بسوريا بلبنان… نفديكِ يا إيران

walidأكثر الهتافات إهانة للإنسان هتاف: بالروح بالدم… نفديك يا “فلان”.

هذا الهتاف لم يأخذه أحد على محمل الجد، إلى أن تطور بقوة “فائض القوة”، وأصبح “بالعراق بسوريا بلبنان… نفديكِ يا إيران”. وهكذا يكون قد انتقل من مرتبة “النفاق السياسي”، إلى مرتبة “الإلتزام الإيديولوجي”.

لا خطأ في الإستنتاج. فأهم عبارات الخطاب الأخير للسيد حسن نصرالله توحي بذلك.

لقد قالها جازماً، بأنه عندما يجد الجد، وتشن أميركا حربها على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يسقط الحياد والنأي بالنفس وكل الخطوط الحمراء.

وبشرّنا حاسماً، بأن “دول محور المقاومة” ستلبي، بلا تردد، نداء الدفاع عن دولة إمام هذا الزمان.

وبما أن التبعية لإيران، لم تعد سراً من أسرار السيادة والإستقلال، فأقل واجبات “دول المحور”، أي العراق وسوريا ولبنان، الدفاع عن إيران إذا هاجمها الوحش الأميركي.

فإيران، بصريح خطاب سيد المقاومة، “هي قلب هذا المحور. ومركزه الأساسي. وداعمه الأقوى. وعنوانه. وعنفوانه. وقوته. وجوهره”.

لا نجادل بحرية المعتقد ولا بحق العقائديين بربط قدرهم بقدر من يرونه أهلاً لذلك.

لكن ما يستحيل أن تسمح الحرية به، قيام قلّة من أمة، بإلحاق أمة بكاملها في أمة أخرى.

الأمر بالنسبة للأمة العربية، أكبر وأخطر من الولاء لولاية الفقيه. وبالذات عندما يتم إخضاع الحاضر لاستنساخ الماضي. فتماماً، كما خرافة “إستحضار الأرواح”، يستحضر العثمانيون والفرس إمبراطوريتيهما.

وإذا كان الرئيس التركي الطيب أردوغان، قد خطط وفشل في استعادة إمبراطورية أجداده، فإن المرشد الأعلى السيد خامنئي تجاوز التخطيط والتنفيذ إلى السيطرة.

وبالتمعن في مصير “الفشل العثماني”، نجد أن أردوغان لم يفز سوى بفتات “الأخوان المسلمين”. في حين أن “النجاح الإيراني” مكّن خامنئي من الإستيلاء الجزئي على أربع دول عربية حتى الآن، وفق ما يؤكده معاونوه الذين لا ينطقون إلا بما يمليه عليهم الجالس على عرش الإسلام في هذه الحقبة الفارسية.

لا يحق لعربي أن يعتب على الإمام خامنئي إذا قرر غسل عار هزيمة الفرس في قادسية سعد بن أبي وقاص. ولا إذا قرر تقيؤ جرعة السم، التي تجرعتها إيران في قادسية صدام حسين.

العتب، الذي قد يصل إلى التخوين، يقع على المرتدين عن عروبتهم… والزاحفين على بطونهم وجيوبهم باتجاه طهران.

والمخزي، أن أهل “الردة العربية”، هم من جماهير ناصرية تطعن اليوم بخناجرها ظهر عبد الناصر. ومن قوميين عرب يقوضون بصفاقة مبادئ مؤسسهم جورج حبش. ومن بعثيين لم يتركوا في رسالة ميشال عفلق الخالدة سطراً لأمة عربية واحدة.

والمخزي، أن من بقي على عروبته، هو إما في صمته مرغم خوفاً. أو في حبه مكره تزلفاً لمن طغى وتجبر.

وأخيراً، من المفيد تذكير جميع الخاضعين لولاية الفقيه، بأن “الخضوع لغير الله مذلة”.

إذاً، علاما ولمن تهتفون “هيهات منا الذلة”؟!.

 

                                                                                         وليد الحسيني

Advertisements

معجزة السرايا

walidالإقتناع بأن آخر الدواء الكي، لا يبيح إشعال النار بالفقراء.

وأن يتعود اللبناني على المرّ، لا يعني إرغامه على تجرّع الأمرّ منه.

