“القدح والمدح” جريمة واحدة

walidنرى ونسمع ونقرأ، فنقتنع بلا تردد، بأن تجريم “القدح والذم” بالمطلق يتنافى مع مبدأ الدفاع عن النفس والوطن. فما يجري في البلاد، لا يمكن التعبير عنه، إلا بـ “قدحٍ” لهذا، و”ذمٍ” بذاك.

أساس العدالة يقوم على معاقبة المخطئ. وخطأ القائل أو الكاتب، أقل إيذاء من خطأ الفاعل أو الممارس.

ولأن القاضي، كما يقولون، يبني على الشيء مقتضاه، نسأل قانون المطبوعات:

بأي الكلمات نخاطب السارق والمرتشي والفاسد؟.

بأي لغة نصف جولات جبران باسيل على مقابر الحرب الأهلية، حاملاً حفارات تثير غباراً، أكثر مما تثيره حفارات فتوش؟.

ما هي الألفاظ المسموحة لإدانة الذين يعطلون إجتماعات مجلس الوزراء، في توقيت، ينطلق فيه الإقتصاد مسرعاً نحو الإنهيار والخراب الجماعي؟.

ما هي الجمل اللائقة للرد على العنصرية المتمادية ضد النازح السوري؟.

ما هو البديل عن “اللعنة” للحد من لعنة التقنين الكهربائي، وارتفاع جبال النفايات السوداء، إلى ما يكاد يستوي مع قمة “القرنة السوداء”؟.

كما نسأل، عما إذا كان القول المهذب كافياً لردع التيار الحر عن أكل حقوق المسيحيين، الأخضر منها واليابس؟.

وترى، هل تسمح قوة قانون المطبوعات والقوى الخارجة عن القانون، بالإعتراض الصارخ على عرض لبنان كسجادة إيرانية، تحت حجة أنها سجادة للصلاة في المسجد الأقصى؟.

لكل ما ذكر، ولم يذكر، لا مفر من البحث عن أقسى الكلام، علّه يردع من قست ضمائرهم الوطنية.

في المقابل، وفي إطار تحقيق العدالة، لا يجوز للقانون أن يكيل بمكيالين.

فجريمة “القدح”، مهما بلغت بذاءته، أقل ضرراً من جريمة “المدح” المغشوش. والإطراء الفادح، أكثر فداحة من “الذم” الفاحش.

تختلف التعابير، لكن الجريمة واحدة. وربما كان نفاق المدّاحين، وإطراء القوّالين، أشد فتكاً، وأدعى إلى تحرك النيابات العامة، حتى بلا إخبار… وبلا من يخبّر.

لو أمعن القانون في أسباب تنامي الفساد والنهب والتحرش بالفتن، لوجد أن “المديح” هو الذي يشجع الخطّائين على ارتكاب الخطايا. وأن “الإطراء” هو الذي يغري أولي الأمر على سلوك دروب الغواية.

والمصيبة، التي لم يلحظها المشرع، ولن يلحظها أبداً، أن لـ “المديح والإطراء” مروّجين يحتلون الشاشات والمانشيتات، وهم أخطر على المجتمع من مروّجي المخدرات الذين يملأون سجن رومية.

إنهم خبراء في تزوير الحقائق السياسية. وفي تبرير، ما يستحيل تبريره. وفي تحليل الحرام، وتبرئة الحرامي.

صحيح أنهم صنيعة الفساد، لكنهم المصنع الذي ينتج الفاسدين.

في عام 1949 كتب الروائي يوسف السباعي رواية “أرض النفاق”. وكأنه يكتب عن لبنان في عام 2019. فالنفاق هو الأخطبوط الذي يشكل “المديح والإطراء” بعض أذرعه القاتلة.

لقد وصل النفاق مثلاً بوزير “السلالم” إلى اعتبار الرئيس عون نسخة عن شارل ديغول، محرر فرنسا من النازية.

وزير آخر، غادر منصبه الوزاري، وانتحل صفة الإعلامي، وحلّ ضيفاً، بدوام كامل، متنقلاً بلا ملل، بين مختلف التلفزيونات كمحلل محترف… ومحرّف.

آخر عبقريات هذا الوزير “المبرراتي” تبرير مواكبة الحرس الجمهوري، لمواكب جبران باسيل الإستعراضية، بحجة أن هذا حقه فهو صهر الرئيس… وبذلك أفحم اللبنانيين بأفخم أنواع “المنطق”.

