شيماء الصباغ … دم ثائرة في ثورة بلا دم

sahima sabbaghبين اخلاء سبيل جمال وعلاء مبارك واستشهاد شيماء الصباغ ساعات قليلة، تختصر المشهد السياسي في مصر.  فحبر قرار المحكمة بتبرئة الرئيس المخلوع حسني مبارك ونجليه من دم الثوار لم يجف بعد، حتى سال دم الناشطة شيماء الذي أشعل الجدال مجددا حول نزاهة القضاء المصري في محاكمة رموز نظام مبارك من جهة، وحول استماتة الاخوان “العبثية” لاستعادة الحكم من جهة أخرى.

لا شك في أن مصير ملف شيماء الصباغ لن يختلف عن مصير مئات الملفات الأخرى لشهداء الثورة المصرية، التي لم يُعرف الجاني فيها بعد ولن يُعرف. المستفيدون من بقاء الأجواء ملتهبة كُثر، وغياب الثقة بين غالبية الأطراف الفاعلة يسود الساحة المصرية.  ومهما كانت المعلومات المتضاربة أو حتى نتائج التحقيقات، فإن استغلال الحادثة قائم والكلام عن تورط “الإخوان” وتآمرهم، أو اندفاع الشرطة وقسوتها، وحماسة الناشطين البريئة واندفاعهم، سيظل من المفردات التي تتردد في مواقف كهذه.

لقد دفعت شيماء الصباغ ثمناً لإصرار جماعة الاخوان على حرق البلاد على قاعدة “ومن بعدي الطوفان”، وشرطة انهارت قبل أربع سنوات وعادت من دون أن تضع في اعتبارها أنها ستظل دائماً محل اتهام، ومراهقة سياسية لتنظيمات وشخصيات لا تزال تعيش على أطلال “الربيع العربي”، ولم تدرك أن “ثورة 25 يناير” فقدت أسباب وجودها ودوافعها في ذكراها الرابعة.

عموماً، مرت ذكرى 25 كانون الثاني (يناير) من دون ثورة جديدة، كما توقع البعض.  ولم يستجب الناس لدعوة “الإخوان المسلمين” لإطاحة نظام الحكم وإطلاق الدكتور محمد مرسي وحمله ليجلس مجدداً على المقعد الرئاسي، ولم يلتفت الناس إلى نداء بعض القوى التي تطلق على نفسها صفة “الثورية” للاحتشاد في الميادين للاحتجاج والتعبير عن الغضب.

بالنسبة إلى “الإخوان” القصة معروفة، فالجماعة فقدت سلطة كانت في حوزتها وحكماً لأكبر بلد عربي كان بين يديها بعد سنة واحدة مارست فيها كل أنواع الفشل وقطعت خلالها كل خيوط التواصل مع غيرها من القوى، وفقدت فيها القدرة على الاحتفاظ بقدر من التواضع فأرادت أن تعود بشتى الطرق.

كتبت شيماء الصباغ على صفحتها على موقع “فيسبوك” قبل عشرة أيام من استشهادها: “انت يا ثوري تساوي إيه من غير جماهير، عملت إيه علشان توعي الجماهير، أقنعت كام واحد على القهوة أو في عائلتك بفكرك الثوري، طيب حاولت تنظم نفسك واللي حوليك؟ ودلوقتي عاوزين تنزلوا الناس وراكوا؟ انت وهو وأنا معاكوا عملنا إيه علشان نوعي الجماهير، ابنوا نفسكم الأول وانزلوا للناس”.

لكنها عندما نزلت… راحت ضحية حسابات سياسية خاطئة، وإهمال أمني متكرر، ومصالح تجار الدماء والجنازات.

Advertisements

الحريري – نصر الله: حوار التهدئة

الحريري ونصر الله في صورة من الارشيف

الحريري ونصر الله في صورة من الارشيف

كتب المحرر السياسي:

الحوار المرتقب بين «المستقبل» و«حزب الله» يشغل اللبنانيين ويترقبونه، وكأنه الحل السحري لكل مشاكل لبنان.

وفق تراكم المعطيات، فإن أقصى ما قد يصل إليه حوار التناقضات، هو الوصول الى التهدئة إذا كانت السياسة فعلاً فن الممكن.

وبما أن المكتوب يعرف من عنوانه، فإن العناوين الثابتة، لكل من حزب «المستقبل» و«حزب الله»، هي ثوابت معطلة للغة الكلام بين المتحاورين.

إذا كانت البدايات تحمل معضلة إعداد جدول أعمال الحوار الثنائي، فكيف يمكن حل معضلات الخلافات الكثيرة والكبيرة… وكيف يمكن الوصول الى نتائج إيجابية لحوار لا يحتمل إلا الفشل.

يقول الطرفان أنهما سيتركان القضايا الخلافية الأساسية جانباً، وأنهما سيكتفيان بالبحث عن مخارج للقضايا الهامشية التي تحفظ الإستقرار واستمرار الدولة. وعند تفسير هذا المدخل للحوار يظهر المأزق. فالرئيسي في مفهوم تيار «المستقبل» هو هامشي في مفهوم «حزب الله». والرئيسي في مفهوم «حزب الله» هو هامشي في مفهوم «المستقبل». فبينما يستبعد «المستقبل» من الحوار ثوابته كانسحاب «حزب الله» من سوريا ونزع سلاحه في لبنان، سيكتفي ببحث انتخاب رئيس الجمهورية والتفاهم على قانون جديد للانتخابات النيابية. في المقابل يتصلب «حزب الله» بموقفه من انتخاب الرئيس، متمسكاً بشعار «عون أو لا أحد». ولن ينزلق «حزب الله» الى الموافقة على قانون للانتخابات لا تأكل فيه النسبية نسبة لا بأس بها من حصة «المستقبل» في مقاعد المجلس النيابي.

وسط هذه التناقضات العصية على الحل، تتعرض مبادرة الرئيس سعد الحريري، وموافقة السيد حسن نصر الله عليها، الى الضياع.

وعلى فرض أن الطباخين المهرة نجحوا في صياغة جدول أعمال، فمن المؤكد أن النتائج ستصطدم بالثوابت المتعاكسة لكل من الطرفين، وبالتالي، يصبح الفشل هو النتيجة الوحيدة المتاحة، حتى ولو غلف ذلك بصدور بيان عائم عن المتحاورين، قد تكون التهدئة أنضج ثماره. كأن يتوقف الطرفان، إعلامياً وسياسياً، عن الحملات العنيفة والتصريحات الملتهبة.

طبعاً فإن الحوار، الذي تشير تعقيداته الى أنه لن يبدأ، قد يبدأ كإستجابة خجولة لإصرار  الرئيس نبيه بري على عقده، خصوصاً وأنه رب من يدوّر الزوايا الحادة، ويطوّع المواقف المتمردة.

ويرمي بري الى اصطياد عصفورين بحجر الحوار. الأول سحب ورقة عون من السباق الرئاسي، وهذا عصفور لا يرى المراقبون أن «حزب الله» سيسمح باصطياده. والثاني ترسيخ صورة بري على أنه بيضة الميزان والتوازن اللبنانيين، والدرع الأمني المضاد للرصاص المذهبي والسياسي معاً.

كل ما سبق يشكل العُقَدْ المحلية للحوار المنتظر، والأمر سيكون أكثر تعقيداً إذا انتقلنا الى العُقَد الخارجية التي تمنع انعقاده قبل الوصول الى حلها، أو حلحلتها على الأقل.

