الخروج من الاحراج الكبير

walidأسباب استقالة الحكومة لا تعد، وأسباب استمرارها لا تحصى.

إن استقالت، يستحيل تشكيل حكومة جديدة، في ظل انقسام سياسي تخفيه دائما تفاهمات مغشوشة.

وإن استقالت، ستستمر كحكومة تصريف أعمال. وهذا وضع يحول “العهد القوي” إلى ملاكم فقد ذراعيه.

وإن استقالت، فلا قوانين “إصلاح” ولا مراسيم “تغيير”، وسيكون البلد عرضة لكوارث إقتصادية ومالية وإجتماعية … وربما أمنية. وهي كوارث، كالساعة الموعودة، آتية لا ريب فيها.

أما إذا استمرت، فلن يكف بعض فرقاء الحكومة عن ابتزاز رئيسها، سعد الحريري، باقتناص المناصب والمكاسب … على اعتبار أن “جحا أولى بلحم ثوره”.

وإذا استمرت، فسيستمر البعض الآخر في لعبة الإحراج للإخراج. وذلك بتصعيد أزمة عودة النازحين السوريين، وبتحويل سياسة “النأي بالنفس” إلى بناء جسور الممانعة، وهدم الجسور القائمة مع السعودية، مع إدراكهم المسبق أن الإصرار على هذا النوع من الخبث السياسي لن يدفع الحريري إلى الاستقالة، لأنه يدرك قدرته على منع الانقضاض على البيان الوزاري والاستقرار الحكومي. خصوصاً وأن “العهد القوي” لا يمكنه اتخاذ القرار بالانتحار المبكر. فالتيار الوطني الحر لن يشارك بمثل هذه العملية الانقلابية، التي سيكون العهد أول ضحاياها، عبر إصابته بنكسة مباشرة في أول “شبابه الرئاسي”.

وهكذا سيحافظ التيار على تصريحاته النارية والنازية في الحرب ضد طواحين الهواء، من دون أن يسمح لحلفائه الحقيقيين بتنفيذ انقلابهم الحكومي.

ولأن سعد الحريري يعرف هذا جيداً، فهو لن يستجيب لتحريض بعض محازبيه على الاستقالة، تحت زعم أنها، أي الاستقالة، ستشد العصب السني، وستكرسه زعيماً وحيداً لسنة لبنان.

وبما أن الاستقالة ستكون الثقل الذي يقصم ظهر البلد، فهو بالتأكيد لن يقدم على ارتكاب مثل هذه الجريمة الوطنية، عملاً بقول والده الشهيد رفيق الحريري “لا أحد أكبر من وطنه”. والتزاماً بهذا القول الشهير، تصبح الاستقالة أُمنية مستحيلة لبعض الحلفاء وأكثر الخصوم، ويبقى الاستقرار هدفاً لحكومة، تحاول بالممكن المتاح، إصلاح ما أفسده الدهر المذهبي … والعهر السياسي.

وليد الحسيني

Advertisements

كفى… لن يكفْ

walidيحتكم سعد الحريري إلى ميزان “تطبش” فيه كفة “لبنان” على كفة “الأنا”.

وهو ميزان لا تستخدمه عادة الزعامات السياسية اللبنانية.

فعندما اعتمد شعار “لبنان أولاً”، يكون قد وضع “الأنا” في مرتبة متأخرة.

وبالتزامه هذا الشعار، ذهب بعيداً في مخالفة رأي جماعته. اذ رشح سليمان فرنجية لمنصب رئاسة الجمهورية، في محاولة منه لمنع لبنان من الوقوع في هاوية انهيار المؤسسات، بعد أن أشرفت المؤسسة الاولى، أي رئاسة الجمهورية، على التآكل التام. وذلك بفعل الفراغ الرئاسي المتعمد، الذي طال وطول. وكأنه فراغ حكم بالمؤبد.

