بعد “الإبراء المستحيل” … “الإنقاذ المستحيل”

لم تعد إسرائيل العدو الأشرس والأخطر.
هي بالكاد دمرت وقتلت.
ولم تقصر في شراستها.
لكنها، لم تبلغ وحشية عدو لبنان اليوم. ولا بالغت مثله، بالعمل على التدمير الشامل لوطن بكامله، وعلى القتل الجماعي لشعب، أدمنوا مخاطبته بـ “الشعب العظيم”.
عدو اليوم يمارس الخدع السياسية ببراعة. ويستعمل الفراغ، الأقوى من قنابل اسرائيل الفراغية، كسلاح مجرب بنجاح في الوصول إلى الرئاسة والحكومات المطواعة.
عدو اليوم، يمتلك اليوم قوة خارقة للدستور والسيادة والحرية والاستقلال.
المشكلة أنه تناسل منا ويتسلل فينا… ولا مفر من الإعتراف بأنه بعضنا ونحن بعضه… ولهذا من حقنا أن نتساءل عن سر بغضه للبنان واللبنانيين.
سؤال تجتاحه الأجوبة:
هو لا يبغضنا، لكنه مجبر على الطلاق من لبنانيته باعتباره أبغض الحلال.
وهو لا ينكرنا، لكنه من باب الأخلاق، يكره نكران جميل من أحسن إليه في المأكل والمشرب والمرتب والصاروخ.
وهو لا يعترض على حكومة من دونه، لكنه يشجع المعترضين عليها.
وهو، وفاء للمواثيق، يساعد “ساعده المسيحي” على تبوء عرش لبنان في نكبته الرئاسية المقبلة.
وهو يرى في الفراغ، وتفكك المؤسسات، وتفلت الحدود البرية والبحرية والجوية، مجالاً للإلتفاف على العقوبات الأميركية، والتخفيف من حدتها إيرانياً وسورياً.
يبقى السؤال الذي لا جواب له.
بالنسبة للعدو الإسرائيلي فقد منحنا الله مقاومة انتصرت عليه مرات وردعته إلى أبد الآبدين… قولوا آمين.
لكن ماذا عن العدو الأسوأ؟.
هذا هو السؤال المشرّع في كل شارع:
كيف للبنان أن ينقذ نفسه من نفسه؟.
إنه اليوم في أسفل المأساة، وعلى قمة الدول المفلسة.
العدو الحاكم أصابه العمى.
لا هو يرى “الكورونا” في كل بيت. ولا هو يقرأ عداد المصابين بها والمتوفين بسببها.
وهو لا يرى من المعايير الوطنية، إلا معيار الفوز بالثلث المعطل في حكومة تم احتجازها في سجون قصر بعبدا.
إنه عهد تزوير الحقائق والانقلاب عليها.
قبل التسوية المشؤومة، التي جاءت بـ “دون كيشوت” إلى رئاسة البلاد، كان التيار الوطني الحر يعتبر كذبة “الإبراء المستحيل” إنجازاً في عبقرية الإصلاح. وبعد أن سقطت ورقة التين، وظهرت عورات العهد، خرج علينا جبران باسيل بذرائع “الإنقاذ المستحيل”.
وهنا تبرز التناقضات الباسيلية بمهازلها المفضوحة.
وأم الفضائح تتمثل بتكتل لبنان القوي، الذي لا يريد المشاركة في حكومة الحريري، لكنه يريد الاستيلاء على الحصة المسيحية، من ألفها الماروني إلى يائها الأرمنية.
وأب الفضائح أن الرئيس المكلف، رغم استشاراته غير الملزمة، إلا أنه ملزم بحكومة يختار وزراءها رئيس الجمهورية.
صلاحيات رئاسية لا يمكن إقرارها، إلا وفقاً لـ “دستور الجريصاتي” المعمول به في عهد لا عهد للبنان بمثله.
هذا العدو الجديد، الخارج كـ “دود الخل” من لبنان وفيه، كيف يمكن لشعب أن يُخرج عليه شاهراً غضبه وثورته؟.
يبدو أن لا مفر من اكتمال النكبة والمصيبة والمأساة. فمع مستشفيات بلا أسرة شاغرة، وكمامة تكاد تكون مفقودة، وتباعد إجتماعي يبعد الثوار عن الثورة، وانتشار داء البحث عن الدواء… يستطيع العهد أن يرتكب المزيد من الخطايا… وكل هذا من فضل “الكورونا” وبركاتها.

وليد الحسيني

لبنان نفط إيران السياسي

كان، ولم يزل، لبنان ورقة تتداولها الدول.

ورثتها فرنسا عن العثمانيين. وكادت بريطانيا تقتنصها في عهد الراحل كميل شمعون، لولا أن الناصرية انتزعتها من فم حلف بغداد.

… وجاءت الحرب الأهلية فانقسمت بيروت إلى بيروتيْن، وبالتالي، صارت الورقة اللبنانية ورقتيْن.

واحدة فلسطينية إختبأت تحت كوفية ياسر عرفات، وثانية ضلت الطريق وهي تبحث عن حماية، حتى لو أتت من الشيطان.