والمستغرب، فوق هذه المرارات، أن يطلب فخامة الرئيس من اللبنانيين تناول أدوية مرّة، لتشفى الثروات المتوحشة من أمراض الجمود الإقتصادي!.

أما خديعة إعفاء أهل الفقر من الضرائب، فلن تنطلي على البسطاء. فليس كل ما تعتبره الحكومة من الكماليات، يمكن أن يعتبره أصحاب الدخل المحدود، أو المعدوم، لزوم ما لا يلزم.

فمن قال لكم، أن الذين خبزهم كفاف يومهم، وهم الغالبية وهم المغلوبون، لا يدخنون ولا يسكرون. مع أنهم الأحوج لسيجارة تجلي همهم، ولسكرة تنسيهم يأسهم وبؤسهم؟.

ومن قال لكم، أن تجميد سلسلة الرتب والرواتب، لن يحرم طبقة الموظفين من طبق الغذاء أو العشاء؟.

ومن قال لكم، وأنتم تُقرّون الإنتقائية في رفع الضريبة على القيمة المضافة، أن التجار الشطّار سيميزون بين السلع البورجوازية وبين السلع الشعبية. وبالذات في بلد، إنقلبت فيه الأمثال عن غاياتها، وصار “من يراقب التجار يعيش قبضاً”… والمواطن هو الذي “يموت هماً”.

ومن قال لكم، أن الإقتراب من أموال ورثة “قارون” رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه… فأطعتم وجنّبتم سلالة “قارون” ضرائبكم؟.

ومن قال لكم، أن اليد التي تمتد إلى الأملاك البحرية ستقطع. لأنها تقطع الطريق على قوافل السيّاح. وتقطع أيضاً أرزاق أصحاب المطاعم والمسابح والشاليهات. وتقطع كذلك موارد الدولة، بتجفيف ينابيع الدولار والدينار واليورو والريال؟.

ومن قال لكم، أن لمكافحة الفساد طريقاً واحداً يمر من فم “أبو النواس” صاحب حكمة “وداوها بالتي كانت هي الداء”؟.

ومن قال لكم، أنكم باستحضاركم كلمة “الطوارئ”، سترعبون المتهرب من دفع الضرائب، وستردعون المهرب من عبورالمعابر الشرعية وغير الشرعية؟.

ومن قال لكم، أن “حسابات السرايا تغلب حسابات القرايا”؟… كما لو أن مداخيل الدولة لن يقصف عمرها تراجع القدرة الشرائية. وكما لو أن أرقام وزارة المال ستدخل، بلا نقصان، إلى بيت مال اللبنانيين؟.

ومن قال لكم، أن سندات الخزينة ما زالت سنداً يعينكم في الملمات؟.

ومن قال لكم، أن المصرف المركزي كرم على درب الحكومة، وأن بمقدوره تقديم الدعم على مدى الدهر، دون أن تسقط دعائمه؟.

في المقابل،

من قال لكم، ويل للبنان إذا صَدقت “فيتش”، ولم تُصدّقنا “موديز” وقرينتها “ستاندر أند بورز”؟.

ما زال بإمكاننا تكذيب تصنيفات المؤسسات الإئتمانية الأميركية الثلاث. وما زال بإمكاننا التعامل مع توقعاتها، كما لو أننا نتعامل مع توقعات ليلى عبد اللطيف.

صحيح أن كثرة الأيدي المختلفة تحرق الطبخة. لكن الأصح أن القليل من الأيدي المتعاونة والمتضامنة يطفئ الحريق.

ولما كان الإعتراف سيد الأدلة، فلا بد من الإقرار بأن الرغبة بلا قدرة، هي أشبه بجعجعة بلا طحين. فما سمعناه في لقاء قمة بعبدا الإقتصادية، يندرج في إطار الرغبات…وبينها رغبات عدة تقع تحت طائلة التحريم الشعبي.

أما إذا بقي أمل في معجزة ما، فمكانه الشرعي والوحيد مجلس الوزراء، حيث يترأسه رجل تخلّى عن مذهبيته وشعبيته لإنقاذ شعبه.

سار عكس رياح المذهب، فعقد تسوية حلّ عقدة الفراغ. وغامر بولاء أنصاره، مختاراً الطريق الوسط، حتى لو خرج البعض من “بيت الوسط”.

