إعلام العوام: الخطر الكامن في الخبر

لم يعد الإعلام في عالم التكنولوجيا حكراً على الصحف المطبوعة ومحطات التلفزة والإذاعات. ولم يعد حتى مقتصراً على المواقع الإلكترونية الإخبارية، أوالمجلات والجرائد التي خاضت غمار النشر

موقع لواء أحرار السنة على تويتر

موقع لواء أحرار السنة على تويتر

الإلكتروني، لمواكبة متغيرات العصر. فقد انتشرت وسائط تواصلية بين أيدي الناس، ان لم نقل بين أيدي الجماهير،كالفيسبوك والتويتر والواتس آب والفايبر والأنستاغرام، وبات السواد الأعظم من اللبنانيين والعرب يلمّون بأساليب التصوير وكتابة الرأي والعبارات القصيرة وإخراج الفيديوات، والتقاط الأحداث المباشرة، ونشرها في لحظتها، مرفقة  بأخبار  تعكس خلفيات ذات ايماءات طائفية أو مذهبية أوحزبية أو اجتماعية أو جندرية وحتى دسّاسة. وهنا تكمن خطورة أن يؤدي العوام بشرائحهم المتعددة المستويات  العمرية والعلمية والخلقية، دور الإعلام بما يمكن تسميته الفوضى المجانية، والتأثير الجنوني.

مواقع الكترونية عدة، تتوافر اليوم في عالم الإنترنت، سهّلت وتسهّل للمتصفّحين تعلّم تقنيات تركيب الصورة المزورة، وتسجيل الفيديو المركب، مثل موقع” فيديو ستديو” وغيره الكثير. فيما يوجد بالمقابل خبراء تقنيون عديدون في عالم التصوير الرقمي الحديث، يمكنهم العمل في محطات التلفزة وخداع المشاهدين في استخدام لقطات وأحداث مصورة في وقت سابق، واظهارها كبث مباشر وفق سياسة هذه القناة أو تلك. ويمكن للمختصين في مهنة التصوير معرفة مكمن الخداع من  خلال عدم الظهور الواضح للصورة والتقطيع الحاصل فيها عند زعم القناة بأنها على البث المباشرفي التقاط حدث ما في بلد عربي ما، فظهور حالة من التقطيع أو التأخير في مقطع الفيديو الذي يعرض على الشاشة  ما هو إلا بسبب عدم تطابق الحزم الضوئية بين عدسة الكاميرا و شاشة الكومبيوترالتي تستخدم لبث فيديو مصور قديم نسبيا.

نتائج هذه الفوضى الخدماتية للثورة التكنولوجة،كان لها انعكاسات خطيرة على كل الصعد. أقلها التحريض، وأكثرها الفتنة. والفتنة كما هو معروف قد تؤدي الى القتال والحروب. وليس بعيدا عنا ما فعله مُشغّل موقع “لواء أحرار السنة- بعلبك”، (ح.ش.ح) الذي قبضت عليه شعبة المعلومات، وهو شاب يقارب العشرين من عمره لا ينتمي وفق التحقيقات الى المذهب السني، حيث بأفعاله وتحريضه وبث بيانات تبني انفجار سيارات مفخخة في الضاحية الجنوبية، وتهديد وجود النصارى في البقاع، كاد يشعل نارا مذهبية وطائفية على أرض لبنان. سيما وأنّ الرأي العام اللبناني تلّقف أخبار الموقع بجدية وبحذر وقلق كبير.

هو موقع الكتروني أنشأه هذا الشاب، فقضّ مضاجع اللبنانيين وأثار هواجس كثيرة وكبيرة. وكلنا يتذكر نوع البيانات التي كانت تنشر على “موقع لواء أحرار السنة” المزعوم، من قبيل: أشار “لواء أحرار السنّة” عبر موقعه الإلكتروني على “تويتر” إلى أنّ “المجموعة التي أرسَلها ستستهدف الصليبيّين في الإمارة ولبنان، لإيقاف قرع أجراس الشرك”. وترافَق هذا الإعلان مع دعوة سيف الله الشياح عبر الموقع، طأهل السُنّة إلى الإبتعاد عن كنائس الشرك على كلّ الأراضي اللبنانية، حِرصاً على سلامتهم”.

إلا ان الموضوع لم ينته هنا، فقد ذهب البعض الى الشك بوجود جهة مخابراتية وراء تشغيل الموقع ونشر البيانات، نظرا لدقة الكتابة وطريقة صياغتها لغويا ومعلوماتيا. وسواء كانت الشكوك في محلها أم غير مصيبة، فالمسألة لا تكمن هنا، بل تكمن في تغيير قواعد اللعبة، وفي تمكين العوام من ولوج عالم النشر الإخباري والتحريضي والتصويري والتجسسي والتلفيقي، إلخ.

نحن أمام عصر تكنولوجي لا يشبه السيف ذا الحدّين، بل يشبه سلاح الرشّاش الأوتوماتيكي، والقنابل المسماة الذكية، ويشبه أيضا ان لم نكن نغالي مخاطر القنبلة النووية، إلا أنّ الفارق بينه وبين هذه الأسلحة، أنّ التكنولوجيا تشعل الحروب بنيران افتراضية، أمّا السلاح فيشعلها بنيران حقيقية.

 بالمقابل، وعلى خط آخر، خط الناس العاديين، يصور المارّة لقطات مفاجئة بشكل مباشر، أو ينقلون صورا لأحداث فورية منشورة على مواقع إخبارية، فيرسلونها الى أصدقائهم عبر “الواتس آب” مثل حريق غير مفتعل.  تماما كما حدث في سوق المدينة المنورة في الشهر الماضي، حيث وصلت صور عن الحريق الذي نشب في سوق قريب من المسجد النبوي الشريف في مدينة طيبة، إلى  شرائح واسعة من الأصدقاء في دول عربية عديدة، ومن بينها لبنان، ووصلت صورة منها تحت خبر عشوائي توهمه أحدهم فكتب يقول: انفجار قرب القبة الخضراء!. وهنا  نصل الى مربض الفرس التكنولوجي، إذ إن خبرا مُرَّوجا كهذا الخبر الخطير يمكنه أن  يثير فئات واسعة من المسلمين بشكل فوري، فيعمدون الى ارتكابات ارتجالية خطيرة، قبل أن يتأكدوا من صحة الخبر ولو بعد هنيهات قليلة. أمّا صحّة الخبر، فنجده في بيان صحفي منشور، مفاده: “تبلغت غرفة عمليات الدفاع المدني في المدينة المنورة عن وجود حريق في سوق تجاري كبير يقع على طريق الملك عبدالله (الدائري الثاني) في الجهة الغربية بالقرب من سوق الخضار، سببه خلل فني في أحد المولدات الكهربائية الضخمة التي تغذي جزءا من السوق.”

لا شكّ إذاً في أنّ أوجه الخطر الكامن في الخبر كثيرة وعديدة، لا يمكن تعدادها، سيما في خضّم وجود زنّار النّار الذي يلتف حول أكثر من بلد عربي، ومن خاصرة إلى خاصرة. فإلى أي منقلب بالأدوار، تسير إليه الشعوب والدول؟

غادة علي كلش

غازي قهوجي فناناً وأديباً

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

غادة علي كلش:

اجتمعت في كتاب “غازي قهوجي فناناً وأديباً” اقلام ثلة من كبار النقاد والادباء والفنانين اللبنانيين والعرب، لاحتفاء بعلم من اعلام لبنان، الفنان غازي قهوجي، شهادات متنوعة النظريات والاتجاهات، وموحدة النتائج والاطلاقات، صبّت كلها في بحر ابداع الناقد والاديب والفنان اللبناني غازي قهوجي، الذي شكل ويشكل في الساحة الفنية والادبية، على صعيد لبنان، والوطن العربي، ظاهرة فريدة من نوعها، لا يختلف على فرادتها اثنان.

