساسة.

لا تمر قوانين خارج إرادتهم. ولا تصح محاصصة إذا لم تخرج من تحت أرديتهم. ولا تستقيم سياسة خارجية إذا لم تحظ بمسحتهم المباركة.

الدولة، بكامل مؤسساتها، تتجوّل فيها أشباح “معممة” و”مقلنسة”، حتى لو ارتدت البدلة “السينييه” وربطة العنق.

لقد تحوّلت الديانات والمذاهب من لغة روحية وتعبدية، إلى لغة سياسية، بقدر ما يجيد السياسي التحدث بها، يجيد الوصول إلى المناصب ومراكز النفوذ.

إن البلد اليوم يعيش حرباً أهلية مموهة. فبدل أن تقام المتاريس في الشوارع، ها هي تقام داخل مجلس الوزراء، وها هي أكياس الرمل ترتفع بين بعبدا وعين التينة. وبدل أن يخرج الرصاص من أفواه البنادق، ها هو يطلق بغزارة من أفواه السياسيين والإعلاميين.

وقبل أن يتأكد العالم من أن لبنان كذبة ديمقراطية، يتوجّب على القوى السياسية “العظمى” أن تقتنع بشيء لها وبشيء للوطن. وإلا فلن تحصل على شيء … ولن يبقى لها وطن.

يكفي نفخاً بالمذهبية لتحقيق بعض الإنتفاخ.

تواضعوا، وخذوا بقول الشهيد رفيق الحريري “لا أحد أكبر من وطنه”. ولا تستمروا بأفعالكم التي توحي بأن “لا وطن أكبر منكم”.

وليد الحسيني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s