“اسرائيل أولاً”

وقّع دونالد ترامب صكّ نقل ملكية القدس الى إسرائيل.

أكثركم اعتبرها جريمة تعادل نكبة 1948، وتتفوّق على هزيمة 1967.

فعلتم ما فعلناه في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي.

في تلك الفترة، استهوانا التظاهر والتنديد والشجب والغضب. وعزمنا العزم على إلقاء إسرائيل في البحر.

قلدتمونا تماماً هتافاً وتظاهراً وتنديداً وشجباً وغضباً. وتجاوزتم عزمنا، فعزمتم على تدمير إسرائيل كاملة بالصواريخ التي لا تعد ولا تحصى.

نعترف أنّ هتافاتنا لم تستعد فلسطين. ولا تنديدنا رد كيد إسرائيل. ولا غضبنا أرعبها.

كان لجيلنا أعذاره. فهو لم يملك الجحافل ولا الإمكانات المادية والتسليحية والصاروخية. لهذا لجأ الى أضعف الإيمان وهو المقاومة بالقلب واللسان.

لكن ما أعذاركم، وأنتم أصحاب القوة وأبطال “توازن الرعب”.

اعتقدنا أنّ ردكم على الضياع الثاني للقدس، سيكون بتنفيذ وعدكم بتحويل إسرائيل الى حفنة من الرماد. فإذا بردكم لا يختلف عن ردنا قبل أكثر من ستين عاماً.

تظاهراتكم تشبه تظاهراتنا. وهتافاتكم هي هتافاتنا… لهذا نخاف عليكم أن تبلغوا فشلنا… وأكثر.

لن نستغرب. فالتاريخ الذي يكرر نفسه يصل الى النتيجة نفسها.

في ذلك الزمن رفعنا رايات الحرية والاشتراكية والوحدة.

الحرية أسّست سجوناً تتسع لكل أصحاب الرأي.

الاشتراكية خرج من رحمها الفساد والرشى والثروات المشبوهة.

الوحدة استولدت الإنفصال والإقليمية والإنعزالية.

لجأنا في ذلك الزمن الى الأحزاب القومية لإنقاذ أحلامنا الكبرى… فانشققنا وانقسمنا.

قادنا الفشل الحزبي الى التمسّك بالقيادات التاريخية… فانكسرنا وانهزمنا.

قفزنا بثقة عمياء الى ضفة المقاومة.. فدخلنا في حروب “الأخوة الأعداء”.

وممن فشل الى آخر… إنتهى كل شيء.

وعندما ساد الصمت الجماهيري وعمّ السكوت ساحات النضال، انتشر الفراغ وأطل “الإسلام السياسي” طارحاً نفسه كبديل لهذا الماضي الفاشل.

مع هذا الإجتياح المتنكر بالإسلام، ظهرت جماهير لا تشبهنا، وأفكار لا نعرفها.

فجأة وجدنا أنفسنا أمام تنظيمات وأحزاب تحلل الدم وتحرّم الرحمة.

الفرق بيننا وبينكم، اننا كنا حركات إنسانية. وكنا نتظاهر في وضح النهار وبوجوه وعناوين معروفة. اما أنتم فأعمالكم تشهد على “إنسانيتكم” المتوحشة.

نحن خسرنا قضايانا، لكننا لم نخسر شعوبنا. لم نفجّر سوقاً شعبية بزبائنها، ولا مدرسة بأطفالها، ولا شارعاً بمتنزهيه، ولا جسراً يربط في ما بيننا.

نحن خسرنا… وأنتم ماذا ربحتم؟

أنظروا حولكم وستعرفون.

أنظروا الى سوريا وليبيا والعراق واليمن.

أنظروا الى القرى والمدن المهجرة والمباني المدمّرة والمزارع المحروقة.

أنظروا الى أطفال فقدوا أمهاتهم، وإلى أمهات فقدن أطفالهن.

نحن لم ننجح في إلقاء إسرائيل في البحر. لكنكم نجحتم في إلقاء الأمة العربية في بحر الظلمات.

نذكركم، ويبدو أنكم نسيتم، بشعاركم “الموت لإسرائيل”، ونسألكم، وقد فتحت بوابات القدس للصهيونية، ونسألكم، وأنتم تملكون ما تملكون من صواريخ بالستية و”انتصارات إلهية”، لماذا لا يتقدم شعار “إسرائيل أولاً” على “سوريا أولاً” أو “العراق أولاً” أو “اليمن أولاً”؟

تقولون إنّ فلسطين هي البوصلة. فأين هي البوصلة، وأين هي فلسطين… بل أين هي القدس؟

من المحزن أن يكون الجواب بالأقوال لا الأفعال. فـ”إسرائيل أولاً” خطاب… أما الخطب ففي مكان آخر.

وليد الحسيني

الأوبامية: إعادة إنتشار أميركي في الشرق الأوسط الجديد

كتب جهاد منير

هل تنجح زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الى الرياض الشهر المقبل، في إعادة ترميم العلاقات العربية – الأميركية التي تصدّعت جراء الاتفاق النووي مع إيران؟  وهل فعلاً انحسر الدور الأميركي في الشرق الأوسط  بعد انسحاب الجيش الأميركي من العراق وقريباً من أفغانستان وتراجع البيت الأبيض عن ضربته العسكرية لسوريا؟ هل هذا الغضب هو نتيجة تغيير واشنطن لسياساتها الشرق أوسطية؟ إنها الأوبامية الجديدة في “الشرق الأوسط الجديد”.

هذه المرة الغضب العربي من الموقف الأميركي ليس ذا طابع شعبي، بل الحكومات هي التي تتململ.  وإذا نظرنا من زوايا بعض العواصم الخليجية، فإن عدم اضطلاع الولايات المتحدة بدور كبير في سوريا، والاتفاقية التي أبرمت مع إيران حول برنامجها النووي، وتكاثر الحديث حول تراجع اهتمام الولايات المتحدة بنفط الشرق الأوسط، كل هذا يؤشر إلى تراخي الالتزام الأميركي نحو حلفائها في المنطقة.

“لا يمكن أن تعود دول الخليج للثقة بالولايات المتحدة كما فعلت خلال العقود الستة الماضية”، كما يقول عبدالخالق عبدالله، أحد المحللين السياسيين في الإمارات العربية المتحدة.

وهنا يأتي التحذير الجماعي الأول من نوعه الذي أطلقته كافة أجهزة المخابرات الأميركية (16 جهازاً) من أن دول الخليج قد تقرر الابتعاد عن واشنطن. وهذا التقويم الاستخباراتي يشكل أول اعتراف بعزوف العرب عن واشنطن، وهو الأمر الذي سعت إدارة أوباما إلى أن تخفف من وطأته خلال الشهور القليلة الماضية، لاسيما أن السعودية سبق لها أن حذرت من أمر كهذا.

لكن، هل فعلاً غيّرت أميركا سياساتها؟

لا شك في أن الانفتاح الاميركي على ايران أثار موجة من الاسئلة والتساؤلات حول مجمل السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، بل في العالم.

ومع عدم التقليل من نظريات المؤامرة وأخواتها، إلا أننا ندرك أن التباينات الاميركية الداخلية كانت حاسمة في محطات عديدة بالنظر الى المصالح المختلفة لمراكز القوى الاساسية، مثل وزارات الخارجية والدفاع والبنتاغون والمخابرات.  إذ علينا ان نلحظ الصراع الاميركي الداخلي بين التيار الذي يمثله بريجنسكي حتى الان، ويرى أن الصين “اوراسيا” هي قلب العالم، ولا بد من تطويقها بحزام أخضر اسلامي تلعب تركيا دورا اساسيا فيه، وبين التيار الذي يهتم بالشرق الاوسط “النفط + اسرائيل” ودول اقليمية اخرى.

وليس بالضرورة كما عودتنا السياسة الاميركية، ان تأخذ الادارة الاميركية موقفا قاطعا من هذه الاستراتيجية او تلك، فثمة “تقاليد” عنوانها سياسة الاحتواء المزدوج، وانتظار تداعيات ذلك، كما حدث مع الحرب العراقية – الايرانية عندما انتقلت من سياسة رامسفيلد مع العراق، الى سياسة اللعب على الحبلين واستنزاف الطرفين مقدمة لاختراقهما او العدوان عليهما.