… ودارت الأيام، فحطت الورقة اللبنانية رحالها في دمشق. وكادت تستقر هناك لولا استشهاد رفيق الحريري، الذي أعادها إلى حضن الحرية والسيادة والإستقلال. لكن سرعان ما هبت رياح فارسية طارت بها إلى طهران.

لقد بالغ الإيرانيون في استهلاك واستغلال الورقة اللبنانية. وآخر استهزاء بسيادة لبنان أن قيادات الحرس الثوري اعتبرته خط الدفاع الأول عن أمن إيران وسيادتها.

هنيئاً لحزب الله بهذا الإنجاز اللبناني العظيم.

فأن نكون ساحة حرب بديلة لحروب إيران، فهذا من نِعم خامنئي علينا. وهي نِعم، عمّت من قبلنا العراق وسوريا واليمن.

ومع إبلاغنا من أصحاب القرار الإيراني، بأننا خط الدفاع الأول عن بلاد فارس أصبح يتحتم علينا أن نقر بأن الجمهورية الإسلامية تحترم استقلال لبنان، ولا تتدخل في شؤونه الداخلية.

وهذا دليل صادق على صدق قيادات حزب الله عندما تكرر بأن من يطعمها ويكسيها ويسلحها ويدفع رواتبها.. لا يأمرها… ولا هي تسترشد بالمرشد… ولا المرشد يرشّد توجهاتها وقراراتها.

يبدو أن لبنان “نفط إيران السياسي”… وسجادها الأصفهاني في البيت الأبيض.

يتهيأ لخامنئي أن نكون نحن الجزرة التي ستغري الأرنب الأميركي بايدن، بعد أن فقدت عصا ترامب الغليظة هيبتها ودورها في الحد من انطلاقة الشر المطلق.

وبسبب هذه التهيؤات الخامنئية، نفهم تعطيل تشكيل الحكومة وربطها بيوم نهاية “الترامبية” المرعبة.

يظن الإيرانيون، وبعض الظن “عبط”، أن بادين سيفتتح يومه الرئاسي الأول بازالة آثار عدوان ترامب.

وأنه سينظر إلى لبنان كقاعدة صاروخية إيرانية، ستبيد اسرائيل وتزيلها من الوجود. ومن أجل حماية اسرائيل من الإبادة، فسيقبل مرغماً التعاطي مع الورقة اللبنانية.

وبذلك تصطاد إيران عصافير المنطقة بحجر واحد.

هذه ليست أميركا… وبايدن الذي انتصر في الانتخابات على ترامب، لن يقبل بأن يهزمه ترامب أميركياً إذا ما أذعن للشروط الإيرانية.

الأمور ليست بهذه السذاجة… فاي رئيس أميركي يحتاج لأشهر ليرتب بيته الداخلي وملفاته وأولوياته.

قد يستعجل فتح الملف النووي، لكنه لن يستعجل رفع العقوبات. فهي فرصته لإصلاح ما أفسده أوباما، مما مكّن إيران من العبث في أمن الشرق الأوسط واستقراره.

وإلى أن يأتي دور لبنان في طابور مهمات بايدن، يكون قد لفظ آخر أنفاسه متروكاً لمصير صومالي مخيف.

ولهذا نناشد من ينشد خلاص لبنان، أن يتخلص من وهم بادين المخلص.

وليد الحسيني

كلام عون يمحوه باسيل

أعراف “باسيلية” مبتكرة بالجملة.

أظرفها “كلام عون يمحوه باسيل”.

وأكثرها تداولاً تحويل الحقيقة إلى شائعة، والشائعة إلى حقيقة.

ومن المحزن، إلى حد البكاء على لبنان، أن عهد الويلات، يكافح ويلاته بالشائعات.

نبدأ من آخر مفاخره.

يشيعّ أنه يسهّل تأليف الحكومة المتعثرة بعقباته.

هو لا يطلب شيئاً سوى بعض المطالب، التي لا ينص عليها الدستور، حيث لم يرد في أي من مواده ذكر لـ “لصوص الحقائب”. لكن في الوقت نفسه، فإن هذه المطالب “ما بتستاهل” إعتراض الحريري ولا عتب البطريرك الراعي.

المطلوب فقط الثلث المعطل.

وفقط عودة الطاقة إلى بيت الطاعة العوني.

وفقط الهيمنة على وزارات الدفاع والداخلية والعدل… أي أجهزة أمنية تُجهز على الحريات. وقضاء يقضي بإملاءات سليم جريصاتي.

وهكذا يضع لبنان حداً لفلتان الحريات، التي يجب أن تنتهي حيث تبدأ حريات كنيسة “تفاهم مارمخايل”… وكنيسة “ميرنا شالوحي”.

بذلك يستتب الأمن وتستبد العدالة.

ويشيعّ أنه غير طائفي. وفي الوقت نفسه يرفض أن يشاركه أحد في تسمية “الوزراء المسيحيين”، باستثناء جبران باسيل بصفته “مطران” الطوائف المسيحية كافة.

ويشيعّ أنه أخذ بنصائح بكركي. غير أن بكركي لم تأخذ بنصائحه لحماية المسيحيين. وهذا ما فعله أيضاً الفاتيكان.

إن عداء البابا والبطريرك للمصالح المسيحية في لبنان، وفق الشائعات العونية، جعلت عون يتحمل وحيداً مسؤولية حماية المسيحيين من التحول إلى مواطنين بلا احترام وبلا حقوق.

