ديمقراطية “غير مطابقة للمواصفات”

متظاهرون ضد التمديد لمجلس النواب

متظاهرون ضد التمديد لمجلس النواب

يملك لبنان من المصطلحات “الديمقراطية” ما لم يعرفه العالم منذ ظهور أول ديمقراطية إبان الثورة الفرنسية حتى الآن.

“التمديد” مثلاً، استعملناه حتى الإدمان.  علكناه مرات عدة في مجلس النواب، وأكثر من مرة في رئاسة الجمهورية.  واجتررناه في تمديدات بالجملة للقيادات العسكرية والأمنية والقضائية … وأحياناً كثيرة لمجالس إدارات المؤسسات العامة.

هذا الحل “غير المطابق” للدستور، لم نسمع أو نقرأ عن تطبيقاته، حتى في أعتى الديكتاتوريات في العالم، حيث كانت تحافظ على الشكل الديمقراطي بإجراء انتخابات واستفتاءات تُفرَز نتائجها في إدارات المخابرات، وتأتي دائما مطابقة للنتائج المقررة سلفاً قبل إجراء الانتخابات نفسها.

مثال آخر عن اختراعاتنا الديمقراطية، “الثلث المعطّل”.  فلو سمع به عبد الرزاق السنهوري، العالم الدستوري الأول في الوطن العربي، لضحك حتى انقلب على قفاه، تماماً كما قلب “الثلث المعطّل” الديمقراطية على قفاها.

هذه البدعة تسمح لديكتاتورية الأقلية في أن تمارس “ديمقراطيتها” على الأكثرية، حتى ولو بلغت الثلثين.

مثال ثالث، “الفراغ”.  وهو دواء لبناني فريد من نوعه.  بالتأكيد لا يطابق المواصفات العالمية.  وبالتأكيد يؤدي إلى تفاقم الداء.

تصوّروا دولة، أي دولة في العالم، بلا رئيس.  ومع أنه تصوّر مستحيل، فإن ذلك أقصر الطرق إلى الفوضى والإنهيار.

ومع نموذج “الفراغ” الذي لم تسبقنا إليه حتى قبائل الأدغال، تم اكتشاف إختراع ديمقراطي آخر ملحق به، وهو “المقاطعة”.  فالنواب الكرام، الذين لا يتأخروا عن قبض رواتبهم من أجل عقد الجلسات النيابية، يقاطعون ويقطعون الطريق اليوم عن انتخاب الرئيس … ليتحوّل التشريع إلى ضحية إضافية، ولتصبح مصالح الناس والوطن في مهب الاختلاف على جنس ملائكة بعبدا.

مثال رابع، “الإجماع”.  وهو اختراع لبناني مدمّر أدّى إلى الشلل الدستوري والحكومي والحياتي.  وإذا كان رب العباد رفض فرض “الإجماع” على البشرية، فجعلها شعوباً وقبائل تتحالف وتتحارب، فإننا في لبنان جعلنا من “الإجماع” شرطاً لاتخاذ القرارات، ومصدراً من مصادر تعطيل السلطات والمؤسسات.

وإذا غابت عن الذاكرة أمثلة كثيرة، فإن الرئيس نبيه بري أخرج من كم حاوي الديمقراطية أرنب “تشريع الضرورة”.

و”الضرورة” في لبنان عادة ما تكون ضرراً لفريق ومصلحة لفريق آخر.  أي أننا حوّلنا التشريع إلى قوانين بسمنة وقوانين بلا سمنة وبلا زيت.

بعد كل هذه الأمثلة، لا بد من الاعتراف أن الديمقراطية لولا “فقهائها” اللبنانيين، لبقيت مجمّدة في مفهومها القديم والبالي، والمتمثل في حكم الأكثرية وسن القوانين واحترام مواعيد الاستحقاقات الانتخابية.

سامر الحسيني

Advertisements

وقاحة تاريخيّة

عادةً ما تكون الطُرَف الشعبيَّة المتداولة، وكذلك النوادر التي يتناقلها الناس في مجتمع ما تُعَبِّر بمجملها عن رؤى وهواجس دفينة ومعتقدات في أكثريتها متوارثة تلقي الضوء على مرامي وأهداف محددة لإضفاء بعض الصدقيّة على فحواها ودعم الرأي المقصود، رغم التناقض الذي يعتريها في أغلب الأحيان مع الحقيقة والواقع والتاريخ.

