قانون بلا أخلاق

walidفي إمتحاناتنا المدرسية، أيام زمان، كانت أسئلة بعض المواد تبدأ بعبارة: إملأ الفراغات التالية بالكلمات المناسبة.

الإمتحان نفسه تتعرض له اليوم الزعامات اللبنانية، التي عليها أن تملأ فراغات لوائحها بالأسماء “المناسبة”.

لكن “المناسِبة” هنا مجرّد كلمة إفتراضية ، كثيراً ما يتم تجاهلها. لأن زعاماتنا “المبجّلة” تعرف جيداً أن اللبناني قد يتمعن ملياً في لوائح المطاعم، إلا أنه عند اختيار لائحته الإنتخابية، فإنه يختارها “على العمياني”، بحكم التبعية السياسية والمذهبية. أي أنه لا يدقق ولا يفكر. المهم أن تكون الأسماء “المناسبة” تناسب كبير القوم. فهي بالتأكيد مختارة بمعيار “السمع والطاعة”.

غير أن المشكلة ليست فقط في من تضمه القيادات العظمى إلى لوائحها، إنما في قانون النسبية، الذي نفخ الوهم في شخصيات تدخل المعركة الإنتخابية متكئة على شعبية وهمية.

أسماء مجهولة تدخل السباق. بعض أصحابها يظن أن “نضال النفايات” كفيل بوصوله إلى المقعد النيابي.

كل رصيد هؤلاء أكوام من “الزبالة”. خرجوا ضدها في احتجاجات موسمية.

بمعنى آخر، أننا لولا “الزبالة” لما شاهدنا وجوههم على شاشات التلفزة. ولما قرأنا أسماءهم في الصحف. ولما تكاثرت تنظيماتهم المدنية، كما يتكاثر الذباب فوق “المكبات العشوائية”.

مع ذلك فقد تحقق النسبية أحلام “المناضلين” الجدد بفوز ما في انتخابات هجينة على الديمقراطيات العريقة.

يضاف إلى ذلك، واجب إقرارنا بأن قانون النسبية بلا أخلاق. فهو يجبر جميع القيادات على الغش. ففي كل دائرة ستقوم تحالفات “من كل وادي عصا”. وكل تحالف سيواجه نفسه معدّلاً في دوائر أخرى. وبعد الفرز مباشرة، ستنتهي “رفقة” اللوائح الإنتخابية، لتبدأ “فرقة” الكتل النيابية.

وهو بلا أخلاق، لأنه داخل اللائحة نفسها ستنشب حروب الصوت التفضيلي. وسيعلو شعار “اللهم نفسي” على شعار اليد الواحدة. ولن يأمن مرشح من غدر أخيه في اللائحة.

للأسف، لم يزل لبنان بعيداً عن قانون لانتخابات بلا شوائب كثيرة … وبلا عيوب كبيرة.

قانون الستين، يمكن أن يوصف بقانون “الكبش” الذي يقود رتلاً من خرفان جداول الشطب. وعندما تم تعديله بقانون “غازي كنعان”، انتقل “الكبش” إلى عنجر، ليتولى وحيداً قيادة كل أرتال الخرفان الناخبة في كل لبنان.

ومع إنحراف المجتمع اللبناني نحو الطائفية والمذهبية، انتقلت سلطة هش الخرفان إلى عصا الدين والمذهب.

لم يتوقف “تطور” الديمقراطية اللبنانية عند هذا الحد المهين، فها نحن نقدم للعالم الديمقراطي قانوناً مبتكراً تشكل فيه النسبية حاضنة لتفقيس بعض النكرات … ولإقامة تحالفات كاذبة، تزدهر في ظلها صناعة خناجر الطعن في الظهر.

وبحزن شديد نقول: رحم الله قانون الستين فقد كان الأقل سوءاً … والأقل إساءة إلى الديمقراطية.

وليد الحسيني

Advertisements

في ذكراه … نتذكر

walidفي ستينيات القرن الماضي، جمعتنا جامعة بيروت العربية.

الزمان والمكان كانا للعروبة وجمال عبد الناصر.

هناك عرفت رفيق الحريري.

قومي عربي لا يتردد ولا يهدأ.

المسافة بيننا هامشية… وهي المسافة المتقاربة بين الناصري والقومي العربي.

وافترقنا لنلتقي مرة أخرى في جنيف ولوزان.

