قانون “أبو النواس”

… وكأن الشاعر العباسي “أبو النواس”، قد أصبح مصدراً من مصادر التشريع اللبناني. فهو الذي شرّع قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”. وهذا تماماً ما يفعله لبنان.

يداوي داء الفساد بمزيد من الفساد. ويداوwalidي داء الطائفية بمزيد من الطائفية.

في الفساد:

يحارب التضخم الوظيفي، الفائض عن الحاجة، بتوظيف الأتباع، ممن لا حاجة للدولة بهم.

يكافح الرشوة بمطاردة الموظف المحتاج والجوعان و”الكحيان”، ويترك أبواب صفقات مشاريع المليارات مستباحة، بعمولاتها الكبيرة، لكبار السماسرة والنافذين.

يهدم غرفة في بيت متواضع، بُنيت لحاجة عائلية، لأن رب البيت لم يدفع رسوماً للبلدية والدوائر العقارية، ويغض النظر، إلى حد العمى الكامل، عمن أشاد منتجعات سياحية، ضخمة وفخمة، على شواطئ لا يملكها. ومازال يشيد المزيد، وينهش المزيد من أراضي البر والبحر.

يحل مشكلة استنزاف شركة الكهرباء، لأكثر من ثلث الخزينة العامة، باستنزاف الوقت ما بين الحل الدائم والمؤقت. ففي المؤقت سيرتفع منسوب العمولات في البواخر والمناقصات. وفي الدائم ستتراكم الأرباح الفلكية لمحتكري استيراد المازوت… وقريباً الغاز.

في الطائفية:

بداية يعتز لبنان بطوائفه ويعتبرها مفخرة تتفوق على كل المفاخر. فهي التي جعلت منه بلد “التعددية”. وحفاظاً على هذه الميزة الإلهية، تم تقسيم وتقاسم الوظائف والمناصب والمؤسسات والسلطات بين الطوائف. وتم للبنانيين التغني بالصيغة اللبنانية الفريدة.

وبناء على هذا البناء الطائفي، قلّما نجد مسيحياً ينتسب إلى أحزاب مختلطة. فالبلد يعج بأحزاب لا يدخلها إلاّ من آمن بالرب يسوع.

هناك القوات اللبنانية. ومن يشك بنقاء مسيحية سمير جعجع، بسبب علاقته بسعد الحريري، باستطاعته الذهاب إلى الكتائب، حيث لا صوت يعلو على أصوات أجراس الكنائس. أما من أخذته مسيحيته إلى التشدد، ومصالحه إلى النفوذ، فسيختار، بلا تردد، الإنتساب إلى التيار الوطني الحر. وفي حال فقد المسيحي التائه قدرة الصبر على جبران باسيل، فحزب المردة يفتح له صالات الشرف.

أما المسيحي الذي يتمسك بالتراث، ويحن إلى الزمن الحزبي الجميل، فليطرق أبواب حزب الوطنيين الأحرار، أو الكتلة الوطنية، مطمئناً بذلك على ماضيه العريق.

وعملاً بقانون “أبو النواس” في الطائفة الإسلامية، يلتزم الشيعي بالانتماء إلى حركة أمل أو حزب الله. وإذا تجرأ، وانتمى إلى غيرهما، فسوف يتهم بخيانة دم الحسين.

وخيارات السني، لا تختلف عن الشيعي، الشريك اللدود في الإسلام، فهو مثله أمام خيارين، أحلاهما مر، أي الإنضمام إلى الأحباش أو الجماعة الإسلامية. أما إذا سار في طريق ثالث، فسيقع في المعصية، وينزل عليه غضب الله ورسوله.

والثنائية نفسها تنسحب على المسلم الدرزي. فهو إما في حزب المير طلال أرسلان، أو في حزب وئام وهاب. على اعتبار أن حزب وليد جنبلاط متورط تارخياً بالإختلاط، بسبب إصرار الأب المؤسس كمال جنبلاط، على ضم المسيحي والسني والشيعي. وبذلك يكون الإنتساب إلى الحزب التقدمي الإشتراكي سبباً في أن يفقد الدرزي بوصلة “التوحيد”.

تبقى الأحزاب المختلطة، الخارجة عن الملة. وإذا كان تيار المستقبل والحزب التقدمي أكبرها، فإن الضرورة قد تشدهما احياناً إلى المذهبية، لشد حبال دورهما في الدولة اللبنانية.

أما البقية الباقية من المختلط، كالشيوعي والقومي، فمازالا يغوصان في الإيديولوجيا المنقرضة، في بلد رست فيه الإيديولوجيات الحيّة على اقتناص الفرص.

أخيراً من المفيد التنبيه إلى أن قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”، قد شرّعه “أبو النواس” في باب الخمرة والسكر… وللأسف لا شيء يُسكر اللبناني ودولته مثل خمرة الفساد والطائفية. ولهذا لن يحاول أحد خرق “القانون النواسي” الصامد دون غيره من القوانين المضادة لفساد لا يحكمه القانون ولطائفية لا تعترف بالدستور.

وليد الحسيني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s