السيناريو الأسود: مخيمات للنازحين اللبنانيين… متى وأين؟

جندي لبناني في عرسال

جندي لبناني في عرسال

كتب المحرر السياسي

توحي تشكيلتها، التي جمعت مختلف الفرقاء، أنها حكومة “إئتلافية”.  وتؤكد نتائج إجتماعاتها أنها حكومة “إختلافية”.  فباستثناء الإتفاق على استمرارها، تعجز حكومة تمام سلام عن اتخاذ أي قرارات يمكن أن توصف بالمهمة.

ليست هذه هي المشكلة، لأن اللبنانيين تعودوا على تأجيل البت في القضايا الكبيرة، كما تعودوا على المماطلة في اتخاذ القرارات التي تستدعي الاستعجال.

المشكلة لا تكمن في هذا “التجمع” الوزاري المختلف والمتخلّف عن اتخاذ الاجراءات لمواجهة الانفلات الأمني والكهربائي والمائي والاجتماعي، بل في غياب خطة لمواجهة أحداث يتوقّف عليها مصير البلاد وصيغة حكمها، وصولاً ربما إلى وحدة أرضها.

ومما يزيد الظروف تعقيداً، استمرار الفراغ الرئاسي، وتفرّد كل وزير بصلاحيات رئيس الجمهورية، حيث أن وزيراً واحداً من الـ24 يستطيع أن يعطّل استحقاقاً، ويبطل مرسوماً، ويشلّ مصلحة أو مؤسسة.

الخلاصة أن لبنان يعيش أحداثا لا يملك سلطة تنفيذية حقيقية لمعالجتها.  والأدهى أنه ينتظر أحداثاً أكبر وأكثر خطورة، فكيف يتجنبها إذا كانت حكومته منقسمة بين متورّط مباشرة مع طرف في هذه الأحداث، وبين متعاطف مع الطرف الآخر؟

والأشد إثارة للمخاوف أن لا المتورّط ولا المتعاطف في وارد التراجع عن موقفه، رغم أن الكارثة السورية بدأت بالتمدد إلى لبنان القريب منها، ومن دون أن نعد لها العدة، فيما نجد الدول البعيدة قد تجمّعت ووضعت استراتيجيتها العسكرية لمنع آثار ما يحدث في سوريا والعراق من الوصول إليها.

لا بد في البدء من ملاحظة التطور السريع للأزمة السورية.  فما بدأ في مدينة درعا القريبة من الجولان المحتل، والأقرب إلى الأردن، الذي تعصف بعلاقاته مع سوريا رياح من التوتر المخفي أحياناً والمعلن في أكثر الأحيان، تسارَعَ لينتشر كحرائق الغابات في كل سوريا، باستثناء العاصمة دمشق وبعض الساحل.

وتَسارَعَ الحدث إقليمياً، فدخل إلى جانب النظام مباشرة “حزب الله”، وبشكل غير مباشر العراق وإيران.  ودخلت إلى جانب المعارضة المسلحة دول كتركيا وقطر.  ثم ما لبثت الأحداث السورية أن استولدت تنظيمات إسلامية متطرفة، نقلت الصراع إلى العراق، لتصبح بلاد الرافدين جزءاً وثيق الصلة بالحالة السورية.  وهذا التمدد أدى إلى دخول كردستان العراق حلبة الصراع.  وكاد لبنان يسبقها عبر معركة عرسال المفتوحة.

وتسارع الحدث دولياً، فاستنفرت الولايات المتحدة حلفاءها، عندما أدركت أن مصالحها العالمية أصبحت تحت رحمة “داعش” والتنظيمات الإرهابية الأخرى.  وهكذا تشكّل التحالف الأربعيني، الذي بدأت طائراته عملياتها العسكرية في كل من سوريا والعراق.  وهو تحالف لن يستطيع تجنّب القتال البري طويلاً.

إنها إذاً شبه حرب عالمية على حدود لبنان الهشة.  وهذا يدفعنا إلى التساؤل:  كيف تتورّط أوستراليا وكندا في الحرب السورية – العراقية، وهما في أقصى العالم، وكيف يمكن للبنان أن ينجو إذا كانت أقدام التطرف قد توغّلت في أراضيه، ويد النظام السوري المتشابكة مع أيادي إيران و”حزب الله” موجودة بشكل طبيعي داخل النسيج اللبناني وفي مؤسساته الرسمية كافة؟

لبنان سينجرّ إلى شبه الحرب العالمية هذه، شاء من شاء وأبى من أبى.  فهذه حرب أُعدت لتكون طويلة باعتراف من خطط لها وأعلنها.  وهذا يعني أنها إذا تأخرت اليوم فساعتها آتية لا ريب فيها، خصوصاً وأن ثمة من يستدعيها ويستعجلها.

يبقى السؤال الذي يقلق اللبنانيين:  هل ثمة أمل في تجنب الكارثة؟

من يستمع إلى تصريحات المسؤولين، يستطيع أن يطمئن إلى نجاة لبنان.  لكن من يرى الواقع، يدرك أن التورّط اللبناني بدأ منذ فترة طويلة، وأن براميل البارود المنتشرة في البقاع والشمال على أهبة الانفجار.

إن غياب فرص الحل السياسي لأحداث المنطقة، أدى إلى تصاعد العمليات العسكرية.  وإذا كانت هذه العمليات قد ألغت الحدود بين دولتين كبيرتين في المنطقة، أي سوريا والعراق، وذلك عبر إعلان “داعش” لـ”دولة الإسلام” من الموصل إلى الرقة، فإن الحدود اللبنانية لن تكون مصانة.  وهي قد تعرّضت، وستتعرّض إلى مزيد من محاولات التنظيمات الإرهابية المتطرفة لجعلها مكمّلة لساحة “جهادها” الذي تدّعيه.  وما يحصل على الحدود لن يبقى بعيداً عن باقي المناطق اللبنانية.

إذاً، ماذا ينتظر زعماء الطوائف والأحزاب والكتل النيابية للاتفاق على خطة تحمي لبنان من الوقوع في المحنة السورية؟

لا بد من اتفاق لبناني يتجرّع فيه كل الفرقاء سم التنازلات، قبل أن يفرض عليهم تجرّع سم الفتنة الكبرى … وعندئذ لن نبحث عن إقامة مخيمات للنازحين السوريين، لأننا سنكون مشغولين في البحث عن مخيمات للنازحين اللبنانيين.  ولكن متى وأين؟

الجواب عند القيادات المستهترة بالواقع المحلي والإقليمي والدولي.