وعليه، فإن الانفتاح الاميركي على ايران لا يؤشر على استراتيجية جديدة عنوانها القطيعة التدريجية المبرمجة مع حلفائها التاريخيين والبحث عن أدوات ومداخل لترويض ايران من الداخل، بقدر ما يؤشر على شكل جديد من الاحتواء المزدوج، الذي يتيح لها ابتزاز الطرفين وإجبارهما على اتخاذ سياسات وخطوات تنتج بحد ذاتها معطيات ووقائع جديدة داخلية واقليمية، وذلك بالنظر الى ان مصالح واشنطن النفطية لا تزال قوية جدا مع حلفائها التاريخيين، اضافة الى ان ايران دخلت نادي القوى الصاعدة في منطقة شديدة الحساسية بين قلب العالم “روسيا، الصين” من جهة والشرق الاوسط من جهة أخرى.

لا شك في أن التحول الاستراتيجي لإدارة أوباما نحو آسيا والمحيط الهادئ لا يعني التخلي عن دور أساسي في الشرق الأوسط الذي يتميز بكونه مسرح تجاذبات مصيري في رسم ملامح النظام العالمي في العقدين المقبلين على الأقل.

ومن خلال حصيلة ولايته الأولى وبدايات ولايته الثانية يبدو أن أوباما سيكون الرئيس الذي تخلى عن دور أميركا التقليدي في زعامة العالم، ربما بسبب شعوره بأن بلاده تفتقر إلى الضمانة الأخلاقية أو الموارد المادية لمواصلة الدور الريادي، خاصة لجهة الاستمرار في لجم المخاطر التي تهدد العالم اليوم.

والملفت أن خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أوباما أخيراً يبيّن الخلل في الإرادة السياسية عند ساكن البيت الأبيض، إذ تميّز بتطرق هامشي للسياسة الخارجية مع تغيير سلم الأولويات في النظرة للشرق الأوسط. في موازاة  تراجع التأثير الإسرائيلي، برزت العلامة الفارقة في التركيز على المناخ الجديد مع طهران إلى حد التلويح بمنع الكونغرس من فرض عقوبات إضافية عليها خلال فترة التفاوض، وهذا الحماس للانفتاح على إيران قابله تراجع حيال النزاع السوري، وشبه تجاهل للشأن الفلسطيني.

بيد أن مراقبة خريطة النزاعات ونقاط التوتر والتواجد على الأرض وفي البحار تبيّن لنا مدى الانخراط الأميركي في شؤون “الشرق الأوسط الكبير”، انطلاقا من جنوب السودان إلى اليمن، ومن تونس إلى لبنان مرورا بملفات إيران وأمن الخليج والعراق وسوريا والنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. لا يمكن لبلد بحجم أميركا- ومقدار هيمنتها على الشرق الأوسط منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي- أن تتملّص من التزاماتها بسهولة وأن تستدير بين يوم وآخر بمعدل 180 درجة.

إنها إذن لعبة الرقص على خطوط التماس والتوازنات بين المصلحة العليا ومصالح الأصدقاء أو الوكلاء، وإنها أيضا المسعى لخلق شراكات أو ترتيب تسويات بهدف التمويه نسبيا على التخبط وعدم القدرة على إدارة الأمور خاصة بعد التخلي عن منطق التلويح بالعصا العسكرية من دون إبراز بدائل أخرى.

يبدو للمراقب أن الشرق الأوسط تخترقه حاليا أربعة محاور أساسية:

– المحور الأول هو المحور الإيراني الذي يضم العراق والحكومة السورية وحزب الله.

– المحور الثاني يضم السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن.

– المحور الثالث يضم تركيا وقطر والإخوان المسلمين.

– المحور الرابع يتمثل بإسرائيل.

قبل الترتيبات الأخيرة مع إيران، كانت واشنطن تعطي الأولوية لصلاتها مع المحور الرابع ومن ثم للمحورين الثاني والثالث. ومنذ الخريف الماضي، أصبح بإمكانها الحوار والتفاعل مع المحور الأول وكان ذلك يتم سابقا من خلال تقاطع المصالح خاصة حيال العراق. لكن هذا التحول لا يزال في بداياته وليس من الضرورة أن يكون التطبيع مع إيران مدخلا لتحول عميق يصبح فيه “الشيطان الأكبر سابقا” شريك زعيمة “محور الشر”، كما كانت توصف الجمهورية الإسلامية.

حتى الآن اتضح إصرار الطرفين الأميركي والإيراني على عزل التفاوض بشأن الملف النووي عن المواضيع الإقليمية. لكن هذا العزل غير قابل للاستمرار لفترة طويلة. ومن الأمور الأكثر استعجالا موضوع أفغانستان حيث سينسحب الأميركيون الآن وهم بحاجة إلى الإيرانيين والروس من أجل إتمام ذلك الانسحاب، كما حصل سابقا في العراق. وهذا يفسر جزئيا عدم رفع السقف الأميركي في النزاع السوري والحرص على الاستمرار في مسار جنيف بالرغم من بداياته الصعبة. والأرجح أن تستمر واشنطن في السعي إلى تقاسم العمل مع روسيا، على أن يمارس كل جانب نفوذه عند الشركاء الإقليميين المؤثرين في الساحة السورية.

في السعي للفصل بين الملفات تتعامل واشنطن مع روسيا على أنها قوة إقليمية في الشرق الأوسط (أولويتها في الساحة السورية)، لكنها ليست قوة دولية في المنطقة. وفي المقابل تسعى موسكو إلى عدم ترك واشنطن تستفرد بثمار أية تسوية مستقبلية شاملة مع إيران.

مع استمرار تهميش العامل الفلسطيني وتحجيم الدور التركي وعدم التنبه لأهمية دور مصر ومجلس التعاون الخليجي، يبدو النهج “الأوبامي” مراهنا في الدرجة الأولى على إعادة تركيب سياسة واشنطن في الإقليم من خلال البوابتين الإسرائيلية والإيرانية.

يكتب ميكا زينكو من مركز “دوغلاس ديلون للعمل الوقائي” التابع لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية، في مقال له في مجلة “فورن افيرز”، انه منذ منح التفويض المفتوح باستخدام القوة العسكرية للرئيس الأميركي في أعقاب هجمات أيلول (سبتمبر), أصبح هناك توسع فضفاض في مصطلح استخدام القوة العسكرية ليشمل عمليات سرية شبه عسكرية، تعتمد على القدرات التكنولوجية أكثر منها على القدرات البشرية، وتتراوح ما بين قتل الأهداف إلى تفجير الصراعات الداخلية في الدول المستهدفة، إلى تعطيل شبكات الكمبيوتر الخاصة بدول أجنبية، إضافة إلى القيام بهجمات عسكرية غير مسبوقة تتحدى القانون الدولي.  كل هذا دون أن تفقد الولايات المتحدة جنديا واحدا من جنودها.

وهنا ربما يجب أن نذكر كيف اعتمد اوباما أثناء حملته الانتخابية في عام 2008، على فكرة انه المرشح المناهض للحرب، مكثراً من خطبه الرنانة حول أخطاء جورج بوش في العراق وأفغانستان، التي أدت إلى انفجار الأزمات الاقتصادية بسبب ميل صقور المحافظين الجدد لسفك الدماء.  ولكن يبدو انه وبمجرد توليه المنصب، كما يصفه المحلل نيك تيرس في مقال لمجلة ناشن، فقد أصبح أوباما شيخ الصقور شريطة أن تكون الحروب بعيدا عن المحاسبة الرسمية من قبل الكونغرس.

ووفقا لعدد من المحللين فان المحصلة النهائية من العمليات السرية أو حروب الظل كما يحلو للبعض تسميتها، هي اشتعال مناطق بالكامل في صراعات طائفية عرقية ودفع دول نحو حافة الهاوية، وارتفاع معدلات الاقتتال الأهلي وانتشار القاعدة والجماعات التابعة لها بشكل غير منطقي وغير مفهوم .