إذاً، وبالمقارنة، فقد غلبت جرائم “المدح والإطراء”، الفالتة من الملاحقة القانونية، جرائم “القدح والذم” الواقفة في طوابير محاكم المطبوعات، ومخافر جرائم المعلوماتية.

لا شك بأن هذا الخلل التشريعي الخطير، يؤكد أن لبنان هو الطبعة الأخيرة والمنقحة والمضافة من كتاب “أليس في بلاد العجائب”.

وليد الحسيني

Advertisements

فخامة المعالي

walidتعددت الأسباب والمسبب واحد. فجبران باسيل يتصدر قائمة الشخصيات السياسية الأكثر تداولاً… ربما لأنه “يكمن في التفاصيل”. فهو الحاضر بقوة في أغلب الأزمات، والمصدر الأغزر لأخطر التداعيات.

لقد نجح “فخامة المعالي” في فرض، تصريحاته النافرة وتحركاته المستنفرة والمستنكرة، على اللبنانيين عامة وعالم الإعلام خاصة.

يستغل بمهارة “حرية التعبير”، التي قد تتحول إلى جريمة إذا لم تمارس مع “أدب التعبير”.

هو يعرف أن حادثة الجبل شكلت منشطاً مخيفاً للفتنة.

هو يعرف، لكنه لا يعترف، بأن من حاول إيقاظ الفتنة، تدلّ عليه التصريحات المستفزة، وغرور “أغرار” السياسة.

لا أحد ينكر حق جبران باسيل في أن يسلك الدرب الذي يوصله إلى قصر بعبدا. لكن ليس كل من سار على الدرب وصل. فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة. إلا أن باسيل قرر أن يبدأ مسيرة الخطوة بسرعة الألف الميل.

الرجل لم يدرك خطر سرعته الجنونية هذه. خصوصاً وأنه لا يتكل على ساقيه، بل يسرع متكئاً على عكازتي القربى من سيد العهد… والتقرب من سيد المقاومة.

إنه يقتحم المناطق اللبنانية بأقدام مستعارة. وهي ليست إستعارته الوحيدة. فهو أيضاً يتكئ على شعبية مستعارة، من نفوذ يتجاهل دورة دولاب الزمن، وتبدّل الأيام من يوم لك إلى يوم عليك.

وعلى ما يبدو، فإن التواضع تهمة لا تليق بطموحات صهر العهد الحالي، وممني النفس بالعهد التالي. ليصبح، كشبوب بعبدا، “خي الكل” بعد أن سادت وتحكمت بالبلاد نظرية “بي الكل”.

وبما أن ثمة ما هو مشترك بين بلدة الحدث وما حدث في قبر شمون، نسأل فخامة المعالي:

هل شخير “المستأجر” المسلم يستفز مسيحيي الحدث ويقوّض خصوصيتهم، في حين “تملك” المكاتب البرتقالية، وهتافات محازبيها، ورفع راياتها، وحمايتها بالدشم والمسلحين… لا يستفز ولا يقوّض خصوصية دروز الجبل وشيعة البقاع وموارنة الشمال وسنة طرابلس وعكار؟.

كثيرة هي علامات الإستفهام والتعجب، التي ترافق “فتوحات باسيل” اللبنانية.

ترى لماذا يستقوي علينا بذاكرة، تفتح من جديد ذاكرة الحرب الأهلية؟.

ترى لماذا، وهو المؤمن، ينطلق بجولاته “التوحيدية”، ومن خلفه وأمامه وإلى جانبه، مرافقات عسكرية حاشدة من جنود وملالات ودبابات؟.

ترى لماذا يتمسك بحرية التنقل في مدن لبنان وقراه، وكأنه ذاهب إلى بعلبك لتناول “الصفيحة البعلبكية”. أو إلى زغرتا لتذوق “الكبة الزغرتاوية”. أو إلى بشري لزيارة متحف جبران خليل جبران. أو إلى طرابلس لأكل “حلاوة الجبن الطرابلسية”، أو… أو؟.

ألا يدرك أن تنقلاته غالباً ما تنقل التعايش المشترك، إلى أحقاد سادت ثم بادت؟.

نعود ونسأل:

ترى من أقنعه بأنه يدافع عن العهد بتفوقه على خصوم العهد بتشويه سمعته والإساءة إليه؟.

