القهوة المرة … اخر “الفهوجيات”

من يعرفه يعرف جيدا انه فقد شخصية جذابة، تملك عبقرية السخرية المهذبة التي تخرج من الوجع ابتسامة تفرج الهم والغم.

غازي قهوجي مضى فجأة … وكأنه يسخر بموته من الذين بقوا على قيد الحياة . من حقه ان يسخر منا نحن الباقون على قيد الحياة ونعيش زمن القتل العربي العشوائي والجماعي .

من حقه ان يسخر منا نحن الباقون على قيد الحياة ونتنفس روائح النفايات والزعامات.

من حقه ان يسخر منا نحن الباقون على قيد الحياة وتحيط بمنازلنا وقرانا ومدننا الحرائق المذهبية على امتداد وطننا العربي عموما واللبناني خصوصا.

لكن ليس من حقه ان يبالغ بسخريته فيتركنا وحيدين لواقعنا المرير والمخزي من دون ان يخفف من المرارة والخزي بـ”قهوجية” من قهوجياته.

لقد ذهب الى السماء وتركنا على الارض المتخمة بالاحباط واليأس… فكيف سننتصر على الاحباط واليأس بابتسامة كان غازي يجيد انتزاعها منا؟.

ايها الصديق لم تصدقنا القول عندما قلت الى اللقاء…وها نحن الذين نقول لك : الى اللقاء.

 

وليد الحسيني

المتنبيان

الفيتوري والأبنودي

الفيتوري والأبنودي

يرحل الشعراء ويبقى الشعر.

عبد الرحمن الأبنودي متنبي العامية. ومحمد الفيتوري متنبي الفصحى.

كان شيطان الشعر عند كل منهما هو أعظم شياطين شعراء هذا الزمن.

تمرد كلاهما على مدرسة الشعر البارد، التي حولت الشعر من إثارة وثورة، ومن صور ساحرة، ومن إيقاع موسيقي يصل مرحلة الطرب، إلى شعر تتحول فيه الندوات الشعرية الى قاعة تخضع جماهيرها للتنويم المغناطيسي. وإلى شعر تقدم فيه صور تتزاوج بين التعقيد والنمطية. وإلى شعر إيقاعة يقع في الرتابة والملل.

كانا متنبيين في الحضور والإلقاء وقوة السبك ومتانة المتن والعجز.

لم ينجرا الى الخلط بين الشعر والنثر. ولم ينحرفا في اتجاه كسر الوزن والقافية.

لقد ألهبا الجماهير وأسمعت أشعارهما من به صمم.

رحم الله الراحلين عبد الرحمن الأبنودي ومحمد الفيتوري.

كانا صديقين وصادقين في انحيازهما للناس والعامة.

حقاً رحل الشاعران وتيتم الشعر حتى ولو كان بيننا أكثر من ألف شاعر.

وليد الحسيني

عمر أفندي: رئيس لا يشبه الرؤساء

من السهل أن ترثي زعيماً سياسياً.

جمل متراصة في الوطنية والمناقبية ونظافة الكف والضمير الذي لا ينام.

جمل غالباً ما تفرضها المناسبة لا الحقيقة.

جمل لا تنتمي للنفاق، لكنها تندرج في باب المجاملة.

لكن رثاء زعيم كعمر كرامي مختلف جداً.

فالرجل لا يحتاج الى النفاق وصناعة الكلمات. فهو، إن قال الرثاؤون أم لم يقولوا، نظيف الكف، وطني بلا شائبة، عربي بلا تكلف. رفض اللف والبلف عندما ترأس الحكومة. وهو رئيس الوزراء الوحيد الذي استقال مرة استجابة لإرادة متظاهرين تظاهروا بإرادة غيرهم. واندفعوا بدفع من جهات معروفة دوافعهم.

واستقال مرة أخرى، عندما لامس حزن السيدة بهية الحريري قلبه وضميره. واعتذر عن تشكيل حكومته الثالثة، بما يشبه استقالة ثالثة، كي لا يضع البلاد في فراغ حكومي، تستسهله اليوم زعامات وأحزاب في استمرار الفراغ الرئاسي.

وحده فعل ما لم يفعله رئيس وزراء، باستثناء اعتذار الشهيد رفيق الحريري عن تشكيل حكومة كان سيعتبرها البعض مستفزة.

