عواصف المطالب وهدوء المستطاع

walidكأن تشكيل الحكومة “بوفيه” مفتوح.

كل زبون يحمل صحنه ويبحث عن أطايب الوزارات وأشهاها.

لكن الطباخ لا يمكنه سدّ جوع كل هؤلاء، خصوصاً إذا كانت شهيتهم، ما شاء الله، مفتوحة على الآخر.

مع ذلك، ورغم ذلك، فإن “دراكولا” نفسه قد يتبرع متنازلاً عن بعض دمه لانقاذ ضحاياه، مدفوعاً بحرصه على الاستمرار بمص الدماء.

وعلى طريقة “دراكولا”، ولذات الأسباب والدوافع، يتوجب على “دراكولي” السياسة اللبنانية التنازل عن مطالب الحد الأقصى. فالفرن الحكومي المُعتدل يوفر لهم الخبز الناضج. أما الفرن المُلتهب فسيحرق الخبز الذي تعودوا التهامه.

هذا يرتب على الرئيس المكلف سعد الحريري أن يدرك أن “الطاووس”، المتباهي بنفش وفلش ريشه، لا يستعمل في النهاية سوى منقاره الصغير، الذي بالكاد يتسع لحقيبة وزارية… أو أكثر بقليل.

كل ما يجري قبل التأليف هو انتفاخ مُصطنع. وهذا مرض يجعل أهل السياسة، من أحزاب ومستقلين، يعتقدون أن أحجامهم تعطيهم الحق بحقائب وزارية “إكسترا لارج”.

صحيح أن سعد الحريري لم يعد إبن تجربة حديثة في السياسة. وأنه أصبح من جهابذتها، لكنه لم يبلغ، ويبدو أنه لا يريد أن يبلغ، مرحلة “الدهانقة” التي رسخ في فنونها مناوئوه، الذين يجيدون حمل الأثقال وإلقائها في طريقه، أو على كتفيه.

إن أمور التأليف الحكومي ليست سهلة، كما توحي التسهيلات المُعلنة بإلحاح، وعلى طريقة “يعطيك من طرف اللسان حلاوة”. فالعقد المطروحة تستدعي الكثير من الجهد، وأكثر منه الحذر من المُبيّت والمحبوك. فبالإضافة إلى الطموحات والمطامع والمصالح، يواجه تأليف الحكومة، وللمرة الأولى، صراعاً يشمل كل المذاهب.

“الموارنة” في خلاف على تقاسم الحصة المارونية في حكومة مجمع الطوائف. وهو خلاف غير قابل للتفاهم… حتى ولو كان “تفاهم معراب”.

“السنة” يرفضون تسلل “حزب الله” إلى حصتهم الوزارية بفرض وزير سني خارج عن الإجماع السني.

“الدروز” من سابع مستحيلاتهم القبول بتمثيلهم بوزير درزي ملتحق بالتيار العوني. خصوصاً بعد اندلاع حرب “التويترات” بين الحزب التقدمي والعهد.

“الأرتذوكس” يشعلون حرب نائب رئيس الحكومة بين قوات “الدولة القوية” وتيار “لبنان القوي”.

“العلويون” يخوضون معركة توزيرهم بسيف جبران باسيل.

“الشيعة” أجلوا كباشهم الحكومي إلى حين صياغة البيان الوزاري متمترسين خلف “ثلاثيتهم”، التي حلف المستقبل والقوات يمين طلاقها بالثلاثة.

إذا، لا توجد طائفة رئيسية لم تدل بعُقدها.

ترى هل يكفي هدوء الحريري واعتداله لمواجهة أعباء التأليف هذه؟

الرجل غالباً ما نجح في أن يبدل المُناخ السياسي، من غائم وعاصف، إلى صاف وهادئ محلياً وإقليمياً.

لا شك في أن الأخطار المحدقة بلبنان من الداخل والخارج، ستساعده في الوصول إلى تشكيلة حكومية، لا هي التي يريد، ولن تكون التي يريدونها.