كان مثقلاً بهموم الحرب الأهلية اللبنانية. ومتحركاً بين فريقي المستحيل والمستحيل، بحثاً عن حل يعيد إلى لبنان وحدته وإنسانيته.

لم ينجح … لكنه لم يتراجع. وبقي يطارد المستحيلين إلى أن انتصر عليهما في الطائف.

رفع الركام … وأعاد إعمار البلد والأمل.

كان يعلم أنه بذلك يدخل دائرة الخطر والمخاطر.

كان يعلم أن البناء عدوّه الدمار. والحياة عدوّها الموت. والحب عدوّه الكراهية. والتسامح عدوّه الحقد. والإعتدال عدوّه التطرف. والضوء عدوّه العتمة.

مع ذلك، مارس البناء. وأسس للحياة. ودعا إلى الحب. وأدمن التسامح. وتمسّك بالإعتدال. وفتح نوافذ لبنان للشمس والضوء.

رسم بيروت عروساً. وأخرجها من وسط الركام، فإذا بها مدينة تضجّ بالنور والفرح والناس.

بقي لديه الكثير من الأحلام، قبل أن تستيقظ الكوابيس، ويلتم شمل الأعداء.

تضامن الدمار والموت والكراهية والحقد والتطرف والعتمة … وشكّلوا سوية متفجّرة هائلة كمنت لقلبه في قلب بيروت.

في لحظة إرهابية، أرهبت لبنان والمنطقة، تمزّق قلب رفيق الحريري … لكن بعد أن أودع نبضاته في قلب بيروت، لتستمر مدينته ومعشوقته بالحياة.

ليست مصادفة أن يقتلوه في يوم الحب. لقد تعمّدوا اغتيال الاثنين معاً.

يومها إعتقد الكثيرون أن لبنان يساق إلى العدم. إلا أن القضاء، الذي لا يُرَد، أراد الله اللطف به. وشيئاً فشيئاً، استعاد رفيق الحريري، رغم الغياب، حلمه بلبنان السيد الحر المستقل. واستعاد طريق البناء والإعتدال. فسعد الحريري، الذي أرغمته المأساة على دخول السياسة، إفتتح المدرسة نفسها.

ذات المنهج. وإن كانت الظروف أصعب والعقبات أكبر. فلبنان اليوم تتفوق فيه الغريزة المذهبية على سائر العرائز البشرية والحيوانية.

اليوم، يشكل اللبنانيون شعباً إفتراضياً. ويشكل التعصب الطائفي إلغاء للعقل، مما أدى إلى إلغاء التعقّل. وبذلك أصبح الإعتدال عبئاً على المعتدلين.

لقد سبب إعتدال سعد لسعد مشاكل محلية وخارجية، قبل بنتائجها سعياً منه إلى إيجاد لغة سياسية لبنانية واحدة، تحل محل اللغات السياسية المتنافرة والمتعددة … وجميعها ترجع إلى اللغة الأم، أي “لغة الشارع”.

إذاً، بسعد مازال رفيق الحريري هنا. وفي ذكراه الـ13 نتذكر أنه أراد أن يكون مسجد محمد الأمين مثواه الأخير. فكان المسجد آخر إعماره، وآخر جسر يبنيه بين بيروت والله.

وليد الحسيني

محدلة الأكثري في زمن النسبي

samer husseini

سامر الحسيني

لم تعد المعركة الانتخابية المقبلة مقتصرة على 128 مقعداً نيابياً. فلكل فريق حساباته وتحالفاته التي تتجاوز الخلافات التقليدية والمصالح الاقليمية، بحثاً عن أوزان استراتيجية تحكم لبنان في المرحلة المقبلة.

لا أحد يشكك في أن لـ”حزب الله” الوزن الراجح في ميزان السلطة المتجددة بعد تمديدين. فلعبة المقاعد وتوزيعها تبقى رهينة “ثنائيته” مع”حركة أمل”؛ و”ربط نزاعه” مع “تيار المستقبل”؛ و”وثيقة تفاهمه” مع “التيار الوطني الحر” التي تحصّن الجنرال ميشال عون و”ولي عهده” جبران باسيل في قصر بعبدا.

إنها تفاهمات وتحالفات الضرورة، التي تحقق المكاسب وتحافظ على المكتسبات.