وإذا أجرينا مسحا جغرافيا لتمدد الحركات المرتبطة بتنظيم القاعدة، فسنجد أن هذه الحركات أصبحت تتحكم بمساحات أكبر من الأرض، ولها تواجد ظاهر وملموس في رقعة شاسعة تمتد من المحيط الأطلسي حتى المحيط الهندي صعودا إلى منطقة القوقاز في أعالي قارة آسيا وعلى تخوم أوروبا.

ولا شك أن هذا التمدد قد جعل تلك التنظيمات أكثر سطوة وجعل أطروحاتها أكثر وقعا على نوع معين من الجماهير، إلا أن كل ذلك لا يبدو أنه يشكل مصدر إزعاج حقيقي لأوباما، حتى بعد أن ثبت بطلان وسذاجة تنبؤات إدارته بانهيار تنظيم القاعدة.

ولا تبدو على الرئيس علامات القلق الشديد لحقيقة ماثلة على الأرض، وهي أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أصبح اليوم وبعد ثلاث سنوات من انسحاب القوات الأميركية من العراق يسيطر على مدن وبلدات بكاملها في كل من العراق وسوريا.

فالوقائع على الأرض تسجل أن أوباما رئيس يعطي الأولوية للشؤون الملحة في الداخل، ويضعها قبل الشؤون الخارجية في سلم أولوياته.  وهو يدرك جيدا أن الولايات المتحدة أنفقت ما يقدر بخمسة تريليونات دولار على “الحرب على الإرهاب” في 12 سنة منذ اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وهي كذلك مستمرة في اعتماد ميزانية عسكرية ضخمة توازي ميزانيات دول العالم مجتمعة.

رسم خرائط بالدم والبارود: “تانغو” روسي – أميركي في سوريا

كتب إسماعيل يوسف

عام 2013 كان عام التبدلات السياسية المتسارعة على المستويات المحلية والاقليمية والدولية، مما جعل التغيُّر الدائم، هو الثابت الوحيد في “ربيع عربي” متقلّب لم يقل كلمته الأخيرة بعد. فما هي التعديلات التي اعتمدتها ورش رسم خرائط “الشرق الأوسط الجديد” في الغرف العالمية المغلقة؟

غالباً ما تظهر إيران في حالِ اشتباك دائم مع الولايات المتحدة، إلا أن تاريخ ثورتها حافِل بالصّفقات المُذهلة مع “شياطين” واشنطن: من إيران غـيت، إلى الحلف غير المقدّس في حرب أفغانستان، ومن تواطُـؤ إيران مع أميركا في غزْو العراق عام 2003 إلى تقاسُم الغنائم بينهما لاحقاً في بلاد الرافديْن، وصولاَ إلى اتفاق جنيف النووي الأخير الذي يفتح أبواب الصفقات الدولية والتسويات الاقليمية على مصراعيها في أكثر من بلد عربي، وفي مقدمتها سوريا.

نبدأ من “جنيف” السوري الذي حدّد موعد جزئه الثاني، من دون أن تحسم امكانيات انعقاده.  مصدر دبلوماسي متابع للمفاوضات التحضيرية، قال لـ”الكفاح العربي” أن “الط

النزيف السوري يتواصل

النزيف السوري يتواصل

ريق إلى “جنيف 2″ حافل بالحواجز والمطبّات والمفاجآت، رغم قِصر المسافة الزمنية التي تفصلنا عنه (أواخر الشهر الحالي)”. وتابع المصدر: رغم الاصرار الأميركي ـ الروسي الملزم لجميع الأطراف على تلبية الدعوة، إلا أن التوقعات المسبقة لا تزال في حدها الأدنى، لا بل أقل من الأدنى، حول تحقيق أي اختراق سياسي يحرّك عجلة الحوار بين النظام والمعارضة من أجل التوصل إلى اتفاق حول صيغة المرحلة الانتقالية ووقف الاعمال العسكرية.

وأشار المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إلى أن “الروسي يرى في المؤتمر فرصة للاتصال المباشر الأول من نوعه بين الأميركي (وزير الخارجية جون كيري) والسوري (وزير الخارجية وليد المعلم) منذ بداية الأحداث في سوريا.  وأوضح المصدر أن “هذه اللقاءات المرتقبة بين الوفدين السوري والأميركي، من شأنها إعادة وصل ما انقطع بين دمشق وواشنطن، خصوصاً إذا ما تحقّقت المساعي الروسية مع الولايات المتحدة في تشكيل جبهة عالمية جديدة ضد الارهاب، تكون سوريا والعراق إحدى ركائزها في الساحة الاقليمية”.

إذا، ليس الهدف من “جنيف 2” وقف حرب الاستنزاف السورية، أو إطلاق حوار وطني لتحديد آليات المرحلة الانتقالية وإعادة بناء ما دمرته الحرب.  الهدف، وفق المصدر الدبلوماسي، “هو حفظ ماء وجهي الراعيين الدوليين (أميركا وروسيا) واستكمال الجهود التي أنجزت حتى الآن اتفاقاً نووياً مع إيران وكيميائياً مع سوريا، وربما الوصول إلى ما يسمى بـ”الصفقة الكبرى”، التي تشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بما فيها القضية الفلسطينية التي أخرجتها الإدارة الأميركية أخيراً من ثلاجة المفاوضات المجمّدة وأمهلت الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني أقل من سنة للتوصل إلى اتفاق إطار للسلام بين الجانبين”.

وحول الجدول الزمني لهذه التغيّرات، توقّع المصدر أن تشهد الأشهر الستة المقبلة تطوّرات دراماتيكية على الصعيدين السياسي والعسكري، قد تحدّد الشكل النهائي لخريطة “الشرق الأوسط الجديد”، من دون أن يعني ذلك نهاية الصراعات المشتعلة طائفياً ومذهبياً وعرقياً في مختلف أنحاء المنطقة.

ويختم المصدر حديثه لـ”الكفاح العربي” أن ما يجري اليوم من تبدّل لسياسات واشنطن تجاه سوريا هو ليس تغييراً بقدر ما هو “إعادة نظر” في الحسابات التي كانت تعتمد الخيار الاسلامي الديمقراطي قبل أن يثبت فشله وتطرّفه في دول “الربيع العربي”، لا سيما في مصر وتونس وليبيا.

التبدّل الأميركي

من الصعب تحديد النقطة الزمنية لتراجع سياسة إدارة أوباما تجاه سوريا.  هل كانت في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حين وجّهت مجموعات مسلحة تابعة لتنظيم “القاعدة” صفعة مدوية للجيش الحر المدعوم من الولايات المتحدة، عبر الاستيلاء على مخازن أسلحة أميركية، مما دفع بواشنطن إلى توقيف عمليات تسليحها لمعارضي النظام؟  أم أن تفكك السياسة الأميركية بدأ في أيلول (سبتمبر) الماضي، حين ظهر الرئيس أوباما أمام العالم كـ”رئيس متردد” غير قادر على فرض “خطوطه الحمراء” بعد اتهام النظام السوري باستخدام السلاح الكيميائي ضد شعبه؟  أم أن ضعف السياسة الأميركية ظهر قبل ذلك بكثير، أي منذ عدم ترجمة الوعود بتسليح المعارضة، والاكتفاء بإرسال مشاريع قرارات إلى مجلس الأمن، اصطدمت بجدار الفيتو الروسي – الصيني؟

هذا العجز الأميركي حفَّـز المعسكر الإيراني – السوري – حزب الله (وخلفهما العراقي بقيادة روسيا أولاً ودول البريكس ثانياً) إلى الاستفادة من الحرب الباردة الجديدة، والسعي إلى قلب الموازين ضد المعارضة السورية المشتتة سياسياً وعسكرياً.

الاستراتيجية الروسية

يجمع المراقبون أن ما يحكى عن تراجع أميركي في الشرق الأوسط لا يعكس حقيقة سياسة البيت الأبيض في المنطقة.  فالاتفاق الأميركي – الروسي يأخذ أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود السورية إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.  فالتنافس الدولي يخضع اليوم لسلسلة من الاختبارات بين القوى العظمى التي ترى في “الربيع العربي” نافذة لإعادة بسط نفوذها في الشرق الأوسط، وملء الفراغ العربي الذي انتجته “فوضى السلاح والتكفير”.

