رمد الحريري وعمى جبران

walidلا شك أن رمد “التسوية” أفضل من عمى الخلافات. وبالذات في زمن التناقضات المحلية المجلية في سماء لبنان.

ثمة فريق يرى في “التسوية” فرصة لاقتناص المكاسب والمناصب والصلاحيات. وثمة فريق آخر يرى أنها جلبت الدب إلى الكروم اللبنانية. وأن هذا الدب الشره يسن أسنانه لقتل الناطور والإنفراد في أكل العنب.

الفريقان يشوهان “التسوية”، ويحملانها ما حدث من عواقب وخيمة… وما يمكن أن يحدث مما لا تحمد عقباه.

تعالوا نتصور أن “التسوية” لم تكن. فبأي حال كان حال لبنان؟.

فراغ رئاسي يدخل لتاريخه عامه الخامس… وربما كان إصرار فريق الممانعة على استمرار فقدان النصاب النيابي سيمنحه، أي الفراغ، ولاية رئاسية ثانية.

مجلس نيابي يمدد لنفسه، ويتمدد على رقاب الديمقراطية. وفي الوقت نفسه يكون قد تجاوز مرحلة الشيخوخة، وبالتالي، سيكون عاجزاً عن سن تشريعات خارج الخرف الدستوري.

حكومة تصريف أعمال، لأعمال غير قابلة للتصريف. إما لأن الخلافات تفسد الود بين الوزراء، وإما لأن الصرف الأثني عشري لا يلبي متابعة المشاريع وتسديد المستحقات. وإما لأن الأموال المتناقصة لا يمكن تعويضها بالإستدانة، التي أصبحت عرفاً ملزماً للحكومات المتعاقبة.

في مثل هذه العبثية المؤسساتية، يكون “قط الدولة” قد غاب، مما يتيح للفئران “المسلحة” بالأنياب القارضة أن تلعب بأمن لبنان واستقراره واقتصاده.

كل ما سبق يؤكد أن سعد الحريري في ارتكابه فعل التسوية، يكون قد أخطأ في حق نفسه، لكنه أصاب في حق لبنان. وهكذا تكون قد تغلبت عليه وفيه مقولة والده الشهيد: لا أحد أكبر من وطنه.

إذاً هذه التسوية، ورغم ما حملته من مساوئ، إلا أنها أنقذت البلد من الأسوأ. ولبنان اليوم أكثر حاجة إليها مما مضى. فالأمراض اللبنانية تحولت إلى وباء. ومعالجتها، أو الحد من مخاطرها، يحتاج إلى ورشة إصلاحية كبرى. فالوحدة الوطنية مفككة، واستمرار التسوية وحده بإمكانه تجميعها مجدداً، ومنعها من التناثر والتصادم، بعد أن ثبت عجزها عن التلاحم.

نحن بلد بالغ الهشاشة. وأسوأ ما فيه أنه يُحضّر دائماً لمستقبل هو مجرد إعادة لفيلم تسجيلي، من بطولة فتن لا نعلم متى تستيقظ. ولمصالحات مغشوشة. وإعمار لا يكتمل. ومرابط خيل خارجية وديمقراطية مصابة بالكوليسترول المذهبي، والتشوهات المناطقية. وخطوط حمراء تفرضها الكنائس والمساجد.

ها نحن، نتعرى، لا كما خلقنا ربي، بل كما اخترنا لأنفسنا. فهل يمكن أن نتخلى عن “التسوية”. وهل نسوّي أمورنا بخلافات أشد وأنانيات تتمرد على الضمير الوطني؟.

لكل هذا إختار الحريري المضي من الوسط، إلى الإلتزام بأن “خير الأمور الوسط”. وهو يدرك مسبقاً أن هذا الخيار سيجعله هدفاً سهلاً من “النيران الصديقة”، كالتي أغدقتها عليه تويترات وليد جنبلاط. ومن نيران “شركاء التسوية” التي تطلقها باتجاهه طموحات جبران باسيل التي لا تحد… والتي يعتقد باسيل أنها لا ترد.

لكن هذا هو قدر الحريري، وإلا فإن قدر لبنان سيكون المزيد من الأحقاد المذهبية، ومن الأزمات الإقتصادية، التي يبدو أنها تسرح وتمرح وتردح كما كان يفعل “أبو المراجل”.

الحريري، بالتأكيد، لا يمكنه أن يكون المنقذ. لكنه الساعي الأقدر على الإنقاذ. وهو سعي لن يصل إذا بقي الوصل مقطوعاً بين اللبنانيين… وهذا وصل لا يتحقق إلا عبر “التسوية”.

مهمة الحريري صعبة. والتفاؤل الذي يصر عليه، لا يلغي إصرار اللبناني على التشاؤم.

ترى أي من الإصرارين سينتصر؟. وأيهما أفضل للبناني: رمد الحريري أم عمى جبران باسيل؟.

وليد الحسيني