عمر البشير!؟

walidيصف نفسه بالديمقراطي. ويصفه الشعب بالديكتاتور.

يزعم عمر البشير في خطابه الأخير، أنه فتح أبوب الديمقراطية على الواسع.

تذاكى، فطالب بتأجيل، لا إلغاء، تعديل الدستور، الذي تسد مواده عليه طريق الخلود في رئاسة السودان.

لا شيء يمنعه من انتظار مرور العاصفة الشعبية الغاضبة. فإن لم يأت التعديل اليوم، فإن غداً لناظره قريب.

وفي الخطاب نفسه، أعلن حالة الطوارئ، ليواجه، بصلاحياتها، أي طارق للحرية يدق أبواب القصر الجمهوري.

أغدق الوعود على الشباب. وأبدى حرصاً غير مسبوق على مشاركتهم الفعلية في الحكم. وبعد ساعات من الخطاب، الذي حاول فيه خطب ود الجيل الصاعد، وزّع المناصب على المسنين من كبار خدم البلاط الرئاسي. فهو يعمد، منذ أن مكّنه “الإسلام السياسي” من الحكم، إلى اختيار المسؤولين بمعايير التبعية.

إستقال من رئاسة الحزب الحاكم… وبقي هو الحاكم.

عمر البشير، الذي ازدهرت في عهده صراعات القبائل والأعراق، قرر سلوك دروب الديمقراطية، بعد أن أوكل شروطها لشرطته.

لم يكذب، عندما لقن شعبه بأن التغيير الديمقراطي يكون عبر صناديق الإقتراع. فلينتخب السوداني من يشاء، حتى ولو كان “معارضاً شريراً”. وليملأ الشعب صناديق الإقتراع تحت أعين المراقبين الدوليين.

سيوفر البشير للمشككين كل أشكال النزاهة والشفافية. فبالنتيجة للشعب صناديقه، ولحكومته صناديقها.

والأهم، أن لهم حق الإقتراع. وله حق الفرز. وإذا كان الماء يكذب الغطاس، فإن الفرز سيكذب الناس.

إن سمرته الداكنة لم تمنع وجهه من التلون.

هو إسلامي متطرف، إلى حد احتضان أسامة بن لادن، الذي أقام في حمايته زمناً. وعندما حان “بيع الأوراق” طلب منه الخروج، فخرج إلى أفغانستان ليبدأ من هناك افتتاح أكبر مصانع الإرهاب في التاريخ الحديث.

وهو ثوري جرئ يمنح حق اللجوء لـ “كارلوس” ولـ “أبو نضال”. وفي سوق “بيع الأوراق” نفسها، سلم “كارلوس” إلى فرنسا، وطرد “أبو نضال” إلى العراق لينتهي مقتولاً.

وهو قومي، يعقد وحدة مع ليبيا، وفي سوق تداول “بيع الأوراق” يتنصل منها كشعرة التصقت خطأ بعجينة العروبة.

هو سعودي الهوى، ينضم إلى دول التحالف في اليمن، وإيراني المصالح، حتى ولو أدت به إلى صنعاء حليفاً ضد التحالف.

يسعى إلى رضى الولايات المتحدة بكل الوسائل، ولا يترك وسيلة لإثبات التزامه بالتوجيهات الروسية.

لم يحفظ وحدة السودان، فخرج جنوبه إلى غير رجعة. وما زالت دارفور تأكلها نيران الحرب الأهلية.

لم يبن سداً على النيل العظيم.

لم يصلح أرضاً للزراعة.

بنى مجتمعاً معقداً. فالمرأة التي تلبس “الجينز” تجلد مئة جلدة. والمعارض عليه أن يختار بين السجن أو الفرار إلى الخارج. ولا صوت للإعلام والإعلاميين سوى صوت التطبيل والتزمير لحكمته في الحكم.