Advertisements

لبنان الممزق: الجيش يخوض معركة سياسية بين “الممانعة” و”الامتناع”

كتب المحرر السياسي:

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ملالة للجيش اللبنانيفي جرود عرسال

ليس الفراغ الرئاسي سبباً وحيداً لظاهرة انهيار الدولة في لبنان، فالأسباب المختلفة تتوالد بسرعة أفقدت، ما تبقى من مؤسسات، القدرة على المعالجة الجدية.

مجموعة من العقد والأزمات تتراكم فوقها عقد وأزمات جديدة. وعند التدقيق تتساوى جميعها باحتلال مرتبة الأولويات. فعقدة عرسال مثلاً، لا تقل أهمية عن أزمة الفراغ الدستوري. وأزمة الفراغ شديدة الارتباط بالأزمة السورية.

وأخطار داعش لم تلغِ خطر عدم إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وعدم إقرارها نتجت عنه فضيحة إفادات الثانوية العامة.

وخطف الجنود وأفراد من قوى الأمن، لم يهز معنويات الجيش فقط، بل يهدد بالانسحاب على القضاء، عبر مساعي مبادلة المخطوفين بقيادات من المتطرفين المسجونين في سجن رومية. والإفراج عن المتطرفين لن يفرج عن الاستقرار الأمني المهدد، باعتراف الدولة نفسها، بخلايا داعش وأخواتها النائمة شكلاً والمستيقظة فعلاً.

وكل هذه العقد تتضاءل أمام عقدة العطش التي تهدد اللبنانيين، في دولة لا تعرف سياسة درء الأخطار قبل وقوعها، ولا بعد وقوعها.

ولا تغيب أزمة ألف مياوم في اختلاق أزمة التعتيم الكهربائي، الذي بات يكلف المواطن أكثر من نصف دخله ثمناً لتشغيل المولدات الكهربائية تحاشياً لتلف الأغذية، والغرق في بحر من العرق، بسبب الحر الشديد والرطوبة الأشد.

يضاف الى كل هذه الأزمات الأمنية والاجتماعية، الغلاء المتصاعد في أسعار السلع، وهو أمر لا يستطيع المواطن تحمله، ولا قدرة للدولة على مواجهته والحد منه.

المصالحات المستحيلة

الى جانب كل هذه العقد والأزمات المستعصية يعيش لبنان عقداً وأزمات سياسية أشد استعصاءً. فالمصالحات بين الفرقاء لم تزل محصورة بشكليات يقوم بها النائب وليد جنبلاط، وما زال المتصالحون معه، (حزب الله وعون وفرنجية)، يعتبرونها شكلية ولا يأخذونها على محمل الجد. أما المصالحات المجدية فهي تنتظر مصالحات إقليمية، من المؤكد أنها بعيدة المنال. فمصالحة «تيار المستقبل» و«حزب الله» تحتاج الى علاقات بين السعودية وإيران ما تزال عالقة في حرب حكومة اليمن مع الحوثيين، وفي الحراك الشيعي في البحرين، وفي الهيمنة الإيرانية على العراق، وفي التداخل والتدخل في الأزمة السورية الحادة والممتدة في المجهول.

وعندما تغيب هذه المصالحة، التي بمقدورها وحدها كسر حدة الخلافات السياسية والمذهبية في لبنان، تصبح الاستحقاقات الدستورية، ما مضى منها، أي انتخاب الرئيس، وما هو آت، أي الانتخابات النيابية، مجرَّد استمرار في تعطيل الدستور وضرب أسس الديمقراطية في بلد يدعي دائماً أنه الديمقراطي الأول في منطقة امتلأت بالديمقراطيات المشبوهة والمشوَّهة.

الجيش أولاً

في خضم هذه التراكمات غير القابلة للعلاج، يبرز موضوع الجيش كمؤسسة حية بين مؤسسات تحتضر، وتنتظر ما هو أكبر من الفوضى ليجري دفنها.

لا شك في أن اختطاف مجموعة من أفراد الجيش وقوى الأمن الداخلي، شكل عبئاً على معنويات الحارس الأخير للوطن. ويبدو أن هذه القضية تتجه الى التصعيد الأعمى وسط تسليم بمبادلة بين المخطوفين والمتطرفين، وبين رفض للمبادلة، وحتى لمبدأ التفاوض تحت ذريعة الحفاظ على هيبة الدولة… حتى ولو كان ذلك على حساب هيبة الجيش الذي حشر في زاوية الانقسام السياسي حول هذا الموضوع الشديد الحساسية. إذ أن توالي عملية ذبح المخطوفين العسكريين، لن تهتز بسببه هيبة الجيش بل ستهتز معها معنويات الجنود والضباط الذين وجدوا أن الدولة وقواها السياسية لم تفعل شيئاً لرفع سكين الجزار الداعشي من فوق رقاب رفاقهم.

وكذلك يقع الجيش مرة أخرى أمام القرار السياسي المنقسم على نفسه، فلا هو قادر على ترك عناصره للذبح البشع، ولا هو مسموح له الدخول في مغامرة عمليات عسكرية لإنقاذ رفاق السلاح، نظراً لما قد تحمله هذه العمليات من تطورات وتورطات في الأزمة السورية.

وهكذا تكون الدولة قد وضعت أهم مؤسساتها تحت خيار مقصلة الذبح الداعشي أو العجز الحكومي.

وسط هذه المخاطر لا يجد الجيش إلا طبقة من «المطربين» الذين يغنون له الأناشيد الحماسية، في حين أن طبقة السياسيين لا تنسى، وهي تدفعه الى المأزق الكبير، من الاشادة به وبقياداته، من دون أن تتوقف عن تشييد الأفخاخ المتفجرة في طريقه.

في ضوء هذا المأزق اللبناني الأكبر يبرز دور الرئيس سعد الحريري في توفير الدعمين المالي والتسليحي عبر مساعيه السعودية والروسية. لكن ماذا تفيد الإمكانات، إذا كان جيشنا المتمكن، معطل بالخلاف السياسي حول دوره، حيث منهم من يريده «ممانعاً»… ومنهم من يريده «ممتنعاً».

التكاذب الديمقراطي

المشكلة في أزماتنا المتراكمة والمعقدة، كثرة الوصفات الدوائية التي يقدمها السياسيون لشفاء لبنان منها. والمصيبة الفاضحة أن أصحاب هذه الوصفات هم أنفسهم من يمتنع عن تناول هذه الأدوية.