لا مفر من أن يقبل الجميع بالمستطاع. والرضى بأقل الخسائر. فإنقاذ مؤسسة مجلس الوزراء، وهي الأقوى بين المؤسسات، من الموت السريري، هو إنقاذ لبنان من الموت التام.

 

وليد الحسيني

Advertisements

مؤتمر “بيروت 1”

walidلبنان ليس بحاجة إلى الأمطار لتصبح طرقه السياسية والإقتصادية موحلة. وهذا يُرتب على الرئيس الحريري مسؤولية تجفيف حكومته المُقبلة من المُستنقعات، المُتسببة بأوحال تهدد بانزلاق خطير في بناء لبنان الإقتصادي. بتعبير أكثر وضوحاً، لا بدّ له من “مغسلة” تقوم بتنظيف المُرشحين للقب أصحاب المعالي.

إن الوضع ينطلق بسرعة قصوى نحو الأسوأ. وهو بذلك لا يحتمل استمرار “الملوثات” بتلويث مُسقبل البلد.

الحكومة المطلوبة، هي التي يتخلى أعضاؤها عن مصالحهم الفاسدة، وعن مزايدات أحزابهم ومذاهبهم بحثاً عن شعبية مُدمرة لأي عملية إنقاذ حقيقية.

صحيح أن البلاد مشغولة الآن بهمّيْ تشكيل الحكومة ومصير النازحين السوريين، لكن الهمّ الأكبر، والأدعى للإهتمام، يتمثل في تقارير إقتصادية دولية، تقول أن عام 2019 سيكون عام إفلاس أربع دول عربية، على رأسها لبنان.

إن هذا الخطر المؤجل إلى حين، لا أحد يستطيع عبوره بسلام سوى سعد الحريري كصاحب خطة أولاً، وكصاحب شبكة علاقات إقليمية ودولية ثانياً.

من هنا يتوجب على المُغامرين بالبلد، الكف عن مغامراتهم ومخططاتهم بالوصول إلى حكومة القرارات المصيرية المُعطلة. خصوصاً وأنهم لم يتوقفوا عن توجيه الضربات والشكوك لمؤتمر باريس الأخير المُسمى بـ “سيدر”.

لا شك في أن مؤتمرات باريس، منذ أن ابتكرها الرئيس الراحل رفيق الحريري، شكلت مخرجاً من نفق الأزمات المالية.

لقد أدى الخارج واجبه تجاه لبنان. وبقي على الداخل أن يُكمل طريق الإنقاذ. ونعني بالداخل المصارف اللبنانية، التي رست في صناديقها نسبة كبيرة من مديونية لبنان.

إذا تم للحريري تشكيل حكومة نظيفة، خالية من الكمائن والنيات المبيّتة، عليه أن يستكمل مؤتمر باريس بـ “مؤتمر بيروت 1”. أي مؤتمر يضم المؤسسات المالية، ويشجع المصارف المحلية على التعامل مع لبنان بروحية مؤتمر باريس وتسهيلاته وتضحياته… وبالذات إذا علمنا أن قرابة نصف مديونية الدولة اللبنانية تعود إلى مصارفنا الوطنية.

ألا يمكن أن تصاب هذه المصارف بحب لبنان، كما أحبه المشاركون بمؤتمر باريس، فتسهم في نسبة بسيطة من موجوداتها، وبالشروط التي قبلتها دول وصناديق مالية أجنبية، يفترض أنها غير مُطالبة بإنقاذ المركب اللبناني من الغرق.

يقول المصرفيون أن المصارف هي التي مدّت وتمُد الخزينة اللبنانية بالحياة، ويتجاهلون أنهم تعاملوا مع خزينة لبنان بـ “أريحية” المرابي. وأن الفوائد التي أخذوها من الدولة كانت اللحم والشحم الذي تكتنزه مؤسساتهم.

إذا أرادوا أن يسجلوا في كشوفهم المصرفية جميلاً بلبنان، فليتعاونوا معه لا عليه. فلهم في تخفيف أرباحهم، بالتنازل عن الفوائد، فائدة أكبر في بقاء اللبنانيين ودولتهم قادرين على الإيداع والسحب… والإقتراض والدفع.