لقد شارك، وهو المتنقل البارع بين المواقف المتناقضة، في صناعة “الربيع العربي” في كل من مصر وليبيا. وها هو الربيع يأتيه غاضباً يكاد من القهر أن يتكلمَ.

إنه عمر البشير… فأبشر يا شعب السودان.

وليد الحسيني

Advertisements

حكومة الأعباء الثقيلة

walidكثيرون آخذوه على صبره. والحلفاء اعترضوا على تنازلاته. لكنه أصرّ على تفكيك الألغام الكبرى، التي كان أي منها يهدد بانفجار كبير.

إذاً، بصبره وتنازلاته نجح سعد الحريري بانقاذ لبنان. واستحق بذلك ثقة نيابية، كانت ستقارب الإجماع لو حضر الغائبون، ولبقي “الحاجبون الستة” حُجّاباً على أبواب أعداء النجاة بالوطن.

تدل الثقة الكبيرة، التي منحها مجلس النواب لحكومة سعد الحريري، على أنها حصاد طبيعي لقدرات الرئيس (المكلف يومها) في تذليل كل المعوقات، التي استولدتها التعليمات الصادرة عن بعد.

فاجأنا حقاً هذا الشاب، الذي حمل إرث دم أبيه، وما تلاه من مذهبيات مسعورة، ضاعت معها الهوية، حيث لم يعد هناك لبنانيون، فالمذهب تحول إلى دويلات، لها رعاياها وعواصمها.

منذ زمن وبيروت عاصمة إفترضها الدستور، بعد أن تعددت العواصم الفعلية. فطرابلس عاصمة السنة. والضاحية عاصمة الشيعة. والمختارة عاصمة الدروز. وكسروان عاصمة الموارنة. والأشرفية عاصمة الأرتذوكس. وزحلة عاصمة الكاتوليك. وبرج حمود عاصمة الأرمن.

كل ذلك جعل لبنان ينطلق إلى مفترق الإفتراق. وتهيأ للبنانيين أن لا عودة إلى الوحدة الوطنية، ولا حتى إلى العيش المشترك. وأن العبور إلى الدولة أصبح من المستحيلات. وأن الإستقرار الأمني في طريقه إلى الزوال. وأن الإنهيار الإقتصادي شارف على الوصول.

وسط هذا الوضع المرعب، كيف يمكن لحكومة العمل أن تبدأ العمل؟.

الصحيح أنها حكومة الأعباء الثقيلة… فبأي الأثقال تبدأ وكيف وبماذا؟.

لا شك في أن أثقل الأثقال يكمن في الإنسجام داخل الحكومة المتعارضة بأفكارها وعلاقاتها الخارجية. ومن هنا يترتب على الحريري أن يدرك بأن الثقة بين وزراء مجلس الوزراء، أهم من الثقة التي نالها في مجلس النواب. فالعمل، ثم العمل، ثم العمل، الذي يسعى إليه، سيصاب بشلل في غياب التوافق، وبحضور المزايدات والمشاكسات. فما زالت في جعبة شركاء الحكومة أشراك، لا ندري متى يعلق بها لبنان. وهذا يعني أن على سعد الحريري، الذي جمع كل المتناقضين في حكومة واحدة، أن لا يركن للكلام العذب.

ولأن المكتوب يعرف من عنوانه، تتجه الإشارات الأولى إلى أن محاربة الفساد – وهي الجهاد الحكومي الأكبر – تسعى إلى إفساد معارك الإصلاح، وإلى فتح ملفات بلا أدلة، كل غاياتها تشويه سمعة قيادات تاريخية ورجالات دولة كبار.

العواصف المبيتة هبت مبكرة، سواء في خطاب السيد نصرالله أو في تصريحات النائب فضل الله، فالتلميح كان أوضح من التصريح.

ولن يحتاج الحريري إلى مواقف مُعلنة، ليتأكد أن “سيدر الخلاص” سيتعرض بدوره إلى حرب مضادة.

