العروبة المفقودة

walidغابت العروبة، فحضرت المآسي تباعاً.

هي لم تهاجر، بل نحن هجرناها.

توهمناها سبباً لانكسراتنا وهزائمنا وتخلفنا.

اعتبرناها مرضاً ورثناه من جاهلية قريش وداحس والغبراء.

وعدتنا بانتصارات… لم تأت.

تحت نظرها كانت نكبة فلسطين ونكسة حزيران.

دفعتنا إلى استعداء الغرب، وبالذات سيدة الكون الولايات المتحدة. وقد دفعنا هذا العداء إلى كتم شبقنا لمعاشرة العصر المتطور.

كثيرون منا ندموا على قضاء سنوات الشباب قبالة نوافذها، يغني لها ويتغنى بأمجادها.

من منّا لم يقل فيها أعظم الكلام؟.

من منّا لم يغمرها بعيون الشعر. ويشعل بحبها روائع الغناء؟.

لا أحد يدري إلى أين رحلت.

كل ما هو مؤكد أنها لم تعد بيننا.

غريب!!.

مع أنها غادرتنا، ومع اعتقادنا أننا بغيابها أغلقنا أبواب الريح… لنستريح، فإذا بنا نواجه الكوارث الكبرى من كل صوب.

ها نحن من دونها مذاهب شتى ودول مشتتة. منها من يتذابح… ومنها من ينتظر.

ها هي الكراهية تبلغ أشدها، حتى انحدرت إلى أصغر مستويات التمييز العنصري ما بين مسيحي في الحدت وشيعي في الشياح.

والعنصرية لم تقف مواصيلها عند رتبة رئيس بلدية الحدت، بل تعدته إلى الرتب الأعلى، والأكثر علواً. فتم الإعتداء على كرامة النازح السوري وإنسانيته. وقد بالغ العنصريون بكراهيتهم إلى حد منع هذا النازح من التجول ليلاً بتهمة مبنية على نية السرقة المسبقة، أو الشك بأنه إرهابي محتمل.

والعنصرية في لبنان، التي انتعشت بغياب العروبة، قد تكون أقل ضرراً وضراوة من العنصرية التي تمارس القتل والتهجير في بلاد مثل العراق وسوريا، وكانتا يوماً من ذوات “أمة عربية واحدة – ذات رسالة خالدة”.

هذا غيض من فيض الكوارث الزاحفة حثيثاً إلينا. فثمة ما هو أكثر إيذاء من المذهبية والعنصرية. فمن يستطيع أن يتجاهل الإنحراف الخطير بالإسلام وسماحته؟… وإلا كيف ولدت “القاعدة”؟. وكيف خرجت من سلالتها داعش والنصرة؟… وكيف توالت الإنحرافات بـ “حوثية” ملعونة، وبـ “حشد شعبي” ملغوم… وبكثير مثلهما، حيث لا يمكن العد… ولا ينفع الحصر.

منذ أن قدمنا استقالتنا من العروبة، فإن ما أتى عظيم، وما سيأتي أعظم.  في زمانها، كنا نستعد فقط لحرب ضد إسرائيل. من بعدها لم نترك حرباً أهلية لم نخضها بجدراة، وأحقاد كانت دفينة… فآن أوان إعلانها.

كانت العروبة تضمنا إلى صدرها بطوائفنا ومذاهبنا واقلياتنا. وبرحيلها تقطعت أوصالنا. وتزنّرت كل طائفة، وكل مذهب، وكل أقلية، بأحزمة ناسفة في محاولة لتفجير “الوطن الكبير” وتحويله إلى أوطان بلا أمان… وإلى شعوب نازحة بلا مأوى.

في زمانها، ولّى عهد الإستعمار. ومن دونها تحولت الأرض العربية إلى ملاعب عسكرية لأكابر الدول ولأصاغرها.

هنا تلعب أميركا.

هنا تلعب روسيا.

هنا تلعب إيران.

هنا تلعب تركيا.

صحيح أن البوح اليوم بحب العروبة يثير السخرية، لكن لا يمكن الخروج من سخرية القدر العربي إلا بالعودة إليها.

