وماذا عن “الفساد الأكبر”؟

walidفي زمن سينما “الأبيض والأسود”، كان التنافس شديداً بين محمود المليجي وفريد شوقي على لقب “وحش الشاشة”.

أما في زمن الألوان و”التلون”، فيتنافس على لقب “وحش الإصلاح” أكثر من حزب لبناني.

وكما كان تنافس المليجي وشوقي مجرد تمثيل بهدف التشويق والإثارة والتسلية، فإن تنافس “وحوش الإصلاح” هو تمثيل أيضاً، وإنما بهدف إبعاد الشبهة عن الـ “أنا” وإلصاقها بالـ “هو”. فالكل يرمي الآخر بحجارة الفساد، ليبعدها عن بيته الزجاجي.

والمستهجن أن الفساد قد عم وانتشر، وأصبح كالهوية اللبنانية، من حق الجميع أن يحملها. كما لو أن الشريف في لبنان هو شريف فقط لأن الفرصة لم تأته بعد.

والمستغرب أن أغلب رجال السياسة يزعمون أن وباء الفساد لم يصل إلى جيوبهم الطاهرة، وجميعهم يؤكد أنه من سلالة “شريف مكة”. ولكونهم من “أشرف الناس” يخوضون حرب “الإصلاح والتغيير”، ويقدمون “الوعد الصادق” بقطع رقاب “الشافطين” للمال العام.

وفات قسم كبير من شرفاء مكة وضواحيها، أن “الشفط” لا يقتصر على الأموال التي دخلت إلى خزينة الدولة، إذ ثمة “شفاطات” تقطع الطريق على المال العام، قبل أن يذهب إلى الخزينة.

وعملاً بفضيلة عدم التسمية، لا بد من الإمتناع عن تسمية “قطاع الطرق” هؤلاء… وترك أمر التسميات للقضاء… هذا إذا سمح له القدر بذلك.

ومن هنا يحق سؤال قادة الجهاد ضد الفساد: لماذا تتجاهلون “الفساد الأكبر”؟.

لقد اشتعلت البلاد وانشغلت بصخب الحديث عن “الفساد الأصغر”، المتمثل بالسؤال عن مصير الأحد عشر مليار دولار، التي يشتبه بأنها هدرت وسرقت. وهي شبهة يمكن إثباتها أو نفيها، لأن الفساد ترك وراءه آلاف الوثائق، التي توفر للقضاء إمكانية التدقيق، ومن ثم، الحكم بالبراءة أو الإدانة.

أما “الفساد الأكبر”، فهوالفساد الآمن الذي لا يترك خلفه أدلة وبصمات.

وللتوضيح:

يقول تقرير موثق، وموثوق دولياً، أصدره بنك عودة، أن ثمة خمسة مليارات دولار تضيع على خزينة الدولة سنوياً. ويذكر التقرير أنها عائدات لبضائع يتم تهريبها من المنافذ البرية والبحرية والجوية… و”على عينك يا جمرك”.

وإذا عدنا بالزمن إلى زمن النفوذ على “المنافذ”، سنجد أن أحدهم استولى على أكثر من خمسين مليار دولار، على مدار سنوات الهيمنة في البر والبحر والجو.

هذا المبلغ يعادل أكثر من نصف الدين العام، الذي يثقل كاهل لبنان. وهو أقل بقليل من خمسة أضعاف الأحد عشر ملياراً، التي تنصب لها الشباك وتخاض من أجلها المعارك.

إنه “الفساد الأكبر”. لكنه الفساد غير المرئي. فما تنقله الشاحنات من هذه المستودعات أو تلك، ينقل من دون أن يترك أثراً يدين الفاعل أو يدل عليه.

ولأنه فساد بلا بصمات، فمن السهل إتهامه بالإشاعات المغرضة والكاذبة والحاقدة… وليشرب ماء البحر ديوان المحاسبة، ومعه وزارة المال، ومعهما النيابة العامة المالية.

ومن لا يشرب ماء البحر… فليبلطه.

وليد الحسيني

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s