“إن لم تلبطه لبطك”

بدأنا، لكننا لم نصل بعد إلى “العصر الحجري”.
إلا أننا واصلون حتماً، إذا واصل العهد وحكومته الديابية، معالجة الكوارث بـ “طق الحنك”. فمسيرة الألف ميل لم تعد تبدأ بخطوة… بل هي الآن تنتهي بخطوة واحدة، بالكاد تفصلنا اليوم عن “العصر الحجري”، الذي تمناه لنا وتوعدنا به، قبل ست سنوات، وزير الإستخبارات الإسرائيلية “يسرائيل كاتس”.
لا نحتاج، لتحقيق أمنية العدو الإسرائيلي، إلى صواريخه وغاراته.
ها نحن نمضي سريعاً نحو عصر “حجر الصوان” لتوليد الطاقة.
وها نحن نعد أنفسنا لمشاركة الأغنام والأبقار الرعي في المراعي، بعد أن حرّم الغلاء علينا لحومهما.
يبدو أن اللبنانيين ارتكبوا كماً هائلاً من الخطايا، حتى ابتلاهم الله بهذا العهد وهذه الحكومة. وكأنهما، أي العهد والحكومة، لم يكتفيا بالعقاب الإلهي الذي حلّ بنا بحلولهما بيننا، فعمدا إلى حفر قعر المآسي، الذي دفعانا إليه، ليزداد عمقاً وليزداد اللبناني فقراً وتعتيراً.
وسط هذا المشهد الكارثي، نسأل الرئيس حسان دياب:
متى يستقيل المسؤول؟.
قبل أن يغيب الضمير الوطني، وقبل أن تنقرض المشاعر الإنسانية، أجاب خمسة رؤساء على هذا السؤال.
أولهم، كان الرئيس رشيد كرامي.
إستقال في العام 1969 تحت ضغط شعبي، كان من الممكن تجاهله، لكونه صوتاً عابراً بلا أثر وبلا تأثير.
المستقيل الثاني كان الرئيس تقي الدين الصلح.
إستقال في العام 1974 بعد أن رأى في تظاهرات، جرت احتجاجاً على إرتفاع أسعار بعض السلع، سبباً كافياً للإستقالة.
المستقيل الثالث كان العميد نور الدين الرفاعي.
استقال في العام 1975، بعد أيام قليلة من دخوله السرايا. وكان الرئيس سليمان فرنجية قد اختاره ليترأس حكومة عسكرية، مهمتها تطويق بدايات الحرب الأهلية. لكنه استقال لأن الشعب رفض حكم العسكر.
المستقيل الرابع كان الرئيس عمر كرامي.
فعلها مرتين. الأولى في العام 1992 عندما تهاوت الليرة اللبنانية. والثانية في العام 2005 على إثر إغتيال الشهيد رفيق الحريري.
المستقيل الخامس كان الرئيس سعد الحريري.
استقال في نهايات العام 2019، استجابة لغضب شعبي، ما كان قل بلغ أشده بعد.
أما بعد،
ألا ترى الحكومة الديابية أن أسباب استقالتها هي أولى وألح من استقالات الرؤساء الخمسة؟.
“كرامي الأول”، استقال وكانت شعلة الغضب آخذة بالإنطفاء. لا كما اليوم تزداد إشتعالاً، ونيرانها بدأت تحرق كل البلد.
“الصلح”، إستقال لأن اللبناني تذمر من غلاء خجول، لا غلاء فاحشاً حرم اللبنانيين من المأكل، ومنع عن الرضيع جرعة الحليب.
“الرفاعي”، إستقال لينأى بالعسكر عن حكم الشعب. في حين أن حكومة “مواجهة التحديات”، تواجه الشعب وتتحداه بالعسكر.
“كرامي الثاني”، إستقال مرة لأن الليرة خسرت بعض احترامها، ولم تتحول، كما اليوم، إلى عبء لا تعبأ به الأسواق.
واستقال ثانية بعد اغتيال رفيق الحريري، الرجل الذي أنقذ وطناً، بينما لا يتأثر الرئيس دياب باغتيال الوطن نفسه.
“الحريري”، إستقال كي لا يذهب لبنان إلى المجهول. فجاء المجهول ليذهب بلبنان إلى نهايات لا يعلم مخاطرها غير الله.
إذاً، الرؤساء الخمسة “لبطوا” الكرسي في لحظة شعبية… فماذا تنتظر يا دولة الرئيس؟.
هل تعلم أن الكرسي الذي تلتصق به “إن لم تلبطه لبطك”؟… فانقذ نفسك، وابحث معنا عن آخر ينقذ لبنان… وقبل فوات الأوان.

وليد الحسيني

الصفر الرابع

رغم أن اللبناني لم يعد يملك فرصة “فتح فمه” إلا في عيادة طبيب الأسنان، ورغم أن ولي الفقيه أصبح ولي أمر بعض القضاة، سنتابع الكتابة:

أيها اللبنانيون إنها “الجمهورية الفراغية”. فأنتم اليوم تعيشون تحت وصاية الفراغ. فهو الحاكم الفعلي، الذي أوصل العماد ميشال عون إلى لقب فخامة الرئيس. وهو الذي رفع جبران باسيل من رصيف السياسة إلى مصاف الوزراء. وهو الذي وجد في حسان دياب ضالة حزب الله، كنموذج رائع للأمر المطاع.

وأخطر ما فعله الفراغ الحاكم، اختياره الرؤوس الحاكمة مقراً لإقامته الدائمة. بدليل فراغ سلة القرارات من أي قرار له صلة بما يجري.

لقد أدى إدمان الفراغ إلى تمدده، فعم خزينة الدولة. وخزائن المصارف. وجيوب اللبنانيين… وأمعاء الناس.