آخر دواء لفك الاستعصاء الرئيسي في البلاد، أي انتخاب الرئيس، كان في مبادرة 14 آذار، التي تقضي بالتخلي عن عون وجعجع، كمرشحين استفزازيين، وبالتالي البحث عن مرشحين آخرين ينتمون الى الاعتدال، أو الى ما يمكن وصفه بالمنحاز المعتدل، سواء كان الانحياز الى «8 آذار»، أو كان لـ«14 آذار».

لكن هذا الدواء سرعان ما سحب من الصيدليات السياسية بقرار من التيار الوطني الحر، وبذلك وجد اللبنانيون أنفسهم أمام معاناة يصح فيها القول: «فالج لا تعالج».

والخوف، كل الخوف، من أن تكون نهاية تراكم مثل هذا الكم من الأزمات، وقوع الانفجار الأكبر الذي يجعل اللبنانيين ينسون انتخاب الرئيس والنواب، وينسون كذلك المخطوفين وسلسلة الرتب والرواتب وانقطاع الكهرباء وشح الماء… ويكتفون فقط في البحث عن ملجأ آمن.

من الموصل إلى عرسال: لبنان على خريطة “داعش”

دبابة للجيش اللبناني في عرسال

دبابة للجيش اللبناني في عرسال

كتب المحرر السياسي

وحدها «الخلافات» السياسية مستقرة في لبنان، فلا هي تتجه نحو الحل، ولا هي تتجه الى التصعيد. أما باقي الأمور فإنها تتحرك سلباً نحو التفاقم والتعقيد. فلا الاقتصاد بمنأى عن الانهيار، ولا مالية الدولة قادرة على التوازن، ولا الشعار المذهبي يصب في التهدئة، ولا سعير النار السورية قابل للانحسار عن لبنان، ولا الأمن بمقدوره أن يسد ثغرات التفجير المتنقل بين المناطق.

وإذا كانت الخلافات السياسية مستقرة عند الخط الأحمر، حيث لا يجرؤ أحد على تجاوزه، تجنباً للانفجار الكبير، فإن ثمة تراجعات في المواقف السياسية برزت مع مفاجأة اقتحام تنظيمات التطرف الإسلامي بلدة عرسال وجرودها.

ولعل أبرز هذه المتغيرات تراجع وليد جنبلاط عن إدانة تدخل حزب الله في سوريا، ووصولاً الى دفاعه عن مشاركته في القتال الى جانب قوات المالكي في العراق.

ويرى المراقبون أن هذا التراجع ينذر بقلب التوازنات السياسية، وبالتالي، يهدد بدخول «الخلافات» مرحلة جديدة من الاهتزازات، حتى لو تجاوزت الخط الأحمر، الذي كان يبدو أن فرقاء الصراع قد التزموا الوقوف عنده.

فها هو وليد جنبلاط يحرك المياه الراكدة سياسياً، ويدفعها مجدداً إلى التلاطم؟ حيث يبدو أنه سيغادر موقعه «الوسطي» شيئاً فشيئاً، مقترباً من التحالف مع حزب الله… ومتقرباً من سوريا إذا ما توافرت في دمشق فرصة الصفح مرة أخرى.

وهو، وفق معلومات تنقلها مصادره، يقوم باستعادة العلاقات المقطوعة مع شخصيات من قدامى حزبه، والذين ما زالت تربطهم علاقات معقولة مع دمشق، في محاولة لمد الجسور مرة أخرى مع الرئيس السوري بشار الأسد، أو على الأقل، مع رجاله الأساسيين.

وهو من خلال حرصه على «العودة الرابعة» إلى دمشق، أزال الحاجز الرئيسي الذي بقي يعوق طريقه الى المصنع، فزار «الرابية» فجأة في مصالحة غير متوقعة مع الجنرال ميشال عون. وهذا حدث سياسي مهم قد يؤدي الى فتح الطريق البرتقالي الى بعبدا إذا ما تمت صفقة قلب الطاولة.

صحيح أن استدارة جنبلاط السياسية لم تكتمل بعد، إلا أنه مستمر باستكمالها، خصوصاً بعد أن قطع الآمال نهائياً ببناء علاقات الحد الأدنى مع السعودية، وبعد أن تبين له في آخر لقاء مع الرئيس سعد الدين الحريري في باريس، أن العلاقة الشخصية الجيدة، لم تنجح في الوصول الى اتفاقات سياسية في المسائل اللبنانية، وتحديداً في ما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية.

ومن الواضح أن أحداث عرسال وما كشفته من مخاطر مقبلة، قد أسهمت بدورها، في الدوران الجنبلاطي الجديد. فالقيادي «الدرزي» أحس بأن الهجمة الارهابية على عرسال، هي بداية لهجمات قد تخرج من ثقوب لبنانية في داخلها أعداد من الخلايا، التي يبدو أنها ستبدأ الاستيقاظ من نومها. وقد وصل به الاحساس بالمخاطر المحدقة بلبنان، الى حد التكهن بانقراض الدروز والمسيحيين!!

لا شك في أن المبالغة في التكهنات الجنبلاطية، هي مقصودة، وتصب في سياق تبرير النقلة الجنبلاطية الأخيرة.

وأحداث عرسال، لم تكن السبب الرئيسي في استدارة وليد جنبلاط، فزعيم المختارة سبقها الى لقاء السيد حسن نصر الله فاتحاً صفحات جديدة من المواقف الجديدة المبررة للتدخل العسكري في سوريا، حتى ولو ظهر التبرير مربكاً ولا يتصف بالحسم.

لقد فاجأت عرسال الجميع. لكنها مفاجأة جمعت اللبنانيين حول جيشهم. ودفعت بتيار المستقبل الى وضع نقاطه الوطنية على حروف الحالة السنية، التي لا ينكر بعض رجالاتها، على قلتهم، تعاطفهم مع هجمة داعش والنصرة على هذه البلدة اللبنانية النائية، التي قدمت الكثير للنازحين السوريين.

وأحداث عرسال، على خطورتها وبشاعتها، وكلفتها الدموية العالية، شكلت فرصة للرئيس سعد الحريري لتأكيد التزامه بالاسلام المعتدل، ولنفي، ما اتهم به من مساندة للإرهابيين والمتشدين السنة، بشكل حاسم ونهائي.