الكتاب اعده عبد القادر الحصني، وأصدرته (الحركة الثقافية في لبنان) وهو يقدم للمكتبات العربية، امثولة اديب ساخر، يتميز قلمه بأسلوب رائع وموجع في الوقت عينه. فقلمه بالغ السبر، حاني الحس، لاذع الحرف، حارث المبدأ، غارف اللغة، عازف السينوغرافيا، وناثر الفن. ذاك هو غازي قهوجي في كل كتاباته المتهكمة العالية التأثير، سواء في راهنية الضحكة، ام في زمنية الدمعة، ام في انخطافه الصفعة. ذاك هو غازي في جمالية المشهد المسرحي والتلفزيوني، اذ ترنو بصماته الفنية الى عظمة التواضع في العطاء، وإلى سحر العطاء بعظمة. يصطاد كل يوم في شباكه، لآلئ الاصداف، والكنوز النادرة الكامنة في القيعان، ليطرحها امامنا، دونما اي تقتير او اخفاء او انانية. لذلك وصلت اعماله وكتاباته الى اوج الجوائز والتقديرات، ووصل اسمه الى قمة جيل العطاء، محفورا بقلوب الشعراء والجمهور على حد سواء.

نقرأ من شهادة الشاعر الراحل جوزيف حرب التي خطها عن قهوجي، بكثير من الدقة والوجد، هذه السطور: “حيرني غازي قهوجي! حيرني في اي من الصفتين تعطى إليه: الاديب ام الفنان؟ هو كأديب، كامل الادوات، تعبيرا وصياغة، وأسلوبا، وجمالية فنية. ولعله ذو نوع أدبي قصصي، لا يلامسه احد، بهذا الوعي، والخطف، والتفاصيل، والواقعية الشعبية، والنقد الخفي، والسخرية، واللمحة الذكية، والوصف المحترف، والتهكم الماكر، والاغلاق المريب البارع لكل نص”.

ونقرأ من شهادة الاديبة غادة السمان عن كتابه النقدي الساخر “قهوجيات ـ أركيلة الحلم العربي”، “اعترف بأنني استمتعت بآلام غازي قهوجي، وهو يسيل دمعا مقهقا… فهو لا يترك حقلا سياسيا واجتماعيا واعلاميا وماليا لا ينشبه بلا اقنعة في عراء اللغة، فالانتفاضة هي “الانتفادة” على لسان احداهن “المشهورة بالدلوعة المفقوعة والفهمانة العريانة بكامل غبائها”.

ويقول الدكتور عبد الله ابو اهيف عن كاتبنا المكرم بهذا الكتاب: “انخرط غازي قهوجي لزمن طويل في الفن، فهو استاذ الدراسات العليا في فن الديكور والتصميم المشهدي، و”السينوغرافيا” وتاريخ الازياء في الجامعتين اللبنانية واليسوعية، ومصمم لمئات الاعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية، وللعديد من المعارض والاحتفالات الفنية في لبنان والعالم”.

أما الفنان الياس الرحباني، فقد شكلت شهادته سيرة مختصرة لتعاون قهوجي “مع العوالم الرائعة في المسرحيات الرحبانية، فهو الصديق، الصافي، المحب ـ يقول الرحباني ـ وعندما تجلس معه… تشعر وكأن الوقت لا يمر، فالحياة عنده سباق مع المحبة”.

أسماء كبيرة كان لها مقارباتها الادبية والنقدية والجمالية في قلم غازي قهوجي وخياله وعلمه وذهنه، وابداعه وشخصه وأخلاقه. نذكر من هذه الاسماء، شوقي بزيع، ياسين رفاعية، عباس النوري، عبيدو باشا، هنري زغيب، عبد الله الناصر، فائق حميص، نرمين الخنسا، لامع الحر، ريما نجم، عمران القيسي.

وفي الكتاب، بعض من الحوارات الصحفية المحورية والمهمة، التي اجريت مع الفنان والاديب غازي قهوجي، منها الحوار الذي أجراه معه زميلنا الراحل الشاعر حسين نصر الله لمجلة “الكفاح العربي”.

الكتاب شهادة وفاء، تعادل رتبة وسام مذهب لصاحب القلم الذهبي، والفن الادبي.

محمود النجار: القلب البديل غربة الوريد عن الجسد

حوار غادة علي كلش:

 يعيش الكاتب العراقي محمود النجار، ومنذ زمن ليس بالقصير في هولندا. أي وسط حياة المجتمع الأوربي بكل فئاته.  هو شاعر واعلامي أيضا، وعضو إتحاد الكتاب والشعراء الهولنديين .شارك في الكثير من الأمسيات الشعرية العربية- الهولندية المشتركة . وتمت ترجمة الكثير من أعماله الى اللغة الإنكليزية والهولندية وبعض اللغات الأخرى . روايته الأخيرة” القلب البديل” التي صدرت عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” تخط سيرة صراع بين الحياة والموت، وتروي سيرة غربتين. حول هذه الرواية  كان “للكفاح العربي” مع  محمود النجار الحوار الآتي:

* تغدو معادلة البديل في روايتك الأخيرة” القلب البديل” أبعد من تجريد الفعل أومن تفريد الإجراء. كأنما البدائل تستقيم في ثلاثة أبعاد: الموت/ الحياة وما بين الموت والحياة.هل يمكن اعتبار روايتك هذه مرثية إشكالية بطلها وضحيتها في الوقت عينه القلب؟

– قد تكون  روايتي  هي من الأعمال القلائل التي استطاعت أن تكتب عنوانها منذ الوهلة الأولى وأن تتمسك به كعنوان دائم لعمل روائي وجد له مكاناً بين الكتب ولم تتنازل عنه ، وقد أضحى عنواناً ثابتاً لا بديل له وهو القلب البديل ، مثلما اختطت ونقشت حروفها الأولىبنفسها على قمة أسطر فصولها.

نعم استطيع القول بأن رواية القلب البديل  ،هي أبعد من أن تتلخص بالحديث عن عملية كبيرة ومعقدة ، إلا وهي عملية زرع القلب. هي بالفعل مثلما تفضلت بسؤالك ، أبعد من تجريد الفعل وفرادة الإجراء وتفاصيله ، فهي تحمل في طياتها الكثير من الأبعاد الانسانية ، واستطيع القول بأن الرواية تتحدث عن إنسان بصورة قلب وقلب ينبض بلا تناغم وبوجعٍ لا تضبط إيقاعاته أية قواعد تذكر ، لكنه أصر على أن يبقى إنساناً ومعطاءً وكان على يقين أن يلتقي برفيق يحبه ، ليتبادلا الحياة معاً . فإن الواهب ودع قلبه والمستفيد اِحتضن القلب ورحب به واِنتعش بالأخذ والعطاء بذات الوقت ، وبهذا صنعا معاً سمفونية الحياة مع اليقين الوافر والركون بعض الوقت تحت الرعاية الإلهية بمرحلة غيبوبة قلقة على ضفاف الموت. وهي كما أشرت إليه حضرتك في سؤالك وفي شقه الثالث بالتحديد، بأنها مرثية بطل القلب ذاته .