إن دور لبنان في إنقاذ نفسه، لا يُمكن أن يُحصر بالإحتفال في المروءات الخارجية. من هنا تستحق أمراضنا الإقتصادية الخطرة، إنعقاد مؤتمر مُماثل لمؤتمر باريس، خصوصاً أننا أسرع بلد يقلد “الموضة الباريسية”. فأصحاب البيت أولى بدعم جدرانه الآيلة للسقوط.

إن مؤتمراً يضم المرجعيات السياسية ورؤساء مجالس المصارف وغرف التجارة والصناعة، ربما يكون فرصة يتخلى فيها اللبناني عن إتهاماته لكل هؤلاء في “تبييض” خزينة لبنان. 

وليد الحسيني

“الوحدة الوطنية” حاجة أم حجّة؟

walidمن المؤكد أن الحريري سينجح في إزالة عقبات التشكيل. والمؤكد الآخر أنها ستكون حكومة “وحدة وطنية”. فهذه تسمية إلتصقت بكل حكومات ما بعد الطائف. إلا أن جمع جميع المُتناقضين على طاولة مجلس الوزراء، لا يعني أن “الوحدة الوطنية” قد قامت.

الزمن اختلف. وإذا كان الخلاف في ما مضى لا يُفسد في الودّ قضية، فإن خلاف اليوم يُفسد كل القضايا… ويُضيف إلى العداوات عداوات… وإلى الأزمات أزمات.

في الماضي، كانت الخلافات أتفه من أن نتذكرها. وكانت فعلاً غيمة صيف عابرة.

أما وقد تحوّل شعار “الوحدة الوطنية” من نعمة مُفترضة إلى نقمة مفروضة، فإنه سيوفر لـ “الإتجاه المعاكس” فرص السيطرة على بعض أهم قرارات الحكومة، وسينجح حتماً وحُكماً، في الإنتقال من “حكومة تصريف الأعمال” إلى “حكومة تجميد الأعمال”. ولهذا نسمح لأنفسنا، ونأمل أن يسمح لنا الرئيس الحريري، أن ننقل إليه مخاوفنا…

فـ “المكتوب مبين من عنوانه”… وللمكتوب عناوين كثيرة.

مُسبقاً، وقبل التأليف، قال الفريق المعاكس، أنه لن يتساهل إذا الحكومة قصّرت في رفض إدراج أسماء شخصيات وشركات لبنانية على لوائح الإرهاب. وأنه لن يسمح للحكومة بأن تتعامل إيجابياً مع العقوبات الأميركية والخليجية المُستهدفة “حزب الله” وأنصاره.

إذاً، المطلوب من “الوحدة الوطنية” أن تتحد في مواجهة الولايات المتحدة ودول الخليج معاً… وأن تحكم بذلك على تطلعاتها السياحية والإستثمارية والمالية بالتبخر، وبالتالي، ترك الإقتصاد اللبناني لمصير، من السذاجة وصفه بالمجهول.

ومن عناوين المكتوب أيضاً، رفع “الإتجاه المعاكس” الغطاء عن كل من يخلّ بالأمن في بعلبك والهرمل مثلاً. لكن التجارب تؤكد أنه يعيد إلقاء الغطاء في المخافر ودوائر التحقيق… وكأنك يا أبو زيد ما غزيت.

أما الطامة الكبرى، فستحل على جلسات مجلس الوزراء، عندما يحين فتح ملف النازحين السوريين.

هذا الملف، الذي يتلطى خلف إنقاذ لبنان من عبء هؤلاء اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً، هو بالحقيقة ملف مفتوح على صراعات إقليمية ودولية كبرى. فثمة من في لبنان يدعو إلى العودة بالإكراه. وهو يرمي إلى فتح كل القنوات الرسمية مع سوريا. وفريق يعارض العودة القسرية، رافضاً إغتيال سياسة “النأي بالنفس”.

وفي صدارة الإنتظار، فتح الحرب على الفساد. وهو شعار حظيَ بإجماع وطني مُنقطع النظير.