أما حزب الله فقد وجد في هذه الأحداث من يحمل عنه عبء مواجهة المتشددين مسلماً أمرهم للجيش اللبناني، ووقف بعيداً مراقباً للمشهد، مبعداً عن نفسه تداعيات التدخل المباشر في صراع يأخذ، بشكل ما، الطابع المذهبي.

يبقى السؤال:

هل يكفي انتصار الجيش في معركة عرسال، لاعتباره انتصاراً على تمدد الحرب السورية الى لبنان؟.

لا يبدو الأمر بهذه السهولة. فتراجع داعش والنصرة أمام ردع الجيش اللبناني وقوة نيرانه وشجاعة رجاله، لا يعني أبداً أن التنظيمين الإرهابيين قد تراجعا عن حرب الكر والفر. فمن الواضح أنهما اتخذا قرار التورط في لبنان، ومن ثم، توريط لبنان في مسار حربهما السورية.

وما يتعرض له لبنان، وما يقوم به الجيش اللبناني، لا يمكن مقارنته في أحداث نهر البارد الدموية. فتلك الأحداث كانت تجري داخل مربع جغرافي صغير تمت محاصرته بسهولة، وما كان المسيطرون على المخيم سوى قلة معزولة، ترتبط بها قلة قليلة من الأنصار في مخيم عين الحلوة. أما اليوم فالمعركة أكثر تعقيداً. فالقوى التي تواجه الجيش اللبناني يتمدد أنصارها في البقاع والشمال وفي بيروت وصيدا، حيث لا يمكن للأجهزة الأمنية اكتشاف نفوذ داعش والنصرة داخل مخيمات النازحين السوريين المنتشرة في طول لبنان وعرضه. يضاف الى هؤلاء قوى مسلحة لبنانية، لم تتردد في إعلان تأييدها للتنظيمين الإرهابيين في كل من طرابلس وعكار.

لا بد من أن تدرك القيادات اللبنانية ان الخطر لا يقف عند أبواب لبنان، فهو قد اقتحمها فعلاً. ولن نصل الى الانتصار عليه بالتغني بالجيش وإلقاء بيانات التأييد.

إن معركة قد تكون متداخلة في أغلب المناطق اللبنانية، تحتاج الى مؤسسات متكاملة وقوية. وهذا يستدعي من المعطلين لنصاب انتخاب الرئيس أن يتوقفوا عن الاستهتار بالفراغ. وهذا يستدعي أيضاً أن نكف عن استدعاء الأزمة السورية بالتورط فيها، وبفتح الحدود منها وإليها.

التمديد الثاني: ضرورات «البرلمان» تبيح محظورات الدستور

ساعة التمديد تدق في ساحة النجمة

ساعة التمديد تدق في ساحة النجمة

الأربعة ملايين مواطن لبناني، في طريقهم الى مشاركة المليون والنصف مليون نازح سوري، في شتى أنواع الظروف المعيشية القاسية. فجميع القاطنين على أرض «سويسرا الشرق» مهدد بالعتمة والعطش والعجز عن ولوج أبواب المستشفيات، إلا من استطاع إليها سبيلا.

إنه الفراغ الذي يتنقل بلا رادع من المؤسسات الدستورية، الى مستلزمات الحياة اليومية.

ما حصل، وما في طريقه الى الحصول، ليس من باب التهويل، ولا يرتبط إطلاقاً بالمخيلة التشاؤمية، التي تفرض نفسها على كل لبناني مهما كان متفائلاً.

ما حصل واقع، وما سيحصل نتيجة.

في المؤسسات، لا داعي للتذكير بأن الفراغ المتعمد في رئاسة الجمهورية سيؤدي الى شبه فراغ في مجلس الوزراء. إذ يكفي أن يمتنع واحد من أصل24 صاحب فخامة عن توقيع أي مرسوم ليتحول الى مصنف في أرشيف مجلس الوزراء. خصوصاً وأن الـ24 صاحب فخامة لا يساومون على مصالحهم الحزبية. وخصوصاً أنهم ينتمون الى أحزاب شتى لا تلتقي إلا على أمر واحد هو عدم الاستقالة من الحكومة. لأن الجميع يدرك بأن الاستقالة تعني خراب البصرة.

والفراغ القائم في الرئاسة، وشبه الفراغ القائم في مجلس الوزراء، سيؤدي الى فراغ كامل في مجلس النواب، عندما يحين الاختيار بين شرين: التمديد أو الانتخاب.

التمديد في حد ذاته تكرار لمخالفة الدستور. ومع ذلك فثمة استحالة في إقراره لأسباب عدة. فهو أولاً يحتاج الى دورة عادية، وإلى إحالة من الرئيس الغائب، أو نوابه الأربع والعشرين وزيراً لا ينقصون واحداً، فكيف إذا كانوا وزراء عون الثلاثة وما قد يضاف إليهم من وزراء يرون أن حل الأزمة الدستورية في البلاد تحتاج الى مجلس نيابي جديد، يضم كتلاً نيابية جديدة بالحجم.

أما الانتخاب فإنه يواجه عُقداً أكثر تعقيداً من التمديد الصعب، وربما المستحيل. فبين أصحاب الفخامة الأربع وعشرين وزيراً عدد لا يستهان به من الوزراء لا يناسب مرجعياته إجراء الانتخابات وفق قانون الستين النافذ. بعد أن تأكد العجز النيابي التام عن سن قانون جديد… وهكذا لا يبقى في الميدان غير حديدان، الذي سينط في صناديق الاقتراع إذا قبل النجارون الكبار بتنجير الصناديق والقبول بخوازيق نتائج «قانون الستين» التي تتخوف قوى 8 آذار من مفاجآتها، هذه المواقف ستؤدي طبعاً الى عدم توافق مجلس الوزراء على اصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، وبالتالي، استحالة إجراء الانتخابات النيابية.

إذاً، وفق النصوص الدستورية، لا تمديد ولا انتخابات.

لكن الرئيس نبيه بري لن يستسلم للعقد الدستورية، ولن يقبل أن يكون مصير قصر عين التينة كمصير قصر بعبدا. وقد يلجأ لإنقاذ مملكته من الانهيار، الى قاعدة «الظروف القاهرة»، التي من خلالها يمكنه إيجاد أكثر من طريقة للتمديد، تحت شعار «الضرورات تبيح المحظورات». فغالباً ما كان الدستور «يغني على ليلى» الأستاذ.