ويشيعّ كذلك، أنه يبذل ما لا يُبذل، لتشكيل الحكومة بأسرع وقت، ويتناسى أنه يمارس أعماله بتوقيت السلحفاة.

وإذا تابعنا القراءة في كتاب الشائعات العونية، سيتوفر للبنانيين فرصة الضحك، في زمن بكائيات العهد القوي… و”العهد القوي” ربما كان الشائعة الأكثر استعمالاً في الكوميديا السياسية اللبنانية.

على عتمة ما يشاع، وضوء ما يحدث، يمكن القول أن الشائعات لا تنفرد بجلب المصائب.

المصيبة الأكبر والأخطر تظهر جلية في إنكار الحقائق.

ينكر العونيون أن سعد الحريري هو الحل الإقتصادي والمالي والدولي… وينكرون أنه التزم بمعيار واحد في تشكيلته الحكومية.

معيار الحريري الواحد تمثل باختيار كل الوزراء من خارج عالم الأحزاب، مصراً على أن يكونوا من داخل عالم الإختصاص والخبرة… في حين أن العونيين لا يخجلون من فرض معيار عار اختراع العقبات… فهم من يحاول جعل استشارات الرئيس المكلف ملزمة، بينما الدستور حرره من الإلتزام.

وهم من يروج، بسوء نيّة، أن حكومة الإنقاذ لا ينقذها من السقوط في المجلس النيابي، إلا استجابة الحريري لشروط الكتل النيابية في تسمية الوزراء وتوزيع الحقائب… وكأن شروط إنقاذ لبنان من الفناء، لا تجبر ضمير النواب على منحها الثقة، خوفاً من أن يفقدوا ثقة اللبنانيين بهم وبوطنيتهم.

وهم، أي عشيرة عون من سياسيين وإعلاميين، من يقذف التأليف إلى مباحثات “بايدن” الأميركي مع “روحاني” الإيراني… على أمل تحويل لبنان إلى ورقة تفاوضية في جيب وزير خارجية إيران.

وأخيراً فإن ما يحدث لنا اليوم، يشبه ما حدث في أزمنة موغلة بالقدم.

فقد أخبرنا تعالى في سورة يوسف بسنوات سبع عجاف. 

ها نحن نعيشها عجافاً وحرماناً ورعباً، وقد راعانا الدستور اللبناني فخصم منها سنة.

مضت أربع.

بقيت سنتان… فهل يبقى لبنان ليرى نهايتهما؟

وليد الحسيني

الدستور والمقص

أخيراً تساوى الأضداد في خرق الدستور.

فعلها الثوار كاسرين احتكار السلطة لهذه الجريمة. ولن تغفر لهم مُثُل الثورة فعلتهم هذه.

إن “نبل الهدف” لا يبرر ضرب الخصوم بضرب الدستور.

في الخرق لا فرق بين “مقص المصالح الخاصة”، الذي تستعمله السلطة، و”مقص المصالح العامة”، الذي تستعمله الثورة.

المقصان يرتكبان الجريمة الدستورية ذاتها.

لقد قص الثوار، وبالجرم المشهود، حصانات الرؤساء والوزراء والنواب.

وقعوا في جهل الدستور… فوقفوا إلى جانب القاضي فادي صوان، وفدوه بالمواد الدستورية، التي حصنت هذه الحصانات.

أما وقد أجمع الثائرون والحاكمون على الاستهتار بكتاب لبنان المقدس، فلنجمده إلى أن نبلغ سن الرشد الدستورية.

عندئذ فلتلغى الحصانات برمتها، بما فيها طبعاً، وربما أولاً، حصانة فخامة الرئيس.

عندئذ أيضاً قد ننطلق في طريق العدالة، التي تحلم بها التحقيقات القضائية.

وبالذات، عندما يعلم المحقق، أن فخامته كان يعلم بهول الكارثة الكامنة في العنبر رقم 12.

وكان الأعلم، وهو العسكري العتيق، بمعنى أن يزنر مرفأ بيروت بألفين وسبعمئة وخمسين طناً من المتفجرات.

وكذلك كان فخامته الأقدر على استنفار مجلس الدفاع الأعلى، وهو رئيسه. والأقدر أيضاً على تحريك ألوية الجيش، وهو قائدها الأعلى.

المؤسستان المؤهلتان للإنقاذ، كانتا بإمرته منفرداً ولا شريك له بإصدار الأوامر.

لكن فخامته اكتفى لدرء هذا الخطر النووي، بإحالة روتينية سلكت طريق بريد الصادر والوارد… فكان أن ما كتب على جبين بيروت، قد رأته العين المفتوحة على دمار عظيم وموت أعظم.

ثمة أوامر، كان لا بد أن تصدر ممن بيده الأمر.

وكان لا بد من متابعة التنفيذ لحظة بلحظة.

إلا أن الأوامر الحازمة والحاسمة غابت… فكان الذي خفنا أن يكون.

تقول قوانين الجزاء، حيث وجدت في العالم، أن المسؤولية الأكبر تقع على الأقدر، سواء في تقدير الخطر، أو في تقرير منعه.

إذاً، كل من هو تحت قمة القرار، لا قيمة لاستدعائه أو الإدعاء عليه.