مات عمر كرامي الذي لا يشبه أحداً. وهذا ليس رثاء للرجل لكنه قول للحقيقة… وليست مصادفة أن تكون كلمة «بالحقيقة» هي فاتحة تصريحاته وخطاباته… فـ«بالحقيقة» كان زعيماً بلا مزاعم… وخصماً لا يغدر… وشريفاً لا يحقد.

رحمك الله يا أنظف أهل السياسة حكماً وكفاً وكفاءة.

وليد الحسيني

 

رحلت الشحرورة… وبقيت الأسطورة

sabahرحلت الشحرورة… وبقيت الأسطورة.

مثلها يغيب ولا يغيب. فصوتها حي لا يموت. سيبقى بيننا عذباً شجياً قوياً.

يطربنا، حتى ولو «طل من الطاقة». ويعودنا «على البساطة».

سنبقى ندمنه كل الساعات وليس «ساعات… ساعات».

نتذكر أنهم عندما «أخدوا الريح وأخدوا الليل»، أخذنا الشجن في الصوت الغارق في الإحساس الى عالم حزين وساحر. لكنها أخطأت عندما قالت «ما عرفت نهاري من الليل وأحبابي نسيوني»… مثل صباح لا ينسى… فلمخزونها الغنائي آذان على مدّ الأجيال.

وليد الحسيني

 

في رحيل «النواسي الذي عانق الخياما»

george jurdakلا أصدق أن الحياة خذلت صديق العمر جورج جرداق.

أفضاله عليها كثيرة.

حيث يكون تكون الحياة حلوة.

وحين يتكلم تنبض الحياة بالحياة.

وعندما يكتب يسخر من أعداء الحياة.

كان يحبها حتى الثمالة… وأحبته حتى الكأس الأخيرة.

هو خليط أسطوري من الثقافة والفن والإنسانية.

بالكاد يعبر ضيوفه الى صالون البيت… وبالكاد يجدون مقعداً فارغاً ليجلسوا عليه… فالكتب التي فاضت عن رفوف مكتبته احتلت الممرات والغرف والمقاعد.

كان منقباً عن كتب التراث… وكانت بينها الطبعات الأولى لمئات الكتب النادرة والمفقودة، سواء في الفرنسية أو العربية.

شعره كان قطعة موسيقية جاهزة. في أبياته إيقاعات شرقية. وفي كلماته فطرة ومقدرة. وفي أسلوبه صور ساحرة… كل هذه القدرات الشعرية تعود لأنه يعتبر نفسه حفيد «المتنبي» و«أبا النواس».

أما مقالاته الساخرة، فهي إن لم تدفعك الى الضحك، فهي ستدفعك الى «فش الخلق».

تناول الحكومة بكثير من الحق اللاذع. واستهزأ بالأغنياء كأبطال للظلم الاجتماعي، وكمصنع جشع للفقراء.

لم يسلم الفن الهابط من هجاءاته المحقة. ولم تسلم الأصوات المكربة من نفيه لها من عالم الطرب.

وبين كل هذا وذاك، كان جرداق عاشقاً للجمال… ومن هذا العشق استوحى أحلى قصائد الغزل، التي كان من بينها «هذه ليلتي» القصيدة التي اختارتها أسطورة الطرب أم كلثوم، ولحنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وانتشى بكلماتها وبلحنها وبصوت مغردتها، ملايين العرب، والتي سينتشي بها ملايين الغد الآتي.

بفقدان جورج جرداق أفتقد صديقاً أقمنا معاً في بيتي أسعد سهرات الطرب النظيف… وأفتقد كاتباً أغنى مجلة «الكفاح العربي» بجرداقياته. لكنني لن أفتقد الذكريات التي جمعتنا… فكما عالم الثقافة والصحافة لن يقدر على نسيان هذا «النواسي الذي عانق الخياما»، فإن الذكريات مع الراحل العزيز جورج جرداق ستبقى حية وعصية على الموت والنسيان.

وليد الحسيني

 

منح الصلح … رحل وهو الأغنى

لمنح الصلح روح لا تموت.  ولفكره النابض قلوب لبنانية وعربية لا تتوقّف.

لقد سكنت كلماته أقلاما كثيرة، وتقمّصت في كتّاب بارزين تخرّجوا من مدرسته السرية.

في مجالس لبنانية وعربية مختلفة، بعيدة وقريبة، كانت روح أفكاره الحاضر الأبرز، وفي بعض الأحيان الحاضر الوحيد.

كان زاهداً بمغريات الشهرة والحياة.  يقيّم الأشخاص بما في عقولهم لا بما في جيوبهم.  فالثروة في نظره، تقاس بغنى الكلمات ومعانيها.