كل هذه الإنهيارات الملموسة والمعاشة، لم تحرك قصر بعبدا باتجاه الدعوة إلى لقاء وطني للبحث عن خطة إنقاذية. لكنه استدعى من ذاكرة سيد القصر الحرب الأهلية، التي كان من أبرز قادتها، فدعا إلى حوار جامع شامل.

حوار من حيث الشكل يدعو إلى “درء الفتنة”. إلا أنه من حيث المضمون يهدف إلى حرف الأنظار من خطر الإنهيار القائم، إلى خطر من صنع المخيلات.

إعتقد فخامته، واعتقد معه الآباء المؤسسون للعهد القوي، أنهم بالتهويل في الحرب الأهلية، سيفضل اللبنانيون التعايش مع أهوالهم المعيشية، على أن يذوقوا أهوال الحرب التدميرية.

وكان الإعتقاد أنهم بتوفير ظهور “موتوسيكلات عين الرمانة” يوفرون عودة إحياء مخاوف “بوسطة عين الرمانة”.

لكن الحيلة المتذاكية لم تجد من يصدقها. مما جعل الحوار يقتصر على “الأنا وإخوانه”. بعده خرج المتحاورون ببيان فشل في تغطية الفشل.

ماذا بعد؟.

البلد يلد أزمات يومية… والسرايا تحولت إلى مأوى عجزة.

وأخشى ما نخشاه أن يختلط جائع القمع بجائع الثورة، فتحل بذلك لعنة الفراغ، فلا تجد السلطة من يحميها وينفذ تعليماتها بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع.

وعلى الحكومة أيضاً أن تخشى من أن تفقد مبالغات وتبليغات قضاة الممانعة جدواها في منع الناس من النزول إلى شوارع الغضب.

والخشية الأكبر في أن تحل المصيبة الأكبر، عندما يمنح الدولار الليرة اللبنانية صفرها الرابع بالغة بذلك مرتبة العشرة آلاف.

عندئذ سنكون أمام حكومة لا تستطيع انقاذ نفسها من اجتياح الثوار، قبل أن نطالبها بانقاذ الوطن الآيل للسقوط.

الوضع الكارثي يا حكام الصدفة لم يعد يحتمل وضع “اللسان” على الجرح… المطلوب وضع “اليد” على الحل.

سئم اللبنانيون من تحويل الماضي لأعذار تبرر عجزكم.

الماضي هو السبب؟!.

فليكن.

إنما عليكم أن تعلموا بأنكم أنتم القشة التي قصمت ظهر لبنان… مع أن وزنكم السياسي بالكاد يبلغ وزن القشة.

وليد الحسيني

حكومة “لبيك نصر الله”

كما يشاهد الأعمى مسلسلاً تلفزيونياً، شاهدناه يقدم حلولاً تمحو الأزمات من على أرض لبنان، وإلى الأبد.
بالمقايضة، التي سادت قبل ابتكار العملة، أو بالليرة، لا بدولار الشيطان الأكبر، ستزودنا إيران بالغذاء والدواء والطاقة… وبكل ما ليس لنا طاقة على شرائه.
وبالصدقة الجارية عن روح المرحوم الحاج ماو تسي تونغ، ستعيد الصين لبنان إلى أحسن مما كان.
“جنات على مد النظر”. تجري من تحتها الأنفاق، وتنطلق من فوقها القطارات. وينعم أهلها بكهرباء بلا تقنين. وبهواء عليل في بيئة بلا تلوث… وبلا زبالة… وبعمل لكل عاطل من العمل.
خريطة طريق لا تخطئ الطريق إلى الصيني فاعل الخير، ولا إلى الإيراني مصدر كل الخيرات.
خريطة، ما أن أعلنها “سيد النصر”، حتى بدأت حكومة “لبيك نصر الله”، تمهد لاعتمادها.
من دون تلكؤ وفور أن طلع الصباح على خطاب المساء، إنعقد مجلس الوزراء، وحضرت ملائكة طرد الدولار الشرير، الذي ما دخل بلداً إلا وأفسده.
وهكذا يترتب على اللبناني، إذا صدّق ما يسمع عن كرم الصين ومكرمات إيران، أن يكذّب ما يرى من شح في الوقود والغذاء في دولة الولي الفقيه. وأن يكذّب أيضاً ما يراه من محن في دول إفريقية وآسوية وقعت في “مصائد الديون” الصينية.
والخشية كل الخشية أن يسرع لبنان الخطى نحو الشرق، مغلقاً خلفه أبوب الغرب ودول الخليج، فينطبق عليه المثل الشعبي القائل “لا طال بلح الشام ولا نال عنب اليمن”.
وإلى أن يتمكن مفاوضو الدولة اللبنانية من التفاوض باللغتين الصينية والفارسية، سيكون الشعب اللبناني قد انتقل بتفاوضه مع العهد من هيلا هيلا هو… إلى جائحات الجوع، ومنها إلى عواقب لا تخيفها العقوبات… وإلى شغب لا توقفه هراوات مكافحة الشغب.
لا شك أن فخامة الرئيس يستشعر هذه الأخطار. ولهذا بادر إلى الدعوة لحوار أثبت فشله مراراً وتكراراً.
حوار أشبه بإقدام من بترت يداه على منازلة أبطال الملاكمة.
حوار مكشوف الأهداف، وإن تخفى وراء الاستقرار والسلم الأهلي.
إنه يسعى إلى توزيع فشل العهد وحكومته على كل أحزاب لبنان وكتله النيابية وزعاماته السياسية. فلكل حزب وكتلة وزعيم نصيب في الفشل.
من سيحضر لقاء بعبدا، سيحضر بأفكار تنكرية، لا تمت إلى حقيقة أفكاره بصلة. فما سيطرحه سيطرحه. إما لأنه شريك في الورطة أو مجاملة للرئيس… أو خوفاً من غضب حزب الله.
أما أصحاب المواقف الصارمة، الذين لا يقبلون المسايرة، ولا يخافون رفع الأصابع، فلا خيار أمامهم سوى المقاطعة.
للأسف فقد أقدم “سيد القصر” على خطوة لا ينفع بعدها الندم.
فهو الآن بين تصرفين أحلاهما مر.
إما إلغاء الحوار والقبول بالفشل الأصغر… وإما الإصرار عليه، وبالتالي، الوصول إلى الفشل الأكبر.
وسواء ألغى أو أصر، فإن وحش الإنهيار ينمو بسرعة مذهلة.
والمذهل أن العهد وحكومته يحسنان تغذيته.