وبما أن الثوار والحاكمين أمعنوا في خرق الدستور، يصبح تعليقه ممكناً وفق مفهوم “الديمقراطية التوافقية”.

لكن الدستور سيبقى منتهكاً ولن يعلق. وعلى ضوء السوابق الكبرى، نجزم أن المحقق العدلي في مجزرة بيروت، لن يختلف عمن سبقوه، ولن يتخلف عن إرسال ملفاته إلى مدافن التحقيقات العدلية، من اغتيال كمال جنبلاط، إلى اغتيال المفتي حسن خالد، إلى اغتيال رشيد كرامي، إلى اغتيال الرئيس رينه معوض.. إلى.. إلى.. إلى اغتيال بيروت.

وستساعد على عملية الدفن هذه، الكوارث العظمى الزاحفة حثيثاً إلى لبنان، مما سيجعل من تحقيقات اغتيال بيروت نسياً منسيا.

إنه زمن الرعب… والأشد رعباً، أن الباقي من عمر العهد يقل قليلاً عن سنتين… وهذا كثير… وأكثر منه رعباً أن ينتهي لبنان قبل أن ينتهي حكم التيار الوطني الحر، الذي لا يعترف بما اقترف… ولا بما أصابنا من قرف.

وليد الحسيني

المكيال الأعور:رئيس بريء ورئيس مدان

أجمع اللبنانيون على تسمية مستشفى المجانين بـ “العصفورية”.
لكن بفضل أحزابهم وقياداتهم وطوائفهم، تحولت “العصفورية” من مستشفى إلى وطن.
لقد عمّ الجنون السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية.
لبنان اليوم بلا عقل ولا عقلاء.
لا نبالغ إذا اعتبرنا أن الجنون اللبناني تفوّق على الهلوسة، وبلغ حد الوهم بأن الأميركيين قد انتخبوا “جو بايدن” ليشكل لنا حكومتنا. ولينتشلنا من الإنهيار. وليرفع عنا وعن حزب الله العقوبات. وليفتح طريق الحقيقة أمام انفجار المرفأ، الذي دمّر بيروت. وليمنع التهريب. وليغلق المعابر غير الشرعية. وليرسم حدودنا البحرية.
وبما تبقى له من وقت، إذا أبقينا له وقتاً، يستطيع “بايدن” أن يهتم بمشاكل الولايات المتحدة المحلية والدولية.
إن كانت هذه الهلوسة حقيقية، فتلك مصيبة. أما إذا كانت ثرثرة سياسية لتبرير العجز، فالمصيبة أهون.
في الحالتين، يشكل انتظارنا لـ”بايدن” دليلاً قاطعاً بأننا مجانين فعلاً… وفعلاً أصبح لبنان “عصفورية” تتسع لحكامه ومحكوميه.
ولجنوننا مظاهر أكثر خطورة من إلتزام “بايدن” بشعار “لبنان أولاً”.
فجأة يتبين أن الدستور كتب بلغة لا يفك أسرارها إلا سليم جريصاتي.
وفي مفاجأة أخرى، نكتشف أن الاستشارات النيابية الملزمة، التي أجراها رئيس الجمهورية، تمنح فخامته أيضاً حق تشكيل الحكومة، واختيار الوزراء، وتوزيع الحقائب… وما على المكلف نيابياً سوى القبول بالبدعة الدستورية… أو “عمرها ما تكون حكومة”.
صحيح أن النواب لم يسموا ميشال عون لتشكيل الحكومة، بل سموا سعد الحريري، فالرئيس لا يحتاج إلى تكليفهم، طالما أن دستور الجريصاتي قد كفل له هذا الحق.
ولا يستثني الجنون المتمسكين بوحدة المكاييل. فهم أنفسهم يتمسكون بمكيال خاص بصاحب الفخامة. فأن يعلم فخامته بخطر تدمير بيروت، قبل قرابة الأسبوعين من الإنفجار الكبير، ولا يفعل شيئاً، فهو غير مسؤول. مع أنه الوحيد القادر على دعوة مجلس الدفاع الأعلى، الذي يضم قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية والوزارية المختصة، وبالتالي، الطلب منهم بإزالة الخطر فوراً.
لو فعل، لما فعلت نترات الأمونيا ما فعلته ببيروت وأهلها.
إلا أن سياسة المكيال الواحد، ذهبت إلى رئيس الحكومة، الذي ادعى بحقه قاضي المجلس العدلي. مع العلم أنه أُعلم بالخطر في ذات يوم إعلام صاحب الفخامة.
يبدو أنهم استضعفوه فوصفوه. فحسان دياب لا مزبلة طائفية لديه، ليكون ديكاً عليها. وهذا يعني أنه لا يقوى على الصياح. خصوصاً وأن ألسنته المستعارة قد سحبت منه، وأصبح بلا حبال صوتية تشد من أزره.
ومن السلوكيات المجنونة أيضاً، إنشاء غرفة “الكيد القضائي”، برئاسة مدبر المكائد سليم جريصاتي، وعضوية مدعي عام القصر الجمهوري المحامي “البديع” وديع عقل، وبعض قاضيات القضاء على العدالة.
تبدأ هذه الغرفة السوداء، وخلافاً لسرية الإجراءات الجزائية، بالتشهير بمتهمين لم تثبت إدانتهم… ولا تنتهي بانتقائية للفاسدين البعيدين عن قلب جبران باسيل.
ومن العجائب القضائية التي قد تحدث في لبنان، إذا ما غضب الصهر الحاكم من السياسة الهندية، فلن نستبعد إقدام القاضية غادة عون على محاكمة “المهاتما غاندي”، أفقر فقراء الهند، بتهمة الإثراء غير المشروع.
ومن إثراء جبران باسيل غير المشروع وثرواته، وجود غادة عون. فبوجودها ضمن رعايا التيار الوطني الحر يسهل إيجاد التهم.