إن الحريري يحمل اليوم الجمر بيديه… وهذا قدر رجال الإطفاء، الذين يحاولون، بإخلاص، إنقاذ الوطن من حريق لن يوفر الأخضر واليابس.

لقد استهلك الشيخ سعد الكثير من الحكمة والصبر، ولا نشك أن في مخزونه منهما الكثير لجلسات وزارية حافلة بالنيات السيئة.

وليد الحسيني

العودة إلى الشهيد الأكبر

walidسنوات ثقيلة مرت على الفاجعة، ومازال دخان 14 شباط ينتشر فوق سماء لبنان. ومازالت نيرانه تزداد اشتعالاً. ودوي متفجرته المروع يهز، حتى اليوم، السمع والقلب.

سنوات، ولبنان بلا رفيق الحريري!.

مع ذلك هو الأحق بلقب الشهيد الحي.

هو حي في ذاكرتنا، وفي انجازات توقفت بعده عن الإنجاز.

وهو حي في ذاكرة من قتلوه. وما برح يقلقهم حضوره رغم الغياب. وما برحوا يزوّرون في تاريخه الأبيض.

كل الكلام الأسود، الذي ينطلق من قلوب سوداء “غير دقيق”.

هكذا كان سيخاطبهم، بتهذيبه وكعادته، عندما كان يريد أن يكذّب الأكاذيب.

كان يتحمل ولا يتحامل.

لم يعرف حدوداً إلا حدود لبنان المتداخلة بحدود عروبته.

كان مسلماً بلا مذاهب. ولبنانياً بلا طوائف. وعربياً بلا تردد. وصديقاً لشخصيات دولية بلا تبعية.

نحن سبقْنا القتلة في ظلم هذا الرجل واتهمناه وهو البريء. وعدما كذبتنا حقائقه، اكتشفنا بشاعة الظلم الذي ارتكبناه، وعظمة المظلوم الذي ظلمناه.

اقتربنا من أفكاره، فوجدناه حكيماً في قراراته ومتحكماً في غضبه.

وجدناه حريصاً على وصل الرحم العربي حيث انقطع، لا على قطعه حيث اتصل.

وجدناه متواضعاً في أكثريته النيابية والحكومية. لم يلغ الآخر، ولم تأخذه العزة بما ملك من أصوات في الانتخابات، ومن ثم في مجلس النواب.

وجدناه محاوراً في علاقاته العربية والدولية الواسعة. لا مستمعاً إلى ما يريدون، ولا ساكتاً عمّا يريد.

وجدناه زعيماً يملأ المكان والزمان. لا منقلباً في الأمكنة، ولا متقلباً بتبدل الأزمنة.

لأنه كذلك قتلوه.

الهدف الكبير كان سهلاً. فهو منزوع السلاح. يمشي إلى خصومه كحلفاء محتملين. ويتحرك في شوارع بيروت، وكأن كل من فيها صديق، رغم معرفته أن الشياطين تتخفى بأشكال آدمية، تحميها “الدويلة” والدولة في تلك الأيام.

كان واثقاً، رغم التحذيرات المتعددة، أنه ليس هدفاً في قائمة الإغتيالات. فهو محاور بين من اختلف، وجامع بين من افترق.

كان واثقاً أن أعداءه لن يبلغوا مرحلة الدم المباح.

لم يدرك، رغم قدراته التحليلية الكبيرة، أنه، ولأنه يلعب دورالإعمار والاستقرار والسيادة، أصبح الهدف الأغلى في لوائح الشر.

بقتله بلغ أعداء النجاح ذروة النجاح في تغييب من نقل شباب لبنان من حمل سلاح الميليشيات إلى حمل سلاح العلم. فحرم القتلة من الجنوح بالشباب إلى إرتكاب الجنح والجرائم.

وإذا كان استشهاده لن يعيده إلينا، فإن سعد الحريري يعود بنا إليه بأسلوبه وصبره وحكمته.

وليد الحسيني

إنتصار الصبر على العهر

walidأخيراً تشكّلت الحكومة وانتصر الصبر على العهر.