لقد انتشرت الأمثال والحكايات القصيرة بين الشعوب بنسبٍ متفاوتة، وشكَّلت لديهم محطات لدعم وتقوية حجّة ما يقولون ويروون أو إثبات مقولة ما، فتكون بذلك المُعَبِّر الواضح عن مزاج الناس وتفكيرهم وسلوكياتهم في مقاربة القضايا الحياتية الراهنة، لا بل المصيرية والآتية. هذه الحكايات وما يعادلها أتَت عبر سياقاتها المتنوعة بمثابة “اللوغو” الذي يشي بالموضوع فتنتج “الحكمة” التي تُتَوِّج النقاش الدائر حول القضيّة التي يدور حولها الحديث، وعادةً ما تكون الحكاية السريعة بيتاً من الشِعر أو مَثَلاً سائراً أو حكمة أو طرفة يغلب عليها طابع المفاجأة إلى حدود التعجُّب والاستغراب.

لقد طاول قلب الحقائق والبناء عليها العديد من الجماعات التي حاولت وتحاول زرع مفاهيم خاطئة عن طريق ابتداع مأثورات وهمية على أنها من الواقع التاريخي الثابت، وذلك عبر مئات الأمثلة والمقولات والحكايا.

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر فقد شاعت طرفة تدل بشكل أو بأخر على مدى الوقاحة التي لم ولن تقف عند حدود أي منطق قويم أو تفكير سليم.

تروي الطرفة على سبيل التندر والسخرية من الذات، وتبيِّن الطابع الطائفي المقيت المتجذر في الأخلاق اليهودية إلى جانب السلوك العنصري والفوقية المفتعلة المرتكزة على الكذب إلى جانب إدعاءات واهية تقول بالتميّز وبصوابية مسيرة ومسار “شعب الله المختار”!

تقول الطرفة إن أماً يهودية كانت ترافق إبنها الذي جُنِّد في جيش القيصر الروسي للقتال في حرب “القرم” بين الامبراطورية الروسية والدولة العثمانية.

عندما همَّت الأم بوداع إبنها ليرحل مع رفاقه إلى الحرب أوصَته قائلة: “يا بني لا تنسَ أن تتناول الطعام بعد أن تقتل تركياً! فأجابها الشاب: “حسناً يا أمي”. ثم أضافت: “واحرص على أن تأخذ قسطاً من الراحة بعد كل هجوم تقتل فيه أحد الجنود الأتراك”. فأجابها الإبن واعداً بتنفيذ وصاياها. بعد ذلك أردفت الأم قائلة: “لا تنسَ يا بني أن تحمل معك بعض التذكارات من الجندي التركي الذي ستقتله”. أجاب الشاب: “بالتأكيد يا أمي”! وبعد هنيهة من التردد والتحرك للرحيل بالعناق والنظرات الدامعة تساءل الجندي الشاب قائلاً: “ولكن ماذا يا أمي لو قتلني التركي؟”! هنا جحظت عينا الأم استهجاناً وقالت له بنبرة قوية واستغراب كبير: “يَقتلك؟ لماذا؟ وهل فعلت له شيئاً؟!”.

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

“نأي بالنفس” … عن واقع لبنان

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

الرئيس تمام سلام في القمة العربية

فقدت الجغرافيا دورها، ولم تعد الحدود تفصل بين الدول العربية، بعد أن نجحت العواصف المسلحة في التنقل بحرية من دولة إلى أخرى.

وسط هذا الاشتعال الجماعي، يخدع لبنان الرسمي نفسه بتمسكه بسياسة “النأي بالنفس”، في حين أنه غارق في مستنقع الحرب السورية التي امتد حريقها إلى أطراف جروده البقاعية، بشراكة الدم التي يتباهى بها “حزب الله” مع النظام السوري.

وها هو لبنان البعيد عن اليمن، يقترب من صنعاء وإن طال السفر.  ففي سابقة لم تسجّل على السيد حسن نصرالله، خصّ أحداث اليمن بإطلالة تلفزيونية مفاجئة، هاجم فيها دول الخليج، مركّزاً على السعودية.