محاولته الانقاذية هذه باءت بالفشل. والسبب أيضاً تغييب نصاب مجلس النواب. النصاب الذي خضع لقرار الاصرار على “هو” أو لا أحد.

عندئذٍ، انتقل الحريري من البعيد الى الأبعد.

ذهب الى “هو”، سابحاً عكس اتجاه تياره الأزرق، مرشحاً العماد عون للرئاسة.

نجح الحريري أخيراً في انقاذ لبنان من التحول الى “دولة فاشلة”، كانت تستعد لدفن دستورها، الذي كان يعاني من حشرجة الموت بعد أن تجرّع سم الفراغ القاتل. وكان هذا، لو تم، سيعني طبعاً عودة لبنان الى “ديموقراطية القوة”. لكنها عودة من فريق واحد، لأن الافرقاء الآخرين لا حول لهم ولا “قوة”.

واستمرت تضحيات “لبنان اولا”. فقبل الحريري بتشكيل حكومة “استعادة الثقة” من وزراء لا يثق بكثير منهم.

لم يكتف زعيم تيار المستقبل بما قدم. بل تابع جلد نفسه، فأخذ على عاتقه الدفاع عن خصومه، تحت وطأة الخوف على استقرار البلد.

صحيح أنه في واشنطن لم يتمكن من “رد قضاء” قانون العقوبات الأميركية على فريق لبناني، لكنه تمكن من “اللطف فيه”. ومع ذلك هاجموه بعنف، ربما لأنه لم يُقدم على إعادة صفة “الشيطان الأكبر” على بيت ترامب الأبيض، بعد أن كانت ايران قد ألغتها على بيت اوباما الأبيض.

وفي الكويت نجح في سحب أزمة “خلية العبدلي” من ملف القطيعة السياسية والسياحية والاقتصادية، تاركا أمرها لملف العلاقات القضائية.

وبالتأكيد لن ينجو من هجوم ما، عندما يحين وضع ملف هذه القضية المعقدة في دوائر التحقيق والتقصي.

ترى متى يكمل الحريري واجباته اللبنانية، ويعمل بالحديث الشريف “ان لنفسك عليك حقاً”.

كفى يا سعد.

سبق وأن قالها له نجيب ميقاتي بسوء نيّة. اليوم يقولها كثيرون بنية حسنة.

كفى يا سعد.

لكنّ سعد لن يكف… وسيستمر بـ”لبنان أولاً”، حتى لو استمر بأن يكون “الخاسر أولاً… وأخيراً”.

وليد الحسيني

إرهاب أشد من الإرهاب

walid

كعادتنا، نبالغ في كل شيء.

ومن مبالغاتنا، إدعاء الأمان، الذي سينعم به لبنان، بعد تحرير جرود عرسال من إرهابيي «النصرة»، وسنبلغ قمة المبالغة، بعد إتمام تحرير جرود القاع ورأس بعلبك من «الدواعش» وعصرهم الهمجي.

هل هذا فعلاً ما كان يهدد أمن لبنان واللبنانيين؟.

منذ سنوات قليلة، لم نشهد عملية انتحارية تسفك دماءنا. ولم تنفجر سيارة مفخخة تذهب بأرواح الأبرياء. ولم تزرع عبوة في طريق تزرع الرعب فينا.

بالتأكيد كان سبب ذلك عيون الأمن المتيقظة والكاشفة للخلايا الإرهابية النائمة.

باختصار، كان هناك أمان، يشوبه غياب الاطمئنان.

أما وقد بدأ الخلاص من مصادر الخوف على يد «حزب الله»، ويكاد يكتمل على يد «الجيش اللبناني»، فإن الواقع يفرض علينا عدم الاطمئنان، الى هذه الانتصارات المحدودة، لأن الأمان في هذا البلد مهدد بأخطار أشد إرهاباً من الإرهاب.

فما زلنا على انقساماتنا. وما زلنا نغذّيها بالحقن المذهبية والاحتقان العنصري.