يا وزراء الأحزاب والكتل الكبرى، إجلسوا إلى طاولة القرارات الإنقاذية. وكونوا أنتم، ومن تمثلون، مثله متبرئين من نقيصتي المذهبية والشعبوية.

كونوا يداً واحدة. وستجدون، خلافاً لما يقال، أن اليد الواحدة تصفق… ويُصفق لها.

حاولوا أن تكون السرايا دار المعجزة، لا دار العجزة.

حاولوا… فالأخطار كبيرة جداً. وقد بلغت مرحلة الكبائر… فاحذروا التمسك بالصغائر.

حاولوا… فالانقاذ يحتاج إلى أكثر من محاولة.

وليد الحسيني

“الضربة الثانية”؟

walidلأن السيف لم يشهر، وأجراس العودة لم تقرع، رضخ نتنياهو، وبلع إهانة مستوطنة “أفيفيم”.

إذاً، لم يتدحرج الرد إلى تبادل الردود… إذ قضي الأمر، بأن رضي حزب الله بما أنجز، وقبل العدو بمعادلة “العين بالعين”.

لقد عادت قواعد الإشتباك إلى قواعدها القديمة. وعاد معها “توازن الرعب” ليحكم العلاقة مع العدو الصهيوني. هذا التوازن الذي حققته المقاومة، بانتصارها في حرب تموز من العام 2006. والذي، للأسف، غالباً ما فهمناه باتجاه واحد.

لقد تهيأ لنا أنه إسرائيلي فقط. وأن لبنان ينعم بحالة إطمئنان رادعة لكل عدوان.

لكن الساعات التي استغرقها القصف الدقيق لحزب الله، والإطلاق الإسرائيلي لصواريخه العشوائية على أحراج مارون الراس، خلقت هلعاً بين اللبنانيين، مما أعاد مصطلح “توازن الرعب” إلى مفهومه اللغوي السليم، متمثلاً بـ “الرعب المتبادل”… أي أن الرعب حالة لبنانية – اسرائيلية مشتركة.

السيد إلتزم بتلقين الكيان الصهيوني درساً، عقاباً على ما جنت مسيّراته. ولم يتراجع، رغم السعي لإقناعه بالتراجع، ورغم إرتفاع مكانة السعاة.

إنما على ما يبدو ثمة من أقنعه بالرد المتواضع. إذ لو زاد عن حده، فما من أحد يستطيع إقناع نتنياهو بإدارة خده الأيسر للضربة الثانية الموعودة. لأنه لو فعل ذلك، يكون قد استعجل نهايته السياسية. ويكون قد رسّخ، حتى في أذهان بني جلدته، مقولة أن “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”.

إلى الآن، يمكن القول أن الزلزال المحتمل، لم يزلزل الأرض. وأن الأزمة مرت بسلام.

حقيقة لا يدري أحد من عامة اللبنانيين، من قام بتمريرها سالمة من بين الخطوط الحمر.

الإعتقاد الغالب، أنه الروسي. فهو الجهة الدولية الأكثر مهارة في اللعب على الحبلين اللبناني والإسرائيلي.

وقبل أن نقول “شكراً روسيا”، عملاً بقناعتنا بأن في الشكر تدوم النعم، لا بد من انتظار الضربة الثانية، التي وعد بها، ويُعدّ لها، حزب الله. فالانتقام لـ “عقربا” السورية، لا يلغي الثأر للضاحية الجنوبية.

والسؤال:

عندما تقع واقعة الضربة الثانية، هل سيتلقاها نتنياهو أيضاً برحابة العاجز؟… أم أن التطورات الميدانية ستتسبب بفلتان “الملق”، الذي قد يبقى منفلتاً إلى أن يتمكن المجتمع الدولي من إعادة ربطه، وذلك قد لا يحصل، إلا بعد أن يستعمل المتحاربان ما ملكت أياديهم من قوة تدميرية هائلة.

إلا أن ما يجعلنا نستبعد الإنزلاق من ضربة محدودة إلى حرب بلا حدود، هو أن المقاومة والعدو يصران على أنهما لا يريدان الحرب. ويعلنان مراراً وتكراراً حرصهما على عدم الإنزلاق إليها.