وليد الحسيني

عودة “دون كيشوت”

سمعنا خطاباً نارياً ألهب المشاعر وأيقظ الخيال.
لم يعد “دون كيشوت” أسطورة أدبية، خرجت من مخيلة الكاتب الإسباني “ميجيل دي سير فانتس”.
ها هو لحم ودم.
لبس الدرع، حمل السيف والرمح و”المشط” وانطلق باعثاً عهد الفروسية المنقرض.
زأر وكأنه الأسد، وكأننا في غابة، وأبلغنا أنه سينقذ لبنان لا محالة.
رأى “طواحين الفساد” فأدرك أنها شياطين ذات أذرع عملاقة. وأنها مصدر كوارث لبنان وويلات اللبنانيين.
إكتشف بإلهام لا يخطئ، وبقدرات غيبية خارقة، أن هذه الطواحين الشريرة تعد انقلاباً على خططه الإنقاذية، لتحرمه من نصر مؤكد، ستتحدث عنه الأجيال من جيل إلى جيل.
لنتوقف قليلاً عن الوعود الخرافية. فلا شيء يمنع من العودة إلى الواقع لمتابعة الإنجازات المنجزة.
لو تابعنا التعيينات مثلاً، لما ترددنا بوصفها بالمثالية، التي تُضرب بها الأمثال.
إلتزام بمعايير متحررة من عارٍ وعورات، لطخت تاريخ كل التعيينات التي ارتكبتها حكومات ما قبل حكومة حسان دياب.
“شفافية” لا تحتاج إلى مصادر مطلعة وموثوقة ليستشف القاصي والداني أين يقع مربط كل اسم. ومن سمّاه. وعلى من يسمى.
“كفاءة” متفوقة في تبادل المكافآت بين المكافأ والمكافئ.
“خبرة” في الرجوع إلى المرجعيات في الشارد والوارد.
“إختصاص”… فكل فريق يختص بتعيين من يخصه.
وهكذا تكون الحكومة قد التزمت بخيارات نزيهة ومنزهة عن جبر خواطر جبران باسيل وشركاه في دفن “الشيخ زنكي”.
ولأن المصائب تتوالى، كان من السهل تناسي مصيبة التعيينات بحلول مصيبة جنون الدولار. وكان الأسهل على اللبناني أن ينسى المصيبتين فور وقوع مصيبة سب السيدة عائشة. وكان الأنسب تجاهل المصائب الثلاث أمام إضرام الحرائق في وسط بيروت ومحيطه في محاولة لتشويه الثورة بانتحال صفة الثوار.
ترى من هو نيرون لبنان الذي يمتع أنظاره بحريق الوطن؟.
أليس بين هذا الكم من الرؤساء والوزراء والنواب، من يفكر بعقله لا بمنصبه؟.
لن تخرب البصرة إذا استقالوا. فالخراب سيتمادى ويتسع إن لم يفعلوا. فمن غير المجدي، في ساعات الجد الاتكاء على هيستيريا التقديس. فلن تزهق الأرواح وتهدر الدماء بعد الآن فداء لأحد. بل ستزهق وتهدر دفاعاً عن اللقمة وحليب الطفل وحبة الدواء.
إن التجني على الماضي، لن ينجي الحاضر… والإخلاص للوطن يستوجب التخلص من الكراهية والكيدية والاستقواء.
هل يدرك النائمون في عسل السلطة أن الأنواء الساحقة الماحقة لم تصل إلى لبنان بعد… لكنها واصلة بلا ريب.
لا يُطلب منكم أن تضحوا بحياتكم من أجل لبنان. المطلوب أن تضحوا بغبائكم الذي سيؤدي إلى التضحية بحياة لبنان.
لقد فشلت الدولة والدويلة في إيجاد المخرج… فاخرجوا من دولتكم المحكومة ودويلتكم الحاكمة وابحثوا عن عطار يصلح ما أفسده دهركم.

وليد الحسيني

مزحة القيصر!!

