“القدح والمدح” جريمة واحدة

walidنرى ونسمع ونقرأ، فنقتنع بلا تردد، بأن تجريم “القدح والذم” بالمطلق يتنافى مع مبدأ الدفاع عن النفس والوطن. فما يجري في البلاد، لا يمكن التعبير عنه، إلا بـ “قدحٍ” لهذا، و”ذمٍ” بذاك.

أساس العدالة يقوم على معاقبة المخطئ. وخطأ القائل أو الكاتب، أقل إيذاء من خطأ الفاعل أو الممارس.

ولأن القاضي، كما يقولون، يبني على الشيء مقتضاه، نسأل قانون المطبوعات:

بأي الكلمات نخاطب السارق والمرتشي والفاسد؟.

بأي لغة نصف جولات جبران باسيل على مقابر الحرب الأهلية، حاملاً حفارات تثير غباراً، أكثر مما تثيره حفارات فتوش؟.

ما هي الألفاظ المسموحة لإدانة الذين يعطلون إجتماعات مجلس الوزراء، في توقيت، ينطلق فيه الإقتصاد مسرعاً نحو الإنهيار والخراب الجماعي؟.

ما هي الجمل اللائقة للرد على العنصرية المتمادية ضد النازح السوري؟.

ما هو البديل عن “اللعنة” للحد من لعنة التقنين الكهربائي، وارتفاع جبال النفايات السوداء، إلى ما يكاد يستوي مع قمة “القرنة السوداء”؟.

كما نسأل، عما إذا كان القول المهذب كافياً لردع التيار الحر عن أكل حقوق المسيحيين، الأخضر منها واليابس؟.

وترى، هل تسمح قوة قانون المطبوعات والقوى الخارجة عن القانون، بالإعتراض الصارخ على عرض لبنان كسجادة إيرانية، تحت حجة أنها سجادة للصلاة في المسجد الأقصى؟.

لكل ما ذكر، ولم يذكر، لا مفر من البحث عن أقسى الكلام، علّه يردع من قست ضمائرهم الوطنية.

في المقابل، وفي إطار تحقيق العدالة، لا يجوز للقانون أن يكيل بمكيالين.

فجريمة “القدح”، مهما بلغت بذاءته، أقل ضرراً من جريمة “المدح” المغشوش. والإطراء الفادح، أكثر فداحة من “الذم” الفاحش.

تختلف التعابير، لكن الجريمة واحدة. وربما كان نفاق المدّاحين، وإطراء القوّالين، أشد فتكاً، وأدعى إلى تحرك النيابات العامة، حتى بلا إخبار… وبلا من يخبّر.

لو أمعن القانون في أسباب تنامي الفساد والنهب والتحرش بالفتن، لوجد أن “المديح” هو الذي يشجع الخطّائين على ارتكاب الخطايا. وأن “الإطراء” هو الذي يغري أولي الأمر على سلوك دروب الغواية.

والمصيبة، التي لم يلحظها المشرع، ولن يلحظها أبداً، أن لـ “المديح والإطراء” مروّجين يحتلون الشاشات والمانشيتات، وهم أخطر على المجتمع من مروّجي المخدرات الذين يملأون سجن رومية.

إنهم خبراء في تزوير الحقائق السياسية. وفي تبرير، ما يستحيل تبريره. وفي تحليل الحرام، وتبرئة الحرامي.

صحيح أنهم صنيعة الفساد، لكنهم المصنع الذي ينتج الفاسدين.

في عام 1949 كتب الروائي يوسف السباعي رواية “أرض النفاق”. وكأنه يكتب عن لبنان في عام 2019. فالنفاق هو الأخطبوط الذي يشكل “المديح والإطراء” بعض أذرعه القاتلة.

لقد وصل النفاق مثلاً بوزير “السلالم” إلى اعتبار الرئيس عون نسخة عن شارل ديغول، محرر فرنسا من النازية.

وزير آخر، غادر منصبه الوزاري، وانتحل صفة الإعلامي، وحلّ ضيفاً، بدوام كامل، متنقلاً بلا ملل، بين مختلف التلفزيونات كمحلل محترف… ومحرّف.

آخر عبقريات هذا الوزير “المبرراتي” تبرير مواكبة الحرس الجمهوري، لمواكب جبران باسيل الإستعراضية، بحجة أن هذا حقه فهو صهر الرئيس… وبذلك أفحم اللبنانيين بأفخم أنواع “المنطق”.

إذاً، وبالمقارنة، فقد غلبت جرائم “المدح والإطراء”، الفالتة من الملاحقة القانونية، جرائم “القدح والذم” الواقفة في طوابير محاكم المطبوعات، ومخافر جرائم المعلوماتية.

لا شك بأن هذا الخلل التشريعي الخطير، يؤكد أن لبنان هو الطبعة الأخيرة والمنقحة والمضافة من كتاب “أليس في بلاد العجائب”.

وليد الحسيني

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s