خطة المراهقة الاقتصادية

المواطن العربي متهم كيفما تصرف.

إذا التزم الصمت… فهو يلتزم بالصمت الذي يسبق العاصفة ويستعد لها.

وإذا أقلع عن قراءة الصحف… يكون قد إقتنع بكتابة المناشير.

وإذا توقف عن الإعتراض… فهذا يعني أن لا شيء يعجبه في البلد.

وإذا عجز عن إطعام أطفاله… فإنه يحرضهم على الثورة في يوم ما.

وإذا غاب عن المقهى، لعدم إمتلاكه ثمن فنجان القهوة، يكون قد تفرّغ لتشكيل الخلايا السرية.

وإذا تاب عن شرب الخمر… يكون قد أدمن شرب الأفكار الهدامة.

هكذا كانت العلاقة بين الدولة والمواطن.

هي تلاحقه بالريبة والشك. وهو يهرب منها مقتنعاً بأنه من سلالة “الأرانب”.

ودارت الأيام. فلم تعد الدولة تخيف، وما عاد المواطن يخاف… فقامت في لبنان انتفاضة 17 تشرين.

استجابت حكومة سعد الحريري لمطالب الثوار فاستقالت. واستجاب “نواب المحور” لمطالب حزب الله فولد “الجبل” حكومة حسان دياب.

وفجأة هبطت على الحكومة نعمة الكورونا. فاستعان وباء الدولة بوبائها، فالتزم الثوار منازلهم… وخلت الشوارع، بعد أن نامت نواطير الثورة عن الثعالب.

إعتقدت الحكومة أن نومها في العسل سيطول. إلا أن الجوع الذي خرج شاهراً سيفه على الناس، أخرج الناس شاهرة غضبها على الحكومة.

ولم ينفع إعلان “الخطة الإنقاذية” بإعادة الثوار إلى منازلهم.

على العكس. زادت النقمة نقمة. حيث قام اللبنانيون ببل أوراقها الـ “64” وسقوا ماءها للعهد ومتعهديه.

هي خطة منحها فخامة الرئيس وسام “اليوم التاريخي”، مع إشادة، إعتقدنا معها، أن يوم إعلانها سيتحول إلى “يوم وطني”، تعطل في ذكراه الدولة، وتتزين بمناسبته الساحات، وتشاد له أقواس النصر على الحقبة الحريرية، التي إغتصبت السلطة من براثن الحرب الأهلية، والتي نهبت آثارها الإبداعية في الخراب والدمار وأخفتها في قعر البحار.

هي خطة بدأها الرئيس حسان دياب بكلمة “مبروك”.

مبروك على ماذا يا دولة الرئيس؟.

مبروك على إغداق أوهام، يجري تسويقها كإنجاز لم يعرفه لبنان من قبل. وما كان سيعرفه لو لم يحظ بحكم “الأسرة الفرعونية” وعهدها القوي؟.

مبروك على معالجة الدين بالإستدانة… عملاً بالقول الشائع “مطرح ما فعلها شنقوه”؟.

مبروك على تحرير الليرة من قيد “الثبات” وتحويلها إلى كرة من الريش المنتوف يتقاذفها الدولار؟.

مبروك على “الهيركات” المتنكر بتسميات مكشوفة، والذي لا يفرق بين المال الحلال والمال الحرام؟.

مبروك على التهيؤات بأن عشاق لبنان، من مغتربين وعرب وأجانب، يقفون في الطوابير على باب وزارة المالية، حاملين المليارات لكسب ود أميرة “الإصلاح والتغيير”؟.

من أين أتت لدياب الثقة بأن البنك الدولي سيصاب بسكتة ضميرية إذا لم يستجب سريعاً لمطالب لبنان بضخ عشر مليارات. وأن سيدر ينتظر إشارة من “إصبع السيد” ليدر بدوره ملياراته الموعودة؟.

إنها خطة إصلاحية تساهم في ارتكاب المزيد من الجرائم الدستورية. وهي بذلك لا تصلح إلا للحجر عليها في “إصلاحية الأحداث”، الذين لم يبلغوا سن المراهقة الإقتصادية بعد.

ليست هذه كل السيئات. فالخطة حافلة بالنواقص والثقوب السوداء. فالتذاكي لا يخفي الغباء… بل يكشفه.

لقد غاب عن خطة الغيبيات، إنقاذ الجائعين من جوعهم. والمودعين من شفط ودائعهم. والمؤسسات من الإفلاس.

لقد تجاهل من بشرونا بالجنة، كل الهموم الحقيقية، وتخلوا عن كل المهمات الملحة.

يتمتع المبشرون ببعد نظر يمتد فيه الحل إلى حلول عام 2025. وكأنهم بذلك يقولون للشعب اللبناني، وبكل وقاحة وقلة أدب، “عيش يا كديش تينبت الحشيش”.

وليد الحسيني

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s