وهكذا فجأة أضيف إلى الانقسامات اللبنانية إنقسام جديد، يثبت أن نأي الحكومة بنفسها، هو بالفعل نأي عن الواقع اللبناني، المتورط بكل أفرقائه في أحداث قريبة وبعيدة، يفترض نظرياً أن لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.  ولكن في واقع الأمر أن للبنان أكثر من ناقة وجمل في قوافل الجمال والنوق المحمّلة بالتطرف والدمار والقتل سواء في سوريا أو في اليمن أو في العراق.  ولا ندري متى يكون لليبيا نصيب في الانقسامات اللبنانية؟

وسياسة “النأي بالنفس” فرضت على حكومتنا أن تكون مع الشيء وضده.  فالرئيس تمام سلام أيّد في قمة شرم الشيخ الأخيرة قرارات القمة الداعمة لـ”عاصفة الحزم” في اليمن، وفي الخطاب نفسه رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

لا يمكن اعتبار الموقف الرسمي اللبناني الـ”مع” والـ”ضد” في آن، موقفاً متناقضاً، لأنه في الحقيقة موقف ينسجم مع سياسة الضرورة اللبنانية، التي تقتضي إزدواجية المواقف إرضاء لهذا الفريق وذاك الفريق.  وإلا فإن الانفجار الحكومي واقع لا محالة، مما يهدد بتحويل البلاد إلى ورقة تتطاير في مهب الفراغ الشامل.

لهذا يستحق الرئيس سلام الشكر على كلمته في القمة، التي تفادى بازدواجية مواقفها، نقل الصراع اليمني إلى السرايا.

وكما لا يمكن إخفاء الشمس بالغربال، لا يمكن إخفاء تورط لبنان في حروب المنطقة الآخذة بالتحول إلى حروب سنية – شيعية، بعد أن غيّب الفكر القومي، وبعد أن أصبح الصراع بين ابن تيمية والجعفر الصادق … حتى لو أنكرنا ذلك.

وإذا كانت الأحداث السورية قد تمكّنت إلى حد ما من تغطية الصراع المذهبي بعروبة النظام وشعار مقاومة إسرائيل، فإن اليمن كشف بشكل صريح عن أن الصراع فارسي – عربي … سني – شيعي.  وبذلك نستطيع القول: رحم الله العروبة التي جمعتنا ذات زمن.

سامر الحسيني

قهوجيات: وبالوالدين إحساناً

تشكو المجتمعات في عصرنا الحديث من التفكك العائلي، وعدم الاعتناء والانتباه للكبار في السن، لذلك كَثُرَت وتعدّدت الملاجئ ودور العجزة والمصحَّات وما يُسمى “بيوت الراحة”. فما أن يبلغ الشخص سن الشيخوخة حتى يشعر بإهمال الآخرين له وعزوفهم عن التعاطي معه فيصاب بحالة انعزالية ووحدة مريرة، فيلجأ إلى تلك البيوت أو يأخذونه إليها كأحد الحلول الحياتية التي تؤمّن له – بشكل أو بآخر – بقية عمره وقضائه في أرجائها.

ولقد عانت بعض الدول العربية – وما زالت – من هذه الحالة جراء أسباب متعددة قد لا يكون انفراط العقد العائلي – فقط – أحد أسبابها.

كذلك فقد قاست دول شرقية كبيرة من هذا الأمر حين أصبح البعد شاسعاً بين الأبناء وآبائهم وأمهاتهم وتلكوء الأبناء عن الاعتناء والانتباه لكبارهم في السن لفقدانهم القدرة الجسدية أو لدرجة الوعي على التعامل مع متطلبات الحياة، مما جعل بلداً كبيراً كالصين أن تُصدر قانوناً يجبر الأبناء والبنات على زيارة والديهم بانتظام والمحافظة على مستوى من التواصل معهما.

وذكرت وسائل اعلام صينيَّة أن القانون الجديد، الذي دخل حيِّز التنفيذ يُحظِّر إهمال “الحاجات الروحية” للأشخاص المتقدمين في السن، بعدما كانت القوانين السابقة تَفرض على الأبناء والبنات الاهتمام بالحاجات المادية للوالدين فحسب.

وبموجب القانون الجديد يتعيَّن على أفراد العائلة الذين لا يقيمون مع الوالدين البالغ عمرهما أكثر من ستين سنة أن يزوروهما في شكل منتظم والتواصل معهما بصورة متكررة. وأجبر القانون حتى هؤلاء الذين يعملون في مناطق بعيدة عن منازلهم أن يتقيّدوا وينفّذوا هذا القانون، وفي حال عدم الالتزام يحق للوالدين طلب وساطة أو رفع قضيّة أمام المحكمة! ولقد صَوَّتَ مؤتمر الشعب الوطني لمصلحة القانون.