لم يعد الأمر مجرد حنين للأيام الخوالي… إنها، أي العروبة، هي المنقذ الوحيد من محرقة الفوضى والتفرقة. فهي دون سواها من يجمع ولا يفرق. ومن يرى أنه لا فضل لسني على شيعي، ولا لمسلم على مسيحي، ولا لمؤمن على علماني إلا بالعودة إلى العروبة التي تتسع للجميع ولا تستثني أحداً.

وليد الحسيني

Advertisements

لقاء العقل والتعقل

walidطبعاً لا تليق المقارنة بين أحداث الخليج وما يفعله “أحداث” السياسة في لبنان.

إنها مقارنة أقرب إلى “الكاريكاتير” السياسي. وقد تتهم بالإستهزاء بالقامات الدولية. ومع ذلك، لا ضرر ولا ضير في مقارنة ما يقوم به “الحرس الثوري” في الخليج العربي، بما يقوم به “التيار الوطني الحر” في لبنان.

هناك، في بحر عمان ومطار أبها، وقبلهما في مينائي الفجيرة الإماراتي وينبع السعودي، يضرب السيد خامنئي الإستقرار في المنطقة… وربما في العالم.

هنا، يهز جبران باسيل، بعضلات عمه، أسس الإستقرار في وطن الأرز. أحياناً بتصريحات تفتقد للدبلوماسية وتتنكر للجميل. وأحياناً بممارسة هواية دفع البلاد إلى الهاوية.

هناك، تلعب إيران بالنار… فتحترق أصابع أميركا.

هنا، يشعل باسيل النيران… فتحترق أصابع لبنان.

هناك، يهدد الحرس الثوري بتعطيل الملاحة النفطية، وينفذ تهديداته… وبأسرع من سرعة طوربيداته يسارع إلى نفي مسؤوليته. ويلحق النفي بالإدانة والإستنكار. وفي المقابل يتعهد ترامب بالرد. ويهدد ويتوعد. وعندما يستحق الوعد، ويحين الوفاء بالعهد، يعدُّ سيد البيت الأبيض للعشرة. وتمر الأخطار خطراً بعد آخر، وما زال العداد الأميركي يعدّ العشرات… عشرة بعد عشرة.

هنا، يتهم باسيل السنة بسرقة الموارنة. ويهدد باسترداد الصلاحيات المسروقة. وينتقل بتهديداته إلى المسيحية نفسها، متعهداً ومتوعداً بفضح شعبية القوات اللبنانية، وبأنها بالكاد تتجاوز الصفر. وبما أن لا حجم لها، يُحجم باسيل عن إعطائها منصباً في التعيينات. أو نصيباً في التسويات، التي تنكر لها ودفنها في مقابر “أوعى خيك”. وفي المقابل، يعتقد فرعون العهد، متوهماً كعادته، أنه لن يجد من يرده، ولا من يوقفه عن حده.

ولأن هناك، أي في الخليج العربي، لا دور للبنان سوى انتظار التداعيات والمخاطر، فلا بد من التركيز على ما يجري هنا.

في البدء، نسأل الله أن يكون في عون عون. فهذا ما جناه عليه باسيل، علماً بأن الرئيس لم يجن على أحد.

وبالتالي، يترتب على باسيل أن يفيق من أحلامه. فمن يحاول منازلتهم ليسوا طواحين هواء. وعليه أيضاً الإقرار بأنه يعيش في بلد الـ “لا غالب ولا مغلوب”. وأن محاولة فرض صيغة الغالب، ليست أكثر من مراهقة سياسية. ففي البلاد قامات وزعامات راسخة لا يمكن أن تقتلعها الزعامات الطارئة. والتي ستزول حتماً بزوال أسباب انتفاخها… فنعم “الممانعة” لا تدوم.

إن شد عصب العنصرية، وتوجيه السهام إلى العلاقات العربية، وسياسة الألسنة الفالتة… كلها لن تدفع مثلاً بسعد الحريري إلى مواجهة التوتير بالتوتر. فما زال، وسيبقى الرجل مسكوناً بالحكمة الوطنية… وبمجرد زيارته قصر بعبداً، ومن ثم، لقاء العقل والتعقل، يكون باسيل قد ضيع في الأحلام… جهده.