* السرد في فصول الرواية، يرتقي بالمكنون الصوتي الداخلي،إلى سيرة من نوع آخر- ان صح التعبير- سيرة لا تخلو من صدى النبض والدماء،ولا من يوميات الحياة البديلة. ما هي البوصلة الفنية التي استخدمتها كروائي وشاعر،في استجواب ايقاع الأوردة؟

– بالفعل بدأت الكتابة مثلما أسلفت من قبل ، منذ الاستيقاظ الأول من الغيبوبة التي سافرت بها الى ضفاف العالم الآخر والعودة للحياة ، عالم الموت وضفاف السَكينة لعدة أيام ، ومنذ تاريخ العودة ولحظاتها الأولى والإنتباه لما يدور من حولي واستقبالي للحياة الجديدة بتلك الدهشة المغموسة بالوجع والفرحة التي حاول العقل أن يؤجلها، لهذا حاولت توثيق الكثير من الحالات الإنسانية ومحاولة لتقديم الشكر لمن وهبوني الحياة وأعادو لي البسمة التي نسيت طرائقها وملامحها منذ زمن طويل، وهم مجموعة متكاملة .إنها القدرة الإلهية والواهب الإنسان الذي تبرع بقلبه ، أما عن البوصلة الفنية ، أظنني حاولت أن أنقل تجربتي الحياتية بطريقة سردية وإيصال رسالة معنونة عن واقع حياتنا العربية ، ولهذا حاولت جاهداً إدخال ما استطعت من الواقع الحقيقي ومخاضات حيوات إنساننا العربي، محاولاُ التطرق بطريقة مبسطة  الى طفولتنا وما مرّت به من براءة وقساوة وألم وصولاً لمرحلة الشباب الذي عانى ويعاني من حرائق الحروب وارهاصات الحرمان والكبت . حاولت من خلالها إيصال رسالة للقارئ أينما كان عما يدور في حياتنا العراقية والعربية وعما يدور بالجانب الآخر من الحياة وهي حياة الاغتراب وحياة التطور الغربي. نعم  حاولت أن تكون الرواية وبوصلتها عبارة عن خلطة إنسانية خالصة تحمل الكثير من الألوان والشخوص الحياتية التي تصادفنا ونتعامل معها .

* ثمة غربتان أساسيتان في الرواية. غربة البطل عن قلبه. وغربته عن وطنه. هل يخاف المرء برأيك من خسارة الوطن أكثر من خسارة القلب؟ ولا ننسى ههنا أن البطل حاول في الماضي وهو في بلده أن ينتحرمع صديقيه؟

– هناك غربتان قاحلتان ، من المؤكد إن الغربة الأولى هي غربة الوطن والتي قاربت على العقدين من الزمن وأدمن عليها بطل الروايةبكل مراراتها وعقمها ، بل إعتبرها انتصاراً للحياة وجهاداً ، إرتحل بقلبه المتعب باحثاً عن عشبة الحياة المفعمة بالصحة والكرامة ، وهاهو يظفر بها بآخر المطاف ، فلو إنه تقاعس وبقي في وطنه الأم ، لقضي أمره منذ ما يقارب العقدين من الزمن ، وهذا ما أشار اليه وما مرّ به وسجل معاناته بين فصول الروايه من موت محقق قبل هذا البديل الناقذ والمخلص، أما غربة القلب عن البطل أو العكس، فأنها حقيقة طبية وعلمية وربانية ، فليس من السهل تطابق الأنسجة ورضوخ القلب لحاضنة جديدة بعد مرور أكثر من اربعة عقود ونيف ، لهذا كانت مرحلةالترويض صعبة وعملية معقدة ، تلك التي نشأت بين القلب والجسد ومحاولة تطويع وقبول أحدهما الآخر ،ولم تمر تلك العملية بسهولة ، وقد حدثت بعض الانتكاسات الصحية المتفاوتة ، لولا رعاية الله والرعاية الكبيرة من قبل الأطباء ، بالأضافة إلى العقاقير الباهظة الثمن ودعوات الأهل ودموع الوالدين والأخوة والأخوات .. أما المقاربة بين خسارة القلب وخسارة الوطن .. فكلاهما خسارة موجعة وتعني ” لا الحياة ” ، ولولا الوطن والقلب لما وجد للبطل أو القلب أي نبض يذكر ، أما الحديث عن محاولة الانتحار للطفل اقصد البطل في طفولته ، لهو دليل قاطع على شخصية البطل القوية وعدم تقبله للخسارة بسهولة وهذا ما انعكس على طريقة حياته والنجاحات الكثيرة رغم الكبوات خلال مسيرته الطويلة ، وما تحمله شخصيته من عناد واصرار على الوصول لغايته ، كان هو الدافع القوي على اتخاذه قرار إجراء العملية بمفرده وكان لديه القناعة الكاملة على النجاح واصرار كبير على الاستمرارية والتشبث بالحياة .

* تشهد بلادنا العربية تاريخا مفصليا مخيفا. كيف تتفاعل شخصيا مع هذه التحولات الدراماتيكية في العراق بشكل خاص؟

– لم أنفصل يوماً عن قضايا بلدي وبقية البلدان العربية، بل أن جميع النشاطات التي قمت بها من خلال مؤسستي الثقافية التي انشأتها عام 2010 ” مؤسسة أوطان الثقافية في لاهاي ، كانت تصب في غالبية انشطتها برسم الصورة الجميلة والحقيقية أمام المتلقي الأوربي، أما كيفية التعامل مع التحولات والأفكار والأفعال التي تدور في العراق ومنذ زمن ليس بالبعيد ، فأنه شيء يبعث على الحزن والقلق والخيبة وهي العقبة التي هزمت على جدرانها كل أحلامي ،وليس هناك الشيء الكثير الذي أفعله ، إلا الإلتزام الأخلاقي والصبر لقلمي ودعم كل مافيه خير لبلدي وشعبي من خلال القصيدة والرواية وما تطلقه أناي على منابر الأمسيات والمهرجانات الشعرية والأدبية، محاولاً نشر الخير والتحدث عن نعمةالأمان وصون ديمومة التعايش بهذه الحياة ، محاولاً إيقاد شمعة أمل أمام كل ما أراه وألمسه من تراجع سريع إلى زمن اللاستقرار واللاوعي والجهل والتخلف والقتل والدمار العشوائي الذي تمر به بلداننا العربية بصورة عامة وما يمر به العراق من خراب على وجه التحديد .

* كونك أيضا على تماس ثقافي مؤثر وفعال في هولندا، كيف تقوّم لنا فنون الآداب الهولندية،علما أننا لا نسمع الكثير عن الشعراء والكتّاب الهولنديين؟

– هناك في هولندا حراك ثقافي وأدبي دؤوب يكاد لا يتوقف على مدار السنة ، وحب الهولنديين للشعر وللرواية كبير ، بل أستطيع القول إن الغالبية العظمى منهم مازالوا متمسكين بشئ جميل قد نفتقر إليه في عالمنا العربي، ألا وهو القراءة المستمرة وحب الاطلاع على ثقافات العالم المختلفة، وهذا ما يجعلهم متقبلين وبرحابة صدر لثقافة الآخر والتعاطي معه، وإعطاء الفرصة للاستماع والاستمتاع ،في الوقت ذاته دعم المبدع أو المثقف من خلال توفير الكثير من مستلزمات النجاح وتطوير موهبته وقدراته الفكرية والأبداعية الأخرى، قد يختلف إنتاجهم الأدبي عما قرأناه سابقا من صور ومتغيرات وفلسفة وبحوث ورسائل ، تلك التي عاقرت وتزامنت ازمنة الحروب والتحولات السياسية والثقافية والمادية والوجودية، لكن أوروبا الآن وهولندا على وجه التحديد ، تمر ببعض البحبوحة الفكرية والهدوء الفكري والانساني، فغالبية كتاباتهم أخذت تتغنى بمرحلة الشباب والغنج والتي تحاكي البيئة ومفردات الطبيعة وألوانها والإنسانية ومفردات الحب المستريحة الخالية من العذابات والفراق وقسوة الأهل والشوق.. أما عدم سماع الكثير عنهم ، وذلك لاتساع الفجوة الفكرية بين ما تمر به ثقافتنا وبلداننا العربية وبين بحبوحة الثقافة والتقدم الذي يمرون به ، وبين ما تمر به امتنا من تراجع ومآسي وحروب وعدم الأهتمام بثقافات الآخر ، بالأضافة إلى صعوبة اللغة الهولندية ومحدودية مفرداتها ومستخدميها وعدم تداولها بشكل كبير خارج حدود هولندا ، ومع كل هذا  قدمت كما هو شأن عدد من المثقفين في الخارج  على صعيد التفاعل وتمازج الثقافات في أكثر من عمل عربي هولندي مشترك ، نشاطات عدة، وآخرها الإحتفالية التي أقامتها مؤسستنا ” أوطان ”  بالتعاون مع مسرح داكوتا  بمناسبة مهرجان الشعر العالمي والذي شارك فيه عدد من الشعراء الهولندين واذكر منهم ، اديث ده خلده وفرانس تيركن وخيرت فينامه وبريوني بورنس وآننا ديوريس واليزابيث دي بليكورت وغيرهم كثر.

