الحكومة الآن… وقبل فوات الأوان

walidالسياسي اللبناني، الذي لم ينل “دكتوراة الكذب” بذكائه، نالها فخرية بمذهبيته.

وشهادات الكذب في لبنان “على قفا من يشيل”.

مثلاً،

الجميع يدعي تقديم التنازلات مُسهلاَ تأليف الحكومة. وكأن “العقد” فعلها مجهول الاسم والعنوان والطائفة.

هذه ليست الكذبة الأكبر.

الأكبر منها، أن ساسة البلد يزعمون أنهم سادة أنفسهم.

لا قائد يقوده الخارج. حتى لو كانت تكاليف مأكله ورواتبه وسلاحه تملأ الخزائن… بلا إملاءات!.

إذاً من حسن فطن سعد الحريري إلتزامه الصمت، كي لا ينضم إلى جوقة الكذابين. حيث من المستحيل إتهام الممتنع عن الكلام بالكذب.

وكما الشعر، فإن أعذب التغزل بلبنان… أكذبه.

وأغرب الغرائب، وأعجب العجائب، أن ساسة لبنان يدركون جيداً أن عدم تشكيل الحكومة بالسرعة الأقصى، هو إنهيار البلد بأقصى سرعة.

ومع ذلك، فسمعان ليس على السمع. ولا أحد يرى كيف تحولت الطبقة السياسية إلى طبقات إسفنجية امتصت أحواض لبنان الإقتصادية، وتركتها فارغة إلا من الطحالب الكريهة والأعشاب المسممة.

هذا يعني أن الوطن يحتاج إلى حكومة الآن… لا بعد فوات الأوان. خصوصاً وأنه لا مفر في النهاية من إغلاق مصانع “العقد”. حيث لا فكاك من التلاقي ولو مكرهين. ومن التعاون ولو مرغمين.

لم يعد بمقدور لبنان الوقوف في محطات الإنتظار. فحتى “سيدر”، الذي يشكل آخر أحلام النجاة، هو مهدد أيضاً بالغرق في مجاري بلد المجارير، إذا لم يبادر ضمير أهل السياسة إلى الإستيقاظ قبل أن تستيقظ الكوارث المدمرة. فالتصريحات المتفائلة لن تمنع البناء المنحرف من الإنهيار، ولا يمكنها أن تشكل دعائم الخلود.

يعلم الذي رحّل تشكيل الحكومة إلى قيام الساعة، أن ساعة تأليفها آتية لا ريب فيها. وأن تعطيلها يعتبر جريمة وطنية، سيحاسب عليها الشعب قبل أن يتولاها الله يوم الحساب.

صحيح أن لبنان، لأكثر من خمسين سنة، عاش على عرش إزدهار إقتصادي، ما كان ممكناً لولا أزمات الغير.

بدأ الإزدهار بنكبة فلسطين، التي أدخلت إلى لبنان الكثير من أموال أثرياء فلسطين. وانتعش الإزدهار بثروات هائلة فرّت من إشتراكية مصر وسوريا والعراق. وأصبح لبنان سويسرا الشرق بإدارته أموال نفط الخليج في الخمسينات والستينات.

هذا كان يا مكان.

اليوم استعادت السلطة الفلسطينية مستثمريها وأموالها. والإشتراكية خرجت ولم تعد. وصار للخليج عباقرته في الإقتصاد والصناعة والزراعة والتجارة والمصارف.

لم تعد هناك مصائب قوم لتصبح عند قومنا فوائد. حتى ما ابتكر مجدداً من تدفق أموال الممانعة الإيرانية. فهو تدفق تحكمه العقوبات الأميركية بالتراجع… وربما إلى حد الزوال.

لا يبقى لما يمكن إنقاذه، سوى قيام حكومة وطنية الإتجاه، لا حكومة وحدة وطنية بعدة إتجاهات.

هل هذا ممكن؟

ممكن فقط عندما يتواضع المتمكن ويكف عن الحكم غير المباشر… والتحكم المباشر. 

وليد الحسيني

Advertisements

وسام المقابر

walidلن يغفر الله لنا إذا نسينا أن في ميلاد السيد المسيح، كان الميلاد الأول للإنسانية.

لكننا نسينا، وبالغنا في النسيان.

إن الأعداد المتنامية لجياع العرب، تجعلنا نرتعش خوفاً من نهاية مأساوية لإنسانية تغمض عيونها عن صور مزلزلة لأطفال، تحولت أرجلهم إلى ما يشبه الحبال. وأيديهم إلى خيوط مهترئة. وعيونهم إلى مغارات غائرة.

ليس سهلاً أن ينخر الذباب العظم الحي، المغلف بالجلد المتقرح.

ليس سهلاً أن يطبق الصمت على الأفواه الرضيعة، التي أصبحت أضعف من أن تبكي.

ليس سهلاً أن يفرّغ رجل، ما بقي لديه من طاقة، بحفر قبر لنفسه، بانتظار نفسه الأخير.