الفساد ليس رشوة وسمسرة وعمولة فقط. فالفساد الأكبر والأخطر، هو تغطية أعين الجمارك بعصبة سميكة في منافذ البر والبحر والجو. فمن هناك تفقد خزينة الدولة مئات الملايين من الدولارات سنوياً… فمن يجرؤ على فضح هذا “الإبراء المستحيل”؟

أما باقي مفاعيل “التجميد الحكومي”، من كهرباء ونفايات ونفط وتعيينات، فهي معطلة بالثلث المعطل، كلما اقتربت الحكومة من اتخاذ القرارات الحاسمة.

هذه عيّنة من نِعَم “الوحدة الوطنية”، التي يفترض أنها حاجة… والتي يبدو أنها تحوّلت إلى حجّة.

 

وليد الحسيني

العقوبات والعواقب

walidإنها أخطار جدّية. ولا يمكن اعتبارها مجرد مناورة أميركية هدفها التهويل.

إن لوائح الإرهاب، وما نتج، وما قد ينتج عنها لاحقاً، من عقوبات بحق إيران و”حزب الله”، يستحيل فصل تداعياتها عن لبنان. فالمنطقة تعيش زمناً بلا منطق. والتهديدات التي تطلق، من الصعب التكهن عما إذا كانت تخرج من فم الدبلوماسية، أم أنها تمهد لخروجها من أفواه المدافع.

إذا تمعنا بسياسة ترامب، سنرى أن الرجل بدأ يقلع عن القرارات المتقلبة، وعن “التويتر” الذي ينسخ ما قبله.

تلك مرحلة من حكم ترامب تعتبر من الماضي. يومها كان محاطاً بالحمائم، التي كثيراً ما نجحت في فرملة قراراته المتطرفة. أما اليوم فقد طار الحمام وغطت مكانها الصقور. واللافت أن هذه الصقور هيمنت فعلاً، وأنها أكثر من الرئيس تصلباً واندفاعاَ.

إذاً، بقراءة ما يجري في واشنطن، يصح القول أن لبنان، كإيران، يقف في وجه الإعصار الأميركي. وبالتالي، لا يمكنه الإتكاء على نظرية عزل الداخل عمّا يعدّ له في الخارج. فهذه نظرية تحتاج إلى إعادة نظر.

علينا الإعتراف، أن ثمة فريقاً لبنانياً رئيسياً مستهدف بالعقوبات الأميركية. وهو لن يسلم رقبته لمقصلة “النأي بالنفس”. فبالأمس، وقبل أن تضرب العصا الأميركية الإقتصاد اللبناني المُهتز، طالب السيد حسن نصرالله الحكومة المقبلة أن تدافع عن مواطنيها وأن تحمي من تعرض لعقوبات الولايات المتحدة ودول الخليج، وأن تحررهم من عواقبها.

ما يطلبه السيد يبقى في دائرة التخيّلات. فحتى كوريا الشمالية لم تستطع الإستمرار بمقاومة العقوبات الأميركية. رغم أنها تحظى بدعم مباشر وغير محدود من الصين، وبإسناد متميز من الروس. فكيف للبنان، بوجود خلافاته الداخلية العميقة، أن يواجه الهيجان الأميركي.

إن تشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة لا يكفي للمواجهة. كما لا يمكن دفن التشاؤم المُبرر، بأن نلقي فوقه كمّاً هائلاً من التفاؤل النظري.

قد ننجح في تأليف الحكومة بسرعة، لم نعرفها من قبل، عندما كانت “سلحفاة الزمن” تتولى تشكيل الحكومات. ولا يشك أحد في أن الرئيس سعد الحريري سيبذل جهوداً محلية ودولية للحيلولة دون أن يتعرض لبنان لهزات أميركية تشقق جدران استقراره وإقتصاده.