أمثل اسماعيل: صيّاد الحداثة الخاصة

حوار غادة علي كلش:

أمثل اسماعيل هو من الشعراء الذين يعملون على جمع الصورة الفنية مع الحالة الشعرية بحد ذاتها في سياق الكتابة الإيروتيكية التي تسم دواوينه بدءا من : “أنت…. وأعبر الأوان”  و”يعمّر الورد” إلى ديوانيه الجديدين الصادرين عن “دار نلسن” في بيروت: “قلب في أجساد عدة”.  و”الحياة وما يشبهها”. له أدوات صيد فنية وحسية مغايرة عن المألوف،وله آراء أيضا فيها من العمق ما يعكس قلب الجسد،أو جسد القلب. هنا حوار معه:

*تكرِّسُ في ديوانيك الجديدين: “الحياة وما يشبهها” و”قلب.. في أجساد عدة”. أعمالك الشعرية التي تتميز بالتنوع بين إيقاعات الوزن وبين  فنّ النثر،والتي تتوحد ضمن لغة  ذات مفردات ايروتيكية التصوير والتعبير والترهيف، هل أنت الإبن الغريب للسوريالية والواقعية معا؟

– بداية، في ديوانيّالجديدين، ليس من قصيدة وزن واحدة، خلافاً لدواويني السابقة التي مزجت فيها بين قصيدتيْ الوزن والنثر. اذن لا ايقاعات وزن بالمعنى الخليلي الكلاسيكي، أو التفعيلي المستجد في القرن الفائت. لا أدري ان كان تعبيرك “فن النثر” هو عدم اعتراف بما يوصف بقصيدة النثر، حيث ترين أن الشعر الحقيقي يقوم على الوزن، وان لم يفعل فهو نثر، أسوةً بالكثير من القراء و الذواقة و المثقفين حتى يومنا هذا. أتكلم هنا عن الوزن الخارجي، و ليس عما أهلكونا به تنظيراً واهياً لما أطلقوا عليه “موسيقى داخلية” في الشعر الحديث،وهي برأيي تسمية ملتبسة وغير جليّة أومقْنعة. و بالمناسبة لست مؤيداً لتوصيف “قصيدة النثر” وأفضّل عليه مثلاً “الشعر المُرسَل” أو “الشعر النثري”. هذا جوابٌ على الجزء من سؤالك المتعلق بالشكل، أما فيما يتعلق بالمضمون في الجزء الآخر،فأحببتُ استفهامك الطريف والفطِن،عمّا اذا كنتُ “الابن الغريب للسوريالية و الواقعية معاً”، و جوابي هو بلى، لكنها السوريالية الحديثة حسب أحد النقاد، والواقعية الوجدانية، الانجراحية المكسورة، الساخرة السوداء المرة الحلوة الحامضة الحارة.

*الجديد في ديوانيك هو خلطة جديدة من الحالات العاطفية التي ترتقي بالجسد الى لغة حسية وانسانية وشيئية غير تقليدية. هل يمكن القول انك تؤسس لتجربة حداثوية خاصة تحمل توقيعك دون غيرك في الحاضر والمستقبل؟

– ديواناي الجديدان يبقيان امتداداً أقوى لنبرتي الأولى في ديواني الأول. من حيث الخصوصية، مع تنويع أكثر عمقاً يمْليه العمروالخبرة الحياتية، والمراس الثقافي. لقد ابتدأت بخطوة التأسيس “للحداثوية الخاصة” ،حسب تعبيرك، في مسيرة الألف ميل منذ ” أنتِ.. و أعْبر الأوان”، و في “يُعمِّرُ الورد” ديواني الثالث، بلغت عالمي الجديد الخاص والمحايد، حيث قال الشاعر فؤاد رفقة: أمثل اسماعيل أو حداثة الحداثة.

*تغدو الطبيعة بمفرداتها البرية والجبلية والريفية والبحرية عالما تستمد منه لغتك الغزلية الإيروتيكية للجسد. هل قصيدتك تحتفي بالقلب والطبيعة والمادة معا، ضمن جمالية الإتحاد التعبيري  الكائن بين قامتيّ الرجل والمرأة؟

– تجربتي تحتفل وتحتفي بكل كائن حي وغير حي. بكل شيئ وباللاشيء. بالواقعي و الفعلي و الخيالي و المتخيل في آن. الطبيعة في شعري التي وصفتِها أراها كما أنا عليه،وليست كما هي عليه. وأزيد ” لكم طبيعتهم و لي طبيعتي”. أما القلب فهو الجوهرفي كل ما أكتب. انه حاستي السابعة، انسانيا و حياتيا. و هو “منظّم” و “منبّه” جسدي حسّيا .الجسد، عندي، هو اكتمال القلب. قلتها قبلاً و أرددها. و لا بأس لو ذكرت هنا أني “أغبطني” على عنوان أحد ديوانيّ  الذي هو ” قلبٌ.. في أجسادٍ عدّة “.

*هل يمكن القول إن التقنيات التي تعمل بها على نظم قصيدتك،هي أشبه بمختبر ذاتي خاص. وما هي مكونات هذا المختبر بنظرك؟

– بلى، يمكن القول أن تقنيات نظم قصيدتي، أو نثرها، نتاج مختبر خاص، لكني لا أؤمن بالخصوصية للخصوصية كما “الفن للفن”. هذه الخصوصية، عليها أن تحمل طيّها مايبررها و يُقنع بها من عناصرعدة. في حالتي بعض العناصر هي اللغة المتينة، لكن النضرة و المطواعة، اللغة العربية و ليس “ذات الوجه العربي” ، و أنا فخورٌ بعربيتي (وعروبتي)، بالاضافة الى حرارة التعبير و الاتقان التصويري الذي يسِمني حسب المتتبعين لتجربتي،والحرية.. وليدة المعرفة لا الجهل. كُتب الكثير عن مختبري هذا.. و قد ضمّنت ختام ديوانيّ بعض ما كُتب خاصةً لغادة السمان، والرائع الراحل زهير غانم.

*ماذا عن لقبك قطّاف الجديد الذي أطلقه عليك بعض النقّاد.هل يعجبك، أم انك تفضّل لقب الصيّاد؟

-استسغتُ لقب “قطّاف الجديد” الذي أطلقه عليّ الشاعر محمد علي شمس الدين ومعه الشاعر هنري زغيب منذ ربع قرن! زهوتُ به، بيني و بين نفسي، لسنوات، لكني اليوم أرى فيه رومانسية غنائية وجدانية كُنْتُها و لم أَعُدْها. أنا الآن الى لقب “الصياد” أقرب، لما فيه من الحرفة و المكر في التصويب و الاقتناص. هذا في الشعر، أما في الحياة الدنيا.. فصيتُ غنىً و لا صيت فقر(…) لستُ الا كما كتبتُ “جغَلٌ مع وقف التنفيذ”! و.. “صياد رحت صْطاد صادوني” على ما صدح به زميلي في الصيد البائس محمد رشدي..

