“قمصان عثمان”

walidكل التسهيلات التي أغدقت على الرئيس سعد الحريري لإعانته على فك عقد تشكيل الحكومة، خرجت من رحم المثل الشعبي “صحيح لا تقسم ومقسوم لا تاكل … وكول حتى تشبع”.

رغم ذلك فقد شبع الشيخ سعد. لكن أصحاب التنازلات الملغومة لم يشبعوا من تقديم “المسهلات”، التي أدت إلى نتائج عكسية، فتسببت بـ”كتام” حكومي مزمن.

لقد علمنا الماضي بقديمه، والحاضر بجديده، أننا أدوات نزاعاتنا الداخلية، لا أسبابها.

إذاً، الفرج يأتي من عنده “تعالى”.

و”تعالى” هنا ليس الله كما نعتقد ونؤمن، بل إنه تلك الدول المهيمنة على قراراتنا.

فلكل دولة لها “مربط خيل” في لبنان، مصالح كبرى. في حين أن مصالحنا لديها تختصر بالصغيرة … وربما بالحقيرة.

وهكذا فإن الفرج بالإفراج عن الحكومة، لن يأتي إلا من هناك.

والذي هناك، مازال يتمسك بالأزمة الحكومية، معتبراً أنها الثغرة التي ينفذ من خلالها لتخفيف ثقل العقوبات الأميركية. حيث من السهل على لبنان تبرير خرق هذه العقوبات بغياب الحكومة، وبالتالي غياب الرقابة والمتابعة والملاحقة. وبذلك يكون لبنان مسكّناً لبعض آلام إيران الاقتصادية. فالأسواق اللبنانية باستطاعتها توفير ولو القليل، من الدولارات والمواد المحظورة، سواء عن طريق مطار طارت عنه عيون الدولة، أو عن طريق حدود برية لا حدود فيها لنفوذ “حزب الله”.

وسط كل هذه الوقائع، هل يحق لنا أن نجاري تفاؤل سعد الحريري بحل قريب للأزمة الحكومية؟

جميعهم يعلن ولهه بالشيخ سعد. ولا يقبل بغيره رئيسا مكلفاً! ورغم هذا الإجماع، فإن جميعهم لا يتوقف عن فرقعة الشروط والعقد في وجه تشكيل الحكومة.

كان الله بعونه. فهو يكاد أن يكون المسؤول الوحيد عن بناء “سفينة نوح” لإنقاذ لبنان من الطوفان المدمر، الذي يتحدث عنه “المعرقلون” بجدية الساعة الآتية بلا ريب.

لن يمكنوه، طالما أن قميص عثمان أصبح قمصاناً بالجملة. فوراء قميص الوزير السني “الفائض عن الحاجة” يتلطى هذا الحزب. ووراء قميص إشتهاء هذه الوزارة يتلطى ذلك الحزب. ووراء قميص رفض الثلث المعطل يتلطى حزب ثالث.

ومن قميص عثماني مستورد إلى قميص عثماني مفبرك، تزداد أزمة التأليف تعقيداً.

وبسبب “فيترينة” قمصان عثمان، فاضى صبر عون والحريري عن حده. ويبدو أن الكي بالحسم هو أنجح دواء لهذا الداء المستعصي.

والسؤال: ماذا يمنع الرئيس المكلف من العودة إلى تقاليد الماضي الديمقراطي في تأليف الحكومات؟

يومها، كان إعلان أسماء الوزراء وتوزيع الحقائب يشكل مفاجأة للكتل والأحزاب والوزراء أنفسهم.

إذاً، وإذا لم يتراجع “المعرقلون” عن عرقلاتهم، فلتشكل حكومة الأمر الواقع بأسماء وتوزيعات يختارها الحريري متوافقاً مع عون … ولا نظن أن عاقلاً سيتجرأ على الإنسحاب منها. إلا إذا كان ضميره الوطني قد مات تماماً.