ورغم تجذُّر احترام المسنِّين في الحضارة “الصينيّة”، إلاَّ أنَّ العقود الماضية التي شهدت تحولات اقتصادية ضخمة أدَّت إلى تصدَّع تلك الصورة مع تراجع عدد الأبناء الذين يحافظون على الروابط الأسرية مع ذويهم. وعندما تكون الدولة غير قادرة على تأدية الخدمات الواجبة للمواطنين، تتكاثر فيها الجمعيات الخيرية ونوادي المساعدات التي تفتح أبوابها وتقوم بنشاطات متعددة للحصول على الهبات والتبرعات من قبل أهل الخير والإحسان.

ومهما علا مستوى تلك المؤسسات خدماتياً، فإنها لا تستطيع تعويض النزلاء عن العاطفة التي حُرِموا منها وعن حميمية التواصل بين الأبناء والآباء، إذ لا يكفي زيارتهم في المناسبات والأعياد وما إلى ذلك فهم بحاجة إلى الدفء الإنساني والحنان الذي يخفف من عزلتهم ووحدتهم حتى لا أقول يأسهم من الحياة.

فالعاطفة لا تُفرض بقانون ولا بروادع مادية، والرقَّة والحنان والألفة لا تخضع لقرارات حكومية، فهي تُولد مع الإنسان وتنمو بالوعي والإيمان والتربية السليمة والسلوك الصحيح.

غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

دستور الأعراف السيئة

دستور الفراغ يحكم لبنان

دستور الفراغ يحكم لبنان

يتحوّل السلوك إلى عرف، إذا مورس لفترة طويلة.

ولما كنا في لبنان نخالف الدستور يومياً؛ ونكرّس الفراغ ليشمل السلطات الثلاث؛ ونقبل بغلبة النفوذ على القانون؛ ونلغي بند إلغاء الطائفية السياسية بالعمل على تعميمها وتعميقها.

لما كنا نفعل كل هذا، يحق لنا أن نسأل عن شكل النظام الذي يحكم لبنان.

للوهلة الأولى، نبدو كبريطانيا التي استبدلت الدستور المكتوب بالدستور العرفي.

لكن العرف في بريطانيا يقوم على القيم المتوارثة والمحفوظة في وجدان الشعب الانكليزي.  وهو موروث رأى فيه البريطانيون منظّماً لحياتهم وحامياً لمصالحهم وحكماً عادلاً بين الناس.

إذاً، نحن نحاكي بريطانيا بالاحتكام إلى العرف، إلا أننا نخالفها في شكل العرف وأغراضه ونتائجه.

أعرافنا المستحدثة ألغت الدستور عملياً، واتجهت إلى مذهبة الحكم.  وجعلت نفوذ القيادات المذهبية مصدر التشريع والسلطات.  وهكذا بدأنا ننحو نحو حكم الفوضى والفراغ والتعطيل.

إننا اليوم نعيش في نظام مبتكر وخاص.  ونعتقد جازمين أن لا أحد في هذا العالم الكبير يقبل أن يقتدي بنا.

أعرافنا المستحدثة، التي ترسّخ قواعد حكمها الآن، هي عدو للمؤسسات التي تحفظ الدول وتعدل بين الناس، حتى ولو انحرف مسؤولوها وفسدت ضمائرهم.

والمأساة لا تكمن في تجاهل الدستور فقط، بل في إلغاء الجيد من أعراف سادت، قبل أن تطيحها أعراف الغرائز والمذاهب التي تجتاح الدولة من رأسها إلى أسفل أسفلها.

أعرافنا الجديدة منعتنا من انتخاب فخامة الرئيس، وبلتنا بـ 24 صاحب فخامة، أي بمعدّل رئيس لكل ساعة في اليوم.

أعرافنا عطّلت مجلسي النواب والوزراء، وسلخت صلاحيتهما لصالح “سباعية” لبنان المتمثلة في نبيه بري وحسن نصرالله وسعد الحريري ووليد جنبلاط وميشال عون وسمير جعجع.  وهي “سباعية” منقسمة، بين من يحاول إعادة الدولة إلى الدولة، وبين من يدفع بالدولة إلى صراعات أكبر من قدرات لبنان وأبعد من مصالحه.