                                                                          وليد الحسيني

باسيل والحريري

walidترى هل يستطيع جبران باسيل الإقتراب من الحكمة السياسية، بعد أن بالغ في ولوج التهور السياسي؟… وهل يستطيع التخلي عن ركوب أمواج المد والجزر؟.

لقد نسي أن “التسوية”، التي أقدم عليها سعد الحريري، هي التي جعلت منه “الرجل القوي” في معبد “العهد القوي”.

وإذا كان “شمشون الجبار” أحد أبرز رموز “الرجل القوي” في زمن الأساطير والخرافات، فمن المنطق أن يتذكر باسيل بأن “شمشون” عندما قرر الموت لأعدائه، كان قد اختار طريق الإنتحار.

من أكبر الأخطاء والأخطار، أن يحوّل “ولي العهد” الوطن إلى ملعب، والتسويات والتفاهمات إلى لعبة.

لقد أكثر من حفر الحفر. مما أدى إلى اتساع الفجوة بين تياره الحر من جهة، وبين المستقبل والقوات من جهة أخرى. ومع استمرار غياب الوعي الوطني، يصبح التنسيق بين رئيس التيار الوطني والآخرين محاولة في المستحيل. فلا الرئيس الحريري يستطيع الإحتفاظ بالتسوية، مع تمادي باسيل في خرقها واختراقها، ولا باسيل يستطيع المحافظة على مكاسب التسوية، وهو يسعى إلى جمع كل مكاسبها في قبضته، التي يستعملها عشوائياً في جولات ملاكمة عبثية.

يقول، لا فض فوه، أن البلد تحول إلى “عصفورية”. وإذا صح قوله هذا، فإن الجنون لا يعالج بمزيد من الجنون.

أما المراهنة على صبر سعد الحريري وتسامحه، فهو رهان يخلط بين حدود الصبر المحدودة، والمقامرة السياسية المفتوحة والمفضوحة.

المسامحة ليست كنزاً لا يفنى. فعن أي التجاوزات يمكن مطالبة الحريري بالصفح عنها؟.

في الشأن الخارجي، ينحاز باسيل للإجماع الإيراني، على حساب الإجماع العربي.

في الشأن الداخلي، يختار التمرد على تفاهميْ معراب وبيت الوسط، ويخضع بإذعان مذل لتفاهم حزب الله.

في شأن التصريحات السياسية، يقول كلاماً مفجراً للأزمات والخلافات، وينفيه في اليوم التالي.

في الشأن الإنساني، يهاجم النازح السوري واللاجئ الفلسطيني، ويدافع بقوة عن النازح والمستوطن اللبناني في بلاد الإغتراب من أفريقيا إلى أوروبا إلى أوستراليا إلى الأميركيتين.

في الشأن القضائي، يصر على تملك وزارة العدل لإصلاح العدالة، ويعتبر في الوقت نفسه أن العدل أساس ملكه وبعض ممتلكاته.

في شأن الإصلاح، جعله شعاراً، لم تشعر بوجوده وزارة أو مؤسسة أو عصابة فاسدين.

من الصعب أن يحظى محلل نفسي بمعرفة ما في نفس هذا اليعقوب.

ومع هذا، ومع كل ما سبق من مبررات لقطيعة، لا يمكن وصلها، فإن سعد الحريري، وكرمى عيون الرئيس عون، قد يتجاوز مرة أخرى تجاوزات باسل.

لكن هل يقدر مبتكر الخلافات، أن يتراجع عن ابتكاراته الدون كيشوتية؟.

بالطبع يقدر… إذا تخلى عن الأحلام الخارقة والمارقة.

وليد الحسيني

قمم في مواجهة الكوارث

walidالقمة ليست دائماً بلا فائدة. وبالذات إذا انعقدت في أسوأ الأيام. فهل تكون قمم مكة الثلاث هي الإستثناء؟

لم يسبق أن اجتاحت العرب المحن، من محيطهم إلى خليجهم، كما اليوم.

الخطر يستعد لخلع أبواب الخليج. والكوارث تتوالى بلا رحمة في أغلب المشرق العربي ومعظم مغربه.

لا شك أن العرب يدفعون، في هذا الزمان، ثمن انتصاراتهم في تلك الأزمنة.