يبقى الخوف من أميركا وإيران. ومن وجود رابط ما، بين ما يجري على حدودنا الجنوبية، وبين عاصفة العقوبات الأميركية التي تجتاح إيران. والتي يضاف إلى شدتها تشدد “المرشد” الرافض للحوار مع ترامب، لأن عزة نفسه تمنعه من الأذن للرئيس روحاني بالتفاوض مع “الشيطان الأكبر” لإنقاذ السفينة الفارسية من الغرق الإقتصادي والمالي.

كل ما نخشاه أن يكون ثمة تداخل بين حرب الصواريخ هنا، وحرب العقوبات هناك. فلكل من واشنطن وطهران حسابات مخفية… ومصالح مخيفة.

أخيراً، نتمنى أن تكون الضربة الثانية بلا ردة فعل. وأن لا تزيد الطين بلّة… فالأرض الطينية كثيراً ما تؤدي إلى الإنزلاق.

وليد الحسيني

“المزاجية الدفاعية”

walidفاجأنا فخامة الرئيس بقوله “إن مقاييس الإستراتيجية الدفاعية قد تغيّرت، بسبب تغيّر ظروف وأوضاع المنطقة عسكرياً وأمنياً وسياسياً”.

إذاً هي ليست استراتيجية. إنما “مزاجية دفاعية”. فالإستراتيجيا تعني الإلتزام بالخطة. أما المزاجية فهي التي تتغيّر بتغيّر المواقف.

وقياساً على المقاييس الرئاسية المتبدلة، تكون استراتيجية لبنان الدفاعية ملحقة باستراتيجيات متعددة الجنسيات.

وبالعودة إلى زمن “القسم الرئاسي”، الذي تعهدت إحدى فقراته، بإجراء حوار يؤدي إلى إقرار استراتيجية دفاعية، فإن الأوضاع والظروف في المنطقة لم تتغيّر طيلة السنوات الثلاث، التي تلت القسم.

المتغيّر الوحيد الطارئ، يتمثل بفرض عقوبات أميركية متصاعدة على إيران.

هذا يعني أن المحنة الإيرانية هي سبب المتغيّرات التي حررت الرئيس من قسمه.

ومع ذلك، سنعتبر أن لا رابط بين تصريح فخامته، وبين خطاب سماحته. فالأمر ليس أكثر من صدفة زمنية، لا تتجاوز أياماً معدودات، فصلت بين التلويح بالتراجع الرئاسي عن “الإستراتيجية الدفاعية”، وبين إقدام السيد حسن نصرالله على الإلتزام، ومن ثم، إلزام لبنان باستراتيجية إيران الدفاعية.

قالها السيد متوعداً وواعداً بأن أي إعتداء أميركي على إيران، سيشعل المنطقة بكاملها.

طبعاً، ورغم بعد المسافة، فإن لبنان جزء من المنطقة، التي يعد صاحب الوعد الصادق بإشعالها.

واحتراماً للمقامات، نشير إلى أن ما ورد غامضاً في التصريح، وواضحاً في الخطاب، ليس أكثر من توارد خواطر بريئة.

لكن المشترك بينهما يؤكد على جدية المتغيّرات، التي فجأة قذفت باستراتيجيتنا الدفاعية إلى مصارعة الأمواج الهائجة في مضيق هرمز.

إذاً، وبسبب ما استجدّ من ظروف وأوضاع في المنطقة، لا بد من توسيع مهمات دفاعاتنا الإستراتيجية، بحيث نضيف إلى مواجهتنا للعدو الإسرائيلي، مواجهة أشد وأعنف للعدو الأميركي، الذي بعثه إلى منطقتنا ترامب الموصوف إيرانياً بـ”الشيطان الأكبر”.

وعلى ضوء تطور الصراع ما بين أميركا وإيران، لا مفر من الإبقاء على قائمة أعداء لبنان مفتوحة. فثمة إحتمال كبير بضم السعودي والإماراتي إليها، في حال انحيازهما المرجح إلى صفوف العدو الأميركي.

في النتيجة، تم كشف المستور. وتبين أن لبنانية الإستراتيجية الدفاعية… كلام بكلام. فحكاية “إبريق الزيت” أحبطت آمال اللبنانيين بإيجاد صيغة تجعل سلاح المقاومة خاضعاً، ولو بالشراكة، لإمرة الدولة.