كم من ثري دخل بيته غنياً وخرج منه فقيراً.

وكم من متكلّم فقد صوته واستسلم لحنجرة البيك.

في جنازته، حملت أفكاره النعش، لتودّع خالقها وتبقى خالدة في أركان الوطن الثقافية والإعلامية والسياسية.

لم يكن منح “بيك” من النوع الذي يجيد التعايش مع الألقاب، التي ورثها من أصول آل الصلح الارستقراطية، وفرضها عليه أصدقاؤه ومحبوه.  وقد نجح في تفريغ اللقب من معانيه المتعالية، معتمداً على شخصيته الرقيقة المتواضعة، التي تخفي عناداً فكرياً يصعب اختراقه، من شدة تحصيناته الثقافية المتعمقة بتاريخ المنطقة وعائلاتها وأحداثها.

في سنواته الأخيرة، لم يجد منح الصلح سوى عصاه الخشبية، التي بقيت وفية لمساندته في الوقوف أمام الأمراض التي اجتاحت جسده.

لقد آمن بهذه العصا، التي كانت خير عائلة صغيرة من العائلة الكبيرة.

فالبيك كان يدرك أن الألقاب لا تعيش، مثلها مثل المال والثروة والقصور.

لذلك، رحل وهو الأغنى والأكثر قدراً والأعلى شأناً.

سامر الحسيني

ألقى عصاه ورحل

منح الصلحألقى منح بيك الصلح عصاه ورحل.

كان يتعكز عليها ويهش بها الفكر المنحرف.

هذه العصا الأدبية والفكرية كثيراً ما قوّمت سياسات عوجاء، وصحّحت أخطاء بحق الوطن والعروبة.

لقد رحل، وفي رحيله يرحل المفكّر في زمن التكفير.

ويرحل العاقل في زمن الجنون.

ويرحل الحكيم في زمن التهوّر.

ويرحل المعتدل في زمن التعصّب.

وترحل الكلمة السواء في زمن كلام السوء.

هو رحيل لكاتب خفيف الظل في زمن الكتبة الثقلاء.

اليوم رحل فارس الأحلام العربية.  وعندما يترجل منح الصلح عن فرس الحياة، يكون الفكر القومي قد فقد أعز رجاله.

ترى من نعزي بالفقيد وأين؟

كل لبناني وكل قومي له علينا واجب العزاء.  وكل الأمكنة العربية من حقها أن تعقد مجالس للتعزية.

رحم الله منح بيك سنفتقده كثيراً وطويلاً.

وليد الحسيني

سميح القاسم: سلاح القصيدة بين الكبد والمكابدة

كتبت غادة علي كلش:

نبدأ من هنا. من كبد سميح القاسم الذي كابد في كبره  المرض الخبيث، فهزمه الموت عن عمر ناهز 75 عامًا. ونرجع إلى الوراء إلى شعر سميح القاسم  الذي كابد منذ شبابه احتلال العدو الصهيوني لبلده فلسطين، ليسطّر  وجها صارخا في ترسيخ معاني الحياة، أي، كيف يكون الجسد مطيّة، وكيف تكون الكلمة سلاح الهوية.

سميح القاسم أحد أهمّ وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبطت إسماؤهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل الأراضي المحتلة في العام 1948. كان مؤسس صحيفة “كلّ العرب”، وعضوا سابقا في الحزب الشيوعي. ولد في مدينة الزرقاء يوم 11  أيار (مايو) 1939، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس،ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي.

تنوعت أعمال القاسم بين الشعر والنثر والمسرحيات، وبلغت أكثر من سبعين عملا. كما اشتهر بمراسلاته مع الشاعر محمود درويش الذي ترك البلاد في السبعينيات. هذه المراسلات عُرفت بـ”كتابات شطري البرتقالة”. ووصِفت بأنها “كانت حالة أدبية نادرة وخصوصا بين شاعرين كبيرين قلّما نجدها في التاريخ”. صدر له أكثر من ستين كتابا في الشعر والقصة والمسرح والترجمة، وصدرت أعماله في سبع مجلدات، كما ترجم له عدد كبير من أعماله وقصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية ولغات أخرى.

كتب سميح القاسم أيضاً عدداً من الروايات، وكان من بين اهتماماته إنشاء مسرح فلسطيني يحمل رسالة فنية وثقافية عالية كما يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.