وسط ذهول مخيف، مما تحمله وكالات الأنباء من أخبار وصور، لأشباح من أهلنا في اليمن والعراق وسوريا وليبيا والسودان، يصح السؤال عما إذا كانت الإنسانية بعدها على قيد الحياة. وأن ثمة مؤمنين يؤمنون بها داخل الأديان. وأن الدول الغربية ما زالت تقيم وزناً لـ “قيمها الفاضلة”… أو ما بقي من فضلاتها.

لقد انهمرت دموع الملايين من شعوبنا المنكوبة، بغزارة لم تعرفها أكثر مواسم الشتاء مطراً. وكبرت المآسي إلى أن أصبح الموت، هو الدواء المجاني الوحيد المتاح، الذي ينقذ من الأمراض والجوع والذل والإذلال.

ألا يدرك القادرون من أثرياء العرب، أن بمقدور هؤلاء الجياع، منح كل هؤلاء الأثرياء، “وسام المقابر” من الدرجة الأولى، لو قاموا بحفر المدافن، لمواطنين انحصرت أكبر طموحاتهم بالحصول على قبر في مقبرة.

لا نعتب على الجثث العربية الحية، إذا انطفأت أحلام أصحابها بالنجاة من حروبنا الأهلية، المؤهلة للإستمرار والتمدد من دولة إلى دولة. العتب على أولئك، الذين لم يقصروا في إشادة القصور، والذين لهم في مراحيضهم الذهبية قدوة حسنة لتكريم مؤخراتهم السامية.

ترى لماذا لا يتم تأكيد “الأخوة العربية” بأن يقوم رجال المال والأعمال العرب، بدفن الموتى من  الجوع والأمراض، والذين لا يملكون ثمن القبر، تحت أساسات قصورهم واستراحاتهم.

ألا يعلم هؤلاء أن الله بذلك، يكون قد أتم عليهم نعمته ورضي لهم بالإسلام دينا.

أليس بذلك إخفاء لمعالم جرائم الفقر والإبادة، في أمة لا تتوانى دولها عن شراء الأسلحة بمليارات الدولارات سنوياً، على طريقة هواة جمع الطوابع البريدية القديمة.

من وجع اليمن وسوريا والعراق وليبيا والسودان، يمكن القول أن الحالة العربية دامية، رغم أن لا دماء في ما بقي من أجساد عظمية جافة.

إنه الموت باليباس الإنساني… فهل يحيي الله الإنسانية… وهي اليوم رميم؟.

وليد الحسيني

سجل أنا عربي

walidأسوأ ما يمر على الأمم أن يتكرر الماضي، بأخطائه، في المستقبل. فنتذكره تماماً كما حدث. ونسرده تماماً كما سيحدث.

لقد سبق، وأغرى الإنكليز، الشريف حسين بالوحدة العربية، إذا قاتل إلى جانبهم ضد العثمانيين. فكانت ثورته. وكان تنصل الإنكليز، الذين قسّمونا واقتسمونا مع الفرنسيين.

قطّعونا إلى دول. واختاروا لكل دولة أقلياتها، كي تبقى الفتن حاضرة عند الطلب.

وكما فعلها بنا الإنكليز، يفعلها بنا الإيرانيون اليوم.

إغراء لا يقاوم بتحرير فلسطين.

لكن “فيلق القدس” ضل الطريق، فزحف إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن… وتربّص بدول الخليج.

لم نشهد زحفاً يحرر فلسطين ويدمر إسرائيل.

وكما الإنكليز، إفتعلت طهران، صراعاً سنياً – شيعياً، لتبقى الفتن أيضاً حاضرة عند الطلب.

ولا بد من الإعتراف، ولو مجاملة، من أن “حزب الله” حفظ لبنان من الإرهاب. فلولاه لكان أبو بكر البغدادي، لا ميشال عون، حاكماً في قصر بعبدا. ولكان أيمن الظواهري، لا سعد الحريري، رئيساً لحكومة لبنان. ولكان أبو محمد الجولاني، لا نبيه بري، سيد نفسه في مجلس النواب.

لقد نجا الوطن من هذا الإرهاب الأكبر. ولنفترض أن كل ذلك تم بفضل إرادة وشجاعة “حزب الله”. حيث نقل الحرب إلى حيث يجب أن تكون بعيداً عن لبنان. فمنع تسلله وقطع نسله.

ومع هذا، لا معنى لنشرة الأرصاد السياسية، التي تتحدث عن طقس مشمس، بينما تغطي السحب السوداء السماء اللبنانية بكاملها.

لقد أخذ “حزب الله”، من حربه في سوريا، الحد الأقصى من الإنتصارات على الإرهاب. إلا أنه نشر، بكثير من “ذكاء القوة”، الكثير من أصناف الإرهاب المتعدد الوسائل والرسائل.

أليس منع تشكيل الحكومة هو نوع من إرهاب الفراغ؟.