وليد الحسيني

وقّع… قبل أن نقع

كما ضيّع العرب الأندلس، يضيّع اللبنانيون لبنان.

لقد أعطاهم الله وطناً لم يحافظوا عليه كالرجال.

استهلكوه فأوصلوه إلى الهلاك.

استقرضوا باسمه إلى أن كاد ينتهي إلى الانقراض.

ها هو البلد ينطلق بسرعة ضوئية إلى الهاوية. والقائد “القوي” يرفض بإصرار إستعمال الكوابح المتاحة، لمنع مجاري المصالح الخاصة من ابتلاعه.

كأنه لا يعرف أن العواصف، التي تعصف بلبنان، مقبلة لا محالة على اقتلاع الوطن.

بالتأكيد هو يعرف، لكنه لا يعترف.

الإعتراف يفرض تنازلات لرئيس يرفض التنازل.

لا شك بأن الإفتراء على الحقائق، يدفع بالمفترين إلى ارتكاب كل الآثام الدستورية. وأخطر هذه الآثام بدعة تحريف الدستور، التي يبتدعها “بديع الزمان الجريصاتي”.

وآخر البدائع الجريصاتية، إستيلاء مجلس الدفاع الأعلى على صلاحيات مجلس الوزراء.

هذا هو الإنقلاب الثاني للجنرال باتجاه الديكتاتورية. فمن منا لا يذكر أنه مارس السلطة المطلقة في نهايات ثمانينات القرن الماضي، من دون المرور على مجلس النواب… لا بحثاً عن الثقة، ولا التزاماً بالتشريع.

بكثير من الإستغباء الدستوري، تحول مجلس الدفاع الأعلى فعلاً إلى “مجلس قيادة الثورة”.

وحجة الأنظمة الاستبدادية جاهزة كالعادة:

الضرورات تبيح المحظورات. إلاّ أن حكومة حسان دياب لا تفعل شيئاً، فهي كما كانت قبل الإستقالة حكومة تسويف الأعمال، فإنها بعدها تحولت إلى حكومة تصريف الإهمال.

ومن حجج سعاة تكريس الديكتاتورية، أن الرئيس المكلف يعجز عن تشكيل حكومة، تحتاج إلى توقيع رئيس، لا يزال هو وأتباعه يرددون شعاره الهزلي بأن “العالم لا يستطيع إنتزاع توقيعه”.

وهو، أي الرئيس، الذي أقسم بالمحافظة على الدستور – ولكن على ما يبدو في سلة المهملات – يريد أن يرد على سعد الحريري ويقول له بأن تكليف النواب ليس أكثر من ورقة، بمقدوره أن يبلها ويشرب ماءها.

يا صاحب الفخامة،

لقد صبر اللبناني على الفساد والإهمال منذ الاستقلال.

إلا أنه لن يصبر على أن يُحكم ممن يحاكي نيرون وهو يتمتع بحرق روما.

ندرك أنك تسعى، منذ قديم الزمان، إلى الجمع بين لقبي فخامة الرئيس ودولة الرئيس. وها أنت اليوم تمارسهما، حيث نلت “فخامة الرئيس” بتسوية غير سوية. وها أنت تحظى بلقب “دولة الرئيس” بانتحال مجلس الدفاع الأعلى صفة مجلس الوزراء. ولا ندري إذا ما أوحى لك ذات يوم، فقيه فقهاء الدستور سليم جريصاتي، بأن يتولى مجلس الدفاع الأعلى أيضاً التشريع، فتجمع بذلك ثلاثية الرئاسات في شخصيتكم الموسوعية من بعبدا إلى ساحة النجمة إلى السرايا.

لو أن الديكتاتورية هي الحل للأزمات الساحقة الماحقة المدمرة، لما كانت هذه حالة إيران، ولما كانت هذه نهايات سوريا.

وأنت، وبالذات مع صهرك، لن يرضى عنك الغرب والخليج… وبالتالي ستصْدق نبوءتك عن جهنم وبئس المصير.

اللبنانيون، فخامتك، لا ينتظرون من العالم أن ينتزع توقيعك على تشكيل حكومة بلا حزبيين، هم ينتظرون أن ينتزع ضميرك الوطني هذا التوقيع المحرّم… فوقّع قبل أن يقع البلد.

وليد الحسيني

لا “خلوه” ولا “خلونا”

لولا مجموعة المآسي القاتلة، لضحكنا على ذقونهم، تماماً كما يضحك بعضهم على ذقون البعض الآخر.

فخامته ضحك على ذقن مجلس النواب، برسالة تبحث عن انتصار لـ “بي الهزائم”.

ومجلس النواب بادله النكتة بنكتة أسمج منها، فأصدر قراراً، باعه فيه سمكاً في البحر.