والعُقد الخارجية متداخلة من أميركا الى تركيا مروراً بغالبية الدول الإقليمية في المنطقة. والتداخل هنا يصعب فصله، حيث يختلط الملف النووي الإيراني بأمن إسرائيل. وحيث يصطدم طموح تركيا بطموح إيران. ونفوذ روسيا بنفوذ الولايات المتحدة، وتهديد طهران لأمن الرياض بتشجيعها للتحركات المسلحة في البحرين واليمن. فمن الواضح أن إيران تحضر لمحاصرة أمن السعودية عبر اليمن، المصدر المحتمل لإحداث هزات عنف في شرق المملكة، وعبر تقويض استقرار دول الخليج بتقويض استقرار البحرين.

وفي داخل هذا المشهد المتشابك تظهر قطر كعامل داعم لتوتير الوضع في مصر، ولتفجير الوضع في ليبيا، وفي توفير وسائل الاستمرار للأحداث الدامية في سوريا والعراق. تساعدها على ذلك تركيا، التي تغطي موقفها المساند للإرهاب الداعشي، بتسهيل دخول بضعة مئات من مقاتلي بشمركة أكراد العراق للمشاركة في الدفاع عن أكراد عين العرب السورية.

قد يسأل البعض ما دخل هذه البانوراما الإقليمية والدولية بحوار بين فريقين لبنانيين، يفترض أن لا حول لهما ولا قوة في هذه الصراعات الخارجية الكبرى؟.

صحيح. لكن لهذه الصراعات كل الحول والقوة، في الشأن اللبناني.

لقد تم تعطيل اللعبة الديمقراطية، وبقي كرسي الرئاسة فارغاً، لأن إرادة أحد المتصارعين الإقليميين حريصة على وصول شخصية موالية.

والفراغ سيبقى قائماً ما لم تتحول الأحداث لترجيح إحدى كفتي الإعتدال أو التطرف.

إذاً، ما بين لبنان المعلق في تداعيات الخارج، ولبنان العالق في خلافات الداخل، لن يجد التفاؤل بالحوار مكاناً له إلا تحت سقف التهدئة… هذا إذا انعقد… فكيف إذا تعقّد؟.

إيران – السعودية: مد الجسور مستمر

الرئيس الأميركي باراك أوباما مستمر في سياسة “النأي بالنفس” عسكرياً، وهو لن يزجّ جنوده في ساحات المعارك، على الأقل خلال العامين المتبقيين من ولايته الثانية.

من استمع إلى خطابه في كلية “وست بوينت”، خرج بخلاصة أن أوباما استغنى عن “العصا” الأميركية، ولم يبق بيده سوى “الجزرة” التي عليه استخدامها في ترويض أعدائه ومعارضيه.

ولكن في ظل عالم عربي مضطرب يعيش تقلبات وتداعيات “الربيع العربي”، فإن فترة عامين هما زمن طويل وطويل جداً، وقد يفضي إلى نتائج إقليمية ليست في مصلحة حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي.

انطلاقاً من هذه القناعات الواقعية، جاءت زيارة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح إلى طهران، وهي الزيارة الرسمية الأولى من نوعها منذ الثورة الإسلامية في العام 1979.

وينظر إلى الكويت باعتبارها جسراً محتملاً بين الجمهورية الإسلامية ودول الخليج العربية بما في ذلك السعودية، حيث يرصد المراقبون بكثير من الاهتمام إشارات التقارب بين الرياض وطهران، وما تحمله من امكانيات لإحداث إختراقات كبيرة في ملفات المنطقة المتأزمة.

لا شك في أن صعود التيار الاسلامي المتشدد وتهديده أنظمة المنطقة، وحّد الأهداف وقرّب وجهات النظر بين السعودية وإيران.

وتخشى الرياض ان يقوي التشدد بين مقاتلي المعارضة في سوريا، شوكة القاعدة داخل السعودية التي عانت من نكسة في السنوات العشر الاخيرة عندما عاد مقاتلو القاعدة من الجهاد في افغانستان.

ويرى محللون ان دول الخليج تنتظر من ايران خطوات ملموسة تؤكد من خلالها انها مستعدة لتغيير سياساتها في المنطقة.  وزيارة امير الكويت الذي ترأس بلاده حاليا مجلس التعاون الخليجي والقمة العربية، تشكل فرصة لطهران لفتح صفحة جديدة مع دول الخليج، وذلك فيما تتقدم المحادثات مع الدول الكبرى حول الملف النووي الايراني.

وتأتي الزيارة ايضاً في ظل تحسن في العلاقات بين ضفتي الخليج، على الرغم من استمرار التوتر الناجم عن النزاعات ذات الطبيعة الطائفية في العراق وسوريا والبحرين.

إن الامر الذي لا يمكن اخفاؤه ان ما يشهده العراق وسوريا ولبنان وباكستان، انما هي حروب بالوكالة تقف وراءها دول عربية واسلامية لاهداف متباينة. ولا يمكن فصل الظاهرة الطائفية عن هذه الحروب والتوترات. كما لم يعد سرا ان ثمة حالة من الشد والجذب تفرض نفسها على العلاقات بين السعودية وإيران.

من الواضح أن زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في نهاية آذار (مارس) الماضي الى الرياض، وتأكيده للملك عبدالله أن بلاده ماضية قدماً في خيار توقيع الاتفاق النووي النهائي مع طهران، ومواقف دولة الكويت وتشجيع بعض عواصم الدول الكبرى، ومنها روسيا، ساهمت كلها في بث مناخات ايجابية في الاتجاهين، على أن يتوج هذا المسار بزيارة يقوم بها الرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني الى السعودية قبل نهاية العام الحالي على الأرجح.

ولا يخفي الإيرانيون حاجتهم السياسية، لا بل الاقتصادية بالدرجة الأولى، لاستمرار المنحى التطبيعي مع جيرانهم الخليجيين، وبالتالي بناء “علاقات وثيقة جداً”، عملاً بمبدأ حسن الجوار والاحترام المتبادل، وهي العبارات التي طالما كررها الرئيس روحاني مراراً منذ وصوله الى سدة الرئاسة الإيرانية حتى الآن.

الحلف القذر: كيف يستخدم الغرب سلاح “الاسلام السياسي”؟

:كتب المحرر السياسي

ماذا بقي من الصفقات بين الغرب والاسلام السياسي؟  فبعد فشلهم في مصر وليبيا وسوريا، ما حقيقة رهانات الغرب على الإخوان، وما سر هذه التحالفات المليئة بالتناقضات الايديولوجية والسياسية؟  الكاتب البريطاني مارك كيرتس يفتح “الصندوق الأسود” لجماعة الإخوان المسلمين، وبقية “الجماعات الراديكالية”، في كتابه الجديد، وهو صندوق مليء بالأسرار.

أزاح الكاتب البريطاني مارك كيرتس بعض الغموض في كتابه “أمور سرية: المؤامرة البريطانية مع الإسلام الراديكالي”.  ومن الأمور المدهشة هي خلاصة الكتاب لأحد فصوله “الإسلام مقابل القومية”، التي يحاول فيها تفسير عداء الغرب للأنظمة الوطنية مثل عبدالناصر ومصدق في إيران، وسوكارنو في إندونيسيا.

يذهب كيرتس إلى أن “الأمر المؤكد أن تعاون واشنطن ولندن مع هذه العناصر (الراديكالية الإسلامية)، توضح نموذجا مألوفا: لقد كانتا مستعدتين للتعاون مع الرجعية، وغالبا العناصر المتطرفة، ضد العدو المتمثل في حكومة قومية علمانية مستقلة، قد تتضمن بعض التأثيرات الشيوعية.  ولقد رأت واشنطن ولندن في الضباط وحلفائهم في دار الإسلام ـ الذين حاولوا التآمر على سوكارنو بإندونيسيا ـ كقوى بالوكالة مثل الإخوان المسلمين في مصر، وآيات الله الإيرانيين والقوات المرتزقة التي جندتها بريطانيا والولايات المتحدة، هذه القوى بالوكالة يتم استخدامها “لقدراتها على الأذى”، ويتم التخلي عنها ببساطة بمجرد أن تتجاوز الفائدة منها. إن تقويض العدو المشترك كان هدفا “قصير الأجل”، ولكن في لحظة ما كان لابد من تحقيقه بكل الوسائل، وذلك بغض النظر عن الآثار بعيدة المدى المترتبة عليه.

هذه باختصار المهمة القذرة التي استخدم فيها الغرب هذه القوى ضد الحكومات الوطنية، التي تجرأت على أن تأتي المحرمات الغربية، وهي “استقلال القرار الوطني”، والعمل على الاستفادة من الثروات الوطنية بعيدا عن الاستغلال الغربي، أو بوضوح “النهب الاستعماري”. ومن هنا، يمكننا أن نلحظ دوما أن الغرب استخدم هذه القوى المتطرفة ـ برغم أنه لا يكن لها احتراما أو ودا ـ لتحقيق “أهداف قذرة”، وسرعان ما يتخلص منها، إلا أن العجيب أن قادة هذه الجماعات ظلت وفية لعلاقاتها المشبوهة مع بريطانيا والولايات المتحدة، بل مثلما نرى ونسمع الآن، أن واشنطن ساهمت بالتمويل ـ وغيره ـ في وصول الإخوان الى حكم مصر، وفي الأغلب في بلدان أخرى في الربيع العربي.

 لكن لماذا؟

الإجابة تأتي على لسان السفير البريطاني في الأردن تشارلز جونستون في رده على وزير خارجيته بشأن الانحياز الى جماعة الإخوان المسلمين الأردنية في ذروة الصراع مع عبدالناصر. ويقول السفير في معرض تبريره لتأييد “الحكومة الجديدة في عمان”، إنني أقترح أن مصالحنا سيتم خدمتها بصورة أفضل من قبل نظام استبدادي يحافظ على الاستقرار والارتباط مع الغرب أفضل من ديمقراطية غير مقيدة تسرع باتجاه الشيوعية والفوضى، وهناك شيء يمكن أن يقال بالنسبة لنظام استبدادي نظيف ـ الموجود حاليا في الأردن ـ والذي يمكن مقارنته بالانتخابات البرلمانية للكولونيل ناصر. ويعقب كيرتس على ذلك، بأن هذه الرؤية هي خلاصة تفضيلات بريطانيا لأنظمة قمعية يتم دعمها من قبل قوى اليمين الإسلامي أكثر من حكومات ديمقراطية أو شعبية، وهو ملمح دائم للسياسة البريطانية في المنطقة، في الماضي والحاضر، الأمر الذي يساعد في شرح اللجوء الدائم الى التآمر مع القوى الإسلامية.

وعندما يصل في كتابه إلى “ثورات الربيع العربي”، فيقول كيرتس بوضوح إن علاقات بريطانيا بالإخوان المسلمين تعكس السياسة الأميركية، وأن المخططين البريطانيين لم يكن لديهم إلا القدر الضئيل من الاهتمام بالأجندة السياسية الداخلية لجماعة الإخوان.  ويشير الى تجاهل هؤلاء الكثير من الأمور لعل أخطرها هو ما أورده بوضوح على لسان السير ريتشارد ديرلاف الرئيس السابق لـ “ام أي 6” (هيئة المخابرات البريطانية)، في تشاتوم هاوس ـ أحد مراكز الأبحاث البريطانية: “ليس لدي أوهام على الإطلاق بشأن ما هي جماعة الإخوان المسلمين، أو ما الذي يمكنها أن تكون، يمكنها أن تكون منظمة اجتماعية أو منظمة سياسية، إلا أنها في القلب منها، من وجهة نظري، هي منظمة إرهابية”. وكما يقول كيرتس، فإن صانعي السياسة الأميركية من غير المحتمل أن يبتعدوا عن إعادة ارتباطهم على الأرض بالإخوان، على الرغم من أن وثائق “ويكليكس” تقول إن السلطات الأميركية تضعهم ضمن قائمة “63 منظمة إرهابية”. فهل هناك “أوهام” لدينا الآن بشأن جماعة الإخوان وارتباطاتها الغربية؟ على الأرجح لا توجد أوهام، بل “أسرار كثيرة” في الصندوق الأسود للجماعة.

صراع أجنحة

وإذا كان التحالف الاخواني – الأميركي لا يزال صامداً رغم كل الانتكاسات التي تعرض لها في مصر وليبيا وسوريا، فإن المراقبين يرصدون بعض التحفظات والاعتراضات من داخل الإدارة الأميركية، وخصوصاً من قبل جنرالات البنتاغون، فيما يشبه صراع أجنحة داخل البيت الأميركي.

وترصد تقارير البنتاغون حالات الفشل الأميركي بعينات واقعية ملموسة، تستند غلى النقاط الآتية:

–          تدريب جنود في الأردن لنكتشف فيما بعد أنهم إرهابيون يقتلون جنودنا في جنوب ليبيا.

–          نتواجد في جنوب ليبيا لطرد إرهابيين يحاربوننا بسلاح أميركي.

–          نحارب في سوريا ثم نجد الذين ندربهم قد أصبحوا ناطقين باسم القاعدة ولا يترددون في قطع رؤوس الأطفال هناك.

 هذه أمثلة يتحجج بها قادة الأركان في البنتاغون لاعتراضهم على استمرار البيت الأبيض في دعم تنظيم الإخوان. ويقولون في تقرير رفعوه إلى الرئيس الأميركي: أخيراً  “لقد بدأ الامتحان في تونس. تسلم الإخوان السلطة هناك. لكنهم فشلوا في إدارة الدولة وأجبروها على التراجع. والأسوأ ما حدث في مصر. ساعدناهم في الوصول إلى الحكم، لكن الشعب طردهم مباشرة”.

وما ضاعف من المأساة حسب تقرير أخير لمركز “سترتفور” المساند لأجهزة المخابرات الأميركية أن أزمة الإخوان في مصر انتقلت إلى المنطقة وخارجها: “علاقة القاهرة بواشنطن الراعي الأكبر لمصر أصابها الاضطراب على نحو غير مسبوق منذ 30 يونيو … وانشق الصف الخليجي بسحب السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من قطر بسبب دعمها للإخوان ماليا وإعلاميا وسياسيا، مما ضاعف من حالة عدم الاستقرار”.

في الوقت نفسه، يسعى الروس إلى توسيع دائرة نفوذهم في المنطقة التي بدأوا في العودة إليها مستفيدين من التوترات التي سببها الإخوان لنظم الحكم فيها.

يضيف التقرير الصادر الشهر الماضي: “إن الخلاف بين القاهرة وواشنطن قضية أخرى تستغلها موسكو.  فقد وافقت على صفقة أسلحة بثلاثة مليارات دولار، كما تتفاوض حول إنشاء منطقة حرة بين مصر ودول الاتحاد الجمركي التي تشمل روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان”.

إن الموقف المتناقض بين السعودية والولايات المتحدة حول الإخوان فرض نفسه على زيارة أوباما. لقد دعمت السعودية مصر ماليا ودبلوماسيا، لكن الأهم أنها أعلنت الإخوان تنظيما إرهابيا، وعلى ما يبدو فشل الرئيس الأميركي في إقناع الملك السعودي بالتراجع عن موقف بلاده، أو في الحد الأدنى بربط الدعم الذي يقدمه إلى مصر بإعادة إدخال الإخوان في العملية السياسية.

وقد كشفت تقارير أميركية متعددة عن وجود ممولين للحركات الاسلامية الاصولية بين شخصيات عربية مؤثرة بجانب حكومات مثل قطر.  ووصل حجم التمويل في الثلاث سنوات الأخيرة إلى نحو 23 مليار دولار، تسلمها الإخوان ليوزعوها على التنظيمات الإرهابية، لكن الإخوان أخذوا لأنفسهم 14 مليارا، ولم يسلموا سوى تسعة مليارات.

ولضمان سيطرةالإخوان على التمويل، وضعت الجماعة غالبية المنظمات المسلحة تحت أمرتها، وليس تعدد الأسماء إلا محاولة من الإخوان لتشتيت الجهود الأمنية للدول المناهضة لهم، وهو ما كشف عنه وزير الداخلية المصري محمد إبراهيم خلال مؤتمر صحفي الشهر الماضي.

إن كل هذه التداعيات الاخوانية تؤدي في النهاية إلى تحولات حادة في المنطقة. وهو ما لم تستوعبه إدارة أوباما بعد، التي لا تزال تحتفظ بوكالتها الشرعية للاخوان، مفضلة الانصراف شرقاً والاهتمام بالصين والهند.  لذلك، يصعب على أوباما الأخذ بنصيحة البنتاغون القريب من المؤسسة العسكرية في مصر، التي تخوض حربا مباشرة في سيناء ضد المجموعات التكفيرية وداعميها من الاستخبارات الإقليمية والدولية التي تستخدم الإسلام المتطرف كسلاح سياسي وتكتيكي.

لمحة تاريخية

وبالعودة إلى بعض المحطات التاريخية، يُمكن أن تتفكك أمامنا خلفيات لعبة الشطرنج الكبرى التي تُمارس في العالم الإسلامي، والتي يبدو برأي مراقبين ومحللين، أن الأصوليين الإسلاميين يُستخدمون فيها تارة كبيادق وتارة أخرى كسلاح سياسي.

صحيح أن الولايات المتحدة أبرمت منذ عام 1945 حين التقى الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز على متن البارجة الأميركية كوينسي، حلفاً مع السعودية ضد الشيوعية (ثم مع الإخوان المسلمين ضد الحركة الناصرية حسب بعض الروايات)، إلا أن الأمر كان يجب أن ينتظر حتى 25 كانون الأول (ديسمبر) 1979 حين غزا الجيش السوفياتي بلاد الأفغان، كي تبدأ واشنطن ألعابها الدموية مع التطرف الإسلامي الذي أُطلق عليه في الغرب (قبل الشرق) اسم “الإسلام الجهادي”.

آنذاك، وُلد في الثمانينيات تنظيم القاعدة بإشراف وكالة الإستخبارات الأميركية “سي. أي. آي” (بل يتردد أن تسمية “القاعدة” ولدت في واشنطن باسم ترميزي هو Base)، واستمر هذا الإشراف حتى هزيمة القوات السوفياتية بعد عشر سنوات، كما يكشف عن ذلك بجلاء كتاب جون كولي الشهير “الحرب غير المقدسة”.

هذا التطور أثبت أنه حدث جلل بالفعل. فمنذ ذلك الحين، دأبت إيران والسعودية ومصر (أيام الرئيس السادات) والعراق (في عهد صدام حسين) وسوريا على استخدام التنظيمات المتطرفة الموجودة أو تلك التي تخترعها أجهزة المخابرات المختلفة لتنفيذ أهداف خاصة ومحددة. لم يكن هذا في يوم ما تحالفاً استراتيجياً أو أيديولوجياً بين هذه الدول وبين التنظيمات المتطرفة، بل كان مجرد لعبة استخبارية أمنية جهنمية يعتبر فيها كل طرف أنه يستخدم الآخر.  وهكذا، كان أمراً طبيعياً أن تكون القاعدة موجودة في طهران والرياض في الوقت نفسه.

فتش عن الأجهزة

إذا، هل من “حق” القوى الغربية والأجنبية أن تلعب ورقة الأصولية المتطرفة على هذا النحو؟  وهل ينطبق الأمر نفسه أيضاً على القوى الإقليمية الإسلامية؟

يجب الإعتراف هنا أنه ليس ثمة في الواقع دولة إقليمية واحدة بريئة من الصفقات الجهنمية مع تيارات التطرف هذه. تماماً كما أن الولايات المتحدة لم تكن، ولم تزل، غير بريئة حسب مراقبين من جعل المتطرفين يعتقدون أنهم قادرون على السيطرة على العالم، من خلال تسهيل نصرهم في أفغانستان على الإتحاد السوفياتي، أساساً عبر تزويدهم بالصواريخ المضادة للطائرات والدبابات.

لكن، ماذا يعني أن تحذو القوى الإقليمية حذو الولايات المتحدة في إطلاق عفريت التعصب والتطرف من قمقمه؟

الكثير، والكثير جداً. فهو يعني بأن كل الشعارات الإيديولوجية الإسلاموية لهذه القوى، مجرد أوراق توت لإخفاء أجنداتها القومية أو الإستخباراتية أو التوسعية التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالأخلاقيات الدينية أو المثل اللاهوتية. وهو يعني، أيضاً، أن الاسلام، أو على الأقل اسم الإسلام، قد وُضعَ قيد الإستخدام كسلاح سياسي. وهذا ما يجعل هذه القوى الإقليمية “الإسلامية” لا تختلف بشيء عن القوى الدولية “المسيحية” التي تستخدم الإسلام هي الأخرى كسلاح من هذا النوع.

بيد أن الأهم هو أن إطلاق العفريت من قمقمه يُطلق بدوره عفريتاً أشد هولاً بكثير من عقاله ممثلا في الحرب المذهبية الطاحنة بين السنّة والشيعة التي أدّت مرتين إلى انهيار الحضارة الإسلامية (مرة حين مهدت لغزوات المغول والصليبيين، ومرة أخرى مع الحروب العثمانية – الصفوية التي سهَّلت الإجتياحات الاستعمارية الأوروبية لاحقا).

هنا يكمُن الخطر الأكبر الذي تفرزه استخدامات القوى الإقليمية للتطرف الأصولي بشتى أصنافه، والذي بدأ يُحيل الوضع في المنطقة إلى جهنم حقيقية، كما يتبدى بوضوح في الكارثة الإنسانية الكبرى التي تجري في سوريا هذه الأيام، والتي جرت (واستؤنفت الآن) في العراق.

الميدان المصري

يخطئ من يعتقد أن معركة أي دولة مع الإرهاب قصيرة، أو يمكن أن تنتهي سريعاً، تماماً كما يخطئ الإرهابيون أنفسهم إذا اعتقدوا أن في إمكانهم تغيير نظام عبر التفجيرات، أو الاغتيالات، أو إسقاط دولة من طريق تصفية قادتها أو شعبها. مرة أخرى علينا التأكيد أن المعركة مع التنظيمات الإسلامية الراديكالية في مصر ستمتد لسنوات، إذ إن البيئة الحاضنة للعنف باسم الدين ما زالت منتعشة، وستظل فترة طويلة كذلك.

من الواضح أيضاً أن أجهزة الأمن المصرية تعاني بشدة جراء ضرب بنيتها التحتية بفعل تداعيات ثورة 25 يناير، ليس فقط كنتيجة لاقتحام مقرات جهاز أمن الدولة، ونهب الوثائق والأوراق منها، أو نتيجة لضرب الجهاز نفسه بتصفية قادته وعناصره وأصحاب الخبرات فيه، وإنما أيضاً بفعل سنة كاملة حكم “الإخوان” فيها مصر، كان ظهيرهم السياسي فيها جماعات أصولية راديكالية بمسميات مختلفة فرضت أثناءها ظروفاً جعلت الانضمام إلى جماعة إسلامية وسيلة للحصول على مزايا مادية ومعنوية. وجاء عزل مرسي ورحيل “الإخوان” عن مراكز النفوذ ليربك الحسابات، ويجعل تحالف “الإخوان” مع تلك التنظيمات والجماعات أكثر صلابة، إذ فقدوا جميعاً أحلامهم، وباتوا على قناعة بأنهم لن يعودوا إلا إذا عاشت مصر كابوسهم لفترة طويلة.

أدى هذا إلى تحول بعض التنظيمات من العمل العلني إلى السري، ومن السلمي إلى العنفي، ومن تأييد نظام الحكم إلى معارضته ومقاومته و “الجهاد” ضده، كما اختلطت أيضاً نوعية عمليات الإرهاب وتنوعت، ولم تعد تقتصر فقط على استهداف منشآت الدولة، أو رموز النظام، وإنما صار حرق منزل لأن صاحبه وضع صورة للسيسي هدفاً، والاعتداء على محل تجاري رفع لافتة ضد مرسي طموحاً، وأصبح تحرك الجموع معاً لإضرام النار في سيارات الشرطة أو المواطنين، أو تكسير قاعات الجامعات، أو هدم مقر للنيابة أو مصلحة حكومية عملاً يكاد يكون شبه يومي، وبات استهداف الإعلاميين والسياسيين الذين يعتقد الإسلاميون أنهم لعبوا أدواراً في الإطاحة بمرسي مسألة طبيعية.

وتعد جماعة “أنصار بيت المقدس” واحدا من أقوى التنظيمات الجهادية التي ظهرت في شبه جزيرة سيناء بمصر، ويعتقد أنها تكون المجموعة الرئيسة وراء نشاط الجماعات المتشددة داخل البلاد. وهي الجماعة الأكثر ظهورا وتحركا منذ ثورة “25 يناير” العام 2011.

ونشطت جماعة “أنصار بيت المقدس” مجددا وبقوة في شبه جزيرة سيناء عقب الإطاحة بنظام الرئيس السابق محمد مرسي. ويقول مراقبون إن “عناصرها يحتمون داخل كهوف في جبل الحلال الذي يقع في وسط سيناء التي تحدد فيها اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، عدد قوات الجيش المصري وتسليحه”.

وبحسب المراقبين، فإن الجماعة تتكون من خليط من فلسطينيين وفدوا من غزة، ومن مصريين كانوا منضوين تحت لواء ما كان يعرف بجماعة التوحيد والجهاد التي تبنت عدة هجمات إرهابية استهدفت السياح في سيناء بين عامي 2004 و2006.

وبدأت جماعة “أنصار بيت المقدس” عملياتها في سيناء بعد الإطاحة بمبارك مباشرة، بتبنيها تفجير خط أنابيب تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل والأردن، وكررت بعد ذلك عمليات استهداف خطوط الغاز خلال حقبة المجلس العسكري الذي تولى الحكم بعد تنحي مبارك.  وكثفت “أنصار بيت المقدس” هجماتها على قوات الجيش والشرطة المصرية عقب الإطاحة بمرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين من السلطة، حتى إن بعض المراقبين ربط بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين وجماعات فلسطينية مسلحة خاصة مثل حركة حماس، فيما أكدت السلطات المصرية في عدة مناسبات مثل هذا الارتباط.

ويرى خبراء سياسيون أن “أنصار بيت المقدس” تقترب من فكر تنظيم القاعدة، وعلى الرغم من إشادة أيمن الظواهري رأس “القاعدة”، وهو مصري الجنسية، بالجماعة، فإنه حتى الآن لم يجر الاعتراف بها فرعا من فروع “القاعدة” في مصر.

ومن أهم العمليات التي قامت بها الجماعة في مصر عندما أعلنت مسؤوليتها عن مقتل 25 من جنود الأمن المركزي في 19 آب (أغسطس) الماضي في عملية عرفت إعلاميا باسم “مذبحة رفح الثانية”، والهجوم بسيارة مفخخة على مديرية أمن جنوب سيناء في تشرين الأول (أكتوبر)الماضي، واستهداف مبنى المخابرات العسكرية في الإسماعيلية في الشهر نفسه.

كما أعلنت جماعة “أنصار بيت المقدس” مسؤوليتها عن مقتل المقدم محمد مبروك مسؤول ملف الإخوان المسلمين في جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة سابقا)، وتبنت تفجير مديرية أمن الدقهلية (بدلتا مصر)، الذي أسفر عن مقتل 16 كان من بينهم 14 من ضباط الأمن. فضلا عن إعلان الجماعة مسؤوليتها عن الهجوم على مدينة إيلات الإسرائيلية، وكمين أمني في محافظة بني سويف أودى بحياة ستة من ضباط الشرطة، وتفجير مديرية أمن القاهرة، وإسقاط مروحية عسكرية بسيناء خلال كانون الثاني (يناير) الماضي.

ويؤكد المراقبون أن جماعة “أنصار بيت المقدس” تمثل تحولا خطيرا في أسلوب الأعمال والجماعات الإرهابية التي شهدتها مصر على مدار تاريخها الحديث، لما شهدته الفترة الأخيرة من أعمال عنف وإرهاب غير مألوفة ومختلفة عما كان يحدث من عمليات إرهابية سابقة.

واتسمت العمليات الإرهابية الأخيرة في مصر بانتقالها من سيناء إلى محافظات مصر والعاصمة القاهرة، لتشهد تفجيرات انتحارية وسيارات مفخخة واستهداف ضباط الشرطة والجيش والمنشآت العامة والحيوية والجامعات، وهي السمة التي لم يعهدها المصريون حتى في أصعب فترات الإرهاب التي مرت بها مصر في التسعينيات من القرن الماضي. وأصبحت جماعة “أنصار بيت المقدس”، التي اعترفت بمسؤوليتها عن أغلب تلك العمليات الإرهابية، مثار جدل كبير على الأصعدة كافة، لا سيما مع تزامن نشاطها مع عزل مرسي وإعلان جماعة الإخوان المسلمين “تنظيما إرهابيا”، وهو ما أثار الاتهام بوجود علاقة بين “أنصار بيت المقدس” و”الإخوان”، بل ذهب البعض إلى أن جماعة “أنصار بيت المقدس” ما هي إلا ميليشيات تتبع نائب مرشد “الإخوان” خيرت الشاطر، المحبوس حاليا في قضايا عنف وقتل.

عون – جعجع: مرشحا الفوز المستحيل

 كتب المحرر السياسي:

لم يكن «الصبر مفتاح الفرج»… بل مفتاح الانفراجات.

لقد فتحت كل الأبواب التي كانت مقفلة باحكام.

قوانين صدرت بالجملة.

تعيينات تليها تعيينات.

فرَّ قادة المحاور في باب التبانة وجبل محسن. واختفى السلاح والمسلحون.

دخل الجيش الأحياء المسلحة في الشمال ورشه الأهالي بالأرز، وكان يُرش بالرصاص والقذائف. كما أغلقت أبواب جهنم بين عرسال واللبوة وأزيلت الحواجز غير الشرعية وحلت مكانها حواجز الجيش بـ«الأهلاَ والسهلاَ».

لا مشاكسات ولا مقاطعات في مجلس النواب.

كل هذا يعني أن السحر الذي حلَّ على لبنان كان باتفاق السحرة جميعاً، وإلا ما كان هذا التوافق اللبناني المستعصي أن تفكك عقده، ويتحوَّل الى سهل ممتنع عن المعوقات التي أرهقت وأزهقت روح حكومة نجيب ميقاتي.

لكن النِعم لا تدوم. فمن يبطل السحر الغامض والمجهول الأسباب؟.

لا شك في أن الاستحقاق الرئاسي سيفرِّق بين السحرة، وستعود الخلافات والانشقاقات الى مجلسي الوزراء والنواب، وبالتالي، سينتهي شهر العسل، لتعود حليمة الى عاداتها القديمة.

والمأزق الأقدر من استحقاق الرئاسة على إزالة مفعول سحر التفاهم والوئام هو قانون الانتخابات، الذي لا يحتمل المسايرة، وبالتأكيد لا يقبل التوافق، بدليل السقوط المبكر لقانون النسبية في مجلس النواب.

لا أحد ينكر أن معركة الرئاسة بدأت ساخنة.

المرشحان الرئيسيان، العماد ميشال عون والحكيم سمير جعجع، يدركان أنهما مرشحان للفوز المستحيل. وإذا كانا لا يناوران، فإن فريقي 8 و14 آذار يناوران بهما.

إن التأييد النظري لميشال عون من قبل فريق 8 آذار، يقابله التاييد النظري من قبل فريق 14 آذار لسمير جعجع.

الفريقان يعرفان جيداً أن رهانهما على أقوى الأحصنة المسيحية هو رهان خاسر. فالمعركة أكثر تعقيداً. والرغبات لا تكفي لشق الطريق الى بعبدا. فهي «طريق دولية» تحتاج الى بلدوزرات أوروبية وأميركية، وإلى رافعات سورية وإيرانية وسعودية. مما يعني أن شقها يحتاج الى تفاهم وظروف موضوعية، أكبر بكثير من السحر الذي أنقذ تمام سلام من الفشل.

كل هذا يشير الى أن الفراغ هو المرشح الأوفر حظاً في الفوز بمنصب صاحب الفخامة. إلا إذا نجح الثنائي المتماسك، نبيه بري ووليد جنبلاط بتسويق مرشحهما المنسي جان عبيد لدى الجهات الدولية والإقليمية، التي تشكل الناخب الرئيسي والحقيقي.

هذا الصراع الخفي، هل يؤدي الى سقوط خيار الرئيس القوي جداً لمصلحة الرئيس الضعيف جداً.

من الصعب أن تقبل بكركي بهذه النهاية لموقعها الرئاسي الأول مسيحياً ولبنانياً.

ولا يمكن التفاؤل بقدرات الأستاذ نبيه بري على إقناع سوريا وإيران برئيس ملحق بقصري عين التينة وكليمنصو.

وربما كان وليد جنبلاط أقل نفوذاً بتسويق عبيد لدى السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خصوصاً وأن علاقاته مع هذه الجهات متأرجحة ولا تصل الى حد التأثير في القرارات التي ترتبط بمصالحها لست سنوات لبنانية.

إن تكتم الثنائي، بري ـ جنبلاط، على التسويق لجان عبيد، لن يبقى سراً. رغم أن الثنائي المسوق، يتمتع بالحنكة السياسية، ويملك مهارات المناورة، مما جعله يبدأ بجس النبض، في انتظار استحكام عقد انتخابات الرئيس بفريقي 8 و14 آذار، ومن ثم، استسلامهما للعجز بتوفير فرص الفوز لأي من المرشحين عون وجعجع.

لكن هذا العجز لا يعني السير بانتخاب جان عبيد. فلكل من الفريقين مرشحه الاحتياطي، الذي هو بالحقيقة مرشحه الحقيقي. وإذا كان مرشح 8 آذار معروفاً، فإن العماد عون قد بكر بالكشف عن اسمه، بإعلانه أنه لن يترشح إذا ترشح سمير جعجع، هذا يؤكد أن بوصلة 8 آذار تتجه الى سليمان فرنجية، ويعزز من هذا التوجه إعلان الرئيس بشار الأسد أنه يسعى الى رئيس ممانع.

في المقابل، تبدو خيارات 14 آذار في المرشح البديل لجعجع، أكثر صعوبة. فهي تحتاج الى شخصية مارونية توازي سليمان فرنجية في تشدده ووضوح موقفه السياسي. وجدول أسمائها لا تتوافر فيه أسماء بهذه الصفات، إلا إذا قررت المضي باعتماد الحكيم.

وإذا كان ثمة من يطرح اسم أمين الجميل، فهو لا يمثل الحصان الصالح للرهان في هذا السباق الرئاسي المحموم. وإذا كان الجميل قد استولى على حصة القوات في حكومة سلام، فلن يقبل سمير جعجع باستيلائه على فرصته بالرئاسة الأولى.

وبما أن فريق 14 آذار يفتقر الى الصقور، على ضوء  انتهاجه الاعتدال، فإن فرص التخلي عن الحكيم باتت متضائلة، خصوصاً وأن الحكيم يتمتع بعلاقات قوية مع الممسكين بالملف اللبناني في المملكة السعودية.

كل ما سبق يوحي بأن الفراغ هو أقوى المرشحين الى الرئاسة… وأن جلسة مجلس النواب لانتخاب الرئيس ستفتقد النصاب، عندما يجد الفريقان المتنافسان أن مرشحيهما لا يحظيان بالأصوات المطلوبة. وعندئذ لا بد من الانتظار الى حين انتخاب الرئيس في كواليس السياستين الدولية والإقليمية… وإلى أن يتم ذلك سيبقى لبنان محكوماً بالفراغ.

صراع الاخوة الأعداء: الدوحة “حصان طروادة” اخواني في الخليج

كتب محمد بكير

هل نشهد ولادة نظام عربي جديد من رحم النظام العالمي الجديد؟  فخرائط المنطقة يعاد رسمها بخطوط عرض أميركية وخطوط طول روسية، وسط كيانات عربية مترنحة تحت تأثير “الربيع العربي” المزدهر بخلافات الأخوة والأشقاء.  لكن، ما حقيقة الدور القطري في هذه الانقسامات العربية؟

الأمير تميم والخيارات الصعبة

الأمير تميم والخيارات الصعبة

ما يجري في قطر تجاوز الحسابات كلها. فالأحاديث تتكاثر حول انفراط عقد مجلس التعاون الخليجي، مقابل قيام هيكل جديد يضم إلى الثلاثي الخليجي (السعودية والإمارات والبحرين) وحلفائه في الخليج، مصر عبد الفتاح السيسي. في المقابل، يتم رصد حركة قطرية نشطة في اتجاه الانفتاح على إيران لمواجهة أي حصار خليجي محتمل على الدوحة.

إن القرار السعودي بإدراج جماعة الإخوان المسلمين وثمانية تنظيمات أخرى، على قائمة “الجماعات الإرهابية” يعكس طبيعة الصراع القائم حالياً في المنطقة، ويربطه المراقبون بالصراع المباشرمع قطر.

ورغم تضمين “داعش” و”النصرة” و”القاعدة” وأخواتها في القرار السعودي، وذلك في سياق السياسات والمصالح الدولية والهواجس الأميركية التي تعكس قلقاً من تنامي الحيز الجغرافي لتلك الجماعات في سوريا والعراق، إلا أن الوضع يبدو مختلفاً مع الجزء المتعلق بجماعة “الإخوان المسلمين” التي لا تزال تحظى بدعم ورعاية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

هذا الدعم الغربي للاخوان، يدفع الدوحة، التي توصف بـ”العاصمة المالية” للجماعة، بأن تكون أكثر تصلباً في عدم الرضوخ  لمطالب دول الخليج الثلاث، في ظل ظهور بوادر تنسيق بين قطر وعمان للتصدي للضغوط السعودية على قرارات دول الخليج.

لا شك في أن تدخل قطر في النزاع السوري ودعمها جماعة الإخوان وتوابعها بما في ذلك حركة “حماس”، بالإضافة إلى استمرارها في التودد إلى إيران وتركيا ومساندتها الحوثيين في اليمن ومحاولة الاقتراب من “حزب الله”، كانت جميعا وراء القرار الخليجي الثلاثي بسحب السفراء من الدوحة.

ويرى المراقبون أن الإدارة السياسية في قطر أمامها خياران: إما الإذعان التام لمطالب السعودية والإمارات وغيرهما من دول المجلس، وهو ما سيكلف إدارة تميم بن حمد (33 عاما)، خسارة العلاقة مع أركان الإدارة السابقة بمن فيهم والده؛ أو المضي قدما في طريقه واستخدام حلفاء والده والخروج من مدى مجلس التعاون الخليجي.

ويرجّح الخبراء أن الأمير الشاب لن ينتهج السيناريو الأول، لكن الخيار الثاني لن يكون سهلا هو الآخر؛ ففيه يتعين على قطر التحالف مع إيران التي ترتبط معها بالفعل بعلاقات اقتصادية قوية، كما يتعين عليها الاقتراب أكثر وأكثر من سلطنة عمان التي تربطها هي الأخرى علاقة بإيران.

ويتساءل المراقبون عما إذا كانت قطر ستنضم إلى معسكر عمان؟ وقتها سيشكل ذلك مؤشرا الى نهاية مجلس التعاون وبداية تحالف جديد للقوى في منطقة الخليج.

لقد تجاوز الدور القطري حلبات الصراع البعيدة، ليقترب من حدود البيت الخليجي الداخلي. وللدور القطري أهمية خاصة في لحظة اقليمية – دولية مصيرية  كالتي تشهدها المنطقة اليوم.  فزيارة أوباما إلى الرياض لم تبدد القلق الخليجي من ابتعاد واشنطن عن حلفائها التقليديين في المنطقة، مقابل تقاربها مع ايران لابرام اتفاق نووي نهائي.  والمعارك في سوريا لا تهدأ، والمرحلة الانتقالية في مصر تتقدم مع تقدم السيسي إلى قصر الرئاسة، والتخبط الداخلي التركي يتفاقم رغم فوز حزب أردوغان في الانتخابات المحلية الأخيرة.

لقد أدرك الأمير تميم، الذي يصفه البعض بأنه “إخواني بالدم” تتلمذ على يد يوسف القرضاوي، بأن دعم الرياض سياسياً وأمنياً وماليا للقاهرة في مرحلة ما بعد مرسي، يشكل رسالة واضحة في وجه الدعم القطري لـ”الإخوان المسلمين”، ما يشكل سعياً إلى إعادة تشكيل محور الرياض ـ القاهرة.

غير أن قطر لا تزال متمسكة برهاناتها ولا تزال تنظر إلى السعودية كمنافس إقليمي لها.   لذلك فإن الكثير من الدبلوماسيين يتنبأون بزلزال سياسي على وشك أن يضرب الدوحة.

وفي رأي الخبراء أنه كان من المفترض أن يكون الشيخ تميم بن حمد آل ثاني زعيماً توافقياً وأكثر مرونة – أو هكذا اعتقد جيرانه الخليجيون عندما أصبح أصغر أمير في أغنى إمارة في الخليج في حزيران (يونيو) الماضي.  الا انه تبين لدول الخليج ان التغيير هو في الوجوه وليس في السياسيات.

كيف يفكر بوتين؟

كتب جورج مراد:

هل انتهت الحقبة الأميركية؟ التحديات كثيرة والتراجعات الأميركية تتسارع، في سوريا وإيران والقرم.  الخريطة العالمية تتغيّر، وبقع النفوذ الأميركي تتقلّص.  انخدع الأميركيون بـ”شريكهم” الروسي، وتأخروا في اكتشاف نزواته التوسعية.  فها هو الاتحاد الروسي يستعيد أمجاد الاتحاد السوفياتي، الذي وصف فلاديمير بوتين انهياره بـ”المأساة”.

 

الانكسار الأميركي الأول كان في الاتفاق النووي الايراني، الذي وضع واشنطن حول طاولة مفاوضات واحدة مع “عدوها” التقليدي إيران.  الانكسار الثاني ظهر في التراجع المفاجئ عن الضربة الأميركية ضد سوريا، وعدم الوفاء بتعهدات تسليح المعارضة التي تواجه انتكاسات عسكرية على الأرض.  الانكسار الثالث تمثّل في ضم القرم إلى الاتحاد الروسي والاجتياح العسكري الروسي الممنهج والمدروس للجزيرة الأوكرانية، دون أي رادع غربي لم يتجاوز حدود الادانات والتهديدات الكلامية.

إن المسار الانكساري للغرب أمام الكرملين بدأ منذ العام 2009، حين كان أوباما لا يخفي حرصه على انهاء الحروب المستنزفة والتطرف المقلق والانتشار النووي والانكماش الاقتصادي، عبر اعلانه “انطلاقة جديدة” للعلاقات مع روسيا حينها.

غير انه وبعد بضعة اشهر من عودة بوتين الى سدة الرئاسة قبل عامين، بدا واضحا ان “الانطلاقة الجديدة” لم تلق آذاناً صاغية في الكرملين، كما كان عليه الوضع في عهد الرئيس السابق ديمتري مدفيديف.

لقد أخطأ الغرب في الحكم على بوتين.  فرغم دعم واشنطن لبوتين في أزمة الأسلحة الكيميائية السورية والملف النووي الايراني، إلا أنها بدت عاجزة أمام ضم بوتين شبه جزيرة القرم الاوكرانية ذات الحكم الذاتي، وسكانها ذوي الاصول الروسية الى موسكو.

سياسات بوتين تبدو من وجهة نظر واشنطن غير منطقية بالنسبة لدولة تخلت عن الاشتراكية لصالح رأسمالية صاخبة ورحبت بدول العالم في العاب سوتشي، لكنها تواجه اليوم العزلة وعقوبات اقتصادية وتهديد بالطرد من مجموعة الثماني وستتحمل اضرارا اقتصادية.