هنا لا بد من العودة إلى وثيقة “استراتيجية الأمن القومي الروسية حتى عام 2020″، التي صدرت عام 2009 لفهم ما تريده موسكو اليوم.  تدعو الوثيقة إلى تحويل “روسيا المُنبعثة” إلى دولة كبرى مجدداً وإلى أن تكون إحدى القوى الخمس الأكبر اقتصاداً في العالم، وهي تحدد الأهداف والتهديدات والمهام والإجراءات، لتحقيق هذا الهدف على المدى القصير والمتوسط  والطويل (2020)، لكنها تربط هذا الهدف ومعه مبدأ الأمن القومي، ربطاً مُحكماً بالنمو الاقتصادي الثابت، مُشدِّدة على رفع مستويات معيشة المواطنين الروس، وعلى أولوية الإبداع والابتكار التكنولوجيين، و”العلم” و”الثقافة” و”الصحة العامة”، وحتى على “الروحانية”، في إطار “الذاكرة التاريخية الروسية”.

مقومات هذه الاستراتيجية لإعادة بناء الدولة الكبرى، هي: التركيز الشديد على المصالح القومية والاقتصاد والتطوير التكنولوجي – العلمي، والأهم، الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي عبـر ما يصفه البند الثالث من الاستراتيجية بـ “المشاركة الفعالة في تقسيم العمل الدولي”.

البند السابع في الاستراتيجية، يدعو إلى سياسة خارجية براغماتية ومنفتحة، عبْر العمل على بناء شراكات أو تحالفات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أو حلف الأطلسي – أوروبا، والتركيز على الشرعية الدولية ودور الأمم المتحدة.

 طبّقت روسيا هذه الاستراتيجية بنجاح في عهد بوتين. فبعد أن أعاد هذا الأخير بناء الدولة الروسية (على رغم استمرار الفساد الهائل فيها)، انطلق في سياسة خارجية نشطة، تستند في آن إلى التعاون والتنافس مع أميركا.

ركّـز بوتين على الجوانب الإقليمية والتجمُّـعات الدولية: البريكس، منظمة شنغهاي، وحتى منظمة التعاون الإسلامي، وعلى فضاء الاتحاد السوفييتي. فمارس الدبلوماسية (في روسيا البيضاء وكازاخستان وتركمنستان)، وأثار المتاعب (في أوكرانيا ودول البلطيق) أو استخدم القوّة المُباشرة (في جورجيا).

أوباما فهِـم الرسالة من وراء هذا النشاط البوتيني المستجَـد، فوُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية التي استندت إلى احترام الدور الروسي في العالم وتقديم تنازلات في مجال الصواريخ الاعتراضية في أوروبا الشرقية وتقليص الأسلحة الاستراتيجية والاعتراف، نسبياً، بوضعية الاتحاد السوفييتي السابق، ودمج روسيا في النظام العالمي ومنحها دوراً في سلام الشرق الأوسط.

 في المقابل، حصلت واشنطن على دعم روسيا في عملية محاصرة إيران، وعلى تعاونها مع حلف شمال الأطلسي ضد الراديكالية الإسلامية في أفغانستان.

بيْـد أن استراتيجية إعادة التنظيم لم تكن كاملة، بسبب الشكوك الروسية بـ”السي. أي إيه” ودورها المُحتمَـل في التحريض على ما يسمى “ثورة الثلج” في روسيا.  كما أن بوتين أدرك أنه لن يستطيع مُنفرداً تعديل موازين القوى مع أميركا، وهذا أعاد موسكو إلى الحيرة القديمة بين التيارات الثلاث، الأطلسية والأوراسية والقومية – الشيوعية.

الشرق الأوسط، احتل اهتماما كبيراً  في استراتيجية الأمن القومي الروسي، قبل الربيع العربي، بسبب قلق روسيا من خاصرتها الرخوة في شمال القوقاز وآسيا الوسطى. وتجربة الشيشان (100 ألف قتيل)، لوّنت كل مقاربة بوتين للشرق الأوسط الإسلامي، خاصة في ضوء الثورة الشيشانية.

كان ثمة ثلاث أولويات في هذه الاستراتيجية: إيران وتركيا والخليج (إيران والعراق أساسا) والصِّـراع العربي – الإسرائيلي. وترافق رسم هذه الأولويات الروسية الجديدة، مع انفتاحٍ على الجميع ومحاولة إقامة توازُن بين كل القِوى الإقليمية المتنافسة في الشرق الأوسط، في مقدمتها إسرائيل.

نجحت هذه السياسة في وقف التدخلات الخارجية في الشأن الروسي، خاصة في الشيشان، وفتحت آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الروسي وأبرزت الدور العالمي لموسكو امام أميركا وأوروبا. ومن رحم هذه النجاحات، وُلِـدت سياسة إعادة التنظيم الأميركية.

لكن، حين نشبت ثورات الربيع العربي، أُصيبت السياسة الروسية بالارتباك الشديد وشهد العالم تضارباً في المواقف الروسية. ففي تونس، دعمت موسكو الثورة. وفي  مصر، تردّدت ثم دعت النظام الجديد إلى التعاون معها. وفي ليبيا، رفضت التدخل الدولي، ثم قبِلت به، ثم عادت إلى رفضه والتنديد به. وفي البحرين، رفضت الثورة فيها وصمتت على التدخل العسكري الخليجي، ثم أبرمت صفقات تجارية مع حكومة المنامة. وفي ثورة اليمن، حذت حذو السياسة الغربية – الخليجية عينها.

الصدام الوحيد بين روسيا والغرب في خِضَم الربيع العربي، حدث فقط في سوريا. لماذا؟ من المُفيد هنا، إيراد تحليل ميدل إيست انستيتيوت، التي أوردت الأسباب التالية:

الأول، موسكو تعتقد حقاً أن واشنطن وحلفاءَها الغربيين أساءوا فهم ما يجري في سوريا. فبدلاً من احتمال أن يؤدّي سقوط نظام الأسد إلى قيام نظام ديمقراطي في سوريا، كما يعتقد الغرب، فإن روسيا تخشى أنه سيُـسفر عن بروز نظام سُـنِّي راديكالي، لن يكون فقط معادياً للغرب، بل أيضاً لروسيا. وهي تذكّــر بما حدث غَـداة التدخلات التي قادتها أميركا في أفغانستان والعراق وليبيا، وأدّت إلى بروز الأصوليات والفوضى.

الثاني، روسيا لا تعتقد أن إدارة أوباما، ولا حتى أي إدارة جمهورية قد تصل إلى البيت الأبيض، مهتمّة حقاً بإسقاط النظام في سوريا. ولا يعود السبب فقط إلى اعتبارات محلية أميركية (الانتخابات الرئاسية والتعب من الحرب)، بل أولاً وأساساً، من المضاعفات السلبية التي قد تُـلقي بظلالها على إسرائيل، في حال سقط النظام. ولو أن واشنطن كانت جادة حقاً في إسقاط النظام، لكانت شكّلت تحالف دولي لضرب الأسد، سواء بموافقة مجلس الأمن الدولي أو من دونه.

الثالث، أن موسكو ترى أن الحفز الأساسي لأسقاط النظام السوري، يأتي من السعودية وقطر. وكانت أحداث الربيع العربي قد أشعلت مجدّدا مخاوف موسكو من الرياض، تلك المخاوف التي كانت سائِدة خلال حِقبة التسعينيات خلال حروب الشيشان، والتي لم تهدأ إلا بعد بدء التقارب السعودي – الروسي في عام 2003، ثم بعد أن أعلنت السعودية أنها تدعم الحلّ الروسي في الشيشان. لكن قبل هذا التاريخ، كانت موسكو تعتقد أن المملكة السعودية تُحاول نشر الإسلام السُنّي الراديكالي في الشيشان وشمال القوقاز وفي مناطق أخرى في الاتحاد السوفييتي السابق. والآن، ترى موسكو أن الرياض تحاول استخدام الربيع العربي، لتحقيق مصالحها الجيو- سياسية الخاصة، من خلال دعم السلفيين في مصر وليبيا وسوريا، وقمع الشيعة في البحرين، وإحلال نظام سنّي موالٍ لها في سوريا. كما ليس واضحا لروسيا، حدود الطموحات السعودية، وهي تعتقد أن الولايات المتحدة ليست متنبِّهة لهذا الخطر.