فبينما ينشغل اللبنانيون في فك ألغاز القانون النسبي واحتساب الحاصل الانتخابي والأصوات التفضيلية في كل دائرة، نرى اللاعبين الخمسة الكبار يدوّرون الزوايا ويردمون “خنادقهم الآذارية”، بحثاً عن انتصارات تعوّض خسائرهم العسكرية والمالية والسياسية.

فـ”حزب الله” المنهك من حروبه الاقليمية يريد عودة هادئة لفائض قوته لا تصطدم أو تستفز شركائه في الوطن.

و”تيار المستقبل” المتألم من طعنات حلفاء الداخل والخارج، يضمد جراحه بمزيد من الاعتدال والنأي بالنفس.

و”حركة أمل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” و”التيار الوطني الحر” يدركون جيداً أن وحدها التفاهمات الداخلية تجنب لبنان دفع ثمن التسويات الاقليمية الكبرى في المنطقة.

وإذا كان القانون النسبي يفرض على الناخب اللبناني الاقتراع للوائح مغلقة، فإن النتيجة السياسية للانتخابات تحددها التفاهمات والتحالفات المفتوحة على أكثر من اتجاه.

في انتخابات 2018 تتداخل الخرائط الاقليمية بالخرائط المحلية. فما حصده “حزب الله” في صناديق الذخيرة في سوريا والعراق، يحاول أن يستثمره في صناديق الاقتراع في لبنان، لفرض معادلاته “الذهبية” من جديد.

وإذا كانت صفارات قطار التسوية الإقليمية بدأت تُسمع في موسكو وواشنطن، فإن  انتظار وصوله إلى محطته اللبنانية يستوجب بقاء الغالبية الحاكمة في مقاعدها الرئاسية والنيابية.

من هنا فإن تركيبة الحكم الخماسية، وإن لم تتحالف في قوائم مشتركة، إلا أن تفاهماتها لمرحلة ما بعد الانتخابات، تحيي “محدلة الأكثري” في زمن القانون النسبي.

سامر الحسيني

كما النار … الخلافات تحت الرماد

walidالإستقرار في لبنان حالة عرضية. يعبر فوق رؤوسنا كغيمة صيف، سرعان ما تتبدد. ويستحضره السياسيون، تماماً كما يستحضر المشعوذون الأرواح من عالم الموت.

لا يكاد يظهر حتى يختفي. هو مجبر على تجرّع سموم خلافات المصالح وصراعات المذاهب. وكلما تجاوز خلافاً وتلافى صراعاً، عاجلته القيادات بما هو أشد فتكاً بالعيش المشترك، وأسرع تفكيكاً للوحدة الوطنية.

ترى، هل بمقدور وطن له أقدام عدة، وكل قدم ينطلق في اتجاه، أن يتابع طريقه من دون أن يتمزق؟

إن ما جرى بين بعبدا وعين التينة كاد أن يؤدي إلى الانفجار الكبير.

يبدو أننا تعودنا تجديد سياراتنا وبدلنا وأحذيتنا … وحروبنا الأهلية.

هذه الحروب التي إذا لم تتسبب بقتل بعضنا بعضاً، فعلى الأقل تتسبب بقتل الأمل في قيام وطن واحد، بدل مجموعة أوطان متقاتلة، كانت قبل هذا الزمن، مجموعة مذاهب متعايشة.

لقد سمعنا في الأيام القليلة الماضية، هدير “بوسطة عين الرمانة”.

ثمة من يزعم أنه رآها في الحدث وميرنا الشالوحي. وثمة من قال أنها كانت تتنقل بين قرى البترون بحثاً عن “بلطجية”.

من الطبيعي أن يختلف اللبنانيون على مكانها وعلى من يقودها. ولولا ليبرمان (وزير الدفاع الإسرائيلي) لكانت “بوسطة عين الرمانة” مستمرة في مطاردة الاستقرار اللبناني.

رغم أننا ضد التطبيع، فلا بد أن نشكر العدو على مساهمته في إصلاح ذات البين ما بين بعبدا وعين التينة.

لا شك في أن الخطر الآتي، أخطر من أقدمية الضباط وتوقيع وزير المال. ونتائجه أشد إيلاماً من لسان جبران باسيل … وبذاءات بعض يافطات قلة الأدب … و”موتوسيكلات” الإستفزاز.