وما زال اقتصادنا يتآكل بالنمو المخيف للدين العام.

وما زال اللبنانيون يتساقطون بالجملة تحت خط الفقر.

وما زال التلوث يفتك بالهواء والبحر والسهل والجبل.

وما زال الموت هو الدواء الوحيد المتوافر للفقراء.

وما زال «الاصلاح» يتحرك على طريق المصالح.

وما زال «التغيير» يعني تغيير مالك الى مالي.

وما زال «السلاح» يفرض رأيه على حرية الرأي.

وما زال اللبنانيون منقسمين بين عرب وعجم.

لا شك في أن هذه الأمراض المستوطنة فينا هي أكثر خطراً من إرهاب «داعش» و«النصرة».

ولا شك في أننا نعيش في بلد غير آمن. وأننا نقيم على أرض مهددة بالبراكين والزلازل والحروب الأهلية.

إذاً، المطلوب قبل وبعد تطهير حدود لبنان، تظهير أفكارنا ونفوسنا وقلوبنا، من النوايا السيئة والكمائن الغادرة.

تطهير؟!… إنه «التطهير المستحيل».

وليد الحسيني

الستين المظلوم والنسبية الظالمة

walid

وليد  الحسيني

الأكيد الأكيد أن الراحل الكبير فؤاد شهاب، عندما سنَّ قانون الستين، لم يضع النواب المسيحيين في خرج المسلمين.

لقد وضع هذا القانون في عز سطوة المارونية السياسية، التي ما كانت ستسمح به لو أنه كان فعلاً يؤدي الى جرجرة نوابها للإلتحاق بعباءة السني والشيعي والدرزي.

ومع هذا نعيش اليوم حملة مسيحية شرسة على قانون الستين، وكأنه الشيطان الأكبر أو الحوت الإسلامي الذي يبتلع التمثيل المسيحي في مجلس النواب.

وفي كل مشاريع قوانين الانتخابات البديلة والمتداولة تغيب الملائكة، مفسحة للشياطين الحقيقية، لا الوهمية، لتملأ صناديق الإقتراع بالعصبيات المذهبية والطائفية والمناطقية.

جميع القوانين البديلة تعمل على شد العصب الطائفي والمناطقي عند التصويت. فكل فريق يريد أن يحصد المقاعد لنفسه. وبدل من أن نعمل على قانون وطني، يجري الاعداد لقانون يلغي الوطن لحساب الطائفة. وأي قانون للانتخابات يوضع تحت هواجس الأنانية المذهبية سيعرّض مستقبل لبنان الى انقسام مجتمعي لا يمكن الخلاص منه.

لقد وضع الرئيس فؤاد شهاب قانوناً وطنياً يحد من طغيان الاقطاع السياسي والعائلي والمالي. وفي ظله فاز نجاح واكيم وزاهر الخطيب وعبد المجيد الرافعي وعدنان الحكيم وجميل كبه ومعروف سعد وألبير منصور وعثمان الدنا ونصري معلوف وبيار دكاش وأوغست باخوس… وكثيرون غيرهم ممن لا يحسبون على الاقطاع السياسي والعائلي والمالي.

وفي زمن الستين شهد لبنان ازدهاراً اقتصادياً وتشريعياً. ولم تتأثر الديمقراطية والحريات كثيراً بنشاطات «المكتب الثاني» السيء الذكر.

ومن الظلم اتهام قانون الستين بأنه المسبب للحرب الأهلية الأخيرة، التي تراوحت أسبابها بين انتشار السلاح الفلسطيني بعد أيلول الأسود في الأردن، وبين الصراعات العربية للسيطرة على لبنان، ولا يجوز اغفال الدور الاسرائيلي في اندلاع هذه الحرب القذرة.