 *من المعلوم أن الكتابة الإيروتيكية لا تلقى رواجا علنيا في المجتمعات العربية والإسلامية المحافظة. ألا يشكّل لك الأمرعقبة بالنسبة لمبيعات دواوينك في تلك الأسواق؟

-حسنٌ قولك “رواجاً علنياً”، اذ أنها تلقى رواجاً مستتراً.. من تحت الطاولة! دواويني الثلاثة السابقة نفدت و أعدتُ طبعها، وهذا نادراليوم، خاصة لشاعر بعيد عن الاستعراض الاعلامي الترويجي، و ليس له موقع صحافي وظيفي، و بالتالي سلطة و سطوة يَخدم و يُخدم من خلالها، كما هو جارٍ على قدم و ساق و فيما هو الفارياق. في بعض دول الخليج، كانت لتباع دواويني سرا، و أحاييناً كثيرةً كانت لتُهدى. فالشعر عندي غنى روحي و معنوي. اختصاصي الجامعي و عملي بعيدان عن “حرفة الأدب” و الابداع. و كوني ذكرت “الفارياق”.. أفلم يقل المرحوم المظلوم العلامة ” أحمد فارس الشدياق”: الرزق الذي يأتيك من شق كشق القلم، لا بد أن يكون ضيقاً..؟

6

ريتا حاتم “غجرية الحرف”

كتبت غادة كلش:

“غجرية الحرف”… وصف أُطلِقَ على الشاعرة اللبنانية ريتا عسل حاتم مع صدور باكورتها الشعرية” صرخة أنثى”. ليعكس منحاها  في الشعر الميّال  إلى  رومانسية المفردات والتصوير  التعبيري الرحب.

عن ديوانها الأول وعن  خطوة احترافها طريق النشر، أجرينا مع الشاعرة ريتا حاتم، حوارا هذا نصّه:

*ريتا حاتم هو إسم لشاعرة دخلت معترك الشعر من خلال نشر أول ديوان لها تحت عنوان” صرخة أنثى” أين كانت ريتا قبل هذا الديوان، وما هي العوامل التي أدت الى احتراف الكتابة الشعرية؟

–  لم أكن في وارد نشر مجموعة شعرية لي، او حتى في وارد احتراف كتابة الشعر قبل ولوجي الى عالم الأنترنت وتحديدا موقع التواصل الإجتماعي الفيس بوك. ففي هذا الموقع وعبر صفحتي الشخصية استمديت ثقتي بما أكتبه منذ نعومة أظفاري، إذ كنت أعمد إلى كتابة خواطري الوجدانية، والإبقاء عليها ضمن دائرة ضيقة من الأهل والأصدقاء.ومع الوقت ومع نشر قصائد قصيرة لي على صفحتي ، تلقيت طبعاً تشجيعا كبيرا جداً من الأصدقاء المفترضين الذين أصبح البعض منهم بمثابة الصديق المحفز على ديمومة الكتابة والتجديد.

لقد بدأت الكتابة بعمر التاسعة، ولكنها كانت محاولات تعبيرية بسيطة . أما  اليوم فالفيس بوك، كموقع للنشر والتواصل، طوّر صوري الشعرية، وزاد  من خبرتي  في كيفية رسمها  بكلمات أشفّ وأنقى تحمل العديد من الأوجه.  وكان هو الدافع لكي أنشر ديواني الأول  بعد أن أصبح لي العديد من الأصدقاء العرب حول العالم مما دفعني  لخوض تجربتي الأولى  بالرغم من أنني لا أعرف أحداً في مجال الشِعر، ولكن عبره تعرفت  شخصياً الى شعراء مبدعين.

*كيف تقرئين نقد القراء والشعراء لقصائدك، هل ثمة تشجيع محدد قد يأخذك الى مدارات أخرى من الأنماط الشعرية؟

– هناك العديد من الشعراء والنقاد ممن أدوا دورا في نشر باكورتي الشعرية هذه والثناء عليها. لقد كانوا الحافز الأكبر لي، كي أستمر وأجدد نفسي وأقرأ أكثر لشعراء  جدد أيضا.  وكنت جد سعيدة  لأنهم عززوا ثقتي بنفسي وبموهبتي  وبصوري الشعِرية  وعندما حضروا الى حفل توقيعي، أعطوني دعما معنويا كبيرا.  ولم يعد  بوسعي الا أن أكون عند حسن ظنهم، في أعمالي المقبلة.   وقد كان لهم كلمة رائعة في توقيع كتابي   أمثال الشاعر الكبير وليم حسواني والمبدع  الشاعر حبيب يونس  والاعلامي  الشاعر زياد عقيقي  والشاعر الراقي أسعد مكاري والشاعر الزجلي  مارون الحاج. كما ترين كلهم أسماء لامعة . ولو لم ألامس حسهم الشِعري لما أحبوا قصائدي،  ولما شجعوني على النشر بالرغم من خوفي كشاعرة جديدة .

* قصائدك تخاطب الحبيب بأسلوب رومانسي شفاف،يغتني بالتصوير الخيالي.هل تعتقدين ان القارىء يحتاج الى قصيدة الغزل في ظل واقع  أمني وسياسي عصيب في لبنان بخاصّة، وفي البلاد العربية، بعامّة؟

– بالتأكيد،العالم كله على  فوهة بركان وعلى حافة الهاوية  ..والشعوب تغلي غضباً  من هذا الواقع العصيب .سئموا كل ما يمت للسياسة والحروب والأحزان  بصلة. لذلك ترينهم يلجأون اِلى أي شيء ينسيهم مآسي واقعهم. ولذلك كانت القصيدة الغزلية والرومانسية التي آثرت كتابتها أشبه بواحة في صحراء.  فالقصيدة الغزلية برأيي ليست ابنة اللحظة  فقط ، بل هي ابنة النبض الزمني في كل العصور.   لا شك أنني كشاعرة أكتب أيضا عن هموم الأرض والإنسان .ولديّ القليل من قصائد الرثاء  عن الوطن والأخ والناس. ولديّ قصائد  تنتقد  حياتنا  السياسية والاجتماعية.  لكنّ القصيدة الغزلية كما يقولون ( ملعبي  ).وانا أيضا أرى نفسي في هذا الملعب.

* هل تعتقدين أن الفيس بوك كرّس ظاهرة تنمو كالفطر لجهة محاولة مئات النساء والشبان كتابة ما قد يسمونه شعرا؟

– الفيس بوك  هو الملاذ الأوسع والأكثر انتشاراً  والأكثر استخداما للمرء لكي يعّبر عن أفكاره ويحاول اكتشاف أدواته التعبيرية والتواصلية . ولكي يكتب عن أوجاعه  وفرحه وكل ما يخالج  نفسه، حتى وإن كانت محاولاته فاشلة، وهي كثيرة، وفق ما ألاحظ من خلال متابعتي صفحات العديد من المشتركين والمشتركات. أنا لست ناقدة ولكن كقارئة  يمكنني التأكيد على ذلك. ولكن هناك أقلام نسائية  راقية وجريئة ومميزة، ناهيك عن صفحات شعراء وكتاب معروفين، نحن نستمتع بقراءة منشوراتهم وننتفع منها.  وكما أن لكل  تجربة إيجابيات، فهناك سيئات أيضا.   لقدأصبح أي كان وكائن من كان يكتب ويظن نفسه بارعاً .

* ماذا عن فن القصة أو الرواية؟ هل لديك الرغبة في ولوج عالمهما، أم انك تكتفين بمملكة الشعر؟

– أعشق كل ما يمت للكتابة بصلة سواء كان نوع الادب قصصا قصيرة أم خواطر أم وجدانيات أم رواية . فكرت كثيراً بكتابة قصة قصيرة، لكن لم أباشر بها بعد. الا أن الشعر النثري  الذي لا يتقيد ببحور وقوافٍ هو ما أفضّل. لديّ محاولات قليلة  في نظم قصيدة التفعيلة، الا أنني برغم حبي لها ، لا أميل الى التفكير  بوزن الكلمة التي أكتبها. فخواطري تأتي سلسة  ترسم صورة غزلية دون سرد أو تقييد. الفكرة ما إن تخطر في بالي،حتى وان كانت صغيرة، أجدني انطلق بها إلى الهدف المنشود.