كما حجزت المصارف أموال المودعين بالإكراه، يحجز قصر بعبدا صلاحيات حسان دياب بالتراضي.
ربما كان للمصارف أعذارها.
لقد غدرت بها الدولة.
شفطت كل أرصدتها من الدولارات.
صرفتها بين هدر وفساد.
وحين حلت ساعة الحساب، حلت لعنة الإفلاس على المصارف. فالدولة كانت من المبذرين. وما على المصرف المركزي، ومعه كل مصارف لبنان، سوى نقع سندات اليورو بوندز وشرب مياهها. وإذا امتنعوا، فالدولة لن تمانع في أن “يبلطوا البحر”.
كذلك للقصر أعذاره.
إنه العهد القوي… والأقوياء دائماً يحكمون.
فلا كهرباء بلا سلعاتا.
ولا تشكيلات قضائية تزحزح قاضية القصر من مكانها.
ولا آلية للتعيينات تتناقض مع آلية جبران باسيل.
ولا سد يقف في وجه سد بسري.
ولا تصديق على نتائج إمتحانات الخدمة المدنية، إذا لم تكن في خدمة التيار الوطني الحر.
ولا نأي بالنفس ينأى بحزب الله عن التدخل في ما يعنيه… ولو كان لا يعني لبنان.
وفي القائمة لاءات أخرى، تفوق القدرة على التذكر. وهي جميعها تندرج ضمن “الصلاحيات الدستورية”، التي تجاهلها فخامة رؤساء ما بعد الطائف، إما عن خوف، أو عن جهل.
صلاحيات بالجملة أخفاها حذاق رؤساء الحكومات المتعاقبة على السرايا، من عهد الياس الهراوي إلى عهد ميشال سليمان، مروراً بعهد الرئيس المقاوم إميل لحود.
لكن سرقة الصلاحيات انكشفت. ونجح الرئيس ميشال عون في نبش مخابئها، ومن ثم، إعادتها إلى الحياة الدستورية. ويقال أن الرئيس حسان دياب، الذي لا يخطئ في “الإملاءات”، هو من أفشى سر مكان إخفائها، وهو من منحها شرعية الإغتصاب، تقرباً من عهد وحزب، يعتقد دولته أنهما صنّاع رؤساء الحكومات.
كل هذا لا يهم، في ظل تكاثر الهموم الثقيلة.
الأهم، كيف نواجه الإنهيار المستعجل؟.
اللبناني، أيها الراقدون في مجلس الوزراء، يصارع أمراضاً لا تمهل. والحكومة تمنح نفسها مهلاً لا تسقط بمرور الأزمات وأزمنتها.
الحكومة البليدة تبلدت مشاعرها الإنسانية والوطنية.
تحججت بوباء “الكورونا”، ففرضت الإقامة الجبرية على اللبنانيين. وكلما انقضت فترة، ألحقتها بأخرى. على أمل أن تبقى الساحات خالية من المنتفضين على أدائها وأدواتها.
ولأن للصبر حدوداً، فقد خرج الثائرون عن حدود الصبر، وعادوا إلى الساحات… وإن كانت عودتهم أقل حشداً وأكثر خلافاً.
ومع هذا فإن الأهم لم يأت بعد… ونعني وباء “القيصر الأميركي”، رغم أنه يخبط اليوم على أبواب لبنان.
لكن الحكومة ترفض أن تسمع “الخبيط” الأميركي. فالسمع والطاعة متفرغان لدول الممانعة وتنظيماتها المسلحة، فهناك للبناني رب يحميه من سم قيصر أميركا القاتل.
لماذا نخافه؟.
سنقاومه بالمقاومة. وبقرارات مجلس الدفاع الأعلى. وبإنجازات الـ 97 بالمئة. وبالصلاحيات الدستورية المبتكرة والمفبركة. وبالمعارضة التي تحولت إلى معارضات شتى. وبالثورة المصابة بالإنفصام وبزهايمر الأهداف. وبالفتنة التي لم تنم منذ ألف وأربعمئة عام. وبالإنفتاح على كرم الصين، الذي سقط سهواً من كتاب البخلاء للجاحظ. وبالاستعانة بإيران التي تبحث عن معين. وبالإستنجاد بقيصر روسيا، الذي يبحث بدوره كيف يحمي نفسه من قيصر أميركا. وبالقنابل المسيلة لدموع ترامب.
يا أيها العهد القوي، ويا وزراء لا حول ولا قوة، أي عدة تعدون لمواجهة الوباء الأميركي الزاحف إلينا… وبماذا تعدون اللبنانيين؟.
ألستم أنتم من أبلغنا بإلحاح ممل بأن “الكورونا” ليست مزحة؟… فمن أقنعكم بأن قانون قيصر مزحة؟… ومتى تتعاملون مع مصائب لبنان بجدية ومسؤولية… وتكفون عن المزاح؟.
متى؟.
غداً؟.
… وغدكم لناظره بعيد بعيد.

