حكومة الجرأة … والخوف

walidسنوات كثيرة سبقت، والبلد ماشي من دون موازنة، حتى كادت تتلاشى أهميتها. فلا الحكومات انكبت على إعدادها. ولا جهابذة الاقتصاد تذكروا وذكّروا أن البلاد من دونها، كمن يصرف ما في الجيب من غير أن يحسب ما في الغيب.

هذا ما كان، إلى أن حضر الغيب، فلم يجد ما يكفيه في جيب الدولة.

أما وقد ظهرت عوارض الإفلاس، فكان لا بد من اللجوء إلى ميزانية جراحية.

وفات وزير المالية أن الطبيب الجراح الذي ترتعش يده، بسبب خطورة العملية، وضخامة الأورام الخبيثة المنتشرة في جسد المريض، لا يمكن أن يفضي أرتعاشه وتردده إلى غير الفشل.

كما فات الجميع أن إخفاء تفصيلات المرض، والتكتم على أخطاره، لا ينجم عنهما سوى استهتار المريض بتعليمات الطبيب، إلى حد قد يصل إلى رفض تناول الدواء … وهذا ما يحصل الآن. إذ لا أحد يقبل الاقتراب من جيبه أو رصيده أو حقه في الرشوة والعمولة.

يعتبر لبنان اليوم أسوأ مرضى دول المنطقة، وأقربها إلى الانهيار الاقتصادي. ولا تجوز معالجة هلعه بادعاء قدرات وهمية تشفي المريض وتحيي الرميم.

وهذه الحكومة ليست ضعيفة. إلا ان بعض أحزابها المشارك في الحكم، يبالغ في مخاوفه على شعبيته من سياسة الكي الاقتصادي، كآخر وأنجع دواء لإنقاذ البلد من العواصف المالية والاجتماعية الزاحفة حثيثاً باتجاه الجميع.

وباتجاه الجميع، يجب أن يتحرك التقشّف، بعد أن اعتمد كسياسة إنقاذية. فالمريض الذي يحمل إلى المستشفى، يجبر على تناول طعام المستشفى، لا ما لذ له وما طاب واشتهى.

يفترض من حيث الشكل، أن تكون الحكومة على قلب واحد. فهي حكومة وحدة وطنية، وفق إعلانها.

ويفترض من حيث الشكل أيضاً، أن تكون حكومة عمل. فهي حكومة “إلى العمل” وفق ما أطلقته على نفسها.

يفترض … ولكن.

لكن … كيف يمكن أن تكون الحكومة على قلب واحد، وأكثر وزراء أحزابها قلبهم على شعبيتهم؟

وكيف يمكن أن تكون حكومة “إلى العمل”، وأغلب مكوناتها السياسية يشجع مختلف القطاعات الوظيفية والعمالية على الاضراب عن العمل؟

إنها الشعبوية التي تحاول أن تتغذى من دم الاقتصاد المتأزم.

وتحت وطأة “الجمهور عايز كده”، تجبر الحكومة على تسويات، يفقد معها الدواء فاعليته. وهكذا تبقى أثقال الكارثة جاثمة، وبالتالي تجد الموازنة نفسها راضخة للشعبوية، مهما حاولت فذلكتها، فذلكة الحلول.

أي حلول هذه؟

فالجيش خط أحمر. والمصرف خط أحمر. والموظف خط أحمر. والمتقاعد خط أحمر. والتقديمات خط أحمر. والراتب خط أحمر … وحتى الراتب المتعدد الرواتب هو الآخر خط أحمر.

بعد كل هذه الخطوط الحمراء، ماذا يبقى للوطن غير الخط الأسود والحظ الأسوأ؟

لا ندري وسط مثل هذه المسؤولية العبثية والمستهترة، ماذا بمقدور سعد الحريري أن يفعله، وهو الوحيد الذي لم تأخذه الشعبوية إلى الكذب على الشعب. إنه الوحيد الذي صارحه ونصحه بقبول التضحية قبل أن يتحوّل إلى ضحية.

لا ندري حقيقة إلى ماذا ستنتهي المصارعة بين التقشف والتأفف؟

ترى هل ينجح الحريري في توحيد عضلات وزراء حكومته لتستعيد الحكومة جرأة المواجهة … أم أن الخوف على الشعبية هو الذي سينجح في تحويل الموازنة من دواء إلى داء؟

وليد الحسيني

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s