وسط ضياع المؤسسات، وفي ظل تخبط دستوري غير مسبوق. يضيف العماد عون خبطة دستورية تنحرف بأزمات لبنان الحقيقية الى أزمة وهمية، رغم أنها تؤدي الى حل كل الأزمات. فقد دعا رئيس التيار الوطني الحر الى انتخاب الرئيس على مرحلتين، الأولى طائفية محصورة بالمسيحيين تتم فيها التصفية على مرشحين اثنين للرئاسة، يدخلان سباق المرحلة الثانية على مستوى الوطن.

رغم أن المبادرة البرتقالية ماتت في مهدها، لأن فكرتها تقلب الكيان اللبناني وميثاقه وطائفه ودستوره. إلا أن دلالاتها مهمة. فهي تشير الى أن عون وصل الى قناعة بأن وصوله الى الرئاسة بات مستحيلاً بعد أن فشل في جذب أصوات تيار المستقبل، ولأنه متمسك بحلمه الرئاسي ألقى بمبادرة انتخاب المرحلتين معتبراً أن قوته المسيحية تتضمن وصوله مع نده سمير جعجع الى المرحلة الثانية، التي يضمنها من خلال حصوله على ما يشبه الاجماع في الصوت الشيعي يضاف إليه رصيده المسيحي وما يفر من أصوات سنية من قبضة الرئيس الحريري، وأصوات درزية من قبضة وليد جنبلاط.

إلا أن ثقل الحجر الذي رماه العماد سرعان ما استقر في مياه الانتخابات الراكدة، ليعود الفراغ سيد الموقف ولأجل غير معلوم.

في هذه الأجواء الغارقة في الأوجاع الشعبية وعدم إكتراث الطاقم السياسي، يكون لبنان مقبلاً على أيام سوداء انقطع فيها الحوار بين القيادات، وتنقطع فيها الكهرباء وتهدد بالمزيد، وينقطع فيها الماء عن اللبنانيين… مع بروز خطر أن تنقطع فيها الرواتب عن الموظفين، مع احتمال أن ينقطع حيل الأمن في مواجهة الإرهابيين.

ولن ينقذ السياحة في لبنان تصريح لوزير الداخلية عن صحوة الأمن. ولن ينقذ اللبناني من الحاجة إمتلاء صناديق المصارف بالودائع. ولن تنقذ خزينة الدولة سلسلة من الضرائب الإضافية، وبالذات «المضافة» منها.

لكن ليبقى لبنان مدى الأزمان، كما يقول نشيده الوطني، عليه أن يعتمد على نشيد فيروز «بلكي بيصحى الضمير»… والضمير هنا عائد لأهل السياسة وزعماء الطوائف، الذين تشكو ضمائرهم من «ثقل النوم»، والتي لم توقظها إلى الآن لا أحزمة داعش الناسفة، ولا سيارات القاعدة المفخخة.

الاستحقاق النيابي: الفراغ الثاني

ميشال سليمان وعقيلته لدى خروجهما من قصر بعبدا

ميشال سليمان وعقيلته لدى خروجهما من قصر بعبدا

كتب المحرر  السياسي:

كان ما  خفنا  أن يكون… وبدأ حكم الفراغ.

الجميع يتبرأ منه، بما في ذلك الذين، سعوا إليه وعملوا على تنصيبه الى أجل غير مسمى.

والظريف في زمن الكآبة اللبنانية، أن يتداول بعض اللبنانيين النكتة الديمقراطية، التي تقول أن من حضر جلسة مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية هو الذي عطّل الاستحقاق الرئاسي، وأن من قاطع الجلسة وامتنع عن حضورها مطيّراً نصابها هو من حاول منع الفراغ من الوصول الى قصر بعبدا!!.

ليس المهم ما تقوله النكتة الدستورية الغبية، التي تستغبي اللبنانيين، المهم أننا دخلنا حكم الفراغ، وبات على لبنان أن ينتظر تداعياته.

التداعيات المنتظرة لن  تكترث بمواقف فريق الثامن من آذار، التي تخفف من آثاره وتعتبره أمراً عادياً سبق للبنان أن عاشه أكثر من مرة.

ولم  يتذكر هذا الفريق أن سابقتي الفراغ، ما بعد رئاسة أمين الجميل، وما بعد رئاسة اميل لحود، تمتا في وضع أمني متفجر. ولم يتذكر هذا الفريق أيضاً أن الوضع الاقليمي والدولي، كان قائماً على علاقات طيبة لا يعكرها “الربيع العربي”، الذي ما كانت أعاصيره قد هبت بعد، ولا الملف النووي الايراني، الذي ما كان قد فتح أبوابه لخلافات دولية حادة.

في سابقة الفراغ الأولى، تمكن التوافق الدولي والاقليمي من عقد مؤتمر الطائف للانقضاض على الفراغ وانتخاب رينيه معوض، ومن بعد اغتياله، انتخاب الياس الهراوي رئيساً للجمهورية اللبنانية.

وفي سابقة الفراغ الثانية، أسهم التوافق الدولي والاقليمي، مرة أخرى، في الانقضاض على الفراغ بانعقاد مؤتمر الدوحة وانتخاب الرئيس ميشال سليمان.

أما الفراغ الأخير الذي حلّ بلبنان، فقد حلّ في أجواء اقليمية مشتعلة، وفي  ظل خلافات دولية معقدة، مما سيجعل فراغ ما بعد الرئيس سليمان، ضيفاً ثقيلاً منذراً بحرائق داخلية، لن تجد اطفائياً دولياً أو اقليمياً يمد خراطيمه لاخمادها.

أما التذرع بأن الفراغ غير موجود، طالما أن هناك مجلساً وزارياً يتولى صلاحيات الرئيس، فهذا تذرع يحمل في حد ذاته المخاطر التي يخاف اللبنانيون من وقوعها آجلاً… وربما عاجلاً.

إن وجود 24 صاحب فخامة، يشكلون فريقاً رئاسياً حاكماً، يعني أن توقيعهم الجماعي على المراسيم لن  يتم إلا في أتفه المراسيم. أما الأمور الكبرى فعليها انتظار عودة الأصل، وهي عودة بعيدة ما دام حل أزمات المنطقة بعيداً… وبعيداً جداً.