صحيح أن حكومة الأمر الواقع مغامرة كبرى، لكنهم لم يتركوا للرئيسين خياراً سواها … بعد أن استوى لبنان وبلغ درجة الاهتراء.

وليد الحسيني

Advertisements

“تلة” بيروت

walidلبنان معشوق، لا يحترم العشاق، ولا يملك مشاعر العاشق.

كل الأحاسيس العربية كانت تذوب هياماً أمام إغراء لبنان جبلاً وبحراً وأثراً… وشعباً.

جميع العرب أحب فيه الثقافة والصحافة والحرية والديمقراطية والجامعة والمستشفى… و”الكباريه”.

لكل عربي فيه ليلاه.

لكن هذا كان، قبل أن ينقلب وطن الجمال، من أحسن حال، إلى أسوأ الأحوال.

الجبال الخضراء، أصابها الصلع بفعل المقالع العشوائية.

الهواء العليل تحول إلى علل بفضل  التلوث.

الأنهار الصافية ملأت مجراها المجاري.

الشواطئ الرملية الذهبية أصبحت مكباً للنفايات.

الينابيع العذبة إختلطت بالصرف الصحي.

الخضار والفواكه تنمو بالمياه الملوثة والمسرطنة.

هذا في الطبيعة. أما في السياسة والتحولات الإجتماعية، فقد تم استبدال الصلاحيات الدستورية بالمصالح المذهبية.

لم يعد اللبنانيون أصدقاء لهذه الدولة العربية أو تلك، بعد أن انقسموا إلى أعداء لهذا النظام أو ذاك.

تغيّر الإنتماء من عرب وفينيقيين، إلى عرب وفرس.

اندثرت عادة العرفان بالجميل، وحل محلها الجحود والنكران.

سقط شعار “يا هلا بالضيوف”، لتشهر بوجههم السيوف.

إذاً، نحن اليوم غير ما كنا بالأمس.

ومن باب استغراب المستغرب، لماذا نستغرب تحول قمة الملوك والرؤساء والأمراء إلى “تلة”، بالكاد ترتفع إلى مستوى وزراء الخارجية؟.

وتأكيداً لانحدار أخلاقنا السياسية، نلجأ إلى تبرئة أنفسنا، باتهام القيادات العربية بالعمالة. وأنهم غابوا عن “قمة بيروت الإقتصادية” لأن أميركا أمرتهم بذلك. وفاتنا أن نشيد بتمرد رئيس موريتانيا وأمير قطر على تعليمات ترامب الإلزامية… وكأنهما من أحفاد تشي غيفارا!.

إنه العذر الأقبح من ذنب التهديد والوعيد، الذي ارتكبناه.

من المعيب أن نقدم على الإساءة لسمعة 19 ملكاً ورئيساً وأميراً، بهذا القدر من الإهانة. وأن نعتبرهم عملاء غب الطلب.

لكن، من نعم العرب علينا، أن قياداتهم ما زالت حريصة على لبنان. وتدرك أن ما قيل من البعض، قد تم تقويله لهم إيرانياً. ولهذا لم تأخذها ردة الفعل، إلى مقاطعة عربية للبنان. لو تمت، لتقطعت أوصاله الدبلوماسية، ولانقصم ظهره السياسي والإقتصادي.

لقد نظر القادة، بإمعان ومسؤولية، إلى النصف الممتلئ من الكأس السياسي اللبناني… واعتبروا النصف الفارغ كلاماً فارغاً.

ومما لا شك فيه، أن التصرف الحكيم من الرئيسين عون والحريري، ومعهما كثر، قد ساهم في التخفيف من الغضب العربي الرسمي، الذي لو انفجر، لتحولت “تلة بيروت” الإقتصادية، إلى قمة الإنتقام من لبنان، وبالتالي، تدمير علاقاته العربية والدولية.