وبعيداً عن هذه الحفلة التنكرية، لم يذكر التاريخ النيابي أن “سيد قراره” يصدر القرارات.

يؤكد علم اليقين، أن المجلس النيابي يشرع ويسن القوانين. أما القرارات فيتخذها مجلس الوزراء، أو الوزراء، أو مجالس الإدارات في القطاعين العام والخاص.

ونسأل المحتفلين بقرار مجاملة الرئيس، سواء في القصر الجمهوري، أو على لسان فقهاء التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، الذين استعجلوا رفع رايات النصر، فور إصدار مجلس النواب قرار “رفع العتب” برفع السرية المصرفية، نسأل هل سينشر قرار الطبل والزمر في الجريدة الرسمية، ليصبح نافذاً.

طبعاً لا. فهو مجرد كلام يحاول تغطية خيبات العهد، الذي خيّب كل الآمال.

ومع هذا، فإن القضية المركزية ليست في المصرف المركزي.

إنها في الحكومة، التي بتشكيلها نضع حجر أساس إنقاذ لبنان. ومن دونها سينهار لبنان من أساسه.

وأغرب الغرائب اللبنانية، أن التسهيلات تنهال على سعد الحريري من كل الجهات الحزبية والنيابية.

نبدأ بحزب الله، الذي أغدق التسهيلات، وأعلن في كل المناسبات أنه لن يكون عقبة… إنما التدخل الأميركي هو الذي يفرض عليه وضع العقبات المستعصية.

ومثله حدثنا جبران باسيل مكرراً أنه لا يريد المشاركة في الحكومة، غير أنه يصر عند تشكيلها أن يحكمها بثلث معطل.

ومثلهما، وأكثر منهما، أعلن الرئيس عون أنه أكبر المسهلين وأكثرهم كرماً. لكنه هو من يجب أن يحتكر تسمية الوزراء المسيحيين… ولا شريك له.

رئيس كل لبنان يحشر نفسه في طائفته… ويحشر بالتالي التشكيلة الحكومية في غرفة مغلقة يطرد منها نصف المسيحيين على الأقل.

لو أن فخامته طالب بحصة وزارية تتمثل فيها كل المذاهب الرئيسية، لصدقنا أنه رئيس كل لبنان. غير أنه لم يفعل، مؤكداً أن الطائفة هي الحب الأول.

وسط كل هذه التسهيلات الكاذبة، من الطبيعي أن يعجز سعد الحريري عن التأليف.

ترى إلى متى يصبر الحريري على المتربصين به؟.

إذا كان يراهن على وعي الضمير الوطني، عليه أن يعلم أن ضمير البعض قد حقن بمنوم إيراني، لا تقوى على إيقاظه كل كوابيس اللبنانيين وكوارث لبنان.

على ضوء ما يجري يحق للشيخ سعد أن يستعير من العهد وصهره جملتهما الخالدة “ما خلونا”.

في حالته الراهنة تصح جملة “ما خلونا” في تعطيل ظهور الحكومة الجديدة.

ونظرية “ما خلونا” تنطبق كذلك علينا كلبنانيين.

فنحن أيضاً “ما خلونا” نحصل على فرصة عمل… و”ما خلونا” نتجرأ على دخول صيدلية لأننا لا نملك ثمن الدواء… و”ما خلونا” نقدر على تعليم أولادنا… و”ما خلونا” نستطيع شراء المأكل والمشرب… و”ما خلونا” نعيش بكرامة.

دولة الرئيس المكلف:

اِقلب الطاولة قبل أن يصبح لبنان جحيماً، تشتعل في أرجائه الحرائق الأمنية والإجتماعية والمعيشية.

اِفضح تسهيلاتهم المغشوشة.

إن انتظرت فإن الكوارث لا تنتظر.

اِكشف المستور… ولا تكن ورقة التوت التي تستر عوراتهم.