إن تاريخ قانون الستين يشرّف التشريع اللبناني. أما الحديث عن النسبية فهو خدعة بلهاء لم تمر على أكثر الدول ديمقراطية في العالم. فالنسبية التي يروج لها صيادو المقاعد النيابية في لبنان، رفضتها انكلترا وفرنسا والولايات المتحدة والهند وكندا. ولا نعتقد أننا في لبنان أكثر ديمقراطية من هذه الدول العريقة في ديمقراطيتها وعدالتها.

ومع ذلك، فإن العقل اللبناني الشاطر، أو المتشاطر، سيجد وسيلته للتحايل على القانون «المنصف». وسنجد يوم الامتحان النسبي أن القيادات الكبرى في هذا البلد الصغير سيلجأون الى تشكيل أكثر من لائحة في الدائرة الواحدة، بحيث يحصدون نواب النسبة الأعلى ونواب النسبة الأدنى.

لبنان لم يعد يحتمل اللعب بمقدراته. وتجميل قانون الستين هو الحل الأمثل. أما المبالغة بالرفض وتفضيل الفراغ التشريعي على اجراء انتخابات بقانون الستين، فهذه مغامرة خطيرة. كما أن بدعة الاستفتاء يترك أمرها لربيع الهبر… ولا تليق بالرئيس ميشال عون.

وليد الحسيني

 

حكاية وطن

اقتحم المواطن القَلِق غرفة الأطباء، صارخاً بوجههم:walid

– صارحوني هل مات فعلاً؟.

ينهض طبيب محاولاً تهدئة المواطن المنهار:

– لا. ليس بعد. لكن حالته سيئة جداً.

– افعلوا شيئاً لإنقاذه.

– اطمئن. هذه ليست المرة الأولى التي يعاني سكرة الموت. سبق وأن أنقذناه من حالات خطرة كثيرة. كل ما نطلبه منك بعض الصبر.

– لكن. هل اكتشفتم مرضه؟.

يجيب الطبيب بتهكّم:

– مرضه؟!. قل أمراضه. فهي لا تعدّ ولا تحصى.

– أخبرني يا دكتور. ممَّ يعاني؟.

– أوه… لا أدري من أين أبدأ؟.

– لا بد من مصارحتي بكل شيء. فأنا ليس لي غيره. وعمري لا يسمح بالبحث عن بديل له.

– يشكو من فقدان المناعة. وهذا سبب كافٍ لتراكم الأمراض. فهو لا يستطيع مقاومتها. إنها تستفحل في جسمه المتآكل.

– وما سبب ذلك؟.

– أولاً استعمالكم أوراق الدستور في الحمامات. وثانياً «تعليقكم» للقوانين وكأنها فخذ بقرة معلقة في سوق اللحامين. وثالثاً لأن رجال الدين أصبحوا كفتيات الإعلان «المثير» للفتنة. ورابعاً تحويل «الجامعات» إلى «مفرّقات». وخامساً أصبح شبابكم كالبدو الرُّحل يتنقلون من سفارة إلى أخرى بحثاً عن الكلأ والوطن والأمان. وسادساً منافسة الصحفيين والمثقفين لكبار التجار. وسابعاً لأن الموظفين يقبضون رواتبهم الحقيقية مباشرة من الجمهور. وثامناً لأنكم تقاسمتم الله في اتفاق الطائف، فأخذت كل طائفة النصف. ومن ثم، تناصفت المذاهب نصفها. وتاسعاً لأن في كل دولة من دول القرار لكم عاصمة. وعاشراً لأن مجالسكم بين مهجورة في ساحة النجمة أو مقاطعة في السرايا أو معطلة في قصر بعبدا.

المواطن مقاطعاً:

– كفى… كفى… لقد حرقت قلبي على لبنان. لكن قل لي أما من علاج؟.

– أجل. سنبدأ العلاج انطلاقاً من العراق. ومن بعده سنحاول إنعاش مبادرة السلام السعودية. وصولاً إلى معالجة الشلل النصفي في فلسطين، والشلل الكلي في الجولان. وانتظار نتائج التحليل الدولي للتخصيب النووي الإيراني. وبعد ذلك يمكن محاصرة الفيروسات في الجسد اللبناني، وبالتالي، القضاء عليها.