صحيح، أن لا أحد ينتظر من “قمة الغياب” المعجزات والمنجزات. فقد تعودنا، حتى في “قمم الحضور الكبير”، على قرارات تسرف بإغداق العواطف والوعود… وهي أيضاً قرارات نسي المجتمعون أنهم سبق واتخذوها من قبل.

ورغم معرفتنا المزمنة، بأننا أمام قمة أخرى من قمم القرارات الوهمية، فلا مفر من احترام انعقادها في بيروت… حتى لو استمر أبطال الفشل بالسعي لإفشالها.

وليد الحسيني

قمة “كلام الليل”

walidهذه جامعة الدول العربية، وليست الجامعة اللبنانية.

هذا أحمد أبو الغيط، وليس الدكتور فؤاد أيوب.

هذا يتلقى التوجيهات من القادة العرب، أو على الأقل، من وزراء خارجيتهم، وليس من مرجعيات دينية أو سياسية.

صحيح جداً ما قيل قديماً بأن “العرب اتفقوا على أن لا يتفقوا”. وصحيح أن هذا القول لا يقبل النسيان، مهما هرم الملوك والرؤساء، ومهما شاخ الشيوخ والأمراء.

لكن الأصح أن لخلافات قممهم آدابا لم يسبق أن خرقت بالتهديد والوعيد وقطع الطرقات.

لا يمكن تحميل لبنان ما لا يملك. فهو في توجيه الدعوات إلى القمة مجرد “بوسطجي”… ومستضيف فرضت عليه قائمة الضيوف.

إن دعوة ليبيا وعدم دعوة سوريا أمران لا ناقة فيهما للبنان ولا جمل ولا جميل.

حتى سوريا تدرك ذلك. ولذلك لم تحتج، ولم تطلب من لبنان أن يكون “قصر بعبدا” أكثر تمسكاً بالمشاركة من “قصر المهاجرين”، أو أن يكون جبران باسيل ملكياً أكثر من وليد المعلم.

أما ليبيا فإن حضورها لا يمثل ليبيا، على اعتبار أن حاكمها فايز السراج جاءت به قسراً “الشرعية الدولية”، في مخالفة صريحة للشرعية الليبية. وهو بهذا، أي بحضوره أو بحضور من يمثله، تبقى ليبيا، بشرعية مجلس نوابها، غائبة عن القمة. مما يعني أن الإعتراض على مشاركتها لزوم ما لا يلزم.

من هنا تصبح الإعتراضات بلا جدوى. فهي لا ترضي سوريا، ولا تضر بليبيا. لكن أضرارها اللبنانية ستكون فادحة سياسياً ومعنوياً، والأخطر، أمنياً.

ومن الملفت أن الرئيس نبيه بري أعلن مسبقاً أنها قمة فاشلة، إذا انعقدت بليبيا ومن دون سوريا.

ترى لماذا استعجال الفشل، وهو مكتوب على جبين القمم العربية منذ ولادتها الأولى؟

كل القمم في فمها ألسنة للخطابات التاريخية، وفي فم قادتها ماء. ولقراراتها ذرائع بلا أذرع. وهي دائماً تسقط من قمة الإمكانات إلى قعر الممكن.

إنها بالفعل قمم كلام الليل، الذي يمحوه النهار التالي.

وحكماً وحتماً، لن تغرد قمة بيروت الإقتصادية خارج سرب ما سبقها من قمم.

والسؤال:

أليس بالإمكان اتخاذ قرارات ممكنة التطبيق؟

ممكن.

كأن نضع توصيات تفرق ولا توحد. ونصوغ قرارات تحرر الأنظمة من أي مسؤولية قومية. وكأن ننتقل، من التبشير بالسوق العربية المشتركة، إلى المباشرة بفرض المزيد من الضرائب الجمركية. وأن نمتنع عن إغراق الوعود بالمساعدات والهبات، إلى العمل على أن تكون كل عنزة عربية مربوطة بكرعوبها.