يبدو أن أمة الفرس تنتقم من قادسية سعد بن أبي وقاص. وأمة الغرب تنتقم من صلاح الدين في تحرير القدس. وأمة الأتراك تنتقم من الشريف حسين في تمرده على امبراطوريتهم المريضة.

أمم تتكالب على الأمة!.

كل هذا كان متاحاً، بعد أن انقلب العرب على عروبتهم. واستلوا الألسنة والأقلام لتعريتها.

إنتكاس القومية العربية، أيقظ الأحقاد والأطماع لقوميات منتكسة تاريخياً. فعمل الفرس والعثمانيون على تحويل الإسلام إلى أحصنة طروادة.

الإيرانيون أخذوا من أمراض المسلمين المذهبية. فاستعانوا بها لجعل طهران عاصمة العواصم العربية الأربع.

بفضل المذهبية انتزعوا العراق من تاريخه. وبسلاحها تحكموا بلبنان. وببلائها زادوا اليمن ابتلاء. وبنجدتها استباحوا سوريا. ومن بوابة المسجد الأقصى سجدت لهم حماس في غزة.

أما الأتراك، فقد اختاروا الإنحراف بالإسلام، فركبوا موجة التطرف. فبركبانها إحتلوا بعض سوريا. وبمراكبها حاولوا مُلْكاً في ليبيا، بعد أن سقطت ممالكهم في مصر محمد مرسي وفي تونس الغنوشي.

أما الغرب فقد أسلم أمره لواشنطن وسلّم بأوامرها. وها هو ترامب يصطف في طابور الموالاة لاسرائيل، متقدماً على كل من سبقه. ومؤكداً أن الأميركي لا يكون أميركياً إلا إذا كان صهيونياً. وكما بلفور أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، أعطى ترامب اسرائيل القدس والجولان. وترحرح في صهيونيته فأنجز لها صفقة القرن بقرون اسرائيلية هائجة.

صحيح أن العروبة لم تستعد فلسطين. ولم تُشد مفاعلاً نووياً. ولم تقذف بقمر عربي إلى الفضاء. ولم تزرع أرض السودان قمحاً ورزقاً. ولم تهب شعباً ديمقراطية كاملة، ولا حتى حريات ناقصة. لكن غيابها أبعد فلسطين إلى ما بعد بعد أدلب وصنعاء. وأشاد مفاعلاً مذهبياً مدمراً. وقذف فضاء مكة، قبلة المسلمين، بالصواريخ الباليستية، وأنزل من فضاء سوريا البراميل المتفجرة. واستبدل زرع الأرض بالحقول الخضراء، بزرعها بحقول الألغام. واستجاب لحرية الرأي، فلم يقطع الألسنة، فقد اكتفى بقطع الرؤوس التي تحملها.

لقد أدرك الملك سلمان ان الكوارث العربية قد أينعت رؤوسها، وحان قطعها، قبل أن تقطع رأس الأمة العربية، وتدفنه مهشماً ما بين طهران واستنبول وواشنطن. لهذا دعا لعقد قمتين عربية وخليجية. ففي الأيام الصعبة، نحتاج إلى اتخاذ القرارات الصعبة، والإجراءات الأصعب. فهل تتم ترجمة هذه القرارات للفارسية، وهل هي قابلة للترجمة على أرض الواقع؟.

سؤال نتمنى أن تكون إجابته: نعم.

وليد الحسيني

ملك التعطيل

walidقبل جبران باسيل، كان التعطيل يطال، بحياء، قانوناً ما. كقانون الكسارات والمقالع. أو قانون السير والتغاضي عن مخالفات ربط أحزمة الأمان. أو قانون منع التدخين في المطاعم والمقاهي. أو …

لكن به، وبعده، أصبح التعطيل يطال الدولة بمؤسساتها وأساساتها.

من أجل هلوسته بالسلطة، تمّ تعطيل تشكيل كل الحكومات تلبية لتطلعاته، تحت شرط الخضوع لتوزيره. ومن بعد إستجابة لاشتهائه وزارة دون أخرى.

في البدء، انفتحت الشهية على وزارة الإتصالات. ولأسباب لا يعرفها إلا الراسخون في طلب النفوذ، انتقلت الشهوة إلى حقيبة الطاقة. وعندما وجد خليفة لا يخالفه، أورث الوزارة لسيزار أبي خليل، ومن بعده لمستشارته، ندى البستاني، التي تستشيره في كل شيء، والتي لم يستشرها يوماً في أي شيء.