لا ننكر أن “دواء الوحدة الوطنية” الذي وصفه سعد الحريري لتأليف حكومة مستقرة ومستمرة، كاد أن يكون دواء مدمراً لخلايا المجتمع اللبناني. فنتائج انتخابات النسبية ساعدت على تعطيل مفعوله. وفي أغلب الحالات، كانت الوصفات الخارجية تمنع كتلاً وأحزاباً لبنانية من تناوله.

إلا أن الرئيس المكلف أصرّ على أنه الدواء الوحيد، الذي يعافي لبنان من الإنقسام الحاد، والذي يشفيه من الشلل النصفي الضارب باقتصاد الوطن ومعيشة المواطن.

يبقى السؤال المشروع:

كيف تحققت معجزة التأليف، وكان كل الظن أنها لن تتحقق؟

هنا لا بد من الاعتراف بنجاح الحريري في محاصرة حصار التعطيل.

لقد نفذت أمام صبره وإصراره، كل العقد المتاحة. ولم يعد هناك مفر من التسليم، ولكن من دون الاستسلام.

رضخ المعطلون فتنازلوا عن التعطيل … لكنهم لم يتنازلوا عن حصة الذئب الجائع للسلطة والتسلط.

وفي صراع طويل بين الحكمة وبين شهوة التحكم، كان لا بد من تنازلات عاقلة ترضي الرغبات المجنونة.

هذا ما كان.

وما كان ليكون لولا تضحيات ثلاث شخصيات، بتضحياتها أنقذت لبنان من الضياع والإنهيار.

أول ثلاثي الخلاص الرئيس سعد الحريري. فقد صبر إلى أن فقد المعطلون صبرهم. وتنازل في أكثر من موقع، فأوقغ “المعطلين” في حرج وطني فاضح.

وثانيهم الرئيس ميشال عون، الذي صبر على صبر الحريري، وساهم في تنازلات التسهيل.

وثالثهم سمير جعجع، الذي يمكن أن نطلق عليه منقذ اللحظة الأخيرة، بتخليه عن حقيبة الثقافة، مغلقاً بذلك آخر أبواب مصانع العقد.

المهم أن الحكومة قامت. وأن كل الضربات الموجعة لم تقصم ظهرها.

صحيح أنها حكومة “متعددة الجنسيات” ومكشوفة الولاءات، وبالتالي، لا يمكن أن نباهي بها إلا حكومة العراق، التي لا تزال تبحث عن وزراء لأهم الوزارات.

وحرصاً على الإنصاف، فإننا نسجل لهذه الحكومة إنصافها للمرأة. ومنصفها بلا منازع هو سعد الحريري. فهو الأجرأ على اختراق الحكومات الذكورية. وكان أكثر جرأة في تسليمها وزارة سيادية وحديدية في آن واحد.

يبقى أن التوافق هو أصعب ما سيواجه حكومة المهمات الصعبة. فبعد غياب عقد التأليف ستظهر عقد التآلف. ففي داخل مجلس الوزراء صقور تطير في فضاءات خارجية، تطمح دولها إلى السيطرة على القرارات اللبنانية السيادية. ولهذا فإن طاولة الاجتماعات مهددة بالتحول إلى ساحة حروب، كلما أثار جدول أعمالها جدلاً سياسياً يمس مصالح الدول النافذة في هذا الفريق أو ذاك.

لو أن جميع اللبنانيين لبنانيون فعلاً، لكانت دعوة الحريري إلى “العمل در” دعوة عملية. ولو أن “العقد” ليست كالقطط بسبع أرواح، وأنها جاهزة لـ”الخرمشة” في اللحظة المطلوبة خارجياً، لكنا آمنا بأن حكومة “إلى العمل” ستنطلق “إلى الأمام”. لكن “لو” عمرها ما عمّرت بيتاً أو طريقاً أو معمل كهرباء أو محرقة نفايات!!

وليد الحسيني