ترى من يشجع “الوزير الشجاع” على النفخ في النار؟.

ألا يدري أن لعبة الموت قد تبدأ في أي لحظة ينفجر فيها الخلاف الأميركي – الإيراني؟… حيث تخطط إيران لحرب لبنانية – إسرائيلية تشغل أميركا عن الخليج والنووي الإيراني، وتدفع بترامب إلى التفرغ لجنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة لإثبات صهيونيته التي لا شك فيها.

إن حب لبنان أيها “الوزير العاشق” لا يكون بتملك حزبك للبنان.

إقنع بما هو لك وله.

توقف عن قراءة الجغرافيا اللبنانية بشراهة من يسأل:

لماذا ليس لي هذا؟.

 

وليد الحسيني

رمد الحريري وعمى جبران

walidلا شك أن رمد “التسوية” أفضل من عمى الخلافات. وبالذات في زمن التناقضات المحلية المجلية في سماء لبنان.

ثمة فريق يرى في “التسوية” فرصة لاقتناص المكاسب والمناصب والصلاحيات. وثمة فريق آخر يرى أنها جلبت الدب إلى الكروم اللبنانية. وأن هذا الدب الشره يسن أسنانه لقتل الناطور والإنفراد في أكل العنب.

الفريقان يشوهان “التسوية”، ويحملانها ما حدث من عواقب وخيمة… وما يمكن أن يحدث مما لا تحمد عقباه.

تعالوا نتصور أن “التسوية” لم تكن. فبأي حال كان حال لبنان؟.

فراغ رئاسي يدخل لتاريخه عامه الخامس… وربما كان إصرار فريق الممانعة على استمرار فقدان النصاب النيابي سيمنحه، أي الفراغ، ولاية رئاسية ثانية.

مجلس نيابي يمدد لنفسه، ويتمدد على رقاب الديمقراطية. وفي الوقت نفسه يكون قد تجاوز مرحلة الشيخوخة، وبالتالي، سيكون عاجزاً عن سن تشريعات خارج الخرف الدستوري.

حكومة تصريف أعمال، لأعمال غير قابلة للتصريف. إما لأن الخلافات تفسد الود بين الوزراء، وإما لأن الصرف الأثني عشري لا يلبي متابعة المشاريع وتسديد المستحقات. وإما لأن الأموال المتناقصة لا يمكن تعويضها بالإستدانة، التي أصبحت عرفاً ملزماً للحكومات المتعاقبة.

في مثل هذه العبثية المؤسساتية، يكون “قط الدولة” قد غاب، مما يتيح للفئران “المسلحة” بالأنياب القارضة أن تلعب بأمن لبنان واستقراره واقتصاده.

كل ما سبق يؤكد أن سعد الحريري في ارتكابه فعل التسوية، يكون قد أخطأ في حق نفسه، لكنه أصاب في حق لبنان. وهكذا تكون قد تغلبت عليه وفيه مقولة والده الشهيد: لا أحد أكبر من وطنه.

إذاً هذه التسوية، ورغم ما حملته من مساوئ، إلا أنها أنقذت البلد من الأسوأ. ولبنان اليوم أكثر حاجة إليها مما مضى. فالأمراض اللبنانية تحولت إلى وباء. ومعالجتها، أو الحد من مخاطرها، يحتاج إلى ورشة إصلاحية كبرى. فالوحدة الوطنية مفككة، واستمرار التسوية وحده بإمكانه تجميعها مجدداً، ومنعها من التناثر والتصادم، بعد أن ثبت عجزها عن التلاحم.

نحن بلد بالغ الهشاشة. وأسوأ ما فيه أنه يُحضّر دائماً لمستقبل هو مجرد إعادة لفيلم تسجيلي، من بطولة فتن لا نعلم متى تستيقظ. ولمصالحات مغشوشة. وإعمار لا يكتمل. ومرابط خيل خارجية وديمقراطية مصابة بالكوليسترول المذهبي، والتشوهات المناطقية. وخطوط حمراء تفرضها الكنائس والمساجد.

ها نحن، نتعرى، لا كما خلقنا ربي، بل كما اخترنا لأنفسنا. فهل يمكن أن نتخلى عن “التسوية”. وهل نسوّي أمورنا بخلافات أشد وأنانيات تتمرد على الضمير الوطني؟.