لكن، كما لا أحد أكبر من وطنه، لا يوجد وطن أكبر من العالم. فالعالم بقوته الأعظم، أي أميركا، وبصمت القوى الأقل عظمة، أي روسيا وأوروبا والصين، وربما بتواطؤ بعضها، يتخبط بين مؤيد للقرارات الأميركية، وبين معارض شكلي، وبين متحفظ خجول. لكن كل هذا لا يأخذ بعين الإعتبار مصالح دولة كبيرة كإيران، ومن باب أولى، أن لا يأخذ بعين الإعتبار مصالح دولة صغيرة كلبنان.

الواقع يقتضي الإقرار بأن الجنون الأميركي أكبر من العقل اللبناني ومن تعقل الحريري. وهذا يعني أن المبادرة ليست بيد الحكومة المقبلة… إنها بيد “حزب الله”، الذي عليه أن يختار: إما المواجهة المفتوحة… أو الإنفتاح.

وليد الحسيني

المأزق الكبير

walidنشرة “الأرصاد الجوية السياسية” لا تبشر بالخير. فأجواء لبنان ملبّدة وتنذر بالعواصف.

إن قرار الولايات المتحدة ودول الخليج الذي وضع “حزب الله” بجناحيه السياسي والعسكري في لائحة الإرهاب، هو قرار يتّسم بالجدية. وبالتالي لا يمكن تحاشيه بالإختباء وراء ذريعة النأي بالنفس. كما أن المكابرة وإنكار كبائره، لن تنقذ لبنان من آثاره. فالغطاء الدولي لإستقرار بلاد الأرز كان نعمة، لكن، كما يقال، فإن النعم لا تدوم.

هناك من استهزأ بالقرار فقرأه بسطحية، معتبراً أنه يستهدف تمويل “حزب الله”. لو كان الأمر كذلك فقط، لكان حكام أميركا ودول الخليج أول المستهزئين بما قرروه. فهم يعلمون جيداً أن “حزب الله” لا يتعامل إلا مع أقدم بنك في التاريخ المعروف ببنك “خلي مخزنك عبك”. فهو لا يسلك طريق المصارف، ولا يأمن للتحويلات المصرفية.

أمواله تنقل إليه بالحقائب الدبلوماسية، وبالشحنات العابرة للحدود والمزودة بـ”طاقية الإخفاء”.

أما من قرأ العقوبات بتمعن، فيكتشف أن لبنان في ورطة يصعب الخروج منها. إذ أنها عقوبات مرتبطة بمصالح دولية كبرى، مما يجعل الإستعانة بأوروبا لإنقاذ لبنان من شرورها، كالإستعانة بالضرير في طريق للنجاة من الحفر.

على الجميع أن يتذكر أن انسحاب أميركا من الاتفاق النووي وإعادة إدراج العقوبات ضد إيران، قد أصاب المصالح الأوروبية بمقتل. وعلى الجميع أن يتذكر أن أوروبا، بجلالة قدرها وقدرتها، فشلت في إنقاذ نفسها وشركاتها من عواقب القرار الأميركي. وإذا كان هذا حال أوروبا، فبأي حال سيكون لبنان؟

الورطة الكبرى تبدأ بتشكيل الحكومة. فإن شكّلت وفيها “حزب الله”، فإن أصحاب القرار سيعتبرونها حكومة إرهابية يحظر التعامل معها. وإن شكّلت من دونه، فسيتهمها الحزب بالعمالة … وربما الخيانة.

وما بين “حانا” الإرهاب و”مانا” العمالة، ستضيع لحى الحل، وسيدخل البلد في صراعات غير قابلة للتهدئة. ولا ينفع فيها الإعتدال وربط النزاع.

المأزق كبير. وأخطر ما فيه أنه جاء قبل أيام من تشكيل الوزارة. أي أنه تعمّد إلقاء الألغام الثقيلة في طريق تأليف الحكومة. ومن ثم، وضع كل القيادات اللبنانية أمام معضلة: لا تقسم الصحيح ولا تأكل المقسوم. وهذا يعني بوضوح اشتراط استبعاد “حزب الله” من الحكومة. وإذا لم يتم ذلك، فعلى لبنان أن ينسى مؤتمرات روما وباريس وبروكسل. وينسى معها مواسم السياحة الخليجية واستثمارات دول الخليج.