وليد الحسيني

لا نظن

إقرعوا الطبول واسرجوا الخيول، فقد رفعنا السرية المصرفية. وقررنا آلية لتعيينات الفئة الأولى، بحيث أصبح الاستزلام بقانون. و”مشطنا” المعابر غير الشرعية. وعفونا عن قانون العفو، فرسخنا عدالة الظلم. وأعدنا لجبران باسيل غنائمه في سلعاتا… ورزقنا مرتزقته بما بقي في بيت المال.
أظن أن أزماتنا أكثر تعقيداً من لعب الأطفال هذه. وأن معالجتها تحتاج إلى واقعية لا تستوحي بطولاتها من المسلسلات الكرتونية. فـ “السوبرمانية”، التي تحكم لبنان منذ ثلاث سنوات، لا يمكن أن تنجز سوى إنجازات خيالية، لا تتحقق إلا في خيالات الأطفال.
الخطر يزداد خطراً.
لقد كتب الله لنا أن نواجه الأخطار بحكومة غير قابلة للشفاء.
حكومة تتقن التراجع حين الكوارث تتقدم.
من يقرأ، لا بد أنه قرأ في كتب التاريخ عن “المجاعة الكبرى” التي قتلت ثلث الشعب اللبناني أوائل القرن الماضي.
وبالانتظار، لا بأس في إضاعة الوقت في ثرثرة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.
وبالانتظار، لا بأس في اعتماد الكيدية والانتقام كثوابت حكومية تغذي جهنم الغضب والكراهية والمذهبية بوقود “غير مغشوش”.
ترى! ألم يتأكد بعد حسان دياب من استحالة النجاح؟… وأن الرجوع إلى بيته فضيلة يتفضّل بها على اللبنانيين؟.
وإذا كان قد فشل في إخراج لبنان من مصائبه العظمى، فكيف له إخراجه من الآتي الأعظم؟.
وبالذات عندما يكون الآتي وباء أفتك من الكورونا.
هل يعرف، ويفترض مجاملته على أنه “سيد العارفين”، بأن قانون “قيصر” الأميركي، سيغدق ويغرق المنطقة بشرور قد تصل إلى حرب تنقذ ترامب في إنتخاباته، وتهز إيران ولو عن بعد.
وهل يعرف أن ذلك لن يكلف أميركا شيئاً، لكنه سيكلفنا كل شيء؟.
قد يسأل عباقرة العهد والحكومة: ما علاقة لبنان بقانون قيصر وبعملياته القيصرية؟.
صحيح أن القانون يستهدف سوريا بنصوصه… لكن ليس كل ما يُستهدف يقال. إذ حيثما تحشر أميركا أنفها، تكون هناك حتماً مصلحة إسرائيلية، تبلغ ذروتها عندما يصيب حجر قانون “قيصر” عصافير الممانعة بالجملة.
والسؤال الأهم، الغائب عن “السوبرمانية” الحاكمة:
أيهما أولاً في الحسابات الأميركية: سوريا أم حزب الله؟.
الإجابة المحسومة تؤكد أن لبنان ساحة مثالية لإشعال الحرب. حيث لا قوى كردية مسلحة ولا روس ولا أتراك ولا حرس ثوري ولا حشود شعبية عراقية وممذهبة ومبرمجة. فالحرب في لبنان محصورة ومحاصرة بحزب الله… ولا شريك له.
الحجج التي تطال لبنان وفيرة، وتوفر لعقوبات قيصر فرص الانقضاض على العهد والحكومة ومجلس النواب، على اعتبار أن الجميع يجلس مستسلماً في حضن حزب الله… سواء من شاء أو من أبى. وحزب الله بدوره على تواصل مع سوريا، وصل إلى التورط العسكري الكامل والشامل.
إذاً، مبررات “القيصر” الأميركي كافية ليفعل في لبنان ما لا يُفعل. ولا نظن أن حزب الله سيطلب المغفرة. ولا نظنه سيفتح مجالس العزاء. ولا نظن أن العدو الإسرائيلي سيضيع الفرص. ولا نظن أن العهد القوي سيقوى على لجم حزب الله، أو على ردع العقوبات ومنع الحرب. ولا نظن أن حسان دياب سيعقلها ويستقيل. ولا نظن أن أحداً في لبنان يعرف إلى أين ستنتهي به وحدة المسار والمصير.
وبعد كل هذه الظنون… لا نظن أن بعض الظن إثم… إنه جريمة حرب.

وليد الحسيني

” الكمساري”

ليت حسان دياب لم يتكلم… وليتنا لم نسمع. فكما أعذب الشعر أكذبه، يكون أعظم الإنجازات أكذبها أيضاً.

وتحاشياً للأكاذيب التي تسبق سرعة الصوت، لم يقل دولته كيف ينجّي الجائع من الجوع؟… ولا كيف ينقذ الشركات والمطاعم والفنادق والمصانع المُفلسة من الإفلاس؟… ولا كيف يساعد الآباء، بمداخيلهم المتآكلة أو الغائبة، على عدم تحويل أولادهم من “أولاد مدارس” إلى “أولاد شوارع”.

تقول الأمثال: إذا لم تستح فقل ما شئت.

وقد قال ما شاء.

تحدث عن إنجازات تكفي ليضحك ووزراؤه على ذقون الشعب بأكمله.

قال أنه أصلح “السكة”. وأن “قطار التعافي” بدأ رحلة الإنطلاق.

لكن قطار علاء الدين السحري لم ولن يغادر المحطة… فلا المارد سيظهر ولا الركاب سيصعدون.

لا أحد يثق بالسائق. ولا بصلاحية “السكة”. ولا بسلامة العجلات.

صندوق النقد الدولي، وهو ضيف الشرف في “رحلة التعافي”، يخلط في مفاوضاته التقني بالسياسي، وبشكل يستحيل الفصل بينهما.

هو يشترط إختيار رفاق الطريق. فكما لا يقبل أن يشاركه في سفر الإنقاذ شافطو الدعم والقروض ومهربو المعابر، لا يقبل أن يشاركه في الرحلة من يزعمأن الدفاع عن لبنان يستدعي الدفاع عن سوريا والعراق واليمن وإيران.

يستحيل أن يُقدم الصندوق على تقديم قروض طويلة الأجل، من أجل فتح ثغرات في جدران حصار وعقوبات مفروضة على دول ولاية الفقيه.

هو يدرك أن أي دولارات يضخها في السوق اللبناني، ستقوم قوى الأمر الواقع، وواقع العهد القوي، بتهريب معظمها إلى أسواق دمشق وطهران.

ولأن حكومة الإنجازات لا تجرؤ على تلبية شروط الصندوق، فإن الفشل سيكون خاتمة المفاوضات… مهما طال زمن التفاوض.

لا شك أن “كمساري” الحكومة الدكتور غازي وزني سيصاب بالخيبة، وهو يجوب المقطورات الفارغة من الركاب. وكان قد وعد نفسه بجباية أموال تكفي لملء خزان “قطار التعافي” بالوقود.

أما مجموعة “سيدر” فهي ترفض الصعود قبل أن تتأكد من أن كلام السرايا لا تمحوه تعليمات الضاحية وبعبدا.

مع ذلك لا يقطع “الكمساري” وزني الأمل.

يبحث عبثاً عن المغترب اللبناني، فهو منبع وطني للدولارات لا يجف ولا ينضب.

لكنه لا يجده. فقد تلقى منه إعتذاراً عن العودة إلى وطن لدغ من جحره في إيداعاته وتحويشات عمره.

وللسبب نفسه يغيب المستثمر الخيلجي عن “رحلة التعافي” اللبناني، عملاً بالقول الشعبي: من جرّب المجرب فإن عقله مخرّب… وكان المسكين قد جاء لبنان مستثمراً فاستثمروه بلا شفقة.