لكل هذا إختار الحريري المضي من الوسط، إلى الإلتزام بأن “خير الأمور الوسط”. وهو يدرك مسبقاً أن هذا الخيار سيجعله هدفاً سهلاً من “النيران الصديقة”، كالتي أغدقتها عليه تويترات وليد جنبلاط. ومن نيران “شركاء التسوية” التي تطلقها باتجاهه طموحات جبران باسيل التي لا تحد… والتي يعتقد باسيل أنها لا ترد.

لكن هذا هو قدر الحريري، وإلا فإن قدر لبنان سيكون المزيد من الأحقاد المذهبية، ومن الأزمات الإقتصادية، التي يبدو أنها تسرح وتمرح وتردح كما كان يفعل “أبو المراجل”.

الحريري، بالتأكيد، لا يمكنه أن يكون المنقذ. لكنه الساعي الأقدر على الإنقاذ. وهو سعي لن يصل إذا بقي الوصل مقطوعاً بين اللبنانيين… وهذا وصل لا يتحقق إلا عبر “التسوية”.

مهمة الحريري صعبة. والتفاؤل الذي يصر عليه، لا يلغي إصرار اللبناني على التشاؤم.

ترى أي من الإصرارين سينتصر؟. وأيهما أفضل للبناني: رمد الحريري أم عمى جبران باسيل؟.

وليد الحسيني

العروبة المفقودة

walidغابت العروبة، فحضرت المآسي تباعاً.

هي لم تهاجر، بل نحن هجرناها.

توهمناها سبباً لانكسراتنا وهزائمنا وتخلفنا.

اعتبرناها مرضاً ورثناه من جاهلية قريش وداحس والغبراء.

وعدتنا بانتصارات… لم تأت.

تحت نظرها كانت نكبة فلسطين ونكسة حزيران.

دفعتنا إلى استعداء الغرب، وبالذات سيدة الكون الولايات المتحدة. وقد دفعنا هذا العداء إلى كتم شبقنا لمعاشرة العصر المتطور.

كثيرون منا ندموا على قضاء سنوات الشباب قبالة نوافذها، يغني لها ويتغنى بأمجادها.

من منّا لم يقل فيها أعظم الكلام؟.

من منّا لم يغمرها بعيون الشعر. ويشعل بحبها روائع الغناء؟.

لا أحد يدري إلى أين رحلت.

كل ما هو مؤكد أنها لم تعد بيننا.

غريب!!.

مع أنها غادرتنا، ومع اعتقادنا أننا بغيابها أغلقنا أبواب الريح… لنستريح، فإذا بنا نواجه الكوارث الكبرى من كل صوب.

ها نحن من دونها مذاهب شتى ودول مشتتة. منها من يتذابح… ومنها من ينتظر.

ها هي الكراهية تبلغ أشدها، حتى انحدرت إلى أصغر مستويات التمييز العنصري ما بين مسيحي في الحدت وشيعي في الشياح.

والعنصرية لم تقف مواصيلها عند رتبة رئيس بلدية الحدت، بل تعدته إلى الرتب الأعلى، والأكثر علواً. فتم الإعتداء على كرامة النازح السوري وإنسانيته. وقد بالغ العنصريون بكراهيتهم إلى حد منع هذا النازح من التجول ليلاً بتهمة مبنية على نية السرقة المسبقة، أو الشك بأنه إرهابي محتمل.

والعنصرية في لبنان، التي انتعشت بغياب العروبة، قد تكون أقل ضرراً وضراوة من العنصرية التي تمارس القتل والتهجير في بلاد مثل العراق وسوريا، وكانتا يوماً من ذوات “أمة عربية واحدة – ذات رسالة خالدة”.

هذا غيض من فيض الكوارث الزاحفة حثيثاً إلينا. فثمة ما هو أكثر إيذاء من المذهبية والعنصرية. فمن يستطيع أن يتجاهل الإنحراف الخطير بالإسلام وسماحته؟… وإلا كيف ولدت “القاعدة”؟. وكيف خرجت من سلالتها داعش والنصرة؟… وكيف توالت الإنحرافات بـ “حوثية” ملعونة، وبـ “حشد شعبي” ملغوم… وبكثير مثلهما، حيث لا يمكن العد… ولا ينفع الحصر.