والحصيلة؟  تصيغها مؤسسة الشرق الأوسط كالآتي: “موسكو تدعم الأسد، ليس فقط للحفاظ على عقود التسلّح واستثمارات النفط والقاعدة البحرية في طرطوس، ولا لأنها تخشى أن تنتقل سوريا من كونها حليفاً لها إلى أن تكون حليفة لواشنطن. ما تخشاه حقاً، هو أن سقوط الأسد، سيُـزيل عقبة هامة في وجه الحركة الأصولية السُنّية بقيادة السعودية، التي تسعى إلى مواصلة الانتشار.

ماذا تعني كل هذه المعطيات؟ يمكن هنا الخروج بالخلاصات التالية:

–        روسيا قلِقة بالفعل من صعود الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، لكن ليس كثيرا. فهي قادرة على استيعابه في الداخل الروسي والإفادة من التناقضات المُحتملة في المنطقة.

–         ثمّة تبايُـن وحيْـرة في المواقف الروسية حيال الربيع العربي، ما أثّـر جزئياً على العلاقات مع أميركا ودفع الجمهوريين الأميركيين إلى وصف موسكو بـ “الخصم الجيو- سياسي الأول” في العالم.

–         الربيع سيدفع القيادة الروسية إلى إعادة نظر شاملة في سياستها الشرق أوسطية، التي كانت تتَّـبعها طيلة عقد: فالأزمة السورية نسَفَـت التوازنات الروسية بين تركيا وإيران، وبين إيران والسعودية، وربما لاحقاً بين إسرائيل ودول الربيع العربي.

فاليري جاريت “مهندسة” الاتفاق النووي الايراني: إمرأة الكواليس في البيت الأبيض

كتب سعيد حمدان:

إنها مهندسة “الاتفاق النووي” الايراني – الأميركي.  شقّ بها الرئيس الأميركي باراك أوباما قناة اتصالاته السرية مع طهران قبل سنة من التوقيع العلني على اتفاق جنيف. ففاليري جاريت لم تعد فقط كبيرة مستشاري أوباما، لا بل أصبحت “الجندي المجهول” الذي حقق أكبر انجاز دبلوماسي للرئيس الأميركي خلال ولايتيه في البيت الأبيض.

 اذا كان معروفا ان المرشد الأعلى علي خامنئي كلف مستشاره الاول للشؤون الخارجية علي ولايتي بالاتصالات مع الولايات المتحدة الاميركية، فان ما ليس معلوما هو أن أوباما، واستناداً الى مصادر متطابقة في واشنطن، كلف احدى اقرب مستشاريه واكثر اصدقاء عائلته بالمهمة. فهي التي وظفت خطيبة اوباما، ميشال روبنسن في مكتب عمدة شيكاغو عام 1991 حيث كانت تعمل مع العمدة منذ العام 1987. انها: فاليري جاريت.

والمستشارة جاريت ولدت عام 1956 في شيراز في ايران وهي من والدين اميركيين. والدها الدكتور جايمس باومن كان طبيبا ادار مستشفى للاطفال ضمن برنامج للتنمية. تزوجت من الطبيب وليام جاريت، وحصلت على اجازة الحقوق من جامعة ميشيغان. وهي تتكلم الفارسية والفرنسية بطلاقة. وقد عينها اوباما يوم عيد ميلادها في 14  تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2008 مستشارة اساسية ومتقدمة بعد ان كانت قد تدرجت في مواقع مهمة.

فاليري جاريت مع أوباما في البيت الأبيض

فاليري جاريت مع أوباما في البيت الأبيض

أقوى ثاني شخص

 اسم فاليري جاريت لم يتردد كثيرا، وقليلون هم الذين سمعوا به حتى في واشنطن. إنها امرأة سوداء وهي أقوى ثاني شخص في إدارة الرئيس الأميركي الحالية. فمن أين تستمد هذه المرأة السوداء المغمورة نفوذها؟

في الاجتماعات الرسمية يدلي كل شخص من المجتمعين بما عنده، لكن فاليري جاريت هي آخر من يهمس في أذن الرئيس بعد انفضاض الاجتماع. كل الآخرين يرون الرئيس في قاعة الاجتماعات ما عدا جاريت التي تزوره في بيته. هي التي أقنعت أوباما، كما يقال، بتعيين سوزان رايس مندوبة أميركا السابقة لدى الأمم المتحدة، مستشارته للأمن القومي لتقعد في المكان الذي احتلته في عهد سلفه جورج دبليو بوش امرأة سوداء أخرى هي كوندوليزا رايس.

وفوق ذلك، يعتبر أوباما أن فاليري جاريت ومستشارته سوزان رايس مثل شقيقتيه. جاريت هي التي نصحته بالانسحاب من العراق ضد نصيحة المؤسسة العسكرية له بالتريث. وغني عن القول بأن هذه السيدة التي تتمتع بثقة أوباما ويعطيها أطول مدة ممكنة من وقته للاستماع اليها، مجهولة تماماً من معظم المسؤولين العرب الذين يزورون واشنطن، وهم لا يبذلون أي جهد للقائها اجتماعيا. وهذا بحد ذاته ينبىء بضآلة ما يعرفه المسؤولون العرب عن الولايات المتحدة، وعن سبل الوصول الى مراكز النفوذ فيها.

فالمرة الوحيدة التي تحدثت فيها جاريت عن مناسبة عربية كانت عندما ألقت خطابا في المعهد العربي الأميركي الذي يديره في واشنطن جايمس زغبي، بينما يعرفها الإسرائيليون جيداً ويتواصلون معها طوال الوقت.  ذلك أن جاريت هي الشخص الذي يرى الرئيس أكثر من أي شخص آخر في البيت الأبيض. فهي تضع أوباما والمصلحة القومية الأميركية فوق كل اعتبار.

لقد ظهرت في الآونة الأخيرة خلاصة عن دور فاليري جاريت في مقالة كتبتها الصحفية البارزة سايدي دويل، فيما يلي أبرز ما جاء فيها عن أهمية دور تلك المرأة من خلال علاقتها الوثيقة مع الرئيس أوباما:

–         يمكن القول ان فاليري جاريت هي ثاني أقوى شخص في واشنطن. وليس سرا كيف وصلت الى هذه المرتبة: هي من قادة المجتمع المدني في شيكاغو، وناصرت باراك أوباما منذ أن التقته لأول مرة في عام 1991. وهي التي قدمته الى شبكتها المهنية، وقدمت له المشورة حول الخيارات الممكنة في مسيرته.  وعندما خاض معركته الانتخابية الناجحة في انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي يوم كان عضواً في مجلس شيوخ ولاية إيلينوي، ثم في معركة الرئاسة، بذلت أقصى ما لديها من جهد وخبرات لإقناع كل من يستمع اليها بأن أوباما جدير بالدعم، حتى في صفوف عتاة المتحفظين على ترشحه. وهذا ما جعل أوباما يركن الى آرائها السياسية ونظرتها الى الأمور، بحيث قال عنها: “إنني أثق بها ثقة تامة”.

–         إن جاريت، بحكم توجهاتها السياسية، وبحكم هويتها، ولمجرد وجودها في البيت الأبيض، كان مقدراً لها أن تكون أكثر من مجرد مستشار عادي. فهي دائما في دور الصارية الممتصة للصواعق في الصراع الدائر داخل الحزب الديمقراطي بين الوسطيين والتقدميين. وفي هذا الخصوص، بين فكرة مبسطة غامضة التعريف للتقدمية على أنها “الناس الصغار” في مقابل “القطط السمان”، وبين فهم متدرج الفروق للقضايا العرقية والطبقية وقضايا المرأة والرجل والقضايا المتصلة بالعلاقات الجنسية، باعتبارها عوامل متقاطعة في كيفية تكوين السلطة والمشاركة فيها.