سُجن سميح القاسم أكثر من مرة كما وُضع رهن الإقامة الجبرية والاعتقال المنزلي، وطُرد من عمله عدة مرات بسبب نشاطه الشعري والسياسي، وواجهَ أكثر من تهديد بالقتل. وفرضت عليه الإقامة الجبرية من قوات الاحتلال بسبب مواقفه الوطنية والقومية. واعتقل عدة مرات، وتفرّغ تمامًا للأدب المقاوم بعد تركه الحزب الشيوعي.

حصل سميح القاسم على العديد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية الشرف في عدّة مؤسسات. فنالَ جائزة: “غار الشعر” من إسبانيا. ونال جائزتين من فرنسا عن مختاراته التي ترجمها إلى الفرنسية الشاعر والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي. كما نال جائزة “البابطين”، و”وسام القدس للثقافة” من الرئيس ياسر عرفات، وجائزة” نجيب محفوظ” من مصر، و”جائزة الشعر الفلسطينية”، و”جائزة السلام” من واحة السلام.

سميح القاسم، إحتفلت به الألقاب في حياته، واستحضرتها الأوراق في مماته. فهو على ألسنة كبار الكتّاب والمثقفيّن العرب: “شاعر المقاومة الفلسطينية” “شاعر القومية العربية” “الشاعر العملاق” “شاعر الغضب “شاعر المواقف” الثوري “شاعرالملاحم” الدرامية “شاعر الصراع”، “مارد سُجنَ في قمقم”، وشاعر “البناء الأوركسترالي للقصيدة”.

 نستحضر هنا بعض أبياته من بعض قصائده التي يُردّدها الشعب الفلسطيني ومحبّو الشاعر الراحل:

تعبت من الحياة بلا حياة

وتعبت من صمتي

ومن صوتي

تعبت من الرواية والرواةِ

ومن الجناية والجناة

ومن المحاكم والقضاة

وسئمت تكليس القبور

وسئمت تبذير الجياع

على الأضاحي والنذور

وأيضاً من أبياته نذكر:

روت الأرض عن الأرض عن الأرض فقالت:

الرحى تطحن قمحي وظلالي

والرحى تصقل أحزان رجالي

وأنا منتظرة

وأنا أشهد حزن الياسمينة

وعذاب القنطرة

ريثما ترجع من منفى التواريخ الهجينة

قبلة ممهولة بالدمع في بعض الليالي المقمرة

جوزيف حرب: رائد الرهافة في القلميْن

الشاعر الراحل جوزيف حرب

الشاعر الراحل جوزيف حرب

كتبت غادة علي كلش:

لا يمكن حصر شهرة الشاعر جوزيف حرب بالأغنيات التي غنتها له رنين لبنان، المطربة فيروز. فقلم جوزيف الغنائي الإنسيابي الحاني، هو رديف قلمه الآخر العروبي والوطني والطبيعي والغزلي، في الوقت عينه. بل هو الرديف الأكثر إشعاعا وترويجا، من خلال دواوينه التي كرسته شاعرا كبيرا من شعراء لبنان المعاصرين. فلشاعرنا أرشيف واسع يغتني بالقصائد المشغولة بظلال الحوافي،وبأضوائها الريفية. المصقولة برقة المفردة وحنوّها. المرصودة بترددات الأحاسيس وشجْوها.لقد كانت القصيدة في أصابع جوزيف، كعناقيد العنب، وأكواز التين، وتراب الأرض العربية و تجذرالتاريخ.

اشتهر جوزيف حرب بدربة شعرية خاصة بفؤاده. وبدربة مبادئية خاصة بفكره. فنهر العروبة دفّاق في شعره، باتجاه التراث منبعا، والحضارة مصبّا. كذلك كانت ينابيع الغزل والحب تتدفق في مجرى أبياته ناشدة الوصول الى موعد الجمال في أماكن الخيال.

ويمكن القول إن الشاعر حرب أعطى القصيدة الغنائية نكهة لبنانية رائعة، خصوصا بعد أن ترددت قصائده على لسان فيروز، نذكر منها “لبيروت” ” حبيتك تنسيت النوم” ” اسامينا” ” إسوارة العروس” زعلي طوّل انا واياك” ” ورقو الأصفر شهر أيلول”. كما غنى له مارسيل خليفة قصيدة” غني قليلا يا عصافير” و” انهض وناضل”.