منذ أن قدمنا استقالتنا من العروبة، فإن ما أتى عظيم، وما سيأتي أعظم.  في زمانها، كنا نستعد فقط لحرب ضد إسرائيل. من بعدها لم نترك حرباً أهلية لم نخضها بجدراة، وأحقاد كانت دفينة… فآن أوان إعلانها.

كانت العروبة تضمنا إلى صدرها بطوائفنا ومذاهبنا واقلياتنا. وبرحيلها تقطعت أوصالنا. وتزنّرت كل طائفة، وكل مذهب، وكل أقلية، بأحزمة ناسفة في محاولة لتفجير “الوطن الكبير” وتحويله إلى أوطان بلا أمان… وإلى شعوب نازحة بلا مأوى.

في زمانها، ولّى عهد الإستعمار. ومن دونها تحولت الأرض العربية إلى ملاعب عسكرية لأكابر الدول ولأصاغرها.

هنا تلعب أميركا.

هنا تلعب روسيا.

هنا تلعب إيران.

هنا تلعب تركيا.

صحيح أن البوح اليوم بحب العروبة يثير السخرية، لكن لا يمكن الخروج من سخرية القدر العربي إلا بالعودة إليها.

لم يعد الأمر مجرد حنين للأيام الخوالي… إنها، أي العروبة، هي المنقذ الوحيد من محرقة الفوضى والتفرقة. فهي دون سواها من يجمع ولا يفرق. ومن يرى أنه لا فضل لسني على شيعي، ولا لمسلم على مسيحي، ولا لمؤمن على علماني إلا بالعودة إلى العروبة التي تتسع للجميع ولا تستثني أحداً.

وليد الحسيني

لقاء العقل والتعقل

walidطبعاً لا تليق المقارنة بين أحداث الخليج وما يفعله “أحداث” السياسة في لبنان.

إنها مقارنة أقرب إلى “الكاريكاتير” السياسي. وقد تتهم بالإستهزاء بالقامات الدولية. ومع ذلك، لا ضرر ولا ضير في مقارنة ما يقوم به “الحرس الثوري” في الخليج العربي، بما يقوم به “التيار الوطني الحر” في لبنان.

هناك، في بحر عمان ومطار أبها، وقبلهما في مينائي الفجيرة الإماراتي وينبع السعودي، يضرب السيد خامنئي الإستقرار في المنطقة… وربما في العالم.

هنا، يهز جبران باسيل، بعضلات عمه، أسس الإستقرار في وطن الأرز. أحياناً بتصريحات تفتقد للدبلوماسية وتتنكر للجميل. وأحياناً بممارسة هواية دفع البلاد إلى الهاوية.

هناك، تلعب إيران بالنار… فتحترق أصابع أميركا.

هنا، يشعل باسيل النيران… فتحترق أصابع لبنان.

هناك، يهدد الحرس الثوري بتعطيل الملاحة النفطية، وينفذ تهديداته… وبأسرع من سرعة طوربيداته يسارع إلى نفي مسؤوليته. ويلحق النفي بالإدانة والإستنكار. وفي المقابل يتعهد ترامب بالرد. ويهدد ويتوعد. وعندما يستحق الوعد، ويحين الوفاء بالعهد، يعدُّ سيد البيت الأبيض للعشرة. وتمر الأخطار خطراً بعد آخر، وما زال العداد الأميركي يعدّ العشرات… عشرة بعد عشرة.

هنا، يتهم باسيل السنة بسرقة الموارنة. ويهدد باسترداد الصلاحيات المسروقة. وينتقل بتهديداته إلى المسيحية نفسها، متعهداً ومتوعداً بفضح شعبية القوات اللبنانية، وبأنها بالكاد تتجاوز الصفر. وبما أن لا حجم لها، يُحجم باسيل عن إعطائها منصباً في التعيينات. أو نصيباً في التسويات، التي تنكر لها ودفنها في مقابر “أوعى خيك”. وفي المقابل، يعتقد فرعون العهد، متوهماً كعادته، أنه لن يجد من يرده، ولا من يوقفه عن حده.

ولأن هناك، أي في الخليج العربي، لا دور للبنان سوى انتظار التداعيات والمخاطر، فلا بد من التركيز على ما يجري هنا.

في البدء، نسأل الله أن يكون في عون عون. فهذا ما جناه عليه باسيل، علماً بأن الرئيس لم يجن على أحد.