على أي حال، نجحت مكالمة عون – بري في رفع نفايات الخلاف من الشارع المحقون بالغضب. إلا أن أدب المجاملة، لا يعني أن جسور الود قد امتدت بين بعبدا وعين التينة.

صحيح أن الرئيسين قد تجرّعا المهدئات الوطنية، إلا أن العقد لم تجد بعد من يحلها. وإذا كان سعد الحريري هو أول من أوصل الحرارة إلى هاتفي عون وبري، فإن المهمة الأصعب هي في إزالة آثار عدوان باسيل وردات الفعل التي ردّتنا إلى أرذل الأخلاق.

هي مهمة أقصى ما يمكن أن تحققه، الوصول إلى “ربط النزاع” بين “التيار الحر” و”حركة أمل”. فمن المؤكد أن ما مضى لم يمضِ. وكما النار، فإن الخلافات لاتزال تحت الرماد.

وليد الحسيني

الدستور الهيروغليفي

walidالأعرج لا يعلِّم السوي المشي. وعليه فإن ما نسمعه من دفاعات عن الدستور لن تعيد له الاحترام المفقود.

إن الخلافات السياسية في لبنان جعلتنا نعاني من حرمان الإستقرار، أكثر مما تعانيه عكار من حرمان التنمية.

وأحدث مسلسل الخلافات اللبنانية، خلاف عون وبري على تفسير الدستور. فالخلاف القائم هو إستحضار طارئ ونادر لدستور غائب. يتم إلباسه “طاقية الإخفاء” كلما كانت المحاصصات بالرضى والتراضي. ولا يظهر إلا عند حاجة الزعامات إلى شاهد دفاع للمحاججة في أي نزاع حول الصلاحيات ومناطق النفوذ.

ودائماً تتحوّل مواد الدستور إلى مواد سجالية مبهمة، كأنها كتبت باللغة الهيروغليفية، لا العربية.

المصيبة ليست في تغييب الدستور فقط. فالمصائب اللبنانية لا تحصى.

منها:

الديمقراطية التي تحولت إلى حفلة تنكرية، حيث خلف القناع الديمقراطي، إقتناع بأن المذهبية هي الوجه الحقيقي لأصحاب الأقنعة.

الحكومة، وهي منذ زمن معتقلة في “سجن التوافق”. لا يمرّ من قراراتها إلا ما يسمح به غربال الخلافات في مجلس وزاري يضم كل الإتجاهات المتعاكسة والكامنة على أي كوع.

أما الطائفية، فهي المرض العضال المتسبب بكل مصائب لبنان. بما في ذلك أزمة النفايات الخالدة … وبواخر الكهرباء الغارقة، قبل أن تبحر، بين مد هذا الفريق وجزر ذاك.

ولا بد من التوسع في الحديث عن الطائفية، لأنها كما قلنا سبب كل علة.

يقال مثلاً أن الإنتخابات المقبلة ستنقذ لبنان، وأن وجوهاً جديدة ستبعث دماً جديداً في المجلس النيابي.

حتى لو صدقت “النسبية” وفاز الوجه الجديد، فإنه لن يختلف عن الوجه القديم. فالصبغة “المدنية” لا تدوم طويلاً عند إستعار نيران المذهبيات. وقبل كل هذا، فإن الناخب اللبناني عندما يختار لائحته الانتخابية، يختارها بمعيار مذهبي متعصّب. فشعب لبنان واحد من شعوب نادرة تحكمها “جيوش السماء”.

أغلبية شعبنا مشدود إلى الشعبية المذهبية. ولهذا لم يعد بالإمكان التمييز بين رجل الدين والسياسي.

أكثر الساسة في لبنان يقلّدون رجال الدين … وأغلب رجال الدين ساسة.

لا تمر قوانين خارج إرادتهم. ولا تصح محاصصة إذا لم تخرج من تحت أرديتهم. ولا تستقيم سياسة خارجية إذا لم تحظ بمسحتهم المباركة.

الدولة، بكامل مؤسساتها، تتجوّل فيها أشباح “معممة” و”مقلنسة”، حتى لو ارتدت البدلة “السينييه” وربطة العنق.

لقد تحوّلت الديانات والمذاهب من لغة روحية وتعبدية، إلى لغة سياسية، بقدر ما يجيد السياسي التحدث بها، يجيد الوصول إلى المناصب ومراكز النفوذ.