هذا يعني أننا أمام معضلة أقرب إلى الكارثة الوطنية.  فعندما تفقد “السباعية”، التي فرضها العرف، القدرة على الإنقاذ، وعندما يصبح توافق الحد الأدنى غاية الحوار ومنتهى الأمنيات، يبقى سقف الخطر الأوفر حظاً في الانفجار، حيث لا ينفع في منعه نزع صورة هنا أو رفع لافتة هناك.

التوافق الهش الذي يعيش اللبنانيون على أمله، مهدد بالانهيار، إذا ما امتدت يد “خرسان” أو “داعش” وارتكبت ما حذرت منه معلومات الأجهزة الأمنية.

فهل يتخلى الله عن حمايتنا من حماقاتنا، في ظل اصرارنا على ارتكاب الحماقات؟  وإلى متى يبقى الحظ صامداً إلى جانبنا، لانتشالنا من الواقع المحدق بنا؟

سامر الحسيني

قهوجيات: مقاهي المستقبل

أصبحت بعض التقاليد الغرائبية في أيامنا هذه، من هوايات وممارسات تأخذ شكل العاديات المألوفة، فبعد رواج مقاهي “عشَّاق القطط” في طوكيو، حيث يتناول الرواد القهوة والشاي والعصائر وهم يداعبون القطط بشعرها الناعم، ويبتسمون لها ويحضنونها، جاء دور مقاهي “عشَّاق الماعز”، حيث يجد الزبائن عنزتين أو أكثر للعب معها وأحياناً اصطحابها في نزهة عبر شوارع طوكيو القريبة والمزدحمة بالمارة!

ولقد أحضرت السيدة “كاواغوتشي” والعاملون معها في المقهى عنزتين اسم الأولى “كرز” والثانية “شوكولاته” قبل ثلاث سنوات على أمل جذب محبِّي هذا الصنف من الحيوانات ترويجاً لحركة المقهى خلال عطلات الأسبوع.

وقالت السيدة هذه إن مقاهي “عشَّاق الحيوان” ازدهرت منذ فترة، فهناك أماكن يمكنكم أن تلعبوا فيها مع القطط أو الكلاب، لكننا رأينا أن هذه الحيوانات الأليفة لن تثير الدهشة لدى الزبائن مثل الماعز!

وبعد نجاح مقهى “عشَّاق الماعز” تنوي السيدة وبناء على تخطيط مسبق إقامة مقهى لمحبيِّ “الفيلة”!!

أيها القارئ العزيز، لن نستغرب اليوم إذا ما انتشرت هذه الظاهرة بين ظهرانينا وفي بلدان عدة، وبدأنا نرى أنواعاً مختلفة من المقاهي كمقهى “عشَّاق الحمير”، ومقهى “عشاق القردة”! سيما وقد بدأ السعي الجاد إلى تحويل المقاهي العادية إلى مراتع للحيوانات، التي تتقاسم الجلسات الأنيسة وحتى الرومانسية منها مع الزبائن، متوَّجة بالعواء والنباح والمواء والنهيق المختلط بكركرة الأراكيل بكامل نكهاتها من مَعسَّل ومُدبَّس ومُطعَّم على الفواكه!

ولن نستغرب إذا ما أصبحت مقاهينا المستقبلية “ميني زو” أي حديقة حيوانات مصغَّرة، حيث تُضرب فيها المواعيد لعقد اللقاءات ومناقشة الأمور السياسية والمشاكل الاجتماعية بحضور الحيوانات وتحت سمعها وبصرها وربما مداخلاتها من حين لآخر بالصوت أو بالحركة!!

ولن تصيبنا الدهشة والذهول إذا مُنعنا من ارتياد هذه المقاهي من دون أن يكون بصحبتنا حمار أو كلب أو ثعلب…!

فبعد التجربة الفعلية العملية للسيدة “كاواغوتشي” التي بَذَلَت وتبذل قصارى جهدها في سبيل اعلاء شأن الحيوان والعمل على تأمين راحته ورفاهيته، ومحاولاتها الحثيثة على إشاعة الروح الحيوانية في المجتمع المعاصر علَّه يرعوي ويهدأ ويمتنع عن اتخاذ المبادارات والمشاريع والقرارات المدمِّرة على جميع الأصعدة!