خرج المواطن حاملاً احباطه. انطلق بسيارته. صعد الى الأرز، ألقى نظرة أخيرة. مسح دمعته. ثم اتجه بحراً إلى الجنوب. ودّع الأمكنة مكاناً مكاناً. توقف عند صخرة الروشة فاعتذر عن الانتحار. وعندما حان الوصول إلى بعلبك كان صوت فيروز قد غادر قلعتها.

بعد أن أتم رحلة الوداع… انتقل الى سرادق كبير وجلس على كرسي ينتظر قبول العزاء.

وليد الحسيني

نُشرت هذه الإفتتاحية في مجلة «الكفاح العربي» بتاريخ 21 أيار (مايو) من العام 2007. ومنذ ذلك الزمن ما زال لبنان في وضع الإحتضار

الحابل والنابل

الآن، يختلط الحابل بالنابل. وما عاد من الممكن فرز الصالح من الطالح.

الجنون أصبح لغة العرب حكاماً وشعوباً، ونهجاً يجرف الإسلام الى جاهلية ما قبل ظهور الإسلام.

وسط هذا العبث الدامي والمدمر تنطلق أكبر مؤامرة في تاريخ الأمة العربية. وننخرط بها جميعاً، ويدعي كل طرف أنه يخوض حروبه لإسقاطها. وهو يعلم جيداً أنه walidبحربه هذه يكون جزءاً فاعلاً في نجاح المؤامرة.

ترى كم عدد الجهات المتآمرة؟.

نبدأ بدول “الطوق” للوطن العربي وهي إسرائيل وتركيا وإيران.

لا أحد من هذا الثلاثي يفعل «خيراً» ليرميه في البحر. فلكل دولة أهدافها وأطماعها. وجهة دولية تحميها وترعاها.

دور إسرائيل لا يحتاج الى تفسير. فقد تحققت لها أهداف استراتيجية، كانت توصف بالأوهام المستحيلة.

بفضل رجلها الصهيوني برنار ليفي، تم القضاء على ليبيا وجيشها وقائدها. وبذلك تكون قد شطبت من جدول أعدائها عدواً أساسياً.

وقبله، وبفضل نصيرها جورج بوش الإبن، تم لها تصفية الجيش العراقي، وتمزيق نسيجه الوطني الى مذاهب وعشائر متقاتلة. مما أدى الى تلاشي الروابط الدينية والاجتماعية والقومية. وبذلك أيضاً تسقط دولة محورية من جدول أعدائها.

وتستمر المؤامرة في حصد الجوائز لإسرائيل بإنهاك الجيش المصري وإشغاله بمواجهة الإرهاب في سيناء، وفي بعض عملياته الموجعة في القاهرة وضواحيها. وبذلك يضاف الى قيود اتفاقية كامب ديفيد تجميد الجيش الأقوى عربياً. وبذلك تستطيع إسرائيل أن تطمئن الى إبعاد خطر الجيش المصري الى أجل غير مسمى.

أما الجائزة الإسرائيلية الأكبر فهي استنزاف الجيش السوري وتدمير سوريا وصولاً الى نهاية مأسوية لا يمكن تحاشيها. وبهذا يصبح جدول أعداء إسرائيل مفرّغاً من الجيوش التي تشكل خطراً عليها وعلى سلامة اغتصابها لفلسطين والجولان.

ومن على شرفة “الربيع العربي” تطل تركيا على تطلعاتها العثمانية. ومن على شرفة مقابلة تقف إيران وتمد يدها باسطة نفوذاً يحاول أن يثبت “عرش كسرى” في عدد من عواصم المشرق العربي.

وهكذا تتحول دول الطوق الثلاث من دول جارة الى دول جائرة.