الإنقاذ الممكن يكمن في تخلي “حزب الله” عن المشاركة المباشرة، وتجيير حصته إلى الحلفاء والأصدقاء.

لكن هذا الممكن هو مستحيل في آن. فمن الصعب أن يختار حزب “النصر الإلهي” الهزيمة … حتى لو لم يبق للبناني سوى أن يأكل لحمه الحي.

وليد الحسيني

العصي الذهبية

walidفات المشرع أن يضيف إلى قانون النسبية مادة تنص: يطبق لمرة واحدة.

لقد حفل هذا القانون بعورات، تجعل العودة إليه في انتخابات أخرى حماقة ديمقراطية. مما يُلزم نواب “الصوت التضليلي” البحث فوراً عن قانون بديل. علماً أننا في لبنان، مهما حاولنا، فلن يكون بمقدورنا صياغة قوانين انتخابية بريئة من الطائفية.

المتحكمون بالتشريع يرفضون سلوك الطرق المستقيمة، التي تصل إلى مجلس نيابي على أسس وطنية. وحجتهم في ذلك أن البلاد ملأى بالأكواع الطائفية، ومزدحمة بالمكوّعين المذهبيين.

البلد يواجه اليوم مجلساً نيابياً، الكثير من أعضائه وصل إلى مقعد النيابة بالخداع. فالقانون نفسه خدع الديمقراطية وكذّب عليها. فعندما يفوز من هو في ذيل الأصوات التفضيلية، ويسقط من هو في أعلى قمتها، يكون تزوير إرادة الناخب قد تم بقوة القانون.

أما وقد كان ما كان، فإن “النق” لم يعد مفيداً. وما كتب في قوائم الفائزين بالنيابة قد كتب. وما التعلق بالمجلس الدستوري وانتظار أحكامه في الطعون، إلا كإنتظار إبليس في الجنة.

أمام كل هذه الحقائق والوقائع المرضية وغير المرضية، لا مفر من التعامل مع النتائج كما هي.

تقول النتيجة الأبرز، أن كل من نفخ في نيران الطائفية زاد حجمه النيابي. وكل من التزم الإعتدال تراجعت كتلته النيابية. وبفضل هذه السياسة، زاد عدد أعضاء أغلب الأحزاب الرئيسية بلجوئها إلى الاستقواء بطائفتها. إلا سعد الحريري فقد استقوت الطائفية عليه.

صحيح أن كتلته تقلصت، لأنه لم يستخدم سلاح المذهبية ولم يقم متاريسها في بيروت وطرابلس، إلا أن كتلته بقيت أكبر الكتل وأنقاها وطنياً.

من المؤسف أن الكتل الكبرى الأخرى تكاد تكون صرف مذهبية. في بلد ينادي بالعيش المشترك ويمارس الغش المشترك.

من المؤسف فعلاً أن لا يعبر المذاهب والطوائف سوى تيار المستقبل. وإذا كان هناك عبور في كتل أخرى، فهو عبور فرضه تواجد أقليات من مذاهب أخرى، في حضن حاضنة ساحقة ماحقة. أي أن هذا العبور الخجول هو الذي جاء بنواب فرضتهم ضرورة “تكملة العدد”.

في كل الأحوال، نأمل أن لا يتحول ما سُمي تجاوزاً بالعرس الإنتخابي، إلى مأتم مؤسساتي يسوده التعطيل والفراغ. فالطموحات والتطلعات الوزارية بدأت حتى قبل تكليف الحريري. وبدأت معها ورش النجارة السياسية بتصنيع العصي لوضعها في دواليب استشارات الرئيس المكلف.

كل العصيّ يمكن نزعها من دواليب تأليف الحكومة، سواء بالكسر أو التطويع، ويستثنى من ذلك “العصيّ الذهبية”، التي يحملها الثنائي الشيعي.

المشكلة المستعصية تكمن إذاً في “الذهبيات”. فـ”أمل” تطالب، دون رجعة، بالوزارة “الذهبية”، أي المالية. و”حزب الله” يتشدد متمسكاً بالثلاثية “الذهبية”، أي الجيش والشعب والمقاومة.