مثل هذه القرارات ستنفذ بلا تردد وبلا متابعة. ولن تتهم، كما ما قبلها، بأنها حبر على ورق… وإن كانت فعلاً ورقا بلا حبر.

وليد الحسيني

“حنابلة” حزب الله

walidما زالت الحكومة سجينة المحبسين.

محبس العمى الوطني. ومحبس التبعية الإقليمية.

من المهين للحقيقة القول أن عقد العرقلة محلية. ومن الغش السياسي المعيب إنكار الدور الخارجي، في دوران تشكيل الحكومة في فراغ التسهيلات الفارغة. فكل المفاتيح التي قدمت لسعد الحريري لفتح أبواب معتقل التشكيل، هي مفاتيح وهمية، لا تصلح لفك الأقفال الإيرانية، التي تغلق بدهاء وإحكام بوابات السرايا.

يتم كل هذا في مسرحية ابتزازية خبيثة، لا تخلو من التهديد بأصبع النصح والنصيحة. وبذلك اختلط على اللبناني المشهد الإجرامي بحق لبنان. فهناك جناية، والجاني بريء، رغم أن العقد المستعصية ارتكبت بالجرم المشهود.

لقد كشف عن نفسه مضطراً، عندما لم ينفع تحريضه لـ “العميل المزدوج” بتعطيل الإفراج عن الحكومة. فقرر اللجوء إلى “خلاياه النائمة”.

فجأة خرج من كهف العلمانية مذهبيون. أشد سنية من أبي حنبل.

نواب ستة منهم البعثي سليل ميشال عفلق. ومنهم العروبي وريث عبد الناصر. ومنهم حفيد مفتي عدو المذاهب. ومنهم من حصل على اللجوء المذهبي في بلاد الولي الفقيه.

يبقى من “حنابلة” حزب الله، نائبان لا يشق لهما في سنيتهما غبار. وهما عدنان طرابلسي وجهاد الصمد. ورغم تطرفهما السني، يكثران من التنقل بين الولاء لمعاوية بن أبي سفيان وللحسين سيد الشهداء.

وفجأة أيضاً، يمنح حزب الله، وبموافقة إملائية لاحقة من التيار العوني، أربعة نواب من ستة لقب “سوبر” نائب. أي أن الواحد منهم يعادل نائبين من النواب الـ 128. فقاسم هاشم محسوب هناك في أمل، وهنا في اللقاء التشاوري. وليد سكرية، يحط في وقت واحد، في كتلة الوفاء للمقاومة وفي “تكتل” سنة المعارضة. وفيصل كرامي وجهاد الصمد يصمدان في كتلتي فرنجية ومراد في آن.

… المسرح لا يتوقف عن عرضه المثير للغرائز المذهبية.

محللو “سيارات الأجرة”، يتنقلون بإدمان بين شاشات التلفزة. وهم بأكثريتهم من خريجي أكاديمية “عنزة ولو طارت”. ومن المؤمنين باستراتيجية الأصبع، الذي يستعمل حيناً للتهديد، وفي أغلب الأحيان للإتهام، واتهام التعطيل يوجه بتعنت إلى سعد الحريري.

إنه المعطل والمتسبب في الإنهيار الإقتصادي، وتطيير سيدر، وحرمان البلد من ملياراته العشرة.

ونسأل المحللين، الذين غالباً ما تصفهم المحطات المستضيفة، بالباحثين الإستراتيجيين، كيف يكون هو المعطل، وأنتم الزاعمون أنه لا يتوانى عن التنازلات التي تكفل له البقاء رئيساً للوزراء؟. وكيف يكون المتسبب وهو الأب الشرعي والوحيد لسيدر ومليارته؟.

في علم الأضاليل كل هذا جائز. وفي عالم تزوير الوقائع، كل الأوزار يمكن أن تقع على رجل الواقعية السياسية.

أخيراً… خذوا البلد بحلمكم… ولا تدمروه بأحلامكم.

وليد الحسيني