حتى لصوص المال العام في الوطن العربي تخلفوا عن ركوب “قطار الإنقاذ”، فهم لن يكرروا حماقة اللجوء إلى لبنان، الذي لجأت دولته إلى الإستدانة فسرقت منهم ما سرقوه من دولهم.

لم يبق لـ “الكمساري” الصابر سوى الإنتظار في مقطورة النواب والقضاة.

ها هم ينكبون على تشريع قوانين إستعادة الأموال المنهوبة.

وسينتظر الدكتور وزني طويلاً:

إلى أن يقر المجلس النيابي القانون المنقذ.

وإلى أن يُعدَّ الإدعاء العام لائحة بأسماء الناهبين.

وإلى أن يجد وثائق الإدانة وأدلة النهب.

وإلى أن تمر الأشهر، وربما السنوات، ما بين جلسة مؤجلة للشهود، وما بين جلسات مؤجلة للدفاع. 

وإلى أن تصدر الأحكام بعد عمر طويل.

وإلى أن تلتزم المصارف المبعثرة في العالم، بأحكام القضاء اللبناني.

وإلى أن تقطع وزارة العدل دابر المماطلات بتقديم الأدلة، التي ستطالب بها مصارف العالم، تحت حجة التأكد من أن الناهبين ناهبون فعلاً.

وإلى أن تقتنع هذه المصارف بأدلة وزارة العدل اللبنانية.

وإلى أن تقبل بالتنفيذ… وتُقبل على التحويل.

إلى أن يتم كل هذا… ماذا سيكون حال لبنان واللبنانيين؟..

الخراب؟؟.

طبعاً وبالتأكيد.

فالخراب هو الإنجاز الوحيد للحكومة الديابية، الذي إذا به وعدت… صدقت.

وليد الحسيني

قصة قصيرة

إستوى العهد القوي على العرش.

هلل الحلفاء والأتباع والمنجمون.

ملأت البشائر جهات لبنان الأربع.

سمع “المواطن” ما يشاع ويذاع ويكتب.

توجه متلهفاً إلى “مطار العهد” ليختار رحلته الأولى في بلاد العز.

وقف، متباهياً فخوراً بلبنانيته، أمام لوحة الرحلات المغادرة.

قرأ.

لم يصدق.

طائرة الإستقرار… ألغيت.

طائرة البلوك 4… ألغيت.

طائرة الإصلاح والتغيير… ألغيت.

طائرة السيادة والنأي بالنفس… ألغيت.

طائرة التشكيلات القضائية… غادرت إلى مطار أهل الكهف.

أصيب “المواطن” بالخيبة والذهول.

جلس حزيناً على أقرب مقعد صادفه.

وضع يده على خده مكتئباً متسائلاً:

إلى أين أذهب… وكل رحلات البشائر قد ألغيت؟.

أدرك أن لا فائدة في الإنتظار.

نهض متثاقلاً مقرراً الرجوع إلى بيته الآيل للسقوط.

وعد نفسه بالعودة إلى المطار ذات يوم. فربما بعد “ثلاث سنوات” يأتي عهد تصدق فيه البشائر، وتتقيد فيه الطائرات بوجهتها ومواعيدها.

وفيما كان يهم بمغادرة صالة المسافرين، طرأت عليه فكرة المرور على صالة الوصول.

قد يجد في الطائرات الواصلة ما يزيل الهم والغم.

لم تكن المسافة بعيدة بين الصالتين.

مجرد سلم… نزله، ومشى بضعة خطوات، فوجد نفسه أمام لوحة الوصول.

قرأ.

أيضاً لم يصدق.

طائرة الإفلاس… هبطت منذ قليل.

طائرة الإنهيار… تهبط الآن.

طائرة الجوع… تهبط بعد قليل.

لم يكمل “المواطن” قراءة اللوحة.

غادر المطار مسرعاً ثائراً.

تراجع عن قرار العودة إلى البيت.

نزل إلى الشارع.

نصب خيمته.

رفع قبضته.

صرخ صرخته.

لم يره ويسمعه من رجال الدولة، سوى رجال الأمن.

هوت على رأسه الهراوات.

أدمت جسده ركلات الأحذية العسكرية الثقيلة.

هرب لاجئاً إلى خيمته.

مجدداً وضع يده على خده، ضارباً أخماسه بأسداسه.

ما العمل… وإلى من يشتكي؟.

تذكّر أن “محللاً استراتيجياً” قال ذات مرة، في مقابلة تلفزيونية، أن في قصر بعبدا يقيم أب حنون.

تغلب على تعبه وآلامه، ومضى إلى هناك.

قبل أن يبلغ عتبات القصر، منعه الحراس من متابعة طريقه.

سألهم ببراءة:

أليس ذلك المبنى الجميل، فوق تلك الهضبة الخضراء الفاتنة، هو قصر الشعب؟!

أجابوه:

نعم. لكنك لست من الشعب. الشعب يرتدي قميصاً برتقالياً. ويضع على رأسه قبعة برتقالية. ويرفع الإبهام والسبابة تأكيداً على حبه للوطن.

سالهم بسذاجة:

إذاً، من أنا؟.

أجابوه إجابة لا تقبل التشكيك:

أنت إما مندس… أو مخرب.

عاد صاغراً إلى خيمته.

منع نفسه من البكاء.

الرجال لا يبكون… هذا ما قاله الآباء والأجداد.

فجأة سمع دوي إنفجارات.

وفجأة سالت الدموع من عينيه.

ماذا حصل؟

إنها القنابل المسيلة للدموع… فالحكومة تعرف كيف تُبكي من لا يبكي من شعبها.

مسح دموعه القسرية.

تساءل وهو في قمة الغضب:

أين نوابنا… وأين ما وعدوا؟.