وهكذا تفرغ باسيل لوزارة الخارجية، تمهيداً لشق طريق دولية تصل به إلى قصر بعبدا.

ولأنه يعوّل كثيراً على العائلة، تحمّس لخطة حزب الله في تعطيل الدولة، بافتعال الفراغ الدستوري لمدة تجاوزت السنتين، وكان المقدر لها سنوات مفتوحة، لولا أن الحكمة الوطنية دفعت بسعد الحريري إلى التجرؤ على لعنة التعطيل، بإعلان تسوية، أتت بالجنرال عون، عم باسيل، رئيساً للجمهورية.

ومن أجل إخراج الصهر من عقدة الرسوب المتكرر في إمتحان الإنتخابات النيابية، جرى تعطيل السلطة التشريعية، إلى أن تمّ تشويه الديمقراطية، بإصدار قانون للانتخابات، أساء لسمعة النسبية، ولعن أباها. لكنه جاء على قياس باسيل، وكان للصوت “التفضيلي” الفضل في فوزه وفوز حزبه وأحزاب حلفائه. وبعد أن أكدت له، التجارب السابق ذكرها، أن التعطيل هو الوسيلة الأقدر على تحقيق الغايات، تمسك به وأدمنه، على اعتبار أن الغايات السيئة، لا تنضج ثمارها، إلا بالأفعال الأسوأ منها.

وهذا ما كان، عندما حان وقت إنجاز الموازنة، لإنقاذ البلد من إنهيار إقتصادي، لا يخفى على شاطر كجبران باسيل.

ظن “ملك التعطيل” أنه سيكون “ملك الشعبوية” أيضاً، بتأخيره إقرار الموزانة.

وهكذا، فكلما التأم جرح في مناقشة الموازنة، فتح باسيل مزاد الجراح. تارة تحت شعار الإصلاح. وتارة تحت شعار الدفاع عن الفقراء ومتوسطي الدخل.

أما وأن “الموازنة” تحمل اليوم أثقالها متجهة إلى قصر بعبدا، فمن منطلقات وطنية، لا بد من مناشدة باسيل وفريقه الوزاري بالقول: “هدوها ولا تهدوها”.

ولا بد كذلك من لفت الإنتباه إلى أن انقطاع الكهرباء في لبنان، لا يعني أن اللبنانيين لا يرون ما يدور وما يدبّر لهم.

نتمنى أن لا يبالغ باسيل في تسويق الوهم، عبر إصلاحات مبهمة يتوهم أنها ستنشل البلد.

عليه أن يدرك أنه بتأخير إقرار الموازنة، يكون قد ابتكر مذهباً إقتصادياً رابعاً، خارج المذاهب الإقتصادية الثلاثة، التي يعرفها العالم.

فلا هو، بسلوكه التعطيلي، رسخ النظام الرأسمالي الحر. ولا ذهب بالبلاد إلى النظام الإشتراكي، ولا بشر بالنظام المختلط.

إذا لم يتخل عن عروش الملكية في التعطيل والشعبوية، وإذا لم يعد إلى وعيه الوطني… فهو بذلك يقدم للعالم نظاماً إقتصادياً رابعاً… هو نظام الفوضى.

وليد الحسيني

إضرابات “اللهم نفسي”

walidلو لم يعمّ المرض، لما كان لبنان بحاجة إلى كل هذه الوصفات الطبية.

ولو لم يصب الإقتصاد بالهزال، ويتسخ البلد بالهدر، ولو لم تفح رائحة الإنهيار، لما لجأت الحكومة، مجبرة، إلى تعميم التقشف، الذي يفترض أن لا يميّز بين “بنت ست وبنت جارية”.

لكن للأسف فإن جميع القطاعات والطبقات، من عمال وأرباب عمل وموظفين، وصولاً إلى المؤسسات العسكرية والمدنية، وصعوداً إلى الوزارات… يعتبر نفسه من سلالة الست… وكأن الجارية مقطوعة من شجرة.

وبالإعتراف الصريح والمعلن، تعترف “الكافة” وتعلن: أن خزينة الدولة تعاني من فقر خطير في الدم.

و”كافتهم” يدعون بإلحاح إلى التبرع بالدماء. وفي الوقت نفسه، وبإلحاح أشد، يستثني كل فريق نفسه من هذا الواجب المتعب، لأنه لا يتحمل شك الإبرة في الوريد. مما جعل مهمة سيارات الإسعاف تقتصر على إطلاق زمامير الخطر، لأن وحدات الدم لم تصل إليها لتقوم بنقلها إلى مستشفى الإنقاذ في وزارة المالية… حيث يرقد لبنان معانياً سكرة الموت.

وإذا كان انتشار إضرابات “اللهم نفسي” قد عطل التوافق المسبق على بنود في الموازنة، بسبب عدم شعبيتها، فإن إعادة فتح أبواب النقاش في كل أبواب الموازنة، يجعل الشك مبرراً في الجهة السياسية، التي تنادي بالإنقاذ قولاً، وتعاديه إستمهالاً، بتقديم أوراق تساهم في تمديد الوقت الضائع.

إذا لم نسارع إلى إقرار الموازنة الجراحية، فإن النزيف المالي لجراحنا الإقتصادية، سيكون الأسرع في الوصول إلى مصير مجهول العواقب.

في الحقيقة لا يمكن لقارئ الأحداث أن يكتشف الأسباب الخفية للتأخير المتعمد في “ساعة سيدر”.

ترى، هل يستهدف هذا التأخير حكومة سعد الحريري؟… خصوصاً وأن صاحب المعالي جبران باسيل قد أعلن، من الكورة، أنه لن يبقى في حكومة لا تأخذ بـ “أوراقه الإصلاحية”. فيكون بذلك آمراً قامعاً فيطاع… تلبية لكونه مأموراً تابعاً فيطيع.

أم تراه يستهدف وضع لبنان في مأزق إقتصادي، يشبه مآزق سوريا وإيران، مما يسهل تقديم الخدمات الملتفة على العقوبات الأميركية؟.

إذا كانت هذه هي الأسباب، فهي أسباب يستحيل إعلانها. ويستدعي تحقيقها تمويهاً إصلاحياً يحرف الإنتباه… ويجرف الحقائق.

ألا يبدو بوضوح أن ثمة ألسنة تتذرع بالإصلاح… وأن ثمة أذرعاً تعبث به؟.

ألا يبدو بوضوح أن ثمة شعارات تطلق لاستهلاك الإستقرار، وأن ثمة ممارسات تنفذ لإنتاج الفوضى؟.

يبدو أن عنترة هذا الزمان قد استبدل سيفه في مواجهة الأعداء، بخنجر يطعن به ظهر “الحلفاء”.

هنا تكبر مسؤولية اللبناني، الذي بات يتحتم عليه أن يقتنع، بأن كَرَمَ الدولة لم يعد كرْماً على درب. ففاكهته اليوم محرمة، وببساطة، لأنها غير موجودة… وعلى العسكري أن يعترف بأنه عندما دخل إلى الجيش، لم يكن هدفه التدبير رقم 3. لقد دخل وهو يعلم جيداً أن دوره على الحدود. وأن التدبير الذي يعطيه ثلاثة أضعاف حقه، هو تدبير أخذ في زمن البحبوحة وعطاءات الشهيد رفيق الحريري… ولم يحظ بمثله جيش من جيوش المنطقة، وإلا لشارفت مصر على الإفلاس قبل العبور. ومثلها سوريا قبل حرب تشرين. ولكانت ميزانية العدو الإسرائيلي أقرب إلى ميزانية الصومال بسبب حروبها واعتداءاتها التي لا تتوقف.

أيها اللبناني… أينما كنت… كن لبنانياً وتحمل شك الإبرة وأنت تتبرع ببعض الدم… وهذا الكلام لمن “عنده دم”.

وليد الحسيني

إزدواجية الندم واللاندم

walidلا يمكن لعربي أن يندم على تأييد ثورة الخميني، التي أطاحت بشاه إيران حليف إسرائيل بأوامر أميركية.

والعربي نفسه، لا يمكنه إلا أن يندم على تأييده ثورة الخميني، بعد أن أطاحت باستقرار المنطقة. وأشعلت نزاعاً شيعياً سنياً، كانت نيرانه قد أنطفأت بمرور الزمن.

ويستمر هذا العربي في تعامله مع إيران بإزدواجية الندم واللاندم.

فهو إذ لا يندم على اعتزازه بتأسيس طهران لجيش إسلامي قاهر، فإنه سرعان ما يندم، عندما يكتشف أن جيشها القاهر لم يقهر غير السوريين، بدفعهم إلى هجرات قسرية خارج سوريا، أو إلى النزوح داخلها، من أرض مرعبة إلى أرض أقل رعباً.

وهو لا يندم على الإشادة بدعم إيران لغزة المحاصرة. إلا أنه يندم لاحقاً، حين يجد أن الدعم رافقه نفخ إنفصالي، شجع حماس على فصل القطاع عن الضفة. وبذلك تكون طهران قد تسببت بشرخ فلسطيني لا يلتئم.

وهو لا يندم على مباركته إقامة إيران علاقات “أخوية” مع العراق، لولا أن الندم سيطر على العراقيين، بعد أن جرّعتهم الميليشيات الفارسية، كأس السم التي جرّعها صدام حسين للإمام الخميني في حرب عودة أمجاد القادسية. وبنجاح ميليشيات الحشد الشعبي في إلحاق مجموعات كبيرة من الشيعة بـ “قم”، نجحت إيران بالسيطرة على مقدرات العراق وقدره.

وهو طبعاً، وبالتأكيد، لن يندم على إمتنانه لدور إيران في دعم حزب الله في حرب تموز، غير أن اللبنانيين عانوا، بعد حين، من استمرار تدفق المال والسلاح لحزب الله، مما تسبب بإقامة دولتين: دولة حاكمة في بعبدا… ودولة متحكمة بدولة بعبدا.

وهذا العربي، الذي يحمل أثقالاً تاريخية من عداء أميركا وإسرائيل له، لن يتردد في ترديد شعارات خامنئي المطالبة بالموت لأميركا… والموت لإسرائيل. وعملاً بتلازم الندم واللاندم في مواجهة السياسات الإيرانية، فلا مفر له من الندم بتحول صرخة الموت التي لم تقتل أميركياً ولا إسرائيلياً، بل تحولت إلى فعل “الموت للعرب” بأسلحة وميليشيات إيرانية، تعبث في أكثر البلاد العربية، سواء في بلد بسطت عليه يدها… أو في بلد مدت إليه أصابعها.

وكأن إيران لا تكفيها صناعة الزلازل في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. فها هي اليوم تعرض المنطقة، بدولها وشعوبها، إلى زلزال، يعجز مقياس ريختر، عن قياسه.

لا شك أن أميركا يحكمها اليوم رئيس لا يطيق الدبلوماسية. ومصاب بهلوسة العظمة والجبروت والإبتزاز.

ولا شك أن إيران يحكمها من يتشبه بترامب. أي أن الشرق الأوسط يعيش اليوم صراع الهلوسات العظمى.

لكن ثمة فوارق بين هلوسة تمتلك الإمكانات… وهلوسة تمتلك أوهام الصواريخ المدمرة وغرور الحرس الثوري.

إنها حرب إذا وقعت، لن تجد إيران حليفاً لها. فهي حرب ستشعل أسواق النفط، الذي تحتاجه الصين. وتحتاج معه إلى تهدئة، ولو أدت إلى إجتياح أميركا لإيران.

وهي حرب ستفرض على بوتين الحياد. فالتدخل فيها لا يشبه التدخل في سوريا أو في جزيرة القرم. إنه دخول إلى حرب عالمية لن ترتكب روسيا بالتأكيد حماقة اشتعالها.

هي حرب، لن تتجاوز الإستعراض العسكري، ومع ذلك، فإن إيران ستدفع ثمنها كما لو أنها حرب فعلية. فكل الحقائق الميدانية تشير إلى أن ترامب سيحقق نصراً بلا حرب.

إذاً على إيران ان تنقذ نفسها بالعودة إلى حجمها الطبيعي… فالبالونات التي نبالغ بنفخها ستنفجر في النهاية بوجه نافخها.

وليد الحسيني