كل ما يحصل من حروب أهلية وفتن مذهبية وسلوكيات إسلامية يتنافس فيها أبو جهل مع أبو بكر البغدادي، كل هذا سيؤدي الى تقسيمات جغرافية تؤدي الى تقاسم النفوذ بين أميركا وروسيا، وذلك عندما يكتمل الانهيار العربي، ويبلغ ضعف دوله حداً يفرض على هذه الدول طلب الحماية من القطبين الأميركي والروسي.

وليد الحسيني

 

«الثورات» تأكل دولها

walidما يراه العرب في يقظتهم، هو أسوأ من أسوأ الكوابيس.

في العراق، أي بلاد ما بين النهرين، تفجّر نهر ثالث من الدماء، هو أغزر من دجلة وأطول من الفرات.

في ليبيا، توقف حفر آبار النفط، وعمّ فيها حفر القبور. وتوقف استيراد العمال الأجانب للبناء، وحل مكانه تصدير الليبيين الى المنافي للإذلال.

في اليمن، ومنذ أن دمرت «الجرذان» سد مأرب، قبل أكثر من 2500 سنة، لم يبنَ سد الى أن قامت «الجرذان البشرية» ببناء عشرات السدود المنيعة، التي تمنع اليمنيين من الاتفاق، وتسد عليهم أبواب الحياة، وتقطع عن شعب «القات»… القوت.

كان سد مأرب يحصر المياه لحصاد الغلال، لكن سدود اليوم تحصر اليمنيين لحصاد أرواحهم وأرزاقهم.

في تونس، البلد الذي يعيش على السياحة، يموت اليوم، شيئاً فشيئاً، بموت السياحة. بعد أن ساحت في أرجائه خلايا إرهابية بلغت سمعة وحشيتها أسماع العالم.

في مصر، الإغتيالات تتنقل بين رجال الأمن، والمتفجرات تتنقل بين المقرات الأمنية، وسيناء، رغم نجاحات الجيش المصري، ما زالت تنبعث منها رائحة الموت، وما زالت تبعث بجثث شهداء الجيش وقوى الأمن الى مدن ونجوع مصر. مما يعني أن مصر لم تتعافَ تماماً من وباء الربيع العربي، وأن استقرارها ما زال هشاً.

في سوريا، لم تعد «الغوطة» متنفساً لأهالي دمشق، بعد أن تحولت الى «منتزه» لمعارك دموية تكتم أنفاس أهل دمشق وريفها. ولم يعد «سهل الغاب» مصدراً للرزق، فهو اليوم غاب متوحش يحرق الأرزاق ويقطع الأعناق. ولم تعد حلب عاصمة سوريا التجارية، إذ عمّت فيها، وعمتها، تجارة الموت والدمار. ولم تعد الجزيرة صومعة الغذاء التي تطعم سوريا قمحاً، إذ تحولت حقولها نفسها الى طعام لنيران المعارك.

وبهذا الواقع الأسود نرى كيف تأكل «ثورات» الربيع العربي دولها وشعوبها بشراهة لم يعرفها التاريخ من قبل. وبما أن هذا الواقع الأسود بلا نهاية وهو مستمر في الانزلاق الى مزيد من الانقسام والحقد والدموية، فلا شيء يحول دون انتقاله الى دول عربية أخرى، نخشى أن يكون لبنان أولها. لأنه الأكثر تورطاً والأقل مناعة. وتأتي هذه الخشية وسط استهتار سياسي، وعصبية مذهبية، وفراغ مؤسساتي يهدد بالتسلل الى الحكومة والمجلس النيابي والمؤسسات العسكرية، إذا ما قرر العماد عون تنفيذ وعيده بمقاطعة مبنى ساحة النجمة والسرايا الكبير.

وإذا لم يعِ العرب، فإن مسلسل «الربيع الدامي» سيعم في الدول العربية، وسنكون، كما قال شوقي، «كلنا في الهم شرق».

وليد الحسيني