لم ينتظر الجواب.

أسرع إلى ساحة النجمة.

حاول صعود الدرجات القليلة، التي تفصله عن بوابة مجلس النواب.

خرج عليه الحراس من كل حدب وصوب.

لم يكتفوا بمنعه… بل أمعنوا في ضربه.

كانوا يشبهون حراس بعبدا في كل شيء، إلا بلكنتهم الجنوبية.

لم يخف… لم يستسلم… صرخ بوجههم:

أريد التحدث إلى نوابنا.

بتهكم رد أحد الحراس:

تتحدث إليهم في الإنتخابات المقبلة. فآذانهم لا تُفتح للعامة، إلا عندما تُفتح الصناديق للإقتراع.

إنها خيبة أخرى… وعودة مرة أخرى إلى الخيمة… ومرة أخرى أيضاً يضع يده على خده وقد أنهكه التوتر والقلق.

لكن، وكما سقطت التفاحة على رأس “نيوتن” صرخ المواطن:

وجدتها… وجدتها.

سأذهب إلى السرايا.

هناك مقر حكومة القرار والأمر والنهي.

توجه إلى ساحة رياض الصلح.

إنكفأ صعوداً إلى المبنى التراثي، الذي جدده رفيق الحريري وأعاده إلى الحياة من جديد.

تسلل إلى الباب الخشبي الكبير.

قرعه واثقاً من أنه أخيراً وصل إلى من بيده الحل والربط.

خرج من خلف الباب شاب فليبيني أنيق.

استغرب “المواطن” وجود أجنبي في مكان بمستوى رئاسة الحكومة.

ورغم أنه يعرف المكان جيداً، سأل الفليبيني الواقف أمامه:

أليست هذه هي السرايا؟.

ردّ الرجل بلغة اختلط فيها العربي بالإنكليزي:

نو سير… هيدا بيت مستر بريزيدانت حسان دياب.

هنا تحولت الخيبة إلى صدمة.

أقفل راجعاً إلى خيمته في ساحة الشهداء.

حدّق في التماثيل العارية الصامدة.

كاد يترحم على جمال باشا السفاح… فحتى بين السفاحين هناك من هو أرحم من الآخر.

كاد… لكنه لم يفعل.

وليد الحسيني

الفساد الصالح والإصلاح الفاسد!

نظرياً، نحن شعب محظوظ.
حتى عندما خاب أملنا في دخول نادي الدول النفطية، سرعان ما عوضتنا حكومة الآمال بـ “خطة إقتصادية” تعيد لبنان جنة، نسأل الله أن يحفظها من شر كل حاسد إذا حسد.
صحيح أننا بعد صبر وحفر، كاد يثقب بعمقه الجهة الأخرى من الأرض، لم نعثر على غاز ونفط، لكن الصحيح أيضاً أن تنقيبنا لم يطلع على “فاشوش”.
لقد كشفت لنا حفارات شركة “توتال” الفرنسية منجماً من الملح. بدأت حكومتنا تغرف منه فور إكتشافه. وظهر ذلك الغرف جلياً في بنود “الخطة الإنقاذية”، التي كتبت بأبجدية “الكذب ملح الرجال”.
الخطة التي انتظرناها طويلاً، إستهلكت كمية هائلة من ملح “البلوك رقم 4”. فكل بند من بنودها إحتاجت صياغته أطنان من “ملح الرجال” تساعد على إقناع الناس بالكلام المعسول.
ومع ذلك، بقي لدى الحكومة مخزون من الملح يكفي لإعداد الكثير من الخطط، ولإلقاء المزيد من الوعود… ولفتح أبواب ليلة القدر ليدخلها اللبنانيون زرافات ووحدانا.
لو استمع اليائسون جيداً لكلمات أصحاب الفخامة والدولة والمعالي، ولو قرأ المحبطون بإمعان تفاصيل خططهم السحرية، لما قنطوا من عبقرية حكومة العشرين. فإن لم تفلح عبقرية هذا الوزير في انتشال “الزير من البير”، فالبركة بعبقرية رئيسه.
وبما أننا استمعنا جيداً، وقرأنا بإمعان، يمكننا الجزم بأن لبنان يهرع حثيثاً نحو الرفاهية.
نظرياً، الحلول انطلقت وهانت.
صندوق النقد الدولي وافق على بدء المفاوضات.
حزب الله موّه كمائنه المنصوبة، وسحب “الفيتو” من التداول.
إجتماع قصر بعبدا جمع المصفقين للخطة… فصفقوا بالإجماع.
لكن ماذا بعد الحرب بالنظارات والتنظير؟.
قد تستمر المفاوضات بضعة أشهر، تليها سنة وراء سنة، إلا أنها ستبقى مستمرة مهما كره الكارهون، وتربص المتربصون، وأغرض المغرضون.
لا شروط تصعب على وفدنا المفاوض… فكل المصاعب محلولة.
يتشدد الصندوق… تتراخى الحكومة.
ومن تراخي إلى آخر يصل المتفاوضان إلى تسوية، قد لا تستوي مع السيادة، لكنها تستوي مع الحاجة إلى الإقراض.
هذه النتيجة ليست استباقاً للمفاوضات… ولا تدخل في باب الفرضيات. هي قراءة متأنية في سوابق صندوق النقد الدولي. ويعرفها القاصي والداني… وحزب الله سيد العارفين.
ولأنه يعرفها مسبقاً، وافق حزب الله على المفاوضات ليستعمل نتائجها سلاحاً يعزز به سلاحه، وليؤكد للعهد وحكومته أن للإنقاذ طريقاً واحداً يمر من فوهة بندقيته.
إذاً، بتهاوي مفاوضات الصندوق، ستتهاوى أحلام “سيدر” وأوهام العبور إلى دول الخليج.
وتبقى الأسئلة الخطيرة، التي تتجاهلها حكومة “رجال الملح”:
ماذا سيحصل بين بدء المفاوضات ونهايتها؟.
هل يتوقف الدولار عن الإعتداء على شرف الليرة اللبنانية؟.
هل يبقى الجائع على قيد الحياة؟.
هل يستمر العامل والموظف في عمله ووظيفته؟.
هل تجد المواد الإستهلاكية من يقدر على شرائها؟.
هل ينجو متجر أو شركة أو فندق أو مطعم من الإقفال؟.
يقول الأقدمون في مواجهتهم للأزمات أن النصر صبر ساعة… ولم يقولوا صبر خمس سنوات، كما جاء في خطة الحكومة.
إن محاربة الفساد بإصلاحات فاسدة وعاجزة، قد تجعل اللبناني يترحم على حكم الفاسدين… فأن يأكل الخباز نصف الخبز، أفضل من أن يحرق الفاشل الخبز كله.