أليس تأليف محاور درزية، وتأليب المحاور السنية، هو إرهاب مذهبي؟.

أليس تهديد وليد جنبلاط بعدم التعرض لإيران، هو إرهاب سياسي؟.

رغم هذا… وغير هذا… وكل هذا… فإن الخطورة ليست هنا.

الموضوع أن العروبة نفسها في خطر.

ولتعذرنا فلسطين والقدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة… فلا نريد أياً منها بلا عروبة.

لا تأكلوا برؤوسنا حلاوة. فالمساحات شاسعة بين التنظير الشكلي للعروبة، والتطبيق الفعلي للهيمنة الفارسية.

ومن الراحل محمود دوريش نستعير صرخته:

سجل أنا عربي.

ومن الراحل سيد مكاوي نستعير:

الأرض بتتكلم عربي.

ومن معجزات السماء نستعير معجزة النزول باللغة العربية.

وأخيراً نؤكد ما يؤكده التاريخ أن العروبة لن تتقلص… وأن “الآخر” لن يتمدد.

وليد الحسيني

“باصقات اللهب”

walidلا مكان للشك في حضور اليقين. فالاستخفاف بالدستور ظاهر بحدّة في تصريحات أكثر من مقاول إعلامي ومبتذل سياسي. مما يؤكد أن كثيرين من اللبنانيين ليسوا لبنانيين، إلا بالقدر الذي تسمح به إيران.

إن إضعاف الدولة سياسة ثابتة. فكل الحوارات والتفاهمات تلفظ أنفاسها على عتبات عنجهية القوة. ومع ذلك يتحدث أبطال تعطيل المؤسسات عن الديمقراطية، تماماً كما يتحدث الحداد، الذي يصنع أبواب السجن، عن الحرية.

إن ما نسمعه من غناء “جوقة الإيرانيين” من “تطريب فلسطيني” هو غناء يستعير كلماته على قاعدة “أجمل الشعر أكذبه”.

إن استخدام سحر فلسطين، والقدس بالذات، كمفتاح للسيطرة على لبنان، هو سحر فقد مفاعيله. فالشعب لم يعد فرقة من “الكومبارس”، يحركها المخرج باصبعه.

نحن اليوم لا نشاهد مسرحية. فالخوف حقيقي. والإنهيار حقيقة. والبطالة والفقر والجوع والإفلاس … كلها مشاهد واقعية.

من دون تأنيب لضمير وطني، يستمر “الممثلون” بمسرحيتهم، التي يمكن أن تتحول، عند أي تصرف أحمق، إلى مسرحية دموية تعرض على خشبة الواقع.

من هنا نسأل:

ماذا تفعلون بلبنان؟

كأن المطلوب من سعد الحريري أن يخجل من التمسك بالدستور.

وكأن لبنان يجب أن يدمن الفراغ الحكومي.

وكأن “العهد القوي” يجب أن يخضع لمن مدّه بالقوة.

نرجع إلى المهم.

اليوم يكاد البلد يعود إلى “جاهلية” الحرب الأهلية. فبعد أن سقطت أشباه العقد من التأليف الحكومي، كشف “حزب الله” عن صواريخه السياسية الدقيقة، فأصاب الحكومة الموعودة بوعيد قيام الساعة.

وبصورة مفاجئة ومفجعة، تقدم صفوف التعقيد الحكومي، أحد السنة نيران “حزب الله”. وكسلاح “باصقات اللهب” القديمة، بصق على الأخلاق في بلد “الإطارات المشتعلة”.

صحيح أن المحاكمات تهدئ القلوب المتعطشة للقصاص. إلا أن القضاء يخرج عن صلاحياته، عندما يتطاول على أحد رموز تحرير فلسطين وإنقاذ الكون من الإرهاب!

وبالإنتقال من المهم إلى الأهم:

أولاً، نذكّر فيصل كرامي أن والده الراحل عمر كرامي إستغنى، مستقيلاً، عن رئاسة الوزراء من أجل لبنان. فهل كثير عليه الإستغناء عن “وزير دولة” من أجل إنقاذ لبنان في أخطر مرحلة؟

ثانياً، لا أحد يستطيع أن يعين سعد الحريري على صبره الحكومي وثوابته الدستورية، غير رئيس الجمهورية، الأمين على الدستور، والشريك في تشكيل الحكومة.

ثالثاً، لبنان مدعو جبراً لدخول معركة تبدو غامضة، مع أنها كثيرة الوضوح. وتبدو غبية وهي حادة الذكاء. فإيران توجه القذائف عبر حلفائها، إلى العهد الذي صنعته ذات يوم، مما يستدعي تحذير “التيار الوطني الحر” من خلال مؤسسه الجنرال عون، ورئيسه جبران باسيل، من أن الجلوس على الهامش في هذه اللحظات الشديدة الخطورة، سينهي العهد قبل أوانه، وسيجعل حلم باسيل بالرئاسة المقبلة، كمن ضيّع في الأوهام عمره.

وليد الحسيني