ولقد تناقلت وكالات الأنباء خبراً عن كلبة حَصَلَت على لقب “سفيرة الكلاب للنوايا الحسنة”، بعد أن قَفَزَتْ أمام دراجة نارية مسرعة لانقاذ طفلتين، وخسرت جراء ذلك أنفها. ومن المؤكد أننا سنرى صورة تلك الكلبة وقد زيَّنت صدر مقهى “عشَّاق الكلاب”!!

د. غازي قهوجي

kahwaji.ghazi@yahoo.com

“ثوابت” لا تعرف الخجل

ثوابت اليوم غير ثوابت قديم الزمان.

كان من بين ثوابتنا في زمن الأخلاق والقيم: تقديس السيادة، إحترام الدستور، الالتزام باستقلال القضاء، التمسّك بالوحدة الوطنية … وأمور أخرى كانت تفرضها الوطنية والمبادئ.

أما ثوابت اليوم، فهي لا تعرف الحياء، وبالتالي، لا يخجل أربابها ومن يتبعهم، من اتباعها ورفض التزحزح عنها.

سيادة لبنان صارت سيادات. فهي إيرانية وسعودية وقطرية وتركية وسورية وأميركية وروسية وفرنسية.

لكل مجموعة لبنانية سيادتها.

أما الدستور، فقد بلّه الجميع وشرب ماءه.

وأما العدالة، فأحكامها خاضعة لأحكام النقض السياسي.

وأما الوحدة الوطنية، فقد تحوّلت إلى أحاديات مذهبية حادة.

ومن ثوابت اليوم، الكراهية المتبادلة، والتكاذب المفضوح، والأحقاد الدفينة، والمذهبية التي تذهب بالوطن والوطنية.

ومن ثوابت اليوم أيضاً، الفساد بكل أشكاله، والتلوّث البحري والمائي والغذائي والدوائي … ولا يجب أن ننسى التقنين الذي أصبح استراتيجية ثابتة لشركة كهرباء لبنان.

ونخشى كذلك أن يتحوّل الفراغ الرئاسي إلى ثابت آخر أشدّ فتكاً بالدستور وبلبنان.

وسط هذا المناخ الموبوء، لا يمكن الحكم عما إذا كان لبنان بلغ مرحلة الدولة الفاشلة، أم أنه دولة تتفكك في طريقها إلى الفشل الكامل.

صحيح أن كراسي مجلس الوزراء ما زالت صالحة لجمع المختلفين سياسياً والمتخلّفين وطنياً، لكنها كراسي لا تتحرك، لأنها تحمل أثقالاً لا يمكن احتمالها، من المشاكسة والمخالفة ورفض التفاهم … إلا على ما قلّت أهميته وخفّت قيمته.

هنا، لا بد من الإشفاق على الرئيس تمام سلام.  فهو رئيس شكلي على مجلس يضم في الواقع 23 رئيساً إضافياً.

معذور تمام بيك، فقد جاء إلى الحكم في زمن التهميش والتطنيش.

أما مجلس النواب، فهو الآخر يمضي سنواته الممدة بين العطلة والتعطيل.

إذاً، أين المفر والمذهبية أمامنا، والإرهاب وراؤنا، والأحقاد على جوانبنا؟

يقال أن لا مفر من “الحوار” … الذي أصبح لازمة عربية.  مطلوب في ليبيا ومطارد من ميليشياتها.  ومطلوب في مصر ومطارد من “إخوانها”.  ومطلوب في سوريا ومطارد من تشدد فرقائها.  ومطلوب في اليمن ومطارد من “حوثييه”.  ومطلوب في العراق ومطارد من مرجعياته.

حوارات لا نصير لها بين المتحاورين.  وكأنهم يجتمعون، عندما يجتمعون، لاستيلاد المزيد من الخلافات.  ولا نظن أن ما نتباهى به من حوار بين “المستقبل” و”حزب الله”، وما نعلّق عليه الآمال من حوار بين “التيار” و”القوات”، سيلقيان غير مصير القاء تهم الإفشال عندما يحين موعد إعلان الفشل.

ومع ذلك، يبقى اللبنانيون متفائلين بحواري عين التينة والرابية، ربما لأنهم اعتادوا “شراء السمك ببحرو”.

سامر الحسيني