الإثنان، الحزب والحركة، يمثلان مكوناً لبنانياً يستحيل تجاهله، وبالتالي، إستحالة تشكيل حكومة من دونه. كما يستحيل تشكيل حكومة تسلم لـ”أمل” و”حزب الله” بذهبيتيهما. إلا إذا كان نصيب لبنان من الذهب السياسي… “ذهب مع الريح”.

وليد الحسيني

نتائج وأزمات

walidأسدلت الديمقراطية ستارة الانتخابات. وغادر الجمهور المسرح. وبدأت حسابات “الحقل والبيدر”.

ترى هل أخرجت النتائج المثل الشعبي عن نصه المعروف، وصارت الملائكة هي التي تكمن في التفاصيل؟

الحسابات صعبة. والبحث عن الملائكة يطول.

أما وقد انتهى التبصير، وجاء يوم المصير، فإن الأمر يحتاج إلى وقت لتفكيك لوائح تحالفات الضرورة، قبل أن يبدأ تركيب تحالفات نيابية جديدة. يبدو أنها بحاجة إلى زمن لتبرأ من جراحها الانتخابية، بعد معارك ضارية، استعملت فيها أمضى خناجر الطعن في الظهر … وأحياناً في القلب.

تقول قراءة الغد، أنه بمجرد اكتمال التفكيك والتركيب، يعود لبنان إلى أزماته التقليدية عند تشكيل الحكومات وتوزيع الحقائب.

أول أزمة محلولة. فتكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة حسمه “الحاصل” الانتخابي و”صوته التفضيلي” على مستوى لبنان.

لكن ماذا بعد؟

هنا تظهر الأزمات المستعصية. فالعقد القديمة أصبحت أكثر تعقيداً. خصوصاً أن فريقاً جديداً دخل مزاد المحاصصة.

لقد قرر “حزب الله”، وعلى لسان أمينه العام، أن يكون مشاركاً فاعلاً في أي حكومة مقبلة. فزمن القبول بوزارات “جوائز الترضية” قد ولّى. أي أن الحزب سيطالب بحقائب سيادية وما يوازيها أهمية.

هذا التحوّل يفتح أبواباً خلافية كانت مغلقة. ويتسبب بخلل في العلاقات الشيعية – الشيعية. فقد كانت “حركة أمل” تستحوذ على حصة الطائفة في حقائب السيادة والخدمات.

صحيح أنه خلل يمكن تسويته بالتراضي، لكنه يرفع سقف مطالب الثنائي الشيعي باستهداف حقائب وازنة تحقق التوازن الحكومي بين “أمل” و”حزب الله”.

إذا أسقطنا وزارات الدرجة الثانية، فسنجد أن صراع الكتل الرئيسية سيشتد على عشر حقائب، ما بين سيادية وما يعادلها. وهو صراع مسلّح بطموحات عنيدة، لا تمانع في تعطيل المصالح العامة، بما فيها مؤتمرات “سيدر” وروما وبروكسل. وهذا يؤكد أن “أم الولد” الحريصة على ولدها، ليست بالضرورة هي نفسها “أم البلد” الحريصة على بلدها.

تقول قراءة الغد أيضاً، أن حقيبة المالية ستكون هي “الشرف الرفيع” الذي لا يَسلم ولا يُسلّم، حتى لو أريق على جوانبه الدم. فهذه الوزارة، بعد أن فرضها علي حسن خليل على الشاردة والواردة، أصبحت الحقيبة المشتهاة، التي تكاد صلاحياتها تجعل من وزيرها الرئيس الرابع.

في أجواء حروب تقاسم النفوذ في الوزارات النافذة، لا مخارج للحل إلا بتدخل عون ووسطية الحريري وأرانب بري.

وكي لا يأخذنا الفراغ إلى الاستقرار المهزوز والإقتصاد الهالك، يجب البحث باكراً في “لسان العرب” عن صيغة للبيان الوزاري تنقذه من ذهبية العقد “الجيش والشعب والمقاومة”.

وليد الحسيني