–         إن دور فاليري جاريت في الدعم المبكر للرئيس أوباما أمر معروف. فقد التقته لأول مرة في عام1991 عندما قامت بتوكيل خطيبته المحامية ميشال روبنسون لقضية تتعلق ببلدية شيكاغو. وفي غضون ذلك تكوّن لديها انطباع حسن عنهما معاً، بحيث أن جاريت حرصت على نقل انطباعها هذا الى أشخاص معنيين، فأقامت صلة وصل بين أوباما ومؤيديه الأوائل.

–         لما كانت لجاريت صلات سياسية من الداخل وعلاقات عمل واسعة مع رجال الأعمال، فقد أفلحت في تقديم أوباما الى بعض كبار المتبرعين بالمال لحملاته السياسية. وعندما سعى الى حمل الحزب الديمقراطي الى ترشيحه للرئاسة، وقعت عليها المهمة الصعبة لجمع الأموال الكبيرة، خصوصاً من “وول ستريت” شارع المال في نيويورك، فور فوزه على منافسته هيلاري كلينتون ومؤيديها. وفور انتخابه رئيساً رجاها أن تنتقل معه الى واشنطن.

–         إنه من غير الإجحاف القول ان جاريت أصبحت صديقاً لصيقاً ووثيقاً بأوباما وعائلته، أو التنويه بأن كلاً  منهما يهمه أمر الآخر. بل إن جاريت نفسها قالت إنها تحب عائلته، والرئيس أوباما قال عنها إنها له “مثل ابنته الصغيرة”. لكن التغطية الصحفية الرئيسية أخذت العبارة المتحفظة نسبيا “ابنتي الصغيرة” وغزلت عليها توريات و”تنقيرات” لا حصر لها، مشتقة منها عبارات مثل “الأم الحنون”، أو “العرابة السخية”، أو “الشقيقة الحامية”، أو التعبير الملطّف “العمة” أو “الخالة”. وبلغ ذلك ذروته في التحقيق الذي قامت به مجلة “فوغ” عام 2008 بقلم جوناثان فان ميتر الذي شبّه علاقة جاريت مع أوباما وزوجته بأنها “علاقة زوجية”، حيث قال: “إنها بالفعل متزوجة إن لم يكن منهما شخصيا، فمن قضيتهما”. ومن الشيّق الاستماع اليها وهي تتحدث عن مقدار حبها لهما، حديثاً شجناً ومحرجاً بعض الشيء: إنه ذلك المزيج من المشاعر الذي ينتاب المرء وهو يصغي الى صديق حميم يتحدث متيّماً عن ولهه برفيق روحه!

–         لتبديد الالتباس والخوف الذي يكتنف جاريت، لا بد من النظر في أي النواحي من هويتها هي موضع ردود الفعل. إنها امرأة سوداء، وهذا يقدم تصوراً إلزامياً حول مسألة “اللون” في صفوف كبار موظفي البيت الأبيض، وهم ما زالوا في غالبيتهم من “البيض”. وفوق ذلك، هي مولودة في إيران حيث عمل والداها لفترة من الزمن في مدينة شيراز، بينما جدها الأكبر كان يهوديا.  إن هذه الخلفية الشخصية أخذت منحى طاحناً داخل مطاحن اليمين الأميركي الميّال الى الأخذ بنظرية المؤامرة. وحتى في وقت مبكر من عام 2008، نشرت صحيفة “ذي أميريكان سباكتايتور”، في تعليقها  بعنوان “المتربِص”، وصفا لها بأنها “المستشار الغامض الذي تفضل   حملة  أوباما أن لا تعرف عنه شيئا”. ومنذ ذلك الحين أصبحت الأحاديث التي تتناولها بمثابة “فانتازيا حفلة الشاي”: المرأة السوداء بصورة الغريب الأجنبي الأبدي، المعادي لأميركا، المعادي للرجل الأبيض، المعادي للمسيحية، المسلم السرّي، والحليف في أوقات الفراغ لعشيرة يهودية.

–         من جهة ثانية ليس هناك دفاع جيد عن جاريت، كامرأة أولا، ثم كامرأة تقدمية، وكامرأة في موقع داخل السلطة يحسدها عليه كثيرون من الديمقراطيين داخل البيت الأبيض وخارجه. كما أن الاتهامات البشعة التي تساق ضدها من قبل اليمين باتت متمادية ويسمح لها بالتسرب والتغلغل الى الحديث العام من غير عائق أو اعتراض.

–         هناك معضلة تناقض في سمعة جاريت: نصف التلطيخات وعبارات التشهير التي تتناولها تطلق للتقليل من شأنها بتصويرها على أنها الأم الحانية العديمة الكفاءة المفتقرة الى المهنية التي وجدت من يدعوها الى البيت الأبيض لمجرد أن تمسك بيد الرئيس. أما النصف الآخر فإنه مخصص لتصويرها على أنها شخصية مهيمنة، تتمتع بسطوة شريرة. فإذا علمت أن إحدى التهمتين تساق في معرض التهمة الأخرى ينتج من ذلك منطق مدّوخ: إنها غير مؤهلة على الإطلاق لأي عمل سياسي، ومع ذلك فإنها تدير البيت الأبيض بقبضة حديدية. هي مجرد صديقة دلوعة تملأ علب الهدايا، لكنها في الواقع القوة الفاعلة وراء العرش.   ومع أنه من الصعب الحصول على أدلة قاطعة حول تأثير جاريت في قرارات السياسة العامة، إلا أن بعض العارفين بما يدور وراء الستار في البيت الأبيض لديهم ما يقولون في هذا الشأن. فقد قال لنا صديق رفض أن نذكر اسمه إن جاريت كانت فاعلة في حمل أوباما على دعم “قانون ليلي ليدباتر” الذي كفل للنساء حماية الأجر العادل. كذلك أقنعته بإدخال إصلاحات على قوانين الهجرة وجعلها من الأولويات، ووقفت الى جانبه في صراعه مع المؤسسة العسكرية حول الانسحاب من العراق.

–          لقد شهدت انتخابات عام 2012 تحولاً بدرجة غير مسبوقة نحو معالجة قضايا الخيار التناسلي وكيفية بلوغه. وقد شجعت جاريت الرئيس على مواجهة القضية مواجهة مباشرة. ومن القضايا التي يعود لها الفضل فيها لجهة الخيارات السياسية المتاحة، قضية الزامية التأمين لتغطية تحديد النسل، وهي قضية تبناها أوباما في وجه معارضة شديدة من قبل الكنيسة الكاثوليكية واليمين المعارض. كان ذلك صراعاً سياسياً مشهوداً داخل البيت الأبيض بين جاريت واثنين من أبرز الشخصيات الكاثوليكية هما نائب الرئيس جو بايدن، ورئيس هيئة موظفي البيت الأبيض آنذاك بيل دايلي.  ومن ذلك يمكننا أن نرى كيف تعتبر بعض الشلل السياسية عملها هذا بأنه قليل الأهمية من حيث العدالة العرقية والجنسية، بل أقل أهمية من دورها في تنظيم حفلات المكتب. أو حتى في هذا هناك من يرى أنها لا يجوز أن يكون لها مثل هذا القدر الضئيل من النفوذ!

 صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية تصف علاقة أوباما بجاريت، انه بعد عقدين من تعيين جاريت المحامي الشاب باراك أوباما بوظيفة في المجلس المحلي في مدينة شيكاغو، جاء دور أوباما ليعين صديقته القديمة المستشارة الرئيسية في البيت الأبيض ومساعدة الرئيس في شؤون العلاقة بين الحكومة والبيت الأبيض ومستشارة العلاقات العامة.

وفاليري جاريت المحامية الأميركية من أصول إفريقية، برزت في عملها في المجلس المحلي لمدينة شيكاغو حيث كانت مفوضة التخطيط لعمدة المدينة ريتشارد دالاي ومن ثم رئيسة لمصلحة العبور في شيكاغو.