غير أن بوتين يعتمد منطقا مغايرا.  يقول الخبراء أن نظرته للعالم متأثرة بالتدريب الذي تلقاه في وكالة الاستخبارات الروسية “كي.جي.بي” وحسابات الخسارة المطلقة او الربح المطلق كما في فترة الحرب الباردة.

ويتساءل الخبراء اليوم: هل تتوقف الموجة الروسية عند حدود القرم وأوكرانيا، أم أنها ستشمل استعادة الكرملين مواقعه في أوروبا الشرقية؟ في المقابل، يسأل المشككون في القوة الصاعدة لروسيا بوتين: هل لدى موسكو ما يكفي من قوى نائمة في بلدان المنظومة الاشتراكية السابقة لتوسيع حدودها الجيوسياسية؟

على أي حال، هناك حدود للقوة، فلا روسيا قادرة على التمادي في عملياتها العسكرية إلى أبعد مما وصلت إليه بدون أثمان فادحة تنال منها قبل غيرها. ولا الغرب يحتمل حربا اقتصادية مفتوحة تضر به قبل غيره.  ففي التوسع العسكري انزلاق إلى مواجهات غير مضمونة النتائج وتصعيد مع القوى الأوروبية يكلفها تراجعا موجعا في اقتصادها.

وفي العقوبات الاقتصادية أضرار فادحة متبادلة تؤكدها الأرقام الرسمية لأحجام التجارة ما بين روسيا وكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وهناك سلع استراتيجية يصعب الاستغناء عنها مثل الغاز الروسي للاتحاد الأوروبي الذي يمثل ربع احتياجاته، وبالنسبة لألمانيا فإنها تعتمد عليه بصورة شبه كاملة.

هناك حدود للقوة بتجلياتها المختلفة، المصالح الاقتصادية المشتركة تردع، وعدم القدرة على الحسم المنفرد يردع، وخشية الفوضى توقف الصراع عند حدود لا يتعداها.

لا يمكن لطرف ما أن يتصور الصراع صفرياً، يحصد فيه كل شيء أو لا يحصد شيئا على الإطلاق.

فى سباق الحسابات الهادئة والمسؤولة، تضع الحقائق خطوطها الحمراء في الفضاء السياسي والقاعدة الرئيسية حتى الآن: الكسب بالنقاط لا بالضربات القاضية وأن تظل الأزمة الأوكرانية محكومة في الأطر السياسية للتوصل إلى تسوية تضمن بدرجة ما مصالح كافة الأطراف.

في التوجه الروسي رسالة تقول: خطوة عسكرية واحدة تكفي لرسم خط أحمر في فضاء الأزمة بأن موسكو هنا ولا يملك أحد أن يتجاهل مصالحها الاستراتيجية.

لقد كانت الصراعات بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي طوال سنوات الحرب الباردة تتجنب المواجهات العسكرية المباشرة وتخوض الحروب بالوكالة، ومحاولة أن يطرح كل طرف على العالم نموذجه السياسي والاقتصادي كخيار وحيد للمستقبل. هذا العالم لم يعد موجودا الآن واستدعاء الصور القديمة أقرب إلى استشعار أن شيئا مختلفا يولد في بنية العلاقات الدولية دون أن تستبين حتى الآن قواعده.

بمعنى آخر لا الحرب الباردة عائدة إلى المعادلات الدولية لأن عصرها قد انقضى، ولا القرن الحادي والعشرين هو قرن أميركي جديد يتحكم البيت الأبيض في مصائره وحده.

هنا لا بد من الإشارة إلى أنه بعد وقت قصير من نهاية الحرب الباردة، بدأت تتحرك مراكز نفوذ جديدة على الساحة الدولية: الاتحاد الأوروبي بنزعته النسبية لبناء رؤية سياسية على شيء من الاستقلال تخص دوله، وروسيا باستعادة شيء من عافيتها الاستراتيجية والاقتصادية مع صعود رجلها القوي بوتين، والصين بقفزتها الاقتصادية الكبرى إلى مستوى منازعة الولايات المتحدة على المركز الأول، ودول أخرى فى الشرق الأسيوى كالهند والعالم اللاتيني كالبرازيل تؤكد حضورها الاقتصادي، والأوزان الاقتصادية تترجم نفسها فى النهاية بأوزان سياسية.

الشرق الأوسط

الافتراضات التي تلت الحرب الباردة وضعت مرة واحدة تحت الاختبار في الأزمة الأوكرانية. وما يتمخض عنها من نتائج ينعكس على العالم وأزماته ومن بينها أزمات الشرق الأوسط.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي فإنه منشغل بحريق فى بيته وقد تنخفض حركته الشرق أوسطية لبعض الوقت.

بالنسبة للإدارة الأميركية فإن الأزمة أربكت أولوياتها، فالملف السورى تراجع على جدول أعمالها والمنازعة مع روسيا الطموحة اتسع مداها.

لو أن روسيا نجحت بصورة ما في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في البحر الأسود، فإنها ستنظر بعناية أكبر إلى المصالح ذاتها في البحر المتوسط ويرتفع منسوب دورها في الملفين السوري والإيراني. ولو أن حضورها الاستراتيجي قد تعرض لأضرار فادحة في أوكرانيا فإنها سوف تندفع إلى الشرق الأوسط في محاولة لمنع تصدع دورها الدولي.

على الصعيد المصري، فإن موسكو مستعدة أن تمضي في علاقاتها المصرية إلى الحد الذي تتوقف القاهرة عنده.  في المقابل الأميركي، هناك الآن اتجاهان داخل الإدارة الأميركية تجاه الأوضاع المصرية الحالية. وزارة الخارجية والبنتاغون فى ناحية، ومجلس الأمن القومي الأميركي والمجموعة الملتفة حول الرئيس باراك أوباما فى ناحية أخرى.

الاتجاه الأول يميل إلى الواقعية بما يحفظ المصالح الاستراتيجية الأميركية. والاتجاه الثاني يضغط من أجل تطويع السلطة المصرية وإعادة دمج جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية.

أما بالنسبة لإسرائيل، فمصالحها مضمونة في كل الأحوال. وعلى هامش مكتسبات الأميركيين ستحصد الدولة العبرية أكثر من مليون مهاجر من أوكرانيا ليستوطنوا في أراضي الدولة الفلسطينية منعاً لأي إمكانية لحل الدولتين.

إن  روسيا اليوم ليست كروسيا الأمس. فهي واثقة من قدرتها على مواجهة التحديات والعقبات التي تعترضها لأسباب كثيرة، أبرزها:

–          استفادت روسيا من التجربتين الليبية و السورية في ما يسمى بالربيع العربي. فتدخل الناتو في الأولى ومنعه عن التدخل في الثانية عبر حق النقض في مجلس الأمن، وفشل دول الناتو في تحقيق الاستقرار في ليبيا ما بعد القذافي، عزز موقع موسكو المعارض لتوجهات الغرب، وجعلها أكثر حصانة في حماية حدائقها الخلفية في الشرق الأوسط.

–         تحتاج واشنطن لموسكو لضمان انسحاب القوات الأميركية من افغانستان نتيجة التذمر الأوروبي والضغط الشعبي الأميركي، والوعود التي قطعها أوباما على نفسه بسحب القوات الأميركية في العام 2014. وأوباما بحاجة لموسكو للاتفاق على عدة ملفات قبل سحب قواته من أفغانستان. وقد يتحول المشهد الاوكراني إلى مسرح مساومات تستخدمه واشنطن لاستعجال موسكو لإنجاز هذه التسويات.