إن البلد اليوم يعيش حرباً أهلية مموهة. فبدل أن تقام المتاريس في الشوارع، ها هي تقام داخل مجلس الوزراء، وها هي أكياس الرمل ترتفع بين بعبدا وعين التينة. وبدل أن يخرج الرصاص من أفواه البنادق، ها هو يطلق بغزارة من أفواه السياسيين والإعلاميين.

وقبل أن يتأكد العالم من أن لبنان كذبة ديمقراطية، يتوجّب على القوى السياسية “العظمى” أن تقتنع بشيء لها وبشيء للوطن. وإلا فلن تحصل على شيء … ولن يبقى لها وطن.

يكفي نفخاً بالمذهبية لتحقيق بعض الإنتفاخ.

تواضعوا، وخذوا بقول الشهيد رفيق الحريري “لا أحد أكبر من وطنه”. ولا تستمروا بأفعالكم التي توحي بأن “لا وطن أكبر منكم”.

وليد الحسيني

المعتدل … والضروري

walidيسكت اللبنانيون عن حقوقهم كما الشيطان الأخرس. في حين أن للتطرف والطائفية والفساد و”التجبر المسلح” شياطينه القادرة على الصراخ، حتى من الأفواه المغلقة … فكيف إذا كانت أفواهاً طليقة بلا حساب أو محاسب.

كوارث لبنان لا تحلها إضرابات مطلبية ضيّقة ومتفرقة، سرعان ما يتم تفريقها بوعود عاجزة.

كوارث لبنان الكبرى سلسلة، هي بالتأكيد غير سلسلة الرتب والرواتب، التي شملت إدارات وتجاهلت أخرى.

سلسلة الكوارث الوطنية تتكون من مجموعة أخطار.

خطر إفلاس الدولة. خطر الإرهاب. خطر الفساد، الذي لم يترك من المال العام ما يسد جوع الشأن العام. خطر شرعية القوة الخارجة عن الشرعية. خطر الطائفية، التي قرأت الفاتحة على روح وحدة اللبنانيين.

كيف ومن ينقذ لبنان من هذه الأخطار؟

ندرك أن لا أحد يملك معجزات السيد المسيح. ولا أحد بيده عصا موسى. ولا أحد يمسك بالمقص الذهبي ليقص شريط افتتاح فرع للجنّة في لبنان.

وكما تناسلت الكوارث من رحم القيادات اللبنانية، فإن الحل في رحمة هذه القيادات للبنان واللبنانيين. وذلك بأن تتخلى عن التطرف، وتتحلى بالإعتدال الذي غاب عن الحياة السياسية، مع أنه المفتاح الوحيد لفتح أبواب الإنقاذ، ولإغلاق أبواب الجحيم المفتوحة على مصراعيها.

من حسن حظ سعد الحريري، الذي أرغمته مأساة اغتيال والده على احتراف السياسة، أن يمسك بمفتاح الاعتدال.

به فتح باب رئاسة الجمهورية الذي كان مغلقاً بإحكام. وبه ربط النزاع مع “حزب الله”. وبه ردم الحفر العميقة بين 8 و14 آذار.

لم يكترث بتراجع شعبيته بسبب اعتداله. ولم يتراجع أمام تأثيرات الاعتدال السلبية على علاقاته الخارجية.

راهن على العقل والتعقّل ومد اليد. وراهنوا على خسارته الرهان، وأنه لن يحصد سوى الغبار التي ستثار في وجهه.

ونجاحاً بعد آخر، تحوّل المعتدل إلى ضرورة، بعد أن تمكن من تكسير الأمواج العاتية، التي هدّدت باجتياح البلد أكثر من مرة.

هو ضرورة للتقارب بين زعامات تختلف على أي شيء … وغالباً على لا شيء.

هو ضرورة لبنانية، فغيره ينفخ في النار … وهو ينفخ عليها.

هو ضرورة إسلامية، تمنع الإرهاب، على الأقل في لبنان، من أيكون الناطق الرسمي بإسم الإسلام.

هو ضرورة لـ”حزب الله”، لأن اعتداله يستدعي من الحزب اللطف بالدولة وعلاقاتها العربية.

هو ضرورة، لكنه يحتاج بالضرورة الى اعتدال أكثر انتشاراً بين القيادات اللبنانية. فوحده لن يتمكن من إصلاح ما أفسده الدهر والهدر.