من أجواء الديوان:

” لمَ تصمت حبيبي

لا يليق الصمت بك

فكلامك درر تتدحرج الى شرفات ذاكرتي

كلامك جواهر في خصلات شعري

وعقد أضعه حول عنقي

وسوار في معصمي

ورداء نومي

أذهب به الى سريري

فيحتضنني وأنام على رائحته

ولدت في جسر الباشا

منزلنا الجميل كان يطل على

مناظر جميلة ….

وكانت أحراش المنطقة

وأشجار الصنوبر أسياد المكان

كانت أمي وخالي ينصبان

لنا المراجيح …..نلعب ونلعب

حتى التعب ….ولا نمل

وكنت كالصبية أتسلق اﻷشجار

ولا أعود إلى المنزل إلا والندب

رفاقي ….

كم أحزن الآن عندما أمر

وأرى اﻷشجار أقتلعت

واﻷحراش أحرقتها كل تلك اﻷبنية

الحجر تساوى والبشر ……

وباتا يشبهان بعض”

محمود الحرشاني: الكّتاب العرب فقراء

:غادة علي كلش

جمع الكاتب التونسي محمود الحرشاني خطوط الصحافة المكتوبة والمسموعة،في يد، وخطوط البحث والنقد والفكر، في اليد الأخرى. واستطاع طيلة أربعة عقود من الزمن،أن يخط بصمة مضيئة في الساحة الثقافية بتونس، بشكل خاص، وفي الدول العربية،بشكل عام،عبر أعماله ومؤلفاته العديدة. هنا حوار معه، لم يخل من الصراحة والفائدة المثلى:

 

الكاتب التونسي محمود الحرشاني،هوإعلامي،ونا

محمود الحرشاني

محمود الحرشاني

قد أيضاً. إلى أي مدى يتكامل البحث الفكري،والتأليف الجمالي،والخبر الاستقصائي،في قلم رجل واحد ؟

من فضل الله علي، أن تجدني اجمع بين هذه الصفات،ولو بنسب متفاوتة. وأنا مدين لعملي في الصحافة،أنْ أدخلني إلى مجالات أخرى، مثل الأدب والبحث والنقد،لا من زاوية المتلقي فقط. وإنما من زاوية الفاعل أيضا. وبقدر حرصي على النجاح في عملي الأصلي،كصحفي وإعلامي. فإنني أسعى نفس القدر،إلى أن أكون مساهما في مجالات أخرى،مثل النقد والتأليف الجمالي،وحتى النتاج الإذاعي،وفي هذا المحور بالذات، فأنا اعتز بأنني أنتجت عديد البرامج الإذاعية،بإذاعات تونسية،مثل صفاقس والمنستير وقفصة. اهتممت فيها بجوانب أدبية وثقافية عديدة،وأعطتني الفرصة لكي استند إلى عديد المراجع،من اجل تقديم مادة إذاعية تفيد المجتمع وتضيف إليه. مثل برنامج جوائز أدبية الذي اهتممت فيه بموضوع الجوائز الأدبية في العالم العربي. وتحول بعد ذلك إلى كتاب وبرنامج نزهة في صحافة الماضي،الذي تناولت فيه بالبحث أسباب توقف الدوريات التونسية القديمة. وتحوّل هو أيضا إلى كتاب وبرنامج “قول على قول” الذي اهتممت فيه بمقدمات الكتب التاريخية والأدبية. وجمعت حلقاته أيضا في كتاب. ولم أهمل في اهتماماتي الصحافة الاستقصائية،ولعل كتابي “البحث عن فكرة” الذي جمعت فيه حواراتي مع شخصيات ثقافية وإعلامية عربية هي قوم خير شاهد على ذلك. أما الجوانب الجمالية فإنها كانت تحتل اهتماما مني على أساس أني اعتبر أن الأدب هو بوابة الجمال. وكتبي في هذا المجال عديدة اذكر منها “مذكرات صحفي في الوطن العربي” و”نبض الوجدان” و”دفتر سفر” و”بلا قيود” فضلا عما كتبته للأطفال من قصص تدخل في هذا المجال أيضا.

تتعدد مؤلفاتك بين الأدب والثقافة والصحافة، ماذا عن الرواية أين أنت منها خصوصا وإنها أضحت دينامو الأسواق العربية؟

كتبي المنشورة ستة عشرة كتابا. وهي كما قلت موزعة بين أغراض ثقافية وإعلامية مختلفة. ولكن لا توجد من بينها رواية واحدة،وانْ عدّ بعض الأصدقاء بعض كتبي من باب الروايات،مثل كتابي” دفتر سفر” الذي يدخل في باب السيرة الذاتية أو المذكرات، وكتابي “نبض الوجدان”. ولكن الرواية بمعناها المتعارف لم اكتبها بعد،وهي علم قديم يطل علي بين الفينة والأخرى، ليقول لي إني مازلت اعلم الكائن في أحشائك وانتظر الخروج إلى الدنيا. ورغم أن عدداً من أصدقائي النقاد والإعلاميين يعتبرون إنني امتلك أدوات كتابة الرواية، فإنني لم أغامر بعد بدخول هذا العالم. وأنا الآن اكتب سيرتي الذاتية في عالم الصحافة وشرعت في نشرها على حلقات في الصحف التونسية،وعديد المواقع الالكترونية. وربما ستكون هي المدخل لكتابة الرواية التي احلم بكتابتها في المستقبل القريب.

أسست مهرجانات أدبية شهيرة في تونس ونلت جوائز عدة، ما هي ملاحظاتك على القيمة المادية والمعنوية للجائزة العربية التونسية بشكل خاص والعربية بشكل عام.

في كتابي “جوائز أدبية في العالم العربي” تحدثت عن عالم الجوائز الأدبية،  ليس فقط في تونس وإنما في عديد الدول العربية. وعرّفت بأهم هذه الجوائز مثل جائزة البابطين للشعر وجائزة سلطان العويس الثقافية وجائزة الملك فيصل العالمية وجائزة الأدب الجغرافي وجائزة ناجي نعمان وجوائز تونسية كثيرة تسند في مجالات عدة.

وتبين لي أن الجائزة تشكل دافعا قويا وحافزا مهما، لمن يحصل عليها لإثراء تجربته. و لكن بعض هذه الجوائز لا تخلوا من شوائب،وبعضها يوفر له قيمة كبيرة ويتمتع بمصداقية عالية . ومهما يكن من أمر فان الجائزة تبقى أداة ضرورية لتشجيع المبدعين وإشعارهم بأهمية أعماله وتأكيد تفوقهم. كما أنها من الجانب المادي تساعد الحاصل عليها،لتحسين أموره المادية. لأن الكتّاب العرب جميعهم فقراء وإمكانياتهم المادية محدودة.

كونك إعلاميا وصحفيا اختبر كواليس الصحافة ومطالبها على مدى أربعين عاما. كيف تقرا أسباب تقهقر مؤسسات إعلامية عربية على الصعيد المالي والتمويلي، وفي أسباب توقف بعض المجلات والصحف، في لبنان وحتى في الأمارات وما سواها من الدول؟

يعتصر قلبي ألما وحسرة عندما أتحدث على هذا الموضوع. فقد عشت شخصيا التجربة بتوقف مجلة مرآة الوسط التي أسستها بعد اثنتين وثلاثين سنة عن الصدور،لأسباب مادية عجزنا عن تجاوزها،رغم ما أصبحت تتمتع به المجلة من مكانة في المشهد الإعلامي والثقافي التونسي. ومع مرآة الوسط  و قبلها توقفت صحف ومجلات كثيرة أخرى.

وبعضها الذي استمر يعاني صعوبات مالية جمّة تهدده بالتوقف عن الصدور قريبا.

وبعد الثورة في تونس، صدرت عديد الصحف والمجلات،لم يبق منها إلا عنوانا أو اثنين، رغم الطفرة التي عرفتها السنة الأولى من عمر الثورة.