وانضمت جاريت في العام 1995 إلى شركة “هابيتا” (مساكن) في شيكاغو وهي شركة تدير مشاريع لبناء عقارات تتراوح بين عقارات فخمة وباهظة الثمن ووحدات سكنية شعبية. ولجاريت الفضل في تقديم أوباما إلى رجال الأعمال الأثرياء الذين ساهموا في رفع قيمة التبرعات لحملته. ولعبت دوراً بارزاً في تنظيم علاقة أوباما بالخارج إذ ساهمت في تهدئة مخاوف الأميركيين من أصل إفريقي المتوترين حيال فكرة ترشح أول أميركي من أصل إفريقي عن حزب كبير للانتخابات الرئاسية، وساهمت في تحسين صورة أوباما أمام مناصري السيناتور هيلاري كلينتون منافسته في الانتخابات التمهيدية. وبعد انتصاره عينها أوباما أحد رؤساء فريقه الانتقالي.

ووصفت الصحيفة جاريت بأنها هادئة وتشارك أوباما أسلوبه الرزين والهادئ وتعتبر من الأشخاص القلائل الذين يمكنهم التحدث باسم الرئيس بدقة وسلطة، وتعتبر خبيرة في التفاوض وحل النزاعات فضلاً عن النقل والصحة العامة والإسكان.

أذن بحجم العالم: دور الموساد في فضيحة التجسس الأميركية

كتب كريم الخطيب:

لم تسمع “الأذن” الأميركية صراخ الاحتجاجات الأوروبية على فضيحة التجسس الالكتروني العالمية، التي وإن أحرجت البيت الأبيض، إلا أنها لم تدفع وكالة الأمن القومي إلى إطفاء أزرار التنصت على الحلفاء والأعداء.

يثير كشف المعلومات عن برامج المراقبة الواسعة لوكالة الامن القومي – التي تشمل مواطنين اميركيين وقادة دول اجنبية على حد سواء – القلق في الولايات المتحدة بشأن دور وكالة يعتقد البعض انها اصبحت خارجة عن السيطرة.

فمنذ حزيران (يونيو) ادت تسريبات ادوارد سنودن المستشار السابق في الوكالة المكلفة مراقبة الاتصالات والتي كشفت تسجيل معطيات هاتفية لمواطنين اميركيين ومراقبة مكالمات ملايين الفرنسيين والتنصت على الهاتف الجوال للمستشارة الالمانية… الى فتح الباب امام كل الاحتمالات ووضعت ادارة الرئيس باراك اوباما في موقع الدفاع.

على الصعيد الداخلي اضطرت الادارة للاخذ بالاعتبار المخاوف المتعلقة باحترام الحياة الخاصة.  اما في الخارج فقد اضعف الكشف عن هذه المعلومات موقف اوباما ازاء حلفائه الاوروبيين والبرازيل والمكسيك ما حدا بالادارة الى ان تتساءل حول الضرورة التي يشدد عليها مسؤولو الاستخبارات لجمع هذا الكم من المعطيات تحت مسمى مكافحة الارهاب.

يقول المراقبون أن كل شيء تبدل منذ اعتداءات 11 ايلول (سبتمبر) 2001 وصدور القانون الوطني (باتريوت اكت).

وشبهت مجلة “فورين بوليسي” الجنرال كيث الكسندر رئيس وكالة الامن القومي بـ”رعاة البقر” (كاوبوي) ونقلت عن مسؤول سابق في الاستخبارات ان الجنرال لا يأبه كثيرا بالتقيد بالقانون بقدر ما يهمه انجاز العمل.

ورأى غريغ نجيم من مركز الديمقراطية والتكنولوجيا، وهو مركز ناشط من اجل حرية الانترنت انه “بالرغم من كل الاليات التي وضعت لحماية الحياة الخاصة، الحقيقة هي ان المراقبة لا تنجح”.  واضاف “ان احد الاسباب الرئيسية لهذا الفشل هو ان مسؤولي الاستخبارات خدعوا الكونغرس والشعب” بشأن ضخامة جمعهم للمعلومات. “حتى انهم ضللوا” المحكمة الفدرالية المكلفة مراقبة انشطة الاستخبارات.

أين إسرائيل؟

هل كان يحتاج الأمر إلى إدوارد سنودن لكشف مستنقع التجسس الأميركي؟ ربما، على الأقل بالنسبة لـ 35 رئيساً حول العالم، معظمهم حلفاء استراتيجيون لـ”الأخ الأكبر”.

لكن ما لم يقله إدوارد سنودن صراحة، نقلته صحيفة (لوموند) الفرنسية عنه في تقرير لها كاشفة أن جهاز (الموساد) الإسرائيلي متورط بالتجسس على الاتصالات وانه تنصت على أكثر من 70 مليون اتصالاً هاتفياً ورسالة نصية في الشهر الواحد.

وأضافت الصحيفة ان الاتهامات كانت في البداية موجهة نحو وكالة الأمن القومي الأميركية بأنها وراء التجسس على الاتصالات الفرنسية خلال الحملة الانتخابية للرئيس السابق نيكولا ساركوزي ولكنها قالت ان ما لديها من وثائق تشير الى تورط الموساد.

وقالت الصحيفة ان كاتب التقرير وهو الصحافي الأميركي غلين غرينوالد الذي على اتصال دائم مع الموظف السابق في وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن اللاجىء حاليا في روسيا أكد أن الموساد الإسرائيلي وراء عمليات التجسس.

يشار إلى أن اتهام إسرائيل بالتورط في التجسس على الاتصالات ليس هو الأول من نوعه، فقد كانت صحيفة (لوموند ديبوماتيك) الشهرية نشرت في كانون الثاني (يناير) 2012 تقريرا عن وجود محطة تجسس إسرائيلية في صحراء النقب للتنصت على المنطقة، وهي الأكبر والأضخم في العالم.

وذكرت الصحيفة أن مهمة محطة التجسس تتمثل في اعتراض المكالمات الهاتفية والرسائل والبيانات الإلكترونية التي يتم إرسالها عبر الأقمار الاصطناعية وكابلات الاتصالات البحرية الموجودة في البحر الأبيض المتوسط.

وحينها استند معد التقرير للصحيفة إلى مجندة بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في الكشف عن أكبر وأضخم قاعدة من نوعها في العالم، والتي تتمثل مهمتها في اعتراض المكالمات التليفونية والرسائل والبيانات الإلكترونية، التي يتم إرسالها عبر الأقمار الصناعية وكابلات الاتصالات البحرية الموجودة في البحر الأبيض المتوسط، كما أن لديها القدرة على جمع المعلومات الإلكترونية، ورصد اتصالات الحكومات والمنظمات والشركات والأفراد على حد سواء.

ونقل عن المجندة السابقة بوحدة 8200 التابعة للمخابرات العسكرية الإسرائيلية، دون أن يكشف عن اسمها، أن القاعدة تتجسس على عدد من الدول من بينها دول معادية لإسرائيل وأخرى تعتبر صديقة لها، وذكرت أن القاعدة التي تقع بمنطقة (أوريم) بجنوب إسرائيل على بعد 30 كيلومترا من سجن مدينة بئر السبع، تعترض الاتصالات الصادرة من الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا وآسيا، وتشرف على تشغيلها وحدة 8200.

وقالت (لوموند ديبولماتيك) إن المعلومات التي تجمعها القاعدة ترسل للوحدة 8200، وإن القاعدة تخضع لحماية أمنية مشددة، فتبدو أسوارها عالية، وبواباتها كبيرة ومحمية بالعديد من كلاب الحراسة، معتبرةً أن أهم الإنجازات التي قامت بها الوحدة المسؤولة عن تلك القاعدة هو اعتراض الاتصال الهاتفي بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك الأردني الراحل الملك حسين خلال اليوم الأول من حرب حزيران 1967، واعتراض الاتصال الهاتفي بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات و بين المجموعة التي اختطفت السفينة (اكيلي لاورو) في العام 1995.