وللشاعر حرب بصمة مهمة في العمل الإعلامي والثقافي، وذلك عبر عمله في الإذاعة اللبنانية، وكتابته البرامج الأدبية. كذلك عبر كتابته مسلسلات  أنتجتها محطات تلفزة عربية، وكانت بمضمونها ذات بعد تاريخي ووطني ، منها” العرب” ” قريش” ” اواخر الأيام” و” رماد وملح”.

ترأس ” اتحاد الكتاب اللبنانيين” من العام 1998 حتى العام 2000، تاركا اياه يائسا من تخبطه في دوامة التقهقر عينها المستمرة حتى راهنية  هذه اللحظة.

دواوين جوزيف لا تزال تلقى رواجا كبيرا على الصعيد الشعبي والنخبوي. فله” شجرة الأكاسيا” و” مملكة الخبز والورد” و” الخصر والمزمار”” والسيدة البيضاء في شهوتها الكحلية”

رحل جوزيف حرب مرددا بفؤاده:

عشت،

وعرفت.

حزنت،

وفرحت،

وكبرت.

وهلق يا هالدفّي،

انغمسي بموج الليل.

بيكفّي.

زهقت من هالكون،

زهقت من هالكلّ،

وطالع ع بالي فِلّ.”

أنسي الحاج: الشاعر الذي أعلن الحداثة

كتبت غادة علي كلش:

لم يقترن اسم الشاعر أنسي الحاج بالشعر التمردي، وبالشعر الوجودي، أو الغزلي فحسب. بل اقترن اسمه أيضا في انتهاج قصيدة النثر، إقتران الصيت بالإستهلال الحر للقصيدة العربية الموزونة، عبر تدوير لحداثة الغرب. بحيث أن هذا التدوير، لم يكن تقليدا أو محاكاة عادية  للحداثة الغربية، بقدرما كان استقلالا وتمردا خاصا  بأنسي،على مختلف المفاهيم و المقاييس والبنى الشعرية في عالم الشعر.

ولا تزال الساحة الثقافية في لبنان،منذ أواخر الخمسينيات، تستند الى تجربة أنسي في مجلة شعر التي أسسها مع الشاعرين المخضرمين يوسف الخال، وأدونيس.وكم كان لهذه المجلة دور في الإطاحة بقصيدة التفعيلة، وفي افتتاح عصر جديد للشعر الحديث.

أكمل أنسي الحاج مسيرته بعد توقف المجلة الشهيرة.وتابع تمرده عبر دواوينه التي كرست الصوت الشعري المنفلت من إيقاع القصيدة الكلاسيكية، ومن وقع المفردات المتآلفة، ومن مواقع الخيالات المألوفة. فأتى ديوانه الأول” لن” ليشكل بوابة الدخول الى قصر العزلة عن كل ما اعتبره شعراً رتيب الشكل، متكرر المعنى متشابه الصورة. مستحدثا فيه اطلاقات شكلية وكمونية لقصيدة النثر، تسع أفكاره الصارخة الرافضة. حيث كان  ذلك الشاعر” الرافضيّ”-ان صح وصفي له- حيث استمر في قصره المنعزل ينشد حواراته الفكرية بالشعر، دون أن يعني ذلك موافقتنا على طبيعة حواراته، خصوصا تلك التي تتعلق بجوهر الإيمان.

ولأنسي الحاج مسار آخر في الساحة الثقافية اللبنانية، وخصوصا الصحفية منها. حيث كرسته الساحة رجل صحافة من طراز رفيع، إذ كان رائدا في تعزيز الصفحات الأدبية، وخصوصا صفحة جريدة النهار” وقد أنشأ الملحق الثقافي الخاص بها،ناقلا بذلك دور الصحافة الأدبية من الخبر إلى النقد،ومن التغطية، الى الحوار، ومن الإضاءات المحلية، الى الإضاءات العالمية. مما أفسح المجال لبروز أسماء نقاد وشعراء وكتاب، عملوا على الإرتقاء بالصفحات الثقافية في الصحف والمجلات اللبنانية كافة.

إلى ذلك.تميزت مسيرة أنسي الحاج، بأعمال الترجمة المهمة على صعيد المسرح. إذ كان مترجما مهما لمسرحيات شكسبير،وايوجين يونيسكو،وألبير كامو،وبريخت. وقد اشتهر بترجمة كتاب أدولف هتلر” كفاحي”.

أنسي الحاج1937-2014 مسيرة عمر تخللها دواوين عدة منها ” الرأس المقطوع” ” ماضي الأيام الآتية”  “ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة” و” خواتم”” والوليمة”. رحل في شهر شباط/فبراير/ تاركا ذكراه على عتبة الربيع.