ويعزى هذا في رأيي إلى ضيق سوق الإشهار الذي يشكل السند الأساسي لحياة أي مطبوعة وزحف وقوة الإعلام الفضائي،وكذلك انتشار الصحافة الالكترونية، فلم يعد بمقدور الصحف والمجلات الورقية أن تصمد وتستمر وتواصل تكبد الخسائر المادية. فضلا على أن الإقبال على القراءة أصبح محدودا ومع انتشار الفيس بوك أصبح القارئ يلجأ إلى هذه الوسيلة السهلة وترك الجرائد والمجلات. وهناك صحف ومجلات كثيرة اليوم،مهددة بالتوقف وحتى في أوروبا، توقفت عديد المجلات والصحف واكتفت بنسخها الالكترونية،وهذا أمر مؤسف جدا.

بعض دول المغرب العربي وبالأخص الجزائر والمغرب، ارتقى مبدعوها في الفكر الفلسفي والرواية إلى مراتب مهمة. ماذا عن تونس، أين روائيوها وفلاسفتها، هل يقارعون باعتقادك كبار الأسماء المغاربية؟

 -طرح السؤال بهذا الشكل فيه ظلم وتجن، باعتقادي،على المثقفين التونسيين لفائدة غيرهم. واعتقد ان تونس تزخر اليوم مثل الأمس بعديد الأسماء ذات الشهرة الكبيرة مثل الطاهر بن عاشور وابنه العلامة الفاضل بن عاشور، وأبو القاسم الشابي في الشعر،والمسعدي في السرد، وعبد القادر بن الحاج نصر وصلاح الدين في الرواية، وعز الدين المدني والحبيب بولاعراس في المسرح، والطاهر لبيب في علم الاجتماع وهشام جعيط وعبد السلام المسدي في الدراسات الالسنية و أبو القاسم محمد كرّو في البحوث التاريخية والحضارة والدكتور محمد الطالبي. ولا يمكن ان ننسى المرحوم محمد مزالي والأستاذ الشاذلي القليبي وجعفر ماجد ولا استطيع أن اعدد كل الأسماء. ويبدو أن المسالة تحتاج هنا الى أن تكون في تونس فضاءات ومنابر إعلامية قوية تستطيع أن تعرف بهذه الأسماء، و بعد موت مجلة الفكر لصاحبها محمد مزالي لم تتوفر في تونس مجلة قوية قادرة على فرض المبدعين التونسيين خارج الحدود وهي مسؤولية وزارة الثقافة.

ماذا عن كتابك الجديد؟ هل تكرس به تجربتك السردية فيما يمكن تسميته بأدب الصحافة؟

أولا  تسمية  أدب الصحافة تسمية تقسيمية لا تعجبني، لان الأدب هو أدب في معناه الشامل. وعندما نرضى بالتسمية على أساس الجنس سيكون عندنا أدب إذاعي الذي يكتبه الإذاعيون وأدب مسرحي الذي يكتبه المسرحيون إلى غير ذلك من التسميات الضيقة. و أنا اعتبر أن الأدب هو فضاء يتسع لكل الأصناف الإبداعية الأخرى.

أما عن كتابي الجديد، فهو اقرب إلى السيرة الذاتية منه إلى شيء أخر. و أنا في هذا الكتاب احصر تجارب ومواقف وذكريات أربعين سنة من عمري في عالم الصحافة. واعتقد انه من المهم أن يطلع القارئ العربي على تجربة مهمة في عالم الصحافة،تواصلت كل هذه السنوات بما فيها من نجاحات وخيبات ومواقف وذكريات، وربما سيكون الكتاب مهما جدا لدارسي الأدب ودارسي الصحافة أيضا.

هل يمكن القول ان تونس عبرت الآن بسلام عتبة الحريات الحضارية، بعد قيام الثورة الأخيرة ؟

نعم، يمكن أن نقول هذا، خاصة بعد المصادقة على الدستور الجديد الذي يؤسس للجمهورية الثانية، ويكرس الحريات على نطاق واسع. واعتقد ان تونس تجاوزت اليوم الفترة الصعبة من تاريخها،وقد خفت شخصيا كمواطن تونسي ومثقف على بلادي،من خطر تواصل الأزمة الخانقة التي تردت فيها خلال السنة الأخيرة،وهي أزمة لم تشهد لها البلاد مثيلا في تاريخها والحمد لله،إن الشعور بالمسؤولية الذي تحلى به الجميع،هو الذي ساعد على تجاوز هذه المرحلة الصعبة بسلام، فبعد انجاز الدستور والمصادقة عليه ونشره واعتماده رسميا، تم الانتهاء من تشكيل الهيئة العليا للانتخابات،التي ستعد للانتخابات الرئاسية والتشريعية المنتظرة. وتم تكوين حكومة جديدة من كفاءات مستقلة بقيادة شخصية أظهرت استطلاعات الرأي الأولى رضا غالبية الشعب التونسي على أدائه،وهو محل ارتياح حتى في مظهره واطلالاته التلفزية، وهذا سيساعد البلاد على أن تمر بسرعة إلى الانتخابات، وإنهاء المراحل الانتقالية التي طالت كثيرا وأضرت بها سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

عواطف الزين حول”عزيزي النابض حبّاً”: السوبر أمومة في رواية الواقع

حوار غادة علي كلش:

تشكلّ تجربة الاديبة والقاصة والإعلامية اللبنانية عواطف الزين، مخزونا متميزا في العطاء الأدبي والنقدي والجمالي للكلمة والفكر والمعنى. لها مؤلفات عدة عن أدب الإحتلال، والنقد الأدبي، والحوارات السياسية والثقافية. ولها مجموعة قصصية عنوانها” لو ينطق البحر”.أما نتاجها الذي يلامس نبض القلوب والعقول فهو كتابها” عزيزي النابض حبا” الذي أرادته عواطف شهادة عمر ونضال وأمومة صادقة وهادفة، سردت فيه تجربتها العميقة الطويلة مع حالة ابنها عبد العزيز، المصاب بمتلازمة “داون” . هنا حوار معها يطرح أسئلة الهاجس ، ويحصد أجوبة البرهان:

*كتابك “” يقدم للقارىء العربي، على اختلاف شرائحه الإجتماعية، وخصوصا الشرائح الأهلية والتربوية، خلاصة تسجيلية وجدانية علمية، وتنويرية عن حياة المصابين بمتلازمة داون، بأسلوب سردي شفيف وفاعل. هل تعتقدين أنّ استخدامك الأسلوب الأدبي، كونك أديبة، أسهم في نفاذ الكتاب الى قلب القارىء،وحقق المبتغى الرئيسي المنشود منه؟

-اعتقد ان “لغة الامومة”، هي التي اوصلت الكتاب الى قلوب القراء، في كل مكان وصل اليه. فهذه اللغة المعتمدة على الصدق في التعبير،  اوجدت ممرات آمنة الى قلوب الناس، من مختلف الشرائح الاجتماعية. لأن الكتاب كما -اشرت في سؤالك- هو خلاصة تسجيلية وجدانية علمية وتنويرية،عن حياة  هذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة، واعني بها فئة متلازمة الداون “. بالطبع هناك خصوصية، تتعلق بكوني اديبة اقدم كتابا عن تجربتي مع ابني “عبد العزيز الهاشم” . وهي  انني امتلك حرفة الكتابة، التي تسهل المهمة، وتسهم في بلورة الوقائع والأحداث على صعيد الصياغة والاقناع وتوصيل الفكرة المراد توصيلها الى الناس صغارا، وكبارا، اما  اللمسة الانسانية الشفافة التي تلقي بظلالها على سياق الوقائع، فهي  نابعة من القلب، وترتبط بكوني أمّاً أوّلا، وكاتبة ثانيا، لها اسلوبها الخاص  في الكتابة .