وليد الحسيني

إخبار

من فمكم تدانون.
قال الرئيس أنه لن يتراجع عن التدقيق الجنائي في حسابات المصرف المركزي، رغم فرار شركة “الفاريز ومارسال” من لبنان، بسبب الأبواب الموصدة بأحكام، والتي تمنعها من اكتشاف وكشف فضائح الهدر والنهب.
لو أن فخامته فعلاً، لا قولاً، يصر على فتح مغارات علي بابا في الدولة، لما تجاهل عمداً المفتاح القانوني، الذي قدمه رياض سلامة.
من حق الرجل أن يحمي نفسه من جناية كشف المستور وفق أحكام قانون النقد والتسليف.
لم يقع في الفخ الذي نُصب له.
لكنه على ما يبدو أوقعكم في فخ أعمالكم.
هاتوا رسائلكم برفع السرية المصرفية إذا كنتم صادقين.
لم يطالبكم بالمعجزات.
مجرد رسالة من كل مؤسسة أو وزارة تبيح رفع السرية عن حساباتها، لتبدأ فوراً أي شركة تدقيق بالتدقيق الجنائي، لمعاقبة كل الجناة.
إذاً، الأمر لا يحتاج إلى كل هذا الصراخ والتذاكي.
فقط رسالة تكتب بثوان، وتطبع بدقائق، وتبلغ بساعات. وساعتها سيسارع المصرف المركزي إلى فتح الأبواب الموصدة، وما تسمونه بالصناديق السوداء.
يا سيد العهد،
بما أنك أحرص الحرصاء على محاربة الفساد، دشن حربك برسالة تأذن برفع السرية عن حسابات رئاسة الجمهورية.
إفعلها وكن الأول والقدوة.
من ثم، أصدر أوامرك، وأنت الآمر الناهي، إلى قادة جيوشك في وزارات الطاقة والخارجية والدفاع والبيئة والإقتصاد، لتلتحق بها مجبرة الوزارات الخارجة عن الطاعة العمياء… فتعم نعمة رفع السرية عموم الدولة.
أرأيتم كم الحل بسيطاً؟.
ورغم بساطته تجاهلتموه تماماً.
لماذا؟.
هنا يكمن السؤال المريب.
وهنا يتساءل السائلون عن الجدية، وعما إذا كان وراء أكمة الصناديق السوداء ما وراءها… وهل إذا فتحت سيخرج من بين دخانها المتعدد الألوان، دخاناً برتقالياً، يعرف مصدره الطامحون إلى تطبيق قانون لماذا ليس لك هذا؟.
ونهبط من الفخامة إلى المعالي.
ومن فم وزيرة العدل ندينها إما بالجهل… أو التجاهل.
فكيف، بوزيرة عدل، ومحامية، تقول أن المحافظ المركزي ملزم بتنفيذ قرار مجلس الوزراء، القاضي برفع السرية المصرفية. وأنه بصدور هذا القرار الحكومي، فهو محمي من الملاحقة، التي نص عليها قانون النقد والتسليف.
هكذا، وبمنتهى العبثية، تعبث سيدة القانون، بألف باء القوانين والدساتير المحلية والدولية.
متى كان القرار يا “نجم” المعرفة والخبرة أقوى من القانون؟.
ولأنها خريجة معهد “مار شالوحي”، فقد تمادت وطلبت من القضاء إلزام المحافظ برفع السرية المصرفية.
ألم تستخدمي يوماً يا خريجة كليات الحقوق، التاكسي، ليخبرك السائق أن القاضي يطبق القانون لا يخالفه… إلا إذا كان قاضياً في بلاط سليم جريصاتي.
نعود إلى حيث بدأنا.
وبعودتنا إلى أقوال الرئيس في تشكيل حكومة الحريري، تتزاحم الإدانات.
الرئيس اللاطائفي، يصر على تسمية الوزراء المسيحيين. وكأنه رئيس جمهورية طائفة، ولا تعنيه باقي الطوائف.
حتى ولو لم يعترف، فالكل يعرف أنه لن يسمي وزيراً لم يسمه جبران باسيل. وهذا يعني أن رئاسته قد كشت لتقتصر على مسيحيي التيار الوطني الحر.
بعد كل هذا، نقدم إخباراً إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، الذي يكاد يتخصص بملاحقة من يسيء إلى رئيس الجمهورية:
إذهبوا إلى القصر الجمهوري… فهناك إساءات لا تغتفر يرتكبها الرئيس بحق الرئيس.

وليد الحسيني

منطق الأكاذيب

لم يتوقف زجّال سياسي، أو دجّال مذهبي، عن المزايدة في حبه للبنان.
… لكن حين حانت ساعة الإنهيار تبيّن أن لبنان هو ذلك الصبي الذي لا أمّ له.
الجميع ما زال يدّعي أنه الأم الحقيقية. وفي الوقت نفسه، لا يمانع في تقطيع الوطن الصغير حصصاً تتناتشها الطوائف، رغم أن هذا الوطن الهالك قد تحوّل إلى جثة، لا يجرؤ أحد على دفنها. مع أنهم مهرة في حفر القبور. وتاريخهم يزدحم بما حفروا… وبالذات للأخوة، الذين دغدغوا مشاعرهم بشعار “أوعى خيك”.
لا شك في أن غياب الضمير الوطني، يبرر غياب الضمير الدستوري… ولعل أخطر الغائبين ضمير المنطق. فبغيابه تستباح مسلمات كرستها الأعراف والأخلاق.
ومن الأمثال المفضوحة، إقدام “المثالي” الأول، أي فخامة الرئيس، على الصمت المطبق والمطلق، عندما طعنت خناجر العقوبات الأميركية ظهور المردة وحركة أمل، وقبلهما ظهر حزب الله.
غير أن الأمر مختلف جداً، عندما يغامر الأميركان، وبتآمر فاضح وانحراف فادح، بوصم جبران باسيل بالفساد.
هذا حدث لا يرد عليه بالعتب، بل بموجة غضب، تجتاح الرئيس نفسه، ووزارة خارجيته، احتجاجاً على القرار الأميركي المتهور والمتحامل على الصهر ووارث القصر، ورجل الطهارة والشرف والعفة والنزاهة والشفافية… وسواها من صفات تطلقها أكاذيب الممارسات السياسية.
نفهم جيداً أسباب ثورة الرئيس. فالإساءة إلى باسيل أساءت إلى سيادة لبنان، وهزت كرامة اللبنانيين.
أما علي حسن خليل ويوسف فنيانوس فلا يستحقان من قصر بعبدا، حتى إصدار بيان يدين العقوبات الأميركية…
فمن أنتما… وأين أنتما من السيادة والكرامة؟.
إن ضمير المنطق، الغائب دائماً وأبداً، عن تصرفات تكتل لبنان القوي، يتجلى بأن من لم يسم سعد الحريري، يُطالب الحريري بأن يسميه في حكومته.
ولا يتوقف المنطق الملتوي عند هذا، بل يتجاوزه إلى اغتصاب حق من سمى الحريري بدخول الحكومة. فالحقائب المسيحية يحتكر تسمية ممثليها فخامة الرئيس العلماني وغير الطائفي و”بي كل” اللبنانيين!.
ولا يقتصر تزوير المنطق على ما سبق، بل يتمادى ليندمج بأكاذيب تفضح نفسها. فالتيار الوطني الحر مصاب بإسهال التسهيلات. أما العقبات فيتم تصديرها بتعليمات إلى ممثل التيار الباسيلي في قصر بعبدا. وكأن اللبنانيين يتصفون بغباء يكفي لنفي العلاقة بين التيار وصاحب الفخامة!!.
هل هناك لبناني لم يرَ براءة الأطفال في عيني جبران باسيل؟… وهو البريء الذي لا يريد شيئاً، حتى وهو يطالب بكل شيء. إذ لا مسيحي خارج التيار. والمداورة يجب أن تشمل المالية والداخلية، أما الدفاع والعدل فهما ملكية للتيار عبر حصة الرئيس، التي ابتدعها اتفاق الدوحة، ونفاها دستور الطائف.
إننا أمام خليط من التناقضات العجيبة… وأعجبها أن الرئيس المتمسك بالجلوس على كرسي الرئاسة من أنصار “قم” ومرشدها… لكنه لا ولن يقوم.