العرب أيضاً

وبعد القنبلة التي فجرها سنودن، وتحولت إلى “كرة ثلج” آخذة في التدحرج من عاصمة إلى أخرى، وسط معلومات عن أن التجسس لم يكن فقط على حلفاء الولايات المتحدة الغربيين بل شمل الحلفاء العرب، يكشف تريستان آش، وهو ضابط متقاعد في جهاز مكافحة الإرهاب، عن خفايا العالم السري لعمليات التجسس.

 ويوضح تريستان أن “جميع بلدان الشرق الاوسط، من رؤسائها وقادتها وأحزابها، هي على لائحة التنصت اليومي، ومن دون تمييز بين عدوّ وصديق”، لافتاً الى أن “الحزب الوحيد الذي لا يملك بصمة الكترونية تتيح التجسس عليه هو حزب الله ، الذي يستخدم النظام السلكي وليس اللاسلكي”.  ويوضح الضابط أنه “من المستحيل مراقبة جميع الخطوط في الشرق الاوسط دون التواطؤ مع السلطات المحلية التي تقوم في اغلبها بتسهيل المهمة علينا”.

وبؤكد آش في مقابلة مع صحيفة “الرأي”، أنه “بعد عملية القاعدة في 9/11 أُعطيت الاوامر بجعل وتحويل كل سفارة في العالم الى مركز تنصت معزَّز، وتم تزويد البعثات الديبلوماسية بأجهزة تنصت عالية الدقة حتى اصبحْتَ ترى داخل كل سفارة قاعدة شبيهة بمحطة الناسا الفضائية. ولهذا بات لكل سفارة دور مهم بالمراقبة والتنصت، وكذلك السفن الحربية العسكرية المتمركزة قبالة الشواطئ المستهدفة، والتي سهلت عملية الاستقبال والتجسس الالكتروني على كل رئيس دولة أو مسؤول سياسي أو عسكري، وعلى عائلات هؤلاء، فأصبحوا جميعاً تحت المراقبة الايجابية بغرض حمايتهم، أو سلبية بغرض التجسس عليهم وجمع المعلومات لتحديد نقاط الضعف وأفضل طرق التعامل معهم. وهذه الخريطة الشخصية تساعد أجهزة المخابرات المتخصصة لمعرفة ماذا يكره هذا الرئيس، وما المشاكل العائلية التي يتعرض لها؟ هل يزور الطبيب، ولماذا؟ هل أحد من افراد عائلته بحاجة للعلاج؟ هل يحتاج الى ارسال اولاده أو اقربائه للتعليم في الخارج أم لايجاد فرص عمل معينة في بلد معين؟ هل لديه عشيقة سرية واحدة أو اكثر؟ وماذا تفعل هذه العشيقة ومدى تأثيرها عليه؟ هل لديه معلومات مهمة في اجهزة الهاتف المحمول أم في اجهزة الحاسوب؟ هل يحب الترف أم يحب الالبسة الحديثة من ماركة معينة؟ هل يحاول تخفيف وزنه ولا ينجح في ذلك؟ كل هذه الاسئلة وغيرها تساعد على بناء ملف كامل عن كل شخص ليحللها الضابط المختص ويخرج بتوصيات وبخلاصة عن نقاط الضعف ونقاط القوة عن كل شخصية مستهدفة سلباً أم ايجاباً”.

ويتابع الضابط : كل الاجهزة المتوافرة اليوم تُعتبر غير موثوقة، أي يستطيع المراقب تشغيل الجهاز والكاميرا والميكروفون حتى ولو كان مغلقاً، والمضحك في الأمر أن اكثر المسؤولين لا يحتفظون بأجهزة الهاتف الخاصة بهم بل يسلّمونها الى المرافق ويبدّلون أجهزتهم باستمرار. فيكفي أن تراقب الكترونياً حركة المرافق الشخصي أو الأرقام التي يتصل بها أو تتصل بهذا المسؤول باستمرار، حتى تعاد رسم الخريطة الالكترونية من جديد للشخص الهدف”.

ويشرح ضابط المخابرات السابق أن “اوستراليا، كندا، نيوزيلندا، بريطانيا والولايات المتحدة أنشأت وحدة اسمها العيون الخمس، ولديها أجهزة اتصال في كل أنحاء العالم وحول العالم تلتقط منها كل ذبابة تحلق في السماء بغض النظر عن صاحبها. وهذه الوحدة هي مجموعة أجهزة أمنية في كل من البلدان الخمسة متخصصة بالتنصت الالكتروني، وهي GCHQ البريطانية، NSA  الاميركية، CSE  الكندية،  DSD الاسترالية، GCSB  النيوزلندية. وهذه الاجهزة المخابراتية تتعاون في ما بينها وتتبادل المعلومات وتجتمع دورياً لتطوّر نفسها وتشرح ما لديها”.  ويضيف الضابط الرفيع السابق في مكافحة الارهاب أن «اجهزة أخرى صديقة تتعامل مع العيوان الخمس، ومنها الوحدة الاسرائيلية المسماة بيهودا سموني يتاييم أو وحدة الـ8200. وهي وحدة موجودة اساساً في صحراء النقب ولديها قدرة تفوق قدرة التنصت للقاعدة البريطانية الموجودة في آيوس نيكولايس في فامأغوستا في قبرص”.

ويقول الضابط إن التنصت الالكتروني لا يقتصر على التنصت لأغراض عسكرية أو لمنع عمليات ارهابية قبل حدوثها، بل يذهب الى التجسس الصناعي ايضاً “فقد استُخدمت التكنولوجيا لمعرفة نوايا العرب بما يتعلق بالاقتصاد والنفط وشراء المعدات الحربية، والتي تُعتبر اساسية للغرب ولاقتصاده”.

تسوية “ألف ألف”: هل ينجح روحاني في “تخصيب” العلاقات الايرانية – الأميركية؟

كتب كريم الخطيب:

هل بدأت مرحلة “ألف ألف”؟  فعملية كسر الجليد الإيراني – الأميركي تنبئ بـ”ربيع” فارسي في المنطقة قد يمهد إلى ما يسمى بـ”الصفقة الكبرى” التي تعيد رسم خريطة “سايكس بيكو” بنفوذ روسي جديد يمتد من إيران مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان.  والفضل بذلك إلى “الدبلوماسية الناعمة” التي انتهجها الرئيس الايراني حسن روحاني … لـ”إعادة الروح” إلى العلاقات مع الغرب.

روحاني في الأمم المتحدة

روحاني في الأمم المتحدة

تبدو طهران مستعجلة لكسر الجليد مع الخصوم والأعداء.  فالرئيس حسن روحاني المحصّن بدعم داخلي مطلق من المرشد الأعلى للثورة الايرانية، لم يجد أي عائق في ممارسة “سحره” الدبلوماسي على الغرب.  فكلماته وأفعاله في الجمعية العامة للأمم المتحدة دفعت بالرئيس الأميركي باراك أوباما بإجراء الاتصال الهاتفي الأول مع نظيره الايراني منذ أكثر من 30 عاماً.  وجعلت أشهر المحللين الغربين أن يدقّوا في مقالاتهم الأجراس لقرب التسوية المريحة التي يخرج منها الجميع بمكاسب لم يكونوا ليحصلوا عليـــها وهم علـــى طرفـــي النقـــيض.

بالنسبة إلى أميركا، تبدو إيران أكثر انفتاحاً على الحلول، لكن ذلك لا يعني تراجعاً على صعيد المبادئ. إيران تعلم بأن هناك تبادلاً لانعدام الثقة بينها وبين الولايات المتحدة، وهي تقول إن السبب الرئيسي لهذا الأمر هو قرار الولايات المتحدة منذ قيام الثورة، بأن الجمهورية الإسلامية عدوها، وعلى الصعيد السياسي والأمني إصرار واشنطن على دعم إسرائيل ورفض إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، إلى جانب ذلك إصرار واشنطن على رفض المشروع النووي الإيراني.

أما الملف السوري، فهو وإن قسم الكرة الأرضية بين مؤيد ومعارض وداعم ومتحفظ، فيبدو أنه للمرة الأولى قرب بين الإيرانيين والأميركيين، عبر حