صياح الديكة

walidأين الحقيقة؟.

تسمع باسيل، فتتهم جعجع. وتسمع جعجع، فتدين باسيل.

تشاهد أخبار تلفزيون “المنار”، فتظن أن الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني يحاصر “البنتاغون”. وتشاهد أخبار تلفزيون الـ “إم.تي.في”، فتحزن على وضع الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي قد تفرض عليه العقوبات الأميركية، بيع آخر سجادة عجمية في قصره الرئاسي، لإطعام شعبه.

تقرأ تصريحات وزير الإقتصاد منصور بطيش، فتترحم على الليرة اللبنانية. وتقرأ تصريحات حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، فتعتقد، إلى حد اليقين، أن متانة العملة الوطنية، جعلتها عملة تنافس بثقة عالية الدولار واليورو معاً.

تتابع بقلق إتهام أهل السياسة باخضاع القضاء لتعليماتهم. وتفاجأ بالقاضي بيتر جرمانوس، يخضع الأجهزة الأمنية كافة لتعلمياته هو، متجاوزاً بسلطاته، كل السلطات الأخرى، السياسية منها والرسمية… والدينية.

تشعر بأن طبلتي أذنيك، قد تثقبا من دوي طبول الحرب على الفساد، وتبحث في سجلات النيابات العامة، فلا تجد إسماً “عليه القيمة” يقيم في سجن روميه.

تستبشر بمواسم سياحية، ستحسدك عليها سويسرا، ويجد السائح نفسه طريدة يسهل اصطيادها، من ساعة الوصول إلى ساعة المغادرة، سواء عبر إحتكار “تكسي المطار” للزبائن أو عبر فواتير الفنادق والمطاعم والملاهي الليلية… والمستشفيات.

وتغمر اللبناني السعادة، لسماعه غزلاً سياسياً في التعايش والوحدة الوطنية، لم يبلغه نزار قباني في غزله النسائي. ويغمره الحزن وهو يسمع حفلات الهجاء السياسي، تشغل وتشعل مواقع التواصل الإجتماعي، وأعمدة الصحف، وحوارات الإذاعات والتلفزة.

بعد كل ما سبق ذكره، وما نسيت الذاكرة أن تذكره، نطرح السؤال مجدداً، أين الحقيقة؟.

رغم كل ما يبدو من تناقضات بين الفعل وضده، فإن الحقيقة، للأسف، هي في الجانب السلبي، حيث أن الإيجابي منها، مجرد ألوان زائفة، تحاول تزيين الواقع القبيح.

وكما يقال بأن المعدة بيت الداء، يمكن القول، بلا مبالغة، بأن فساد الكلام السياسي، هو بيت الفساد، بكل أصنافه وأنواعه.

فمن فساد القول أن يهاجم المسؤول الهدر وهو الهادر الأول. وأن لا يسمح لنفسه الإدلاء بتصريح يخلو من الحرص على وحدة اللبنانيين، وفي التصريح نفسه، يغمز، تلميحاً أو تصريحاً، بخصمه اللدود. فهو لا يجد، اشد عداوة له، من الذي يخالفه الرأي والموقف، وينافسه في المصالح واقتناص الفرص.

إذاً، نحن في زمن ينطبق عليه ما قاله المتنبي عن زمانه:

قد أُفسدَ القولُ حتى أُحمد الصممُ

هذه هي الحقيقة، التي نتقاذفها بين أقوال لا نفعلها وأفعال لا نقولها.

أخيراً، نصيحة لسعد الحريري، نعلم مسبقاً أنه لن يأخذ بها:

توقف عن الشرب من نهر الإعتدال لتتجنب الخسائر… واشرب مثلهم من نهر الجنون والتطرف، لتشاركهم الأرباح… والصياح، كالديكة فوق مزابل الـ 18 طائفة… أو الـ 19 إذا أضفنا مزبلة المجتمع المدني.

وليد الحسيني

Advertisements

قانون “أبو النواس”

… وكأن الشاعر العباسي “أبو النواس”، قد أصبح مصدراً من مصادر التشريع اللبناني. فهو الذي شرّع قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”. وهذا تماماً ما يفعله لبنان.

يداوي داء الفساد بمزيد من الفساد. ويداوwalidي داء الطائفية بمزيد من الطائفية.

في الفساد:

يحارب التضخم الوظيفي، الفائض عن الحاجة، بتوظيف الأتباع، ممن لا حاجة للدولة بهم.

يكافح الرشوة بمطاردة الموظف المحتاج والجوعان و”الكحيان”، ويترك أبواب صفقات مشاريع المليارات مستباحة، بعمولاتها الكبيرة، لكبار السماسرة والنافذين.

يهدم غرفة في بيت متواضع، بُنيت لحاجة عائلية، لأن رب البيت لم يدفع رسوماً للبلدية والدوائر العقارية، ويغض النظر، إلى حد العمى الكامل، عمن أشاد منتجعات سياحية، ضخمة وفخمة، على شواطئ لا يملكها. ومازال يشيد المزيد، وينهش المزيد من أراضي البر والبحر.

يحل مشكلة استنزاف شركة الكهرباء، لأكثر من ثلث الخزينة العامة، باستنزاف الوقت ما بين الحل الدائم والمؤقت. ففي المؤقت سيرتفع منسوب العمولات في البواخر والمناقصات. وفي الدائم ستتراكم الأرباح الفلكية لمحتكري استيراد المازوت… وقريباً الغاز.

في الطائفية:

بداية يعتز لبنان بطوائفه ويعتبرها مفخرة تتفوق على كل المفاخر. فهي التي جعلت منه بلد “التعددية”. وحفاظاً على هذه الميزة الإلهية، تم تقسيم وتقاسم الوظائف والمناصب والمؤسسات والسلطات بين الطوائف. وتم للبنانيين التغني بالصيغة اللبنانية الفريدة.

وبناء على هذا البناء الطائفي، قلّما نجد مسيحياً ينتسب إلى أحزاب مختلطة. فالبلد يعج بأحزاب لا يدخلها إلاّ من آمن بالرب يسوع.

هناك القوات اللبنانية. ومن يشك بنقاء مسيحية سمير جعجع، بسبب علاقته بسعد الحريري، باستطاعته الذهاب إلى الكتائب، حيث لا صوت يعلو على أصوات أجراس الكنائس. أما من أخذته مسيحيته إلى التشدد، ومصالحه إلى النفوذ، فسيختار، بلا تردد، الإنتساب إلى التيار الوطني الحر. وفي حال فقد المسيحي التائه قدرة الصبر على جبران باسيل، فحزب المردة يفتح له صالات الشرف.

أما المسيحي الذي يتمسك بالتراث، ويحن إلى الزمن الحزبي الجميل، فليطرق أبواب حزب الوطنيين الأحرار، أو الكتلة الوطنية، مطمئناً بذلك على ماضيه العريق.

وعملاً بقانون “أبو النواس” في الطائفة الإسلامية، يلتزم الشيعي بالانتماء إلى حركة أمل أو حزب الله. وإذا تجرأ، وانتمى إلى غيرهما، فسوف يتهم بخيانة دم الحسين.

وخيارات السني، لا تختلف عن الشيعي، الشريك اللدود في الإسلام، فهو مثله أمام خيارين، أحلاهما مر، أي الإنضمام إلى الأحباش أو الجماعة الإسلامية. أما إذا سار في طريق ثالث، فسيقع في المعصية، وينزل عليه غضب الله ورسوله.

والثنائية نفسها تنسحب على المسلم الدرزي. فهو إما في حزب المير طلال أرسلان، أو في حزب وئام وهاب. على اعتبار أن حزب وليد جنبلاط متورط تارخياً بالإختلاط، بسبب إصرار الأب المؤسس كمال جنبلاط، على ضم المسيحي والسني والشيعي. وبذلك يكون الإنتساب إلى الحزب التقدمي الإشتراكي سبباً في أن يفقد الدرزي بوصلة “التوحيد”.

تبقى الأحزاب المختلطة، الخارجة عن الملة. وإذا كان تيار المستقبل والحزب التقدمي أكبرها، فإن الضرورة قد تشدهما احياناً إلى المذهبية، لشد حبال دورهما في الدولة اللبنانية.

أما البقية الباقية من المختلط، كالشيوعي والقومي، فمازالا يغوصان في الإيديولوجيا المنقرضة، في بلد رست فيه الإيديولوجيات الحيّة على اقتناص الفرص.

أخيراً من المفيد التنبيه إلى أن قانون “وداوها بالتي كانت هي الداء”، قد شرّعه “أبو النواس” في باب الخمرة والسكر… وللأسف لا شيء يُسكر اللبناني ودولته مثل خمرة الفساد والطائفية. ولهذا لن يحاول أحد خرق “القانون النواسي” الصامد دون غيره من القوانين المضادة لفساد لا يحكمه القانون ولطائفية لا تعترف بالدستور.

وليد الحسيني

هل يتحول لبنان إلى صندوق إنتخابي؟

walidيبدو أن عدداً، لا بأس به، من السياسيين والمحللين الإستراتيجيين قد تخرجوا من مدرسة التهيؤات لصاحبتها ليلى عبد اللطيف.

على طريقتها، أكدوا أن هجوم بومبيو الناري على حزب الله، كان فقط لخدمة نتنياهو انتخابياً.

وعلى طريقتها أيضاً، إعتبروا تنازل الرئيس ترامب لإسرائيل عن الجولان، “الذي ورثه عن أجداده”، هو الآخر مجرد إنتشال لصديقه نتنياهو من هزيمة متوقعة في الإنتخابات الإسرائيلية.

إذا صدق تلامذة ليلى عبد اللطيف بتحليلهم هذا عن أسباب هجوم بومبيو وتنازل ترامب، فعليهم أن يصدّقوا، ومن باب أولى، بأن الرئيس الأميركي لن يتوانى عن اللجوء إلى إجراءات، أشد فظاعة، لخدمة نفسه، عندما يقترب موعد انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة.

إنطلاقاً من هذه التحليلات، يترتب علينا أن نتوقع المزيد من القرارات الأميركية المجحفة، وبالذات بعد أن ثبت، بالوجه القطعي، أن ترامب تفوق على المجانين في ارتكاب الأفعال المجنونة.

لقد سبق لهذا “الحاتم الطائي” أن منح القدس ووهب الجولان لإسرائيل، طمعاً بدعم إنتخابي من اللوبي اليهودي الأميركي. ويجهل العالمون بأسرار البيت الأبيض ما يمكن أن يحفر لنا من حفر، وما يحضر لنا من قرارات شريرة. إذ لا شيء يرفع من شعبيته أميركياً أكثر من إذلالنا ونهش أراضينا ومقدساتنا.

هذه السياسة الترامبية، تحظى، بالتأكيد، برضى الحزب الجمهوري الحاكم، ولا تغضب الحزب الديمقراطي المعارض. ولو أن “الزغردة” عادة أميركية، لزغرد الأميركيون إحتفالاً بإثارة النعرات المذهبية والأزمات الإقتصادية على امتداد الوطن العربي.

على ضوء ما تضمره أميركا للمنطقة، لن نستهزئ بالتهديدات، التي أطلقها وزير خارجية الولايات المتحدة من قصر بسترس، ولن نعتبرها، كما اعتبرها محللو محور الممانعة، مجرد قنابل دخانية، اندثرت آثارها لحظة استخف بها عون وبري وباسيل. فما قيل وقرر من أجل انتخابات نتنياهو، لا بد أن يقال ويقرر أكثر منه بكثير من أجل انتخابات ترامب.

لا شك في أن الآتي أعظم. ولا شك في أن طرح الرئيس عون فكرة “المقاومة الإقتصادية” سيسرّع في توسيع دائرة العقوبات الأميركية، لتشمل مع حزب الله الموالين له. وهذا يعني أن العقوبات، كما يتردد في واشنطن، قد تطال شخصيات سياسية ومصارف ومؤسسات رسمية… وكل ما ومن يقع في دائرة الظن والشك الأميركيين.

على لبنان أن يدرك أنه لا يشكل رقماً في حسابات ترامب. وأن استقراره الاقتصادي، وحتى الأمني، لا يقلقه ولا يعنيه. وأنه لن يتردد في نفخ الرماد، الذي يغطي نيران لبنان المذهبية، وأوضاعه المالية، المهددة هي الأخرى بالإشتعال.

إذاً بومبيو، لم يطلق إنذاراً في الهواء. ما قاله كان تهديداً جدياً، ونذيراً بعاصفة من نار، عندما تهب، لن تجد من يقدر على إطفائها.

من الطبيعي أن يتعطل دور الرئيس بري، كبير رجال الإطفاء السياسي، إذا امتدت يد العقوبات إلى بعض رجاله ومؤسساته.

ومن الطبيعي كذلك، أن يتعطل دور إطفائي الإعتدال الرئيس سعد الحريري، إذا قطع حزب الله وحلفاؤه المياه، التي يحتاجها لإخماد حرائق دونالد ترامب، الذي قد يتعامل مع لبنان على طريقة القول اللبناني الشائع: أنا أعمى ما بشوف… أنا ضرّاب السيوف.

أسوأ ما نخشاه، أن يتحول لبنان فعلاً إلى صندوق إنتخابي ذهبي في انتخابات نتنياهو وترامب!!.

وليد الحسيني

“ميليشات” معراب وبيت الوسط

walidما قاله جبران باسيل عن إجباره على قبول الوزارة، لم يقله أحد قبله، ولن يكرره أحد بعده.

قول لا يسقط بمرور الزمن من تاريخ “الكوميديا السياسية”. ولهذا لا غرابة إذا تناولناه… ولو بعد حين.

هو كلام لم يرد على لسان أي سياسي، لا في مقام الهزل، ولا على محمل الجد. إنه خارج المألوف. وهو ظاهرة، إذا صدقت، فهي لا تصدق إلا على النسّاك والقديسين.

لكن اللبناني، الشكّاك بطبعه، والذي لا يثق بكلام أهل السياسة، تعامل مع “التعفف الباسيلي” بكثير من التهكم.

يبدو أن الوزير الطموح قد بالغ بجنوحه نحو “الخيال الشعبوي”. بحيث يستحيل تفسير الزهد الوزاري من غير الإستعانة بخرافة “ملائكة الأرض”.

إذاً، في مواجهة خيال “الملاك الأرضي” جبران باسيل، لا مفرّ من اللجوء إلى “سيناريو متخيّل”، في محاولة عقلانية لحل لغز الزهد الأسطوري المفاجئ. فأن يجبر جبران، ويساق مقهوراً إلى “قصر بسترس”، فهذا يعني أن قوة خفية قامت بخطفه ونقله عنوة إلى مقر وزارة الخارجية.

بما أن حزبه البرتقالي لا يمكن أن يرتكب هذه الجريمة بحق رئيسه، وبما أن حلفاء “التفاهم والممانعة” لم يسجل في تاريخهم أبداً ممارسة العنف، لا يبقى أمام “السيناريو المتخيّل” سوى فرضية تحميل ميليشيات “معراب” و”بيت الوسط” مسؤولية خطف الرجل وتوزيره رغم أنفه.

أما وقد حدث ما حدث، وإلى أن يقوم “محور الممانعة” بتحرير سجين “قصر بسترس”، فإن جبران، شاء أو أبى، هو اليوم وزير خارجية لبنان. وهو فوق ذلك قائد سلاح الدبلوماسية في مقاومة التآمر الأميركي. فشياطين واشنطن تفرض عقوبات على حزب الله. وتمنع النازحين السوريين من النزوح عن لبنان.

لكن القائد الباسيلي خيّب آمال محور الممانعة، برفعه الرايات البيضاء، في أول حرب مع أميركا تندلع في عقر داره في الأشرفية.

صحيح أنه إستبق وزير خارجية أميركا وقصفه بمواقف بطولية، أسكرت أقرب الحلفاء وأبعدهم، إلا أنه لم يشهر سيفه المقاوم، عندما تفرعن بومبيو، في المؤتمر الصحفي المشترك، وهاجم حزب الله وإيران بأشنع الألفاظ، ووصفهما بأبشع الصفات. مسجلاً بذلك أعنف حملة قدح وذم وهجاء في تاريخ الخروقات الدبلوماسية.

اختتم المؤتمر، وجرت بين المضيف اللبناني والضيف الأميركي مصافحة حارة رافقتها إبتسامة عريضة.

أي مرّ كلام بومبيو المنفعل ببرود لبناني مفتعل. والبرودة امتدت إلى الشارع الذي انفعل يوماً على شربل خليل واتهمه بالإساءة إلى “السيد”.

والمذهل أيضاً أن بومبيو الذي قال كلمته ومشى، لم يخاطبه أحد من شخصيات حزب الله بالقول المأثور: طهر نيعك.

إنها أميركا… يخافون من قراراتها… ويخيفونها بهتافاتهم.

بالأمس سافر بومبيو.

غداً يبدأ الرد وتقرع طبول الغضب وتزدحم الشاشات بالمحللين والإستراتيجيين والكلمنجية… لكن، للأسف، غادرنا بومبيو وأخذ أذنيه معه.

وليد الحسيني

“ما فيش فايدة”

walidمن كل خطب وكلمات الزعيم سعد زغلول، كانت كلمته “ما فيش فايدة” هي الباقية في ذاكرة الناس، لأنها الكلمة الأصح والأصلح لذلك الزمن المصري، ولهذا الزمن العربي… وربما لأزمان مقبلة.

لبنانياً: “ما فيش فايدة” أن يتخلى اللبناني عن أن يحب لأخيه ما يحبه لعدوه. و”ما فيش فايدة” في الإنتصار على الفساد، لأن لا أحد يستطيع الإنتصار على شعبه. و”ما فيش فايدة” في القضاء على المذهبية طالما أنها تبيض ذهباً. و”ما فيش فايدة” في التخلص من النفايات في الشوارع، إذا لم يتم التخلص منها في الدولة وفي أهل السياسة. و”ما فيش فايدة” في إيقاف الهدر، وحكوماتنا تنفق كأنها تملك ثروة السعودية، في حين أن مداخيلها توازي مداخيل الصومال.

عراقياً: “ما فيش فايدة”، فكأس السم التي تجرعها الخميني في الحرب مع العراق، يردها خامنئي للعراقيين بتجريعهم كؤوس الحنظل. و”ما فيش فايدة” في أن يتوقف الحشد الشعبي عن حشد همجيته في مناطق السنة، ليوقظ الفتنة النائمة منذ أكثر من ألف عام. “ما فيش فايدة” في استعادة السيادة، في ظل الوجود العسكري الأميركي والنفوذ الشعبي الإيراني. و”ما فيش فايدة” في أن تعود المياه إلى مجاريها في دجلة والفرات وشط العرب، بعد أن شفطت، السدود التركية والحفريات الإيرانية، مصادر الحياة، التي جعل الله منها كل شيء حي.

مصرياً: “ما فيش فايدة” وقد ألهاهم التكاثر السكاني عن التكاثر الإنمائي.

سورياً: “ما فيش فايدة” في خروج الميليشيات. و”ما فيش فايدة” في إعادة الإعمار. و”ما فيش فايدة” في النصر الكامل على الإرهاب، ولا في الهزيمة الكاملة للإرهابيين.

فلسطينياً: “ما فيش فايدة” في التحرير، وقد دفنت منظمة التحرير الكفاح المسلح في ثلوج أوسلو. و”ما فيش فايدة” في توحيد البندقية الفلسطينية، منذ أن اعتنقت “حماس”، عبر جناحها المسلح “كتائب القسّام”، إستراتيجية الإنقسام.

يمنياً: “ما فيش فايدة” في الوصول إلى صنعاء مهما طال السفر. و”ما فيش فايدة” في أن يعود الحوثيون إلى إنتمائهم اليمني، بعد أن عمّدوا إيرانيتهم بالدم. و”ما فيش فايدة” في أن يحصل اليمنيون على كفاف يومهم من الخبز… والقات.

ليبياً: “ما فيش فايدة” بانقضاء شهر فبراير، الذي تسبب بالنكبة. فرغم أنه أقصر أشهر السنة، إلا أنه أطولها ليبياً، فهو ممتد منذ 8 سنوات. و”ما فيش فايدة” في أن يحل قريباً عن ظهر ليبيا، التي تحولت إلى فاقة بعد غنى، وإلى ذل بعد عز.

عربياً: كي لا يطول السرد ما بين المحيط والخليج، نقول باختصار: كما في البدء كانت الكلمة… ففي النهاية لا كلمة تعلو عربياً على كلمة سعد زغلول “ما فيش فايدة”.

وليد الحسيني

وماذا عن “الفساد الأكبر”؟

walidفي زمن سينما “الأبيض والأسود”، كان التنافس شديداً بين محمود المليجي وفريد شوقي على لقب “وحش الشاشة”.

أما في زمن الألوان و”التلون”، فيتنافس على لقب “وحش الإصلاح” أكثر من حزب لبناني.

وكما كان تنافس المليجي وشوقي مجرد تمثيل بهدف التشويق والإثارة والتسلية، فإن تنافس “وحوش الإصلاح” هو تمثيل أيضاً، وإنما بهدف إبعاد الشبهة عن الـ “أنا” وإلصاقها بالـ “هو”. فالكل يرمي الآخر بحجارة الفساد، ليبعدها عن بيته الزجاجي.

والمستهجن أن الفساد قد عم وانتشر، وأصبح كالهوية اللبنانية، من حق الجميع أن يحملها. كما لو أن الشريف في لبنان هو شريف فقط لأن الفرصة لم تأته بعد.

والمستغرب أن أغلب رجال السياسة يزعمون أن وباء الفساد لم يصل إلى جيوبهم الطاهرة، وجميعهم يؤكد أنه من سلالة “شريف مكة”. ولكونهم من “أشرف الناس” يخوضون حرب “الإصلاح والتغيير”، ويقدمون “الوعد الصادق” بقطع رقاب “الشافطين” للمال العام.

وفات قسم كبير من شرفاء مكة وضواحيها، أن “الشفط” لا يقتصر على الأموال التي دخلت إلى خزينة الدولة، إذ ثمة “شفاطات” تقطع الطريق على المال العام، قبل أن يذهب إلى الخزينة.

وعملاً بفضيلة عدم التسمية، لا بد من الإمتناع عن تسمية “قطاع الطرق” هؤلاء… وترك أمر التسميات للقضاء… هذا إذا سمح له القدر بذلك.

ومن هنا يحق سؤال قادة الجهاد ضد الفساد: لماذا تتجاهلون “الفساد الأكبر”؟.

لقد اشتعلت البلاد وانشغلت بصخب الحديث عن “الفساد الأصغر”، المتمثل بالسؤال عن مصير الأحد عشر مليار دولار، التي يشتبه بأنها هدرت وسرقت. وهي شبهة يمكن إثباتها أو نفيها، لأن الفساد ترك وراءه آلاف الوثائق، التي توفر للقضاء إمكانية التدقيق، ومن ثم، الحكم بالبراءة أو الإدانة.

أما “الفساد الأكبر”، فهوالفساد الآمن الذي لا يترك خلفه أدلة وبصمات.

وللتوضيح:

يقول تقرير موثق، وموثوق دولياً، أصدره بنك عودة، أن ثمة خمسة مليارات دولار تضيع على خزينة الدولة سنوياً. ويذكر التقرير أنها عائدات لبضائع يتم تهريبها من المنافذ البرية والبحرية والجوية… و”على عينك يا جمرك”.

وإذا عدنا بالزمن إلى زمن النفوذ على “المنافذ”، سنجد أن أحدهم استولى على أكثر من خمسين مليار دولار، على مدار سنوات الهيمنة في البر والبحر والجو.

هذا المبلغ يعادل أكثر من نصف الدين العام، الذي يثقل كاهل لبنان. وهو أقل بقليل من خمسة أضعاف الأحد عشر ملياراً، التي تنصب لها الشباك وتخاض من أجلها المعارك.

إنه “الفساد الأكبر”. لكنه الفساد غير المرئي. فما تنقله الشاحنات من هذه المستودعات أو تلك، ينقل من دون أن يترك أثراً يدين الفاعل أو يدل عليه.

ولأنه فساد بلا بصمات، فمن السهل إتهامه بالإشاعات المغرضة والكاذبة والحاقدة… وليشرب ماء البحر ديوان المحاسبة، ومعه وزارة المال، ومعهما النيابة العامة المالية.

ومن لا يشرب ماء البحر… فليبلطه.

وليد الحسيني

في حرب الفساد: أيها الطبيب طبّب نفسك

walidتتراكم المشاكل فوق لبنان، تماماً كما يتراكم الذباب فوق المزابل.

حيث ينظر اللبناني يجدها حوله. فهي تتسكع في كل مؤسسات الدولة. وتتسلل إلى بيوت اللبنانيين بلا إستثناء. وتنفخ في نارها المذهبيات بلا رحمة. وتتفرج عليها القيادات بلا مسؤولية.

هذا هو لبنان، الذي تزلزل الأرض فيه زلزالها. وتخرج من باطنها أثقالها. ولا يسأل أحد ما لها؟.

ترى من أي المشاكل نبدأ، وكلها ينافس كلها؟.

بعشوائية، سنتناول ما تيسر من مشكلات، وما تجذر من خلافات.

وقبل استعراض ما هو متاح للعرض، لا بد من التنبيه إلى أن “فريق الممانعة”، ومنذ زمن، بدأ باختراع “العرف” في حربه ضد “الطائف”. وما أن يخترع عرفاً، حتى يفاجئنا باستيلاد عرف جديد. إلى أن كادت البلاد تحكم بالأعراف. وإلى أن أصبح الدستور في ذيل مصادر التشريع.

آخر عرف مستحدث كان عندما خبط الرئيس بكفه، فاهتزت طاولة مجلس الوزراء، وطارت أهم أوراق الطائف. وهي الورقة التي تحصر القرارات الكبرى بيد الحكومة مجتمعة.

يومها إحتج سعد الحريري باللجوء إلى “الصمت الصارخ”. مفضلاً، بدافع الحرص على البلد، معالجة تجاوز الصلاحيات في اجتماعات مغلقة. فكانت له العودة عن “الغضب الرئاسي”، وبالتالي، العودة إلى شرعية الطائف وأحكامه.

والسؤال: هل هي عودة نهائية إلى الأصل… أم أن “عرف الخبيط” سيعود إلى بدعة الأعراف في ذات يوم… وفي ذات أزمة؟.

وفي مسلسل المشاكل، برز إنقسام اللبنانيين حول ركوب “سفينة نوح الإيرانية”.

فريق يؤمن بما تحمله سفينة المعجزات من حلول لمشاكلنا المستعصية. فهي تحمل صواريخاً للجيش، ستردع العدو وتمنع خروقاته الشبه يومية. وهي تحمل أدوية يستطيع الفقير شراءها من دون إذلال على أبواب الضمان أو وزارة الصحة. وهي تحمل أيضاً مواد وآليات تشق الطرق والأنفاق وتبني الجسور… وتقضي بذلك على أزمات السير المزمنة. والأهم أنها تحمل محطات كهربائية عملاقة، تنقذ لبنان بكامله من العتمة وشبيحة المولدات.

فريق آخر سأل ببراءة: لماذا لا تفرّغ “سفينة نوح الإيرانية” حمولتها السخية في إيران نفسها؟. أليس “جحا أولى بلحم ثوره”؟. هذا إذا كان هناك فعلاً ثور يكفي لحمه الشعب الإيراني، الذي يعاني أكثر مما نعاني؟.

ويعتب هذا الفريق على الحكومة اللبنانية، التي رفضت الهبات المقدس سرها. ويسأل ببراءة أيضاً: لماذا لم “تلحق بإيران لباب الدار”؟. فالحكومة، بامتناعها عن قبول الكرم الإيراني المتدفق، تكون قد منحت إيران دعاية مجانية لفعل، كل الظن واليقين، أنها لن تفعله.

ونختار، من “كوكتيل المشاكل اللبنانية، مشكلة “النزوح السوري”. حيث “فريق الممانعة” يزعم، مؤكداً وواثقاً، أن حلم النازحين السوريين هو الحصول على “مرقد عنزة” في بلد ترقد فيه العنصرية والأحقاد.

يفوت فريق الدعوة إلى العودة القسرية والجماعية، أن السوري الذي يبحث عن جنسية تحترم إنسانيته، نزح إلى أوروبا وكندا. أما من اختار لبنان، فقد اختاره لأنه أقصر طرق العودة إلى المنزل والوطن. مما يعني أن “التوطين” كذبة تتفوق على كل الأكاذيب الرائجة.

أما أم المشاكل، الزاحفة حثيثاً نحو الفتنة المذهبية، فتتمثل بتصدر “حزب الله” مواقع الحرب على الفساد.

إنتحل صفة “المايسترو” في فرقة عزف “سمفونية” الإبراء المستحيل. وهو الذي يستحيل إبراءه من هدر المال العام.

نتذكر أنه في عام 2006 استدرج عرضاً للبطولة. وفاز يومها فعلاً بالميدالية الذهبية، عندما قهر الجيش الذي لا يقهر. لكنه لم يفز بقهره في مزارع شبعا. وبالتالي، فإن مليارات الدولارات، التي هدرت في تدمير البنية والأبنية، والتي رافقها استشهاد مئات الأبرياء، تكون قد ضاعت بلا جدوى وطنية.

وها هو الحزب يعيد تشغيل اسطوانة الإحدى عشر ملياراً. ويقول أنها تبخرت ما بين الهدر والنهب. لكنه، وهو الحزب الشجاع، تنقصه شجاعة الإعتراف بتعطيل طرق الصرف العادية، عندما حاصر مبنى الحكومة، وأغلق مجلس النواب، وساهم بذلك بعدم إقرار الموازنات، التي تحدد الإعتمادات وتعتمد أصول الصرف والإنفاق.

ولأن الدولة لا تملك خياراً غير الاستمرار بدورها وواجباتها، فقد اضطرت الحكومة إلى التصرف، فكان الصرف قانونياً، حتى ولو تجاوز القانون، بتجاوز أعباء الإنفاق القاعدة الإثني عشرية.

ويفوت “حزب الله” فتح ملف سرقات أضعاف الإحدى عشر ملياراً. هي مجموع ما سلب من عائدات جمركية وما هرب من بضائع عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، التي جميعها تخضع لقوة تحاول أن تبقى مجهولة.

أما الهبات التي وضعت في حسابات هيئة الإغاثة، لا في حسابات وزارة المال، فذلك يعود لأن الواهب دفعها لأهداف إنسانية، لا لتنفق في أنفاق وزواريب المالية العامة.

ولأن الشيء بالشيء يذكر. فإن الهبات التي تلقاها “حزب الله” بعد حرب تموز، ويفوق حجمها مرات ومرات ما تلقته هيئة الإغاثة، التي وزعت ما ملكت صناديقها الهزيلة، بلا انحياز لمنطقة، وبلا تفضيل لمذهب. في حين أن هبات ما ملكت ايمانكم وزعت بين ناس السمنة والزيت… وسطح الصيف والشتاء.

أليس هذا وذاك فساد يقوم على شراء الولاءات وإذكاء المذهبيات؟.

أما وقد قرر “حزب الله” أن يكون الطبيب الوحيد في حملة اللقاح ضد الفساد، فمن حق اللبناني أن يستعيد القول المعروف: أيها الطبيب طبّب نفسك.

وليد الحسيني