فحكاية “إبريق الزيت” ليست إلا ظاهرة صوتية، تظهر فقط في أحلام فريق الرابع عشر من آذار. في حين أن سلاح حزب الله لا يحلم. إنه صاحٍ في سوريا واليمن والعراق. وصواريخه الإيرانية الدقيقة ستبقى القرش الإيراني الأبيض، إذا ما حان، أميركياً، يومها الأسود.

في حالتنا اللبنانية المهترئة، لا مخرج لنا إلا أن يسأل المؤمنون بلبنان الله حماية إيران، إذا أرادوا أن يشملهم الله بحمايته.

ومع ذلك، ما زال رجال العهد القوي يرددون بقوة: لبنان أولاً.

ترى هل يرددون ذلك لخطأ في الحسابات السياسية، أم لجهل في وجود ثانياً وثالثاً في حساب الأرقام؟.

الله أعلم… وجبران باسيل يعلم أيضاً… لكنه لا يعترف.

 

وليد الحسيني

الزبالة… “صفر حلول”

walidقبل أن نخالف الطبيعة، وننسف قوانينها الجيولوجية، وننجح بإضافة سلسلة “جبال النفايات” إلى سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية، كانت في بلادنا مسالخ ومصانع. وفي مدننا مطاعم. وفي بيوتنا مطابخ. وفي مستشفياتنا بقايا بشرية… ومع ذلك لم تذكر الأزمنة القديمة خبراً عن أزمة نفايات!.

تذكر تلك الأزمنة، أن أجدادنا تمتعوا، وتمتعنا بعدهم، بهواء عليل. ومياه عذبة. وشواطئ فضية. وشوارع نظيفة. وأرصفة لا تستضيف غير المشاة.

أيامها، لم نسأل كيف حلّت على لبنان نعمة النظافة؟.

اليوم، ماذا حصل؟.

لماذا زلزلت الأرض بزبالتنا؟.

لماذا فرضت على كل دار، جيرة أكياس القمامة، وكيف تمددت الأكياس لسابع جار؟.

لماذا تتشابه روائح الهواء النازل من الجبل، بروائح الهواء الخارج من المطامر؟.

لماذا يسيل لعاب رزم فضلات البيوت والمطاعم على أرصفة الشوارع؟.

لماذا تتحرش الحشرات بأجسادنا، وتحشر نفسها في منازلنا؟.

أسئلة تستولد أسئلة. وأصعبها، لماذا وصل غيرنا إلى “صفر نفايات”، ونحن ما زلنا في “صفر حلول”؟.

والسؤال الأكثر استغراباً، كيف نصاب بهذه المصيبة، رغم أن اللبنانيين، بمعظمهم، “علماء” في تكنولوجيا البيئة النظيفة، باستثناء قلة من الأميين والجهلة؟.

لم يبق “عبقري” لم يطرح خطة للخلاص من معضلة النفايات.

لكن مشكلة “عباقرة الحلول” تكمن في أنه كلما تقدم “عالم” بحله السحري، يبطل “عالم” آخر مفعول السحر بقراءة تعويذات حماية المياه الجوفية، والمحافظة على الخصوصيات المناطقية، التي تخفي خلفها الخصوصيات المذهبية.

وهكذا تدور الزبالة بين “علماء” لبنان… إلى أن تنتهي في عالم المكبات العشوائية.

أما الحكومة المغلوبة على أمرها، فمشاريع حلولها عرضة لرشقات من اللاءات القاتلة.

منها لاءات “المتربص” بالحكومة نفسها. ومنها لاءات “فناص” المجتمع المدني. ومنها لاءات “قناص” عقود اللم والفرز. ومنها لاءات “المتربص” لتأجير أرض لهذا المطمر، بدل الأرض تلك.

ومع اشتداد حروب الزبالة، وتنوع جبهاتها وأهدافها، تتفاقم الأزمة، التي ينفرد بها لبنان دون سواه.

تؤكد دول العالم الثالث، بما فيها الدول الغارقة في حروبها الأهلية، أن “صفر نفايات” ليس سراً من أسرار الدول العظمى. وأنها استنسخت، بأقل التكاليف، حلول الآخرين.