وبالتالي، يترتب على باسيل أن يفيق من أحلامه. فمن يحاول منازلتهم ليسوا طواحين هواء. وعليه أيضاً الإقرار بأنه يعيش في بلد الـ “لا غالب ولا مغلوب”. وأن محاولة فرض صيغة الغالب، ليست أكثر من مراهقة سياسية. ففي البلاد قامات وزعامات راسخة لا يمكن أن تقتلعها الزعامات الطارئة. والتي ستزول حتماً بزوال أسباب انتفاخها… فنعم “الممانعة” لا تدوم.

إن شد عصب العنصرية، وتوجيه السهام إلى العلاقات العربية، وسياسة الألسنة الفالتة… كلها لن تدفع مثلاً بسعد الحريري إلى مواجهة التوتير بالتوتر. فما زال، وسيبقى الرجل مسكوناً بالحكمة الوطنية… وبمجرد زيارته قصر بعبداً، ومن ثم، لقاء العقل والتعقل، يكون باسيل قد ضيع في الأحلام… جهده.

                                                                          وليد الحسيني

باسيل والحريري

walidترى هل يستطيع جبران باسيل الإقتراب من الحكمة السياسية، بعد أن بالغ في ولوج التهور السياسي؟… وهل يستطيع التخلي عن ركوب أمواج المد والجزر؟.

لقد نسي أن “التسوية”، التي أقدم عليها سعد الحريري، هي التي جعلت منه “الرجل القوي” في معبد “العهد القوي”.

وإذا كان “شمشون الجبار” أحد أبرز رموز “الرجل القوي” في زمن الأساطير والخرافات، فمن المنطق أن يتذكر باسيل بأن “شمشون” عندما قرر الموت لأعدائه، كان قد اختار طريق الإنتحار.

من أكبر الأخطاء والأخطار، أن يحوّل “ولي العهد” الوطن إلى ملعب، والتسويات والتفاهمات إلى لعبة.

لقد أكثر من حفر الحفر. مما أدى إلى اتساع الفجوة بين تياره الحر من جهة، وبين المستقبل والقوات من جهة أخرى. ومع استمرار غياب الوعي الوطني، يصبح التنسيق بين رئيس التيار الوطني والآخرين محاولة في المستحيل. فلا الرئيس الحريري يستطيع الإحتفاظ بالتسوية، مع تمادي باسيل في خرقها واختراقها، ولا باسيل يستطيع المحافظة على مكاسب التسوية، وهو يسعى إلى جمع كل مكاسبها في قبضته، التي يستعملها عشوائياً في جولات ملاكمة عبثية.

يقول، لا فض فوه، أن البلد تحول إلى “عصفورية”. وإذا صح قوله هذا، فإن الجنون لا يعالج بمزيد من الجنون.

أما المراهنة على صبر سعد الحريري وتسامحه، فهو رهان يخلط بين حدود الصبر المحدودة، والمقامرة السياسية المفتوحة والمفضوحة.

المسامحة ليست كنزاً لا يفنى. فعن أي التجاوزات يمكن مطالبة الحريري بالصفح عنها؟.

في الشأن الخارجي، ينحاز باسيل للإجماع الإيراني، على حساب الإجماع العربي.

في الشأن الداخلي، يختار التمرد على تفاهميْ معراب وبيت الوسط، ويخضع بإذعان مذل لتفاهم حزب الله.

في شأن التصريحات السياسية، يقول كلاماً مفجراً للأزمات والخلافات، وينفيه في اليوم التالي.

في الشأن الإنساني، يهاجم النازح السوري واللاجئ الفلسطيني، ويدافع بقوة عن النازح والمستوطن اللبناني في بلاد الإغتراب من أفريقيا إلى أوروبا إلى أوستراليا إلى الأميركيتين.

في الشأن القضائي، يصر على تملك وزارة العدل لإصلاح العدالة، ويعتبر في الوقت نفسه أن العدل أساس ملكه وبعض ممتلكاته.

في شأن الإصلاح، جعله شعاراً، لم تشعر بوجوده وزارة أو مؤسسة أو عصابة فاسدين.

من الصعب أن يحظى محلل نفسي بمعرفة ما في نفس هذا اليعقوب.

ومع هذا، ومع كل ما سبق من مبررات لقطيعة، لا يمكن وصلها، فإن سعد الحريري، وكرمى عيون الرئيس عون، قد يتجاوز مرة أخرى تجاوزات باسل.