ولا تقف تداعيات الفراغ عند عقدة تسيير الأعمال، وما تسمح “النكايات المتبادلة” من تمرير بعضها من دون البعض الآخر. فأول التداعيات السلبية هو انسحاب الفراغ على السلطة التشريعية التي قرر المسيحيون مقاطعتها طالما أن الطريق النيابي الى انتخاب الرئيس مقطوعة بدورها.

وثاني التداعيات ينتج عن أولها، أي تعطيل تشريع سلسلة الرتب والرواتب، مما يعني أن خطراً كبيراً آخر سيطل برأسه الصلب لينطح، وبالتالي، يطيح بمصير عدة أجيال من الطلبة باضراب المعلمين وامتناعهم عن التصحيح. والشق الثاني من خطر العجز التشريعي، سيطاول الدولة برمتها إذا ما أصرّت هيئة التنسيق على الاضراب المفتوح لموظفي الدولة.

إذا تمّ هذا، فما نفع الحكومة سواء حمل أعضاؤها لقب أصحاب المعالي، أو لقب أصحاب الفخامة؟.

ما نفع الوزراء وجلساتهم وقراراتهم، إذا كانت الدوائر مقفلة. لا معاملات، لا دفع فواتير، لا تحصيلات رسوم وغرامات وضرائب، بما فيها ضريبة القيمة المضافة. أي لا مداخيل تستطيع الدولة جبايتها، ولا معاملة لمواطن يمكن انجازها.

إذاً، الفراغ يكتسح البلد انطلاقاً من رئاسة الجمهورية، مروراً بمجلس النواب، عبوراً الى أجهزة الدولة.

سابقاً كان الانهيار الأمني يقود الى الفراغ. لكن ما نخشاه اليوم، هو أن يقودنا الفراغ الى الانهيار الأمني. وهذا هو السياق الطبيعي لواقع الاستعصاءات المتحكمة بكل أدوات الحكم ومصالح الناس.

والسؤال المنطقي في وضع كهذا يوجه الى الفرقاء الذين بيدهم اشعال فتيل الانفجار الأمني.

هل ستتركون فرصة التبرؤ من الفراغ وتداعياته تمر من دون استغلالها الى حد التمرد على الاستقرار كي لا يتحول غضب الجماهير الى غضب على هذا الفريق أو ذاك؟.

ألا يستدعي هذا الوضع المتأزم الخروج الى الشارع، نزولاً عند رغبة الجماهير، حتى ولو أدى هذا النزول الى احتكاكات… فمواجهات لن تجد من يلجمها؟.

من خلال هذا المصير الآتي، لا يعود “الفراغ” لعبة ديمقراطية، كما يزعم أنصاره، إنه لعبة الخراب الكبير.

إن فشل مجلس النواب في انجاز استحقاق الرئاسة، لن يكون العجز  الكارثي الوحيد، فها هو يواجه عجزاً إضافياً كبيراً يتمثل بقانون الانتخابات النيابية الذي لم يبق لتشريعه سوى أقل من ثلاثة أشهر، يستحيل  خلالها الوصول الى صيغة مقبولة، كان النواب قد عجزوا عن الوصول إليها خلال خمس سنوات مضت، وفي ظروف كانت أقل تشنجاً وانقساماً.

إن الاستحقاق النيابي، هو بالتأكيد، أكثر تعقيداً من الاستحقاق الرئاسي، حيث المصالح هنا مباشرة بين فريقي 8 و14 آذار. وحيث الوصول إلى أكثرية نيابية لهذا الفريق أو  ذاك، يعني الوصول الى رئيس للبلاد قد لا يقبله الآخر. ويعني تشكيل حكومات قد تقصي الآخر.

هنا يصبح الصراع محتدماً ولا يحتمل الصبر أو التأجيل. ولا يستبعد لجوء الفريق المتضرر من فرض قانون الستين الى افتعال المشاكل الأمنية التي تعطل الانتخابات نفسها. إلا إذا لجأ فقهاء خرق الدستور الى اقرار التمديد الثاني لمجلس يجمع بين الضرورة والضرر. وفي هذه الحالة يكون لبنان قد دخل في غيبوبة دستورية ومؤسساتية ومعيشية.

وعندئذٍ نعود إلى ما بدأنا مع اضافة واقعية: كان ما خفنا أن يكون… إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

جبيل: “سويسرا الشرق” تعود إلى لبنان مجدداً

IMG_1594كتبت رنا وهبي:

ليس غريبا أن تفوز جبيل بجوائز أفضل المدن السياحية في العالم.  فسحرها وتاريخها وحضارتها كافية لنيلها أخيراً جائزة “بوم دور 2014” العالمية وتصنيفها كأفضل مدينة سياحية عربية للعام الحالي.

قبل 30 عاماً أدرجت جبيل على لائحة التراث العالمي. واليوم، تحافظ جبيل على قبلتها السياحية، مرتكزة على حجارتها المقدّسة وأزقتها المتقابلة على ضفاف الإنسانية.

إنها مدينة تستعيد زمن الأساطير. تحيا من جديد، بعد تعاقب الغزوات عليها، وترسو في نهاية المطاف على ميناء لبنانيتها. مدينة تتكلم عن نفسها، تكاد تنطق أحجارها العالقة في الزمان، تقرأ في دفاتر الماضي، تشهد عليها صدى  حضارات تتردد  على طول ساحلها.

تسكن بيبلوس الوعي الإنساني والحضاري، منذ أن سكنها الإنسان القديم على إمتداد آلاف السنين، حيث كانت محط القوافل وحركة السفن في تجارة البحر الأبيض المتوسط، وتستحوذ على نصيب وافر من خارطة التجارة العالمية في العصور القديمة، وفق ما تؤكده الوثائق التاريخية والنقوش الحجرية في آثارها.

موقع جبيل التاريخي والجغرافي، حوّلها إلى همزة وصل، وأرض تلاقي لحضارات قديمة من بلاد الروم والأغريق والفرس والمصريين الفراعنة. مدينة ملهمة، شكلت مصدرا غنياً لعلماء الآثار والتاريخ، الذين اكتشفوا معالمها الأثرية، التي أفضت إلى كنوز أثرية يونانية ورومانية وبيزنطية وفينيقية.

شعوب العالم لا تزال تقصد مدينة جبيل، حيث يزورها نحو 700 ألف سائح سنوياً معظمهم من الأوروبيين.