وليد الحسيني

فرقة الكورال

walidللعرب أعداء. أما الأصدقاء، إذا وجدوا، فهم ليسوا من فئة “الصديق وقت الضيق”.

قائمة الأعداء طويلة، وهي إلى مزيد.

في التفاصيل:

إكتشف كولومبوس أميركا … وأميركا إكتشفت إسرائيل فوقعت في حبها وحبائلها.

وأميركا نجحت في أن تمثل علينا دور الحامي … وأن تمارس على ثرواتنا دور الحرامي.

روسيا، بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، أشاحت بنظرها كلياً عن دول أوروبا الشرقية، وركزت بأبصارها وأطماعها على بعض الدول العربية.

تركيا، حملت خنجرها العثماني العتيق … وتحيّنت فرص الطعن في الظهر العربي.

الاتحاد الأوروبي، يعطينا من طرف اللسان حلاوة، ويعطي إسرائيل من القلب الموقف والمال والسلاح. وإذا خطى خطوة نحونا، يخطي خطوات نحوها.

دول عدم الإنحياز، أصيبت بالصدأ، ونامت على صدى صوت عبد الناصر.

منظمة المؤتمر الإسلامي، لم تعد تعرف من الإسلام سوى أداء “صلاة الميت”.

أما إيران، فقد زادت في طنبور الغناء عداء، منذ أن برعت في إشعال النيران في الديار العربية.

ترتدي “قناع فلسطين” داعية العرب إلى الاندفاع خلفها نحو القدس. فهي تمسك بأكبرأحلامنا، وتتشدد في إزالة إسرائيل ومسحها من خريطة ما بين النهر والبحر.

في الوقت نفسه، تكشف إيران عن وجهها الإمبراطوري، فتصيب وعينا القومي بالهلع.

هي محتلة لجزر الإمارات. وطامعة في دولة البحرين. ومتدخلة حتى الثمالة في حروب سوريا والعراق واليمن. ومحرضة على السعودية. ومهيمنة على لبنان. ومتورطة في تكريس الإنشقاق بين غزة والضفة. ولا يزعجها الإرهاب في سيناء.

تشكل في العراق “حشداً” اختلط فيه “الشعبي” بالشيعي، فأشعل فتنة تهدد بقايا قوتنا العربية، المصابة أساساً بالوهن والتبعثر.

وفي اليمن لا يقاتل الحوثيون بطيور أبابيل. فثمة من يمدهم بالمال والسلاح والخبرة. ولا يمكن إلقاء هذا المدد على المَشجَب الإسرائيلي. على اعتبار أن التعاطف الإيراني المعلن مع الحوثية يخلع هذا المَشجَب من جذوره، لإيماننا الثابت بأن إيران لا يمكن أن تتلاقى مع المؤامرة الاسرائيلية في أي مكان وأي زمان.

أما المَشجَب الأميركي، الذي نعلّق عليه هو الآخر مصائبنا، فهو أيضاً مَشجَب مُخلّع، وبالكاد يحمل أزماته الداخلية ونكساته الخارجية.

إنطلاقاً من كل هذا، لا يبقى من رصيد الحوثيين سوى إيران، التي تزعم أن التدخل السعودي في اليمن حرب “وهابية” ضد الشيعة. وهكذا يتم صب الزيت على جمر المذهبية في الوطن العربي.

إن جرثومة المذهبية التي تنتشر محيطاً وخليجاً، هي أخطر من كل ما واجهناه من أخطار، منذ الاستيطان العثماني في كل الوطن العربي، إلى الاستيطان الصهيوني في كل فلسطين.

أخيراً، تخلى العرب منذ أزمنة بعيدة عن وهم استعادة جغرافيا الخلافة العربية، التي حكمت في قديم الزمان بلاداً باسم الإسلام. ونتمنى على إيران التخلي بدورها عن الطموح المستحيل بقيام إمبراطورية فارسية، أيضاً بإسم الإسلام. فذاك زمان مضى، وهذا زمن لن يأتي.

نتمنى أن نجنح معاً إلى السلم والاستقرار والأمان. وأن نتجه فعلاً إلى فلسطين … بالأفعال، لا بالأقوال. فقد قلنا وقلتم كثيراً … إلا أن فلسطين لا تحتاج إلى فرقة “كورال” … بل إلى فرق عسكرية.

وليد الحسيني