لكن هل يقدر مبتكر الخلافات، أن يتراجع عن ابتكاراته الدون كيشوتية؟.

بالطبع يقدر… إذا تخلى عن الأحلام الخارقة والمارقة.

وليد الحسيني

قمم في مواجهة الكوارث

walidالقمة ليست دائماً بلا فائدة. وبالذات إذا انعقدت في أسوأ الأيام. فهل تكون قمم مكة الثلاث هي الإستثناء؟

لم يسبق أن اجتاحت العرب المحن، من محيطهم إلى خليجهم، كما اليوم.

الخطر يستعد لخلع أبواب الخليج. والكوارث تتوالى بلا رحمة في أغلب المشرق العربي ومعظم مغربه.

لا شك أن العرب يدفعون، في هذا الزمان، ثمن انتصاراتهم في تلك الأزمنة.

يبدو أن أمة الفرس تنتقم من قادسية سعد بن أبي وقاص. وأمة الغرب تنتقم من صلاح الدين في تحرير القدس. وأمة الأتراك تنتقم من الشريف حسين في تمرده على امبراطوريتهم المريضة.

أمم تتكالب على الأمة!.

كل هذا كان متاحاً، بعد أن انقلب العرب على عروبتهم. واستلوا الألسنة والأقلام لتعريتها.

إنتكاس القومية العربية، أيقظ الأحقاد والأطماع لقوميات منتكسة تاريخياً. فعمل الفرس والعثمانيون على تحويل الإسلام إلى أحصنة طروادة.

الإيرانيون أخذوا من أمراض المسلمين المذهبية. فاستعانوا بها لجعل طهران عاصمة العواصم العربية الأربع.

بفضل المذهبية انتزعوا العراق من تاريخه. وبسلاحها تحكموا بلبنان. وببلائها زادوا اليمن ابتلاء. وبنجدتها استباحوا سوريا. ومن بوابة المسجد الأقصى سجدت لهم حماس في غزة.

أما الأتراك، فقد اختاروا الإنحراف بالإسلام، فركبوا موجة التطرف. فبركبانها إحتلوا بعض سوريا. وبمراكبها حاولوا مُلْكاً في ليبيا، بعد أن سقطت ممالكهم في مصر محمد مرسي وفي تونس الغنوشي.

أما الغرب فقد أسلم أمره لواشنطن وسلّم بأوامرها. وها هو ترامب يصطف في طابور الموالاة لاسرائيل، متقدماً على كل من سبقه. ومؤكداً أن الأميركي لا يكون أميركياً إلا إذا كان صهيونياً. وكما بلفور أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، أعطى ترامب اسرائيل القدس والجولان. وترحرح في صهيونيته فأنجز لها صفقة القرن بقرون اسرائيلية هائجة.

صحيح أن العروبة لم تستعد فلسطين. ولم تُشد مفاعلاً نووياً. ولم تقذف بقمر عربي إلى الفضاء. ولم تزرع أرض السودان قمحاً ورزقاً. ولم تهب شعباً ديمقراطية كاملة، ولا حتى حريات ناقصة. لكن غيابها أبعد فلسطين إلى ما بعد بعد أدلب وصنعاء. وأشاد مفاعلاً مذهبياً مدمراً. وقذف فضاء مكة، قبلة المسلمين، بالصواريخ الباليستية، وأنزل من فضاء سوريا البراميل المتفجرة. واستبدل زرع الأرض بالحقول الخضراء، بزرعها بحقول الألغام. واستجاب لحرية الرأي، فلم يقطع الألسنة، فقد اكتفى بقطع الرؤوس التي تحملها.

لقد أدرك الملك سلمان ان الكوارث العربية قد أينعت رؤوسها، وحان قطعها، قبل أن تقطع رأس الأمة العربية، وتدفنه مهشماً ما بين طهران واستنبول وواشنطن. لهذا دعا لعقد قمتين عربية وخليجية. ففي الأيام الصعبة، نحتاج إلى اتخاذ القرارات الصعبة، والإجراءات الأصعب. فهل تتم ترجمة هذه القرارات للفارسية، وهل هي قابلة للترجمة على أرض الواقع؟.

سؤال نتمنى أن تكون إجابته: نعم.

وليد الحسيني