جبيل مدينة تدلل زائريها، تحملهم على راحتيها. لا يشعر المتجول داخلها لساعات طويلة بالتعب، وكأن التاريخ يغازل نسيمها ويلفح وجوه ضيوفها، بعظمة ماضيها وحاضرها. مدينة تُبهر سائحا بكنوزها الأثرية وتجددها الدائم و حفاظها على رقي تاريخها العريق وأصالتها، بفضل الدعم والعمل الإنمائي الدؤوب الذي تقوم به بلديتها والمؤسسات الإدارية القيمة عليها.

من مرفأ جبيل الى السوق القديم ومعبد الأنصاب والمدافن الملكية والمسرح الروماني وبقايا سور المدينة الى القلعة البحرية والقلعة الصليبة والقلعة الفارسية، تبدو المدينة وكأنها في متحف مفتوح عابر للطوائف، يدل على قدم الإنصهار والتعايش المسيحي الإسلامي. تحف تاريخية بينها آثار دينية لستة كنائس: كنيسة القديس يوحنا مرقس، كنيسة سيدة النجاة، كنيسة مار تقلا، كنيسة البوابة، سيدة الميسة وسيدة الأم الفقيرة، فضلاً عن  كنيسة أثرية شرق جبيل، بناها الصليبييون وهي كنيسة مار سمعان العامودي، في وسطها عامود مرمري يرجح أن أحد الرهبان عاش عليه بدليل القبة التي تبرز ذلك.  وفيها مسجدان: مسجد السلطان عبد المجيد وهو مسجد تاريخي شيـّد في العهد الأيوبي على أنقاض مسجد بني في عهد الخلفاء الراشدين ثم أعيد ترميمه في عهد العثمانيين. ومسجد السلطان بن أدهم.

توضع جبيل في مصاف المدن النموذجية، لريادتها في ترسيخ الوحدة الوطنية والتعايش بين مسحيي و مسلمي لبنان، بفضل وعي المرجعيات الدينية المسيحية والإسلامية القّيمة عليها، حيث ظلّت رغم الظروف الحرجة، متماسكة ومترفعة عن أي صوت يعلو فوق صوت التعايش. ثقافة العيش المشترك والقبول بالآخر، إنطبعت في أبناء المدينة منذ الصغر، ولايزالون يحافظون على تراث الإنفتاح الديني فيما بينهم.

الى جوار الأماكن الأثرية، تزدحم جبيل بمطاعم ومقاه وحانات سهر تحافظ على طابع الصياديين، بديكور وتنظيم أنيق يشبه بيوت الصيادين، يميّزها عن مطاعم لبنان. السوق القديم مخصص للمشاة، حيث تمتد مقاعد المقاهي في الهواء الطلق، تحت أشعة الشمس الدافئة، تصدح فيها أنغام الموسيقى العذبة. وتقدم هذه المطاعم أطباق متنوعة من الأسماك والمأكولات البحرية التي إشتهرت جبيل بصيدها، فأصبح السؤال عن تذوق أسماكها ملازماً لأي زائر للبنان.

إضافة الى ما تملكه هذه المدينة الفاتنة من آثار وحياة تجذب كل سائح، تكثر في جبيل منتجعات سياحية لقضاء أجمل أيام العطل لمحبي البحر والإستجمام على شواطىء ذهبية، كونها تتميز بمناخها الأوسطي المشمس على فترات عدة من السنة حيث الصيف الحار والربيع المشمس والخريف القصير.

ولا بدّ للسائح أن يقوم برحلة على متن المراكب البحرية، للتعرف على المعالم البحرية للمنطقة. كما تستضيف المدينة خلال فصل الصيف مهرجانات عديدة عالمية تقام على سورها ومرفأها القديم.

 

أبرز الإنجازات:

إنجازات كثيرة قامت بها بلدية جبيل الحالية التي يرأسها زياد حواط منذ العام 2010 وأبرزها:

– تطوير المركز الثقافي في جبيل و دعمه.

-إطلاق مجمع ميشال سليمان الرياضي الذي يستوعب حوالي ألفيّ متفرج على المدرج ويضم أكبر وأضخم صالات وملاعب رياضية.

-إنشاء حديقة جبيل العامة “بيبلوس بارك”  والتي حازت على جائزة أفضل ثالث مشروع بيئي للعام 2010 من بلدية برشلونة.

-بناء قصر بلدي لمدينة جبيل يضم ثلاثة أبنية بتصميم هندسي جديد يجسد طابع جبيل القديم والحديث معا.

-مشروع مواصلات النقل “أصدقاء البيئة” داخل منطقة جبيل القديمة.

-العمل على تنفيذ خطة النقل العام التي أبرمت بالتعاون مع منظمة AUDE-FRANCE  لتقسيم جبيل الى سبعة قطاعات يتوفر فيها النقل العام.

-إنشاء حديقة الحرف اليدوية لإستقبال وعرض أعمال الحرفيين وإبداعاتهم.

-إنشاء مركز معلوماتية للسياحة في جبيل تمكن السائح من التعرف على المدينة وإقامة الحجوزات المختلفة عبر شبكات التواصل الإجتماعي.

-إنشاء لجنة خاصة لمراقبة جودة وسلامة المواد الغذائية في المطاعم والفنادق والمخابز.

-العمل على إنشاء متحف للابجدية مجهز بأحدث الوسائل الإلكترونية ويعرض المتحف نشأة الأبجدية الفينيقية وتطورها.

-الإشراف المباشر على قواعد التمدن في البناء.

– يقام بازارات لبيع الكتب بأسعار منخفضة.

-عرض فيلم ثلاثي الأبعاد مدته 10 دقائق على مدى ثلاثة أيام تزامنا مع مهرجانات بيبلوس الدولية.

-مشروع إعادة تأهيل واجهات السوق القديم بدعم من بنك بيبلوس.

-إطلاق برنامج دعم وتحصين المدينة من الكوارث تموله مؤسسة روكرفلر.

-مبادرة البلدية بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين لتنفيذ مشروع فرز النفايات من المصدر وتعميمه على المدينة بأكملها للحفاظ على البيئة.

رئيس ما بعد الفراغ: لكل دولة نصيب

كتب المحرر السياسي:

ما تشهده البلاد، وما ستشهده، من تطيير للنصاب في الجلسات النيابية المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية هو بالواقع تطيير للدستور اللبناني.

