حكاية لبنان

walidإقتحم المواطن القلق غرفة الأطباء صارخاً:

صارحوني. هل مات فعلاً؟

يقول طبيب محاولاً تهدئة المواطن المنهار:

لا. لم يمت بعد. لكن حالته سيئة جداً.

يرد المواطن متوسلاً:

أرجوكم افعلوا شيئاً لإنقاذه.

يحاول رئيس الأطباء طمأنة المواطن قائلاً:

لا تخف. فهذه ليست المرة الأولى التي يعاني فيها لبنان سكرة الموت. سبق وأنقذناه من حالات خطيرة كثيرة. كل ما نطلبه منك بعض الصبر.

يهدأ المواطن قليلاً. لكنه يعود إلى السؤال:

هل اكتشفتم مرضه؟

يجيب أحد الأطباء بتهكم:

مرضه؟! قل أمراضه. فهي لا تعد ولا تحصى.

يتملك القلق المواطن مجدداً. ومرة أخرى يسأل:

ممّ يعاني؟ أخبروني بحق السماء.

يتأفف طبيب المخدر مجيباً:

أوه… لا أدري من أين نبدأ.

يمسك المواطن بيد رئيس الأطباء مستعطفاً:

بالله عليكم صارحوني. فليس لي غيره. وعمري لا يسمح بالبحث عن وطن بديل.

يستجيب طبيب لطلب المواطن ويبدأ بسرد الأمراض:

مريضك يا عزيزي يشكو من فقدان المناعة. وهذا أدى إلى تراكم الأمراض واختلاطها. ولأنه لا يستطيع مقاومتها فقد استفحلت في جسده المتهالك.

يستغرب المواطن كلام الطبيب ويرد مستنكراً:

من أين أتيتم بهذا الهراء. فكل زعاماتنا وأحزابنا وتلفزيوناتنا وصحفنا تقول أنه وطن الصحة والعافية والجمال والقوة والإزدهار؟… هل نسيتم أنه سويسرا الشرق؟… إذاً، لماذا سويسرا لم تصب بأمراضه؟… لا شك أنكم أخطأتم توصيف المرض.

يفقد رئيس الأطباء صبره ويتوجه للمواطن بعصبية غير معهودة قائلاً:

إسمع أيها المغرور. أنت وأمثالك سبب كل هذه الأمراض الخطرة. لقد تسببتم له بذبحة دستورية عندما استعملت قياداتكم أوراق دستوره في الحمامات. وأنتم تسببتم له بفقر الدم الديمقراطي عندما أصبح السلاح غير الشرعي هو الحاكم والمتحكم. وأنتم من حولتم سيادته إلى سلع تستورد من الخارج. وأنتم من ذبحتم قوانينه كما تذبحون الخراف والأبقار لتنهشوا لحومها. ورجال أديانكم أصبحوا كفتيات الإعلان يثيرون “الفتنة”. وشبابكم تفرقوا كالبدو الرحل في أرجاء العالم بحثاً عن الماء والكلأ، وموظفوكم اختاروا الرشوة لسد جوع أطفالهم وتسديد أقساط مدارسهم. حتى عاصمته تم تقسيمها على عواصم دول القرار. وأنتم الذين اقتلعتم جباله الخضراء بالمقالع والكسارات… وأقمتم بديلاً عنها جبال النفايات.

خرج المواطن من المستشفى حزيناً محبطاً. انطلق بسيارته. صعد إلى الأرز. ألقى نظرة أخيرة. مسح دمعته. ثم اتجه بحراً إلى الشمال. لم يشم هناك رائحة زهر الليمون كالمعتاد. أمسك أنفه بأطراف أصابعه وغادر إلى الجنوب ودع أمكنة التاريخ في صيدا وصور. وحين وصل إلى بعلبك كان صوت فيروز قد غادرها. فلم يسمع سوى صوت الرصاص. عاد إلى بيروت. ذهب إلى صخرة الروشة واعتذر عن الإنتحار.

بعد أن أكمل رحلته في الوطن… انتقل إلى السرادق وجلس على الكرسي ينتظر وصول الزعماء ومواكب الثلاثين وزيراً… ليقدم لهم واجب العزاء بلبنان.

وليد الحسيني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s