وليد الحسيني

خطة المراهقة الاقتصادية

المواطن العربي متهم كيفما تصرف.

إذا التزم الصمت… فهو يلتزم بالصمت الذي يسبق العاصفة ويستعد لها.

وإذا أقلع عن قراءة الصحف… يكون قد إقتنع بكتابة المناشير.

وإذا توقف عن الإعتراض… فهذا يعني أن لا شيء يعجبه في البلد.

وإذا عجز عن إطعام أطفاله… فإنه يحرضهم على الثورة في يوم ما.

وإذا غاب عن المقهى، لعدم إمتلاكه ثمن فنجان القهوة، يكون قد تفرّغ لتشكيل الخلايا السرية.

وإذا تاب عن شرب الخمر… يكون قد أدمن شرب الأفكار الهدامة.

هكذا كانت العلاقة بين الدولة والمواطن.

هي تلاحقه بالريبة والشك. وهو يهرب منها مقتنعاً بأنه من سلالة “الأرانب”.

ودارت الأيام. فلم تعد الدولة تخيف، وما عاد المواطن يخاف… فقامت في لبنان انتفاضة 17 تشرين.

استجابت حكومة سعد الحريري لمطالب الثوار فاستقالت. واستجاب “نواب المحور” لمطالب حزب الله فولد “الجبل” حكومة حسان دياب.

وفجأة هبطت على الحكومة نعمة الكورونا. فاستعان وباء الدولة بوبائها، فالتزم الثوار منازلهم… وخلت الشوارع، بعد أن نامت نواطير الثورة عن الثعالب.

إعتقدت الحكومة أن نومها في العسل سيطول. إلا أن الجوع الذي خرج شاهراً سيفه على الناس، أخرج الناس شاهرة غضبها على الحكومة.

ولم ينفع إعلان “الخطة الإنقاذية” بإعادة الثوار إلى منازلهم.

على العكس. زادت النقمة نقمة. حيث قام اللبنانيون ببل أوراقها الـ “64” وسقوا ماءها للعهد ومتعهديه.

هي خطة منحها فخامة الرئيس وسام “اليوم التاريخي”، مع إشادة، إعتقدنا معها، أن يوم إعلانها سيتحول إلى “يوم وطني”، تعطل في ذكراه الدولة، وتتزين بمناسبته الساحات، وتشاد له أقواس النصر على الحقبة الحريرية، التي إغتصبت السلطة من براثن الحرب الأهلية، والتي نهبت آثارها الإبداعية في الخراب والدمار وأخفتها في قعر البحار.

هي خطة بدأها الرئيس حسان دياب بكلمة “مبروك”.

مبروك على ماذا يا دولة الرئيس؟.

مبروك على إغداق أوهام، يجري تسويقها كإنجاز لم يعرفه لبنان من قبل. وما كان سيعرفه لو لم يحظ بحكم “الأسرة الفرعونية” وعهدها القوي؟.

مبروك على معالجة الدين بالإستدانة… عملاً بالقول الشائع “مطرح ما فعلها شنقوه”؟.

مبروك على تحرير الليرة من قيد “الثبات” وتحويلها إلى كرة من الريش المنتوف يتقاذفها الدولار؟.

مبروك على “الهيركات” المتنكر بتسميات مكشوفة، والذي لا يفرق بين المال الحلال والمال الحرام؟.

مبروك على التهيؤات بأن عشاق لبنان، من مغتربين وعرب وأجانب، يقفون في الطوابير على باب وزارة المالية، حاملين المليارات لكسب ود أميرة “الإصلاح والتغيير”؟.

من أين أتت لدياب الثقة بأن البنك الدولي سيصاب بسكتة ضميرية إذا لم يستجب سريعاً لمطالب لبنان بضخ عشر مليارات. وأن سيدر ينتظر إشارة من “إصبع السيد” ليدر بدوره ملياراته الموعودة؟.

إنها خطة إصلاحية تساهم في ارتكاب المزيد من الجرائم الدستورية. وهي بذلك لا تصلح إلا للحجر عليها في “إصلاحية الأحداث”، الذين لم يبلغوا سن المراهقة الإقتصادية بعد.

ليست هذه كل السيئات. فالخطة حافلة بالنواقص والثقوب السوداء. فالتذاكي لا يخفي الغباء… بل يكشفه.

لقد غاب عن خطة الغيبيات، إنقاذ الجائعين من جوعهم. والمودعين من شفط ودائعهم. والمؤسسات من الإفلاس.

لقد تجاهل من بشرونا بالجنة، كل الهموم الحقيقية، وتخلوا عن كل المهمات الملحة.

يتمتع المبشرون ببعد نظر يمتد فيه الحل إلى حلول عام 2025. وكأنهم بذلك يقولون للشعب اللبناني، وبكل وقاحة وقلة أدب، “عيش يا كديش تينبت الحشيش”.

وليد الحسيني