لقد حمى الدستور نفسه من الاعتداء عليه بالتعديل، وفق المادة 79، بوجوب حضور ثلثي أعضاء المجلس، وعلى أن يكون التصويت بأكثرية الثلثين أيضاً. وهذا التقييد المحكم يعود لحماية الدستور من تلاعب الأهواء، ومع ذلك فقد تلاعبنا بدستور الطائف عندما مددنا للرئيس الراحل الياس الهراوي. وعندما استثنينا العماد إميل لحود من الاستقالة قبل ستة أشهر من انتخابه كرئيس. وأيضاً عندما مددنا له لنصف ولاية ثانية. وعدلناه مرة رابعة باسقاط شرط الاستقالة قبل ستة أشهر من انتخاب العماد ميشال سليمان كرئيس ثالث لجمهورية الطائف.

وإذا رجعنا الى التعديلات الأربعة السابقة نجد أنها صناعة خارجية لمطرقة «صُدِّق» النيابية. وهي صناعة بدأت في دمشق وتابعت طريقها الى الدوحة… وهي تبحث باستحقاق اليوم عن طريق اقليمي ـ دولي ما زال مجهولاً.

وفي العودة الى موضوع انتخاب رئيس الجمهورية، يبدو واضحاً، ومن دون الحاجة الى فقهاء القانون الدستوري، أن الدستور عندما أراد تحديد النصاب بالثلثين نص على ذلك صراحة في المادة 79 المتعلقة بتعديل الدستور، ولو أراد النصاب نفسه في المادة 49 المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية لفعل ذلك.

لقد تمت صياغة المادة 49 بلغة سهلة ومفهومة ولا تحتمل اللبس. النص يقول بوجوب حصول الرئيس المنتخب على ثلثي أعضاء المجلس في الدورة الأولى. وهو بذلك يكون قد حدد النصاب في الجلسة الأولى بالثلثين باشتراطه توفرهما لفوز الرئيس.

والنص نفسه يكتفي بالأغلبية المطلقة في الدورات التي تلي، وهو بذلك يكون قد حدد النصاب بالدورات التالية بالأغلبية المطلقة، أي النصف زائد واحد.

أما بدعة نصاب الثلثين في كل دورات الانتخاب، فهي بدعة تشكل اعتداء صارخاً على الدستور، وتُدخل انتخاب الرئيس في نفق التوافق القسري، وهو نفق مظلم لا تتوافر فيه الرؤية إلا إذا أفرج التوافق الدولي والاقليمي عن الضوء الأخضر، الذي يبدو أن قياداتنا السياسية تنتظره، حتى ولو زعمت واشنطن وباريس والرياض وطهران ودمشق أنها لا تتدخل في انتخاب الرئيس، وأن على اللبنانيين أن يختاروا رئيسهم بإرادتهم «الحرة».

إن تعميم نصاب الثلثين على كل جلسات انتخاب الرئيس، هو «التوافق» الوحيد الذي أجمع عليه النواب، رغم أن أكثر من «استاذ» في القانون الدولي خالفوا تفسير «الاستاذ» في مجلس النواب، وهذا يعني أن «التوافق» على عدم اجراء انتخاب «رئيس صنع في لبنان»، هو محطة الانتظار لـ«التوافق» على «رئيس صنع في الخارج». وبذلك تسقط فكرة الرئيس القوي لمصلحة الرئيس الضعيف.

منطق المصالح الخارجية لا يمكن أن ينتج رئيساً لبنانياً مئة في المئة. فكي تتوافق المصالح الاقليمية والدولية، يجب أن يكون فخامة الرئيس عبارة عن قالب من الجبنة لكل دولة لها فيه نصيب.

وإلى أن يتم إبلاغ قياداتنا عن اسم «فخامة الرجل الضعيف» سيبقى الفراغ حاكماً الى أن يلقي الساحر الخارجي سحره على الرئاسة الأولى، كما ألقاه على الرئاسة الثالثة عندما تشكلت الحكومة بعد فراغ حكومي دام أكثر من عشرة أشهر.

صحيح أن السحر الذي أفرج عن مفتاح فرج صبر تمام سلام، ما زال سراً، إلا أن لا شيء يمنع من تكراره في موقعة السباق الى قصر بعبدا.

وفي مرحلة الفراغ، الآتي حتماً وحكماً، يسعى الفرقاء الى تسويق مرشحين حقيقيين لدى الجهات الدولية والإقليمية المعنية باختيار الرئيس اللبناني، فمن هم؟.

المعلومات تتحدث عن أن حزب الله يقوم بتسويق سري للعماد جان قهوجي، وأن الإلتزام بالعماد ميشال عون ليس إلا من باب الحرص على عدم حرق فرص قائد الجيش. وكذلك تيار المستقبل، الذي يدرك جيداً استحالة فوز الحكيم سمير جعجع، يسوّق، من وراء الكواليس، لبطرس حرب كرئيس لا يفسد سحر الوفاق الدولي والاقليمي.

أما المرشح الخفي لكل من نبيه بري ووليد جنبلاط، فما زال جان عبيد. وما ترشيح جنبلاط لهنري الحلو سوى ورقة تطرح في الوقت الضائع.

إذاً في مطبخ «السحر» الدولي والاقليمي ثلاثة مرشحين حقيقيين هم جان قهوجي وبطرس حرب وجان عبيد. ومهمة اعداد الخلطة السحرية التي تنطبق على واحد من هؤلاء الثلاثة ليست سهلة، ومن الصعب أن يتوافق عليها الفرقاء المحليين. إذ ليس من السهل، إذا لم يكن من المستحيل، أن يقبل فريق 14 آذار بالعماد قهوجي. والأمر نفسه ينسحب على قبول فريق 8 آذار ببطرس حرب. يبقى جان عبيد كمرشح يواجه باعتراض لا يصل الى حد الفيتو. وهكذا يكون مرشح بري ـ جنبلاط هو الأقرب الى وصفة المحاصصات التي قد تتوافق عليها مصالح عواصم القرار، إذا قرر كل منها الاكتفاء بجزء من قالب الجبنة… إلا إذا كان الفراغ يحقق، بنظر كل فريق من الأفرقاء الدوليين والإقليميين، آمالاً بقالب جبنة لا يشاركه فيه أحد. وهذا يعني انتظار الحسم في ملفات كبيرة ومعقدة، أهمها نجاح الاتفاق النووي الإيراني مع دول الغرب، ونهاية حاسمة للأزمة السورية. ومصالحة شبه مستحيلة بين إيران والسعودية. وبذلك يكون الشعب اللبناني كالزوج المخدوع… آخر من يعلم.