إذاً، الأمر لا يحتاج إلى تدخل مجلس الأمن ليفرض، تحت البند السابع، حق لبنان في الحصول على خارطة الطريق إلى بيئة خالية من الزبالة.

ببساطة، يكفي التعاقد مع خبير من أي دولة نظفت نفسها من المزابل. على أن يضاف، إلى هذا التعاقد، قرار حكومي يتصف بالجدية والحسم والحزم… حينها تستطيع الحكومة أن تقول:

يا شعب لبنان العظيم… توتة توتة… خلصت الحدوتة.

 

وليد الحسيني

“الإبراء المستحيل”

walidوأخيراً، ختم الصبر بعدنا بالتلاقي. وتبيّن أن “البيك والمير” كانا يتبارزان بسيوف خشبية.

ويبقى السؤال المريب:

لماذا غاب جبران باسيل عن لقاء بعبدا الخماسي. مع أن المجتمعين يدركون جيداً، أن لا قيمة لمصالحة، لا يكون بطلها بطل مسلسل “الآتي أعظم”؟.

وهم يدركون أيضاً أن لا فائدة من مصافحة “المختارة” و”خلدة”، إذا لم تمتد إليها يد “ميرنا الشالوحي”، المتفرغة كلياً لشق طريق باسيل إلى “فخامة الكرسي”.

ترى، متى يعي العهد أن ارتكاب الأخطاء الكبرى، هو الذي يحوّل الرابح إلى خاسر، ويجعل الخاسر رابحاً.

لقد حقق “العونيون” أقصى أحلامهم. فازوا بالرئاسة الأولى. وبالكتلة النيابية الأكبر. وبالثلث الحكومي المعطّل. وبوزارة الوصاية على القضاء. وبخارجية تسير على هوى وزيرها، وأهواء تحالفاته… فتنأى بنفسها عن سياسة “النأي بالنفس”.

لقد حصل “التيار الوطني الحر”، على كل ما وعد نفسه به. وأخلّ بكل وعوده للبنانيين. حيث أن “العهد القوي” لم يقوَ على توفير بيئة بلا تلوث. ولا إقتصاد بلا فساد. ولا إدارة بلا رشوة. ولا ميزانية بلا ضرائب. ولا جمارك بلا تهريب. ولا معابر بلا مهربين. ولا مساواة بلا واسطة. ولا عدالة بلا ظلم. ولا قضاء بلا سياسة. ولا حريات بلا ملاحقة. ولا سفارات بلا طوابير مهاجرة. ولا سير بلا زحمة. ولا كهرباء بلا تقنين. ولا شوارع بلا زبالة. ولا شواطئ بلا مجارير. ولا مياه شفة بلا براز. ولا ليطاني بلا مكبات. ولا أغذية بلا مسرطنات. ولا دواء أرخص من دواء الموت.

لم يعرف التاريخ قبل لبنان، حاكماً يتساهل بإفشال حكمه. وبإطلاق الألسنة الفالتة، والأيدي الفاسدة، لإفساد سمعته.

يوم صار عون رئيساً للجمهورية، أجمع اللبنانيون على التفاؤل بالخير. لكنهم لم يجدوه، كما وعدهم القول العربي المعروف.

ماذا وجدوا إذاً؟.

وجدوا “تياراً” أدمن الفراغ كوسيلة لإبتزاز الدستور والتسوية.

وجدوا مقامات تستمع إلى مونولوج “بوس تيريز”، وشعباً يغني بمرارة “للصبر حدود”، بعد أن تجاوز صبره الطويل حدود “لعلّ وعسى”. ولولا بقايا من صبر سعد الحريري، لكان لبنان أقرّ واعترف بانهيار الدولة.

هذا كثير. فالبلاد ضاقت ذرعاً بمواقف تخفي عكس ما تعلن.

من لا يتذكر، أن الموقف القديم من اتفاق الطائف أدى إلى تصعيد القتال منعاً لتنفيذه. فكيف يقتنع اللبناني اليوم بأن ارتداء عباءة الطائف، لم يتم بهدف تحريفه وتعديله، انتقاماً للجرح القديم، الذي من الواضح أنه لم يلتئم؟.