وليد الحسيني

الهيمنة الإيرانية: واشنطن العاصمة الخامسة؟!

سنكتفي بما يخصنا.
لن نغوص في مشاكل وأزمات أميركا الكبرى. فلدينا من السياسات الأميركية المدمرة ما يبرر خوفنا على مصيرنا.
كل ما نخشاه أن تكون سيئات فوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة، أكبر من حسناته.
لقد ورث الرئيس المنتخب عن سلفه ترامب، مجموعة من القوانين والاجراءات، التي يصعب عليه أن يتراجع عنها، كما تشتهي إيران. ولا يستطيع إصدار المزيد منها، كما تشتهي إسرائيل.
بمثل هذا الموقف المتأرجح، سيفقد البيت الأبيض قدراته على تعويم الإتفاق النووي الإيراني، الذي تعتبره “الأوبامية” المتجددة ببايدن، نصراً تاريخياً.
وهو بمحاولة التعويم هذه، سيغضب إسرائيل، وقد يحولها، لأول مرة، إلى متمردة على النفوذ الأميركي.
الفشل في معالجة هذا الملف، الأخطر على منطقة الشرق الأوسط، سواء بتخفيف العقوبات لجذب إيران إلى التسوية، أو بتصعيدها لفرض التسوية على إيران، ففي الحالتين قد يذهب الجانبان، الإيراني والإسرائيلي، إلى مذهب “ما حك جلدك غير ظفرك”.
هنا يكمن خطر فقدان السيطرة الأميركية على اتجاهات رياح المنطقة.
ومن هنا أيضاً، يترتب على بايدن أن يدرك أن صبر طهران على العقوبات الترامبية قد نفد. خصوصاً وأنها بدأت تؤتي أُكلها، وتهدد بانهيار النظام برمته. وهذا يعني أن الدفاع عن النفس، سيتحول حتماً وحكماً، إلى هجمات عشوائية على دول الخليج وفي مضائقه المائية، بحثاً عن مخرج دولي يخرجها من حرائق العقوبات، عبر أبواب تؤدي إلى تطويق الأخطار المتمادية، التي تفتعلها إيران.
في المقابل لن تتردد إسرائيل في تحرير قاذفاتها وصواريخها من تحذيرات الدوائر العليا في أميركا وأوروبا، مما سيفضي إلى اشتعال المنطقة، وربما تمتد النيران إلى مناطق أخرى، في مشهد قد يرعب العالم.
من الواضح أن تحمّل إيران للعقوبات، كان يراهن على سقوط ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية. اعتقاداً منها أن البديل سيهرول عائداً إلى اتفاقها النووي، متخلياً ومعتذراَ عما فعله ترامب، العدو الأشرس في تاريخ الثورة الإيرانية.
على هذا الإعتبار، احتفلت إيران و”كورسها” بفوز بايدن، كما لو أن واشنطن، عاصمة العالم، قد انضمت إلى العواصم العربية الأربع، بغداد – دمشق – بيروت – صنعاء، وأصبحت بذلك “السبية” الخامسة في حريم الولي الفقيه.
صحيح أن “الفيل الجمهوري” قد خرج من البيت الأبيض، بثقله وأثقال سياسته، لكن لا مفر من الإنتباه أن الذي دخله هو “الحمار الديمقراطي”.
إذاً، وبعضنا يتفاءل بالآتي، لا بد من أن يتذكر قوله تعالى “إن أنكر الأصوات لصوت الحمير”.
في ضوء ذلك، سنسمع “نهيقاً” مدوياً… ولن نجد طحيناً أبداً.

وليد الحسيني