  * حضرني مفهوم ” اللامنتمي” وأنا أقرأ في كتابك هذا تجربتك مع ابنك عبد العزيز المصاب بمتلازمة داون. فمصطلح اللامنتمي ههنا حضر كخط متقاطع مع غربة عبد العزيز عن مجتمعه من جهة، ومع غربة الكاتب الذي لا ينتمي بدوره إلى عاديات الناس بشكل أو بآخر، من جهة ثانية. ما هو السر الذي جعلك تخوضين غمار هاتين الغربتين بنجاح؟

-انا اضيف الى هاتين الغربتين، غربة ثالثة وهي اقامتي بعيدا عن وطني لسنوات طويلة. وهذا الاحساس بالغربة يلازمني، وقد ظهر جليا في سياق السيرة، وعبرت عنه بصدق، لأنني شعرت بقسوة هذه الغربة اكثر عندما علمت بمرض ابني . قد يكون تعبيرك في محله ،بالنسبة لعزيز. هو كذلك اي انه غير منتم الى مجتمعه وعالمه بسبب المرض .لكن محاولتي في تربيته انطلقت من امكانية دمجه في هذا المجتمع، والتعرف إليه.  حتى لا يصبح عالة عليه. وفي الوقت نفسه حاولت من خلال هذا الكتاب،  إيجاد بيئة صحية لهذه الفئة من الاطفال، تكون حاضنة ومدافعة عن حقوقها التي حرمت منها بسبب المرض وتخلي المجتمع عنها . اي ان المجتمع ليس مهيأ تماما للتعامل مع هذه الفئات، لأسباب عديدة يطول شرحها. وهذا ينعكس بشكل سلبي على تلك الفئات، ويعرقل خطط دمجهم في مجتمعاتهم وتؤخر نموهم النفسي والعقلي وتزيد الاوضاع  سوءا . اما الكاتبة التي تسكنني، فهي تنتمي الى الكلمة التي تعتبرها وطنا يعوضها غيابها عن الوطن وغياب الوطن عنها . لا اريد ان اطيل اكثر في الرد على هذا السؤال لانه يحتمل الاسهاب والاستطراد. لكن اختصر لأقول ان المرض اي مرض في حد ذاته هو غربة عن الواقع وعن المفترض، ولا ينتمي الا لأمنية شفاء .اما السر الذي جعلني اخوض هاتين التجربتين بنجاح فيكمن في الامومة ذاتها.

*يختزل عنوان كتابك سيرة ذاتية نابضة بالصدق والقلق والهمّة،  سيرة مطبوعة بمرآة بالغة الشفافية. هل لأنك عواطف الزين استطعت بلوغ شاطىء الامان مع عبد العزيز، أو لأنه عبد العزيز استطاعت عواطف الزين أن تبلغ هذا الشاطىء؟

-هل لأنني عواطف الزين؟ ربما  اكون قد بلغت شاطىء الأمان. بمعنى انني تخطيت المراحل الصعبة في تربية ابني، الذي يحتاج الى “سوبر ام ” تتابع كل صغيرة وكبيرة في حياته، داخل البيت او المدرسة او الشارع مع كل ما يرتبط بهذه المتابعة من تفاصيل قد لا تخطر على البال . لكن التجربة “صقلت” امومتي، وفتحت امامي افاقا شاسعة تعلمت خلالها ابجديات كثيرة عن الامومة ودخلت عوالم جديدة، لم اكن اتوقع دخولها في يوم من الايام . فإبني  “عبد العزيز”  علمني القدرة على الصبر والاحتمال والهدوء. وتكشفت لي في شخصيته جوانب من الحنان والسلام والطمأنينة .قد اكون نجحت في جعله آمنا بمعنى الامان النفسي والصحي والاجتماعي، لانني حرصت على توفير كل ما استطعت من مقومات لجعله كذلك. اي انني لم اهمله او اخجل من الاعلان عن وجوده في حياتي، كما يفعل الكثيرون. وانما تعاملت معه كما أتعامل مع ابنائي الآخرين.، ببساطة استطعت ان اجعل منه  ابنا سويا رغم انخفاض نسبة الذكاء لديه.فهذه الفئة من الاطفال يعطونك بقدر ما تعطيهم من الاهتمام والرعاية والحب .لذا استطيع القول انني وفرت له البيئة الحاضنة،  بمشاركة ابنائي الاخرين الذين احبوه كثيرا، وكانوا يعلمونه نطق الكلمات وسماع الموسيقى وحفظ الاغاني والعديد من الالعاب، الى جانب مساعدتي في تدريسه، ومشاركته في الكثير من الانشطة الرياضية. لذلك كان متفوقا في دراسته، وفي الرياضة  وحصل على الكثير من الجوائز .

*دعوت في كتابك الى إعداد دليل موثق ومعتمد بالبراهين ودقائق التجربة، يضيء على كيفية الاخذ بيد طفل ” الداون” في جميع المراحل ،من الصغر الى اليفاعة ،الى الشباب والنضوج. منْ باعتقادك قادر على انجازهذا الدليل المهم، على مستوى الأفراد والمؤسسات؟

-المؤسسات الحكومية التابعة للدولة، يمكنها اعداد هذا الدليل من خلال تأليف لجان متخصصة مكونة من امهات لهن تجارب في هذا المجال، ومدرسات او مدرسين مختصين في تدريس هؤلاء، واطباء ولادة واطباء نفسيين واعلاميين، وكل من يمكن ان يساهم في رسم ملامح انسانية لذوي الاحتياجات الخاصة على كل صعيد.لأن مثل هذا الدليل يوفر الكثير من الجهد والوقت على الاهل والمدرسة والدولة لانها ستوفر دليلا يساعدها ويساندها في رعاية هذه الفئات من خلال استراتيجية واضحة ومدروسة . على كل مجتمع ان يبادر الى عمل مثل هذا الدليل لانه سيكون بمثابة دليل حضاري على سلوكنا، واسلوب تعاملنا مع غيرنا، ممن لا يتمتعون بقدرات الانسان “السوي” .علما بأن هؤلاء في نظري هم اسوياء بإحساسهم وحنانهم  وسلامهم الداخلي . فالاحساس لا يمكن ان يكون معاقا .

*لك مجموعات قصصية متميزة. من المعروف أن فن القصة في أيامنا هذه، تراجعت جماهيريته، لصالح فن الرواية.الى أي مدى يؤثر هذا التراجع على تطلعات القاص العربي ومنظوره للمستقبل؟

-من الخطأ ان يتراجع اي فن ابداعي لحساب فن آخر ..وانا ارى ان الابداع بكل فنونه، من قصة ورواية وشعر وتشكيل وموسيقى، وغير ذلك، يفترض انه يكمل بعضه بعضا ..قد يصبح سوق الرواية رائجا في فترة ما ،لكن ذلك لا يعني التخلي عن القصة القصيرة او غيرها لصالح الرواية وهذا ينطبق على الفنون الابداعية الاخرى . ما يحدث عندنا يشبه الموضه في عالم الازياء . والابداع ليس موضة .لا نستطيع القول اليوم ان اللون الاحمر هو سيد الالوان ..وغدا لون اخر ..اعتقد ان حركة النشر او دور النشر ذات الطابع التجاري هي المسؤولة عن هذه الحالة . لأن الكتابة هنا ليست بالامر ..قد يعبر الكاتب عبر القصة القصيرة عن مضمون لا يصلح للرواية والعكس صحيح.وليس كل ما يصدر من روايات يستحق القراءة، كذلك الشعر هناك من يكتب “الشعر” ويريد ان يصبح شاعرا من اول خاطرة وهنا المعضلة . الحل هو في ترك النبض الابداعي على طبيعته من دون “تجيير ” لتكون كل الفنون الابداعية حاضرة والمهم ان تكون مميزة وقيمة

وذات جودة وتستحق ان تقرأ ومكتملة الشروط الفنية وهذا ينطبق على كل ابداع .

.