ومن بين الكثير كذلك، ظاهرة تكذيب الحقائق. إلى درجة أن الحقيقة لا تصبح حقيقة، إلا إذا صدر تكذيب لها ، من وزراء تخصصوا بأكاذيب التكذيب.

رغم كل ما سبق، فإن اللبناني يحن إلى أحلامه الأولى في هذا العهد. لكن على ما يبدو أنه الحنين المستحيل… ربما لأن “عاطفة القربى” تجعل “الإبراء مستحيلا” أيضاً.

وليد الحسيني

لبنان السياسي… مدينة ملاهي

walidومن نكد الدنيا على الصحفي أن يسمع خطباً وتصريحات ما من الكتابة عنها بدُّ. وهكذا يفرض جبران باسيل نفسه خبراً ومقالاً وتحليلاً… فلعاجق لبنان “في كل عرس قرص”.

في آخر أعراسه الطائفية تناول “قرص” الدستور، ونزل في بنوده تفسيراً تفوّق فيه على مفسري الأحلام.

لقد رأى في منامه، أن المادة 95 من الدستور، تعطيه حق المناصفة في الوظائف بين المسلمين والمسيحيين. ولا ندري إذا كانت هذه المناصفة ستطمع يوماً ما بوظائف دار الفتوى والمحاكم الشرعية.

من تصريحاته المتدفقة، يمكن التأكيد على أنه ضليع في اللغة العربية… قراءة وفهماً. ومن المعروف أن الدستور كُتب بها. وأنه لم يُكتب بلغات متعددة المذاهب. ولم تشر المصادر إلى وجود دستور كتب “باللغة” الإسلامية وآخر “باللغة” المسيحية. وعلى هذا، فمن المستغرب أن تتحول المادة 95 إلى كرة قدم في “مونديال” بعبدا. فنصها ورد بكلمات لا تحتمل التبديل ولا التأويل.

يقول المشرع بحروف محترفة:

أنه في “المرحلة الإنتقالية”، (أي المرحلة التي تسبق إلغاء الطائفية السياسية)، تلغى قاعدة التمثيل الطائفي، ويعتمد الإختصاص والكفاءة في الوظائف العامة… باستثناء وظائف الفئة الأولى التي تكون مناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

هذا هو النص… فهل يعي الباسيليون معنى “المرحلة الإنتقالية”؟. وهل يعون أنها تعني أن ما قبل إلغاء الطائفية لا مناصفة إلا في الفئة الأولى؟. وأن ما بعد إلغاء الطائفية، تلغى المناصفة من فوق إلى تحت.

يبدو أن باسيل، ومن وراءه أو أمامه، يقرأون في دستور ما قبل الطائف. مثلهم مثل من يشتري أوراق اليانصيب القديمة، طامحاً في كسب الجائزة الكبرى.

من المؤسف والمحزن أن يصبح لبنان “مدينة ملاهي” سياسية، تضم ألعاباً خطرة ومحظورة. ومن الطبيعي أن تكون شيمة الشعب اللبناني الرقص على حبال الخطر… ما دام رب البيت بالدف ضارباً.

ومما يدعو إلى أسف أكبر وأكثر حزناً، أن “الباش مهندس” باسيل لم يستفد من دراسته الهندسية في حياته السياسية، سوى من مادة “الهندسة الفراغية”. ففي منهجه لا يمكن نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ المناصب بفرض الفراغ.

والفراغ منهج أثبت فاعليته: من نيل مطلبه بكرسي الوزارة، إلى نيل عمه منصب الرئاسة، إلى تعديل قانون الإنتخابات، الذي ضمن له الخروج من قائمة مرشح راسب، إلى نائب ناجح بنسبة لا تنتسب إلى الديمقراطية.

ولأن “الجرة لا تسلم كما في كل مرة”، فإن اللجوء إلى الفراغ في تعطيل الحكومة، تلبية لتعليمات تستهدف زعامات تاريخية، وصلاحيات رئاسية، هو ليس هدراً للوقت إنه هدير يتجدد لبوسطة عين الرمانة… في وطن يمنع “مشروع ليلى” على المسرح، ويطلق “مشاريع مجنون ليلى” في طول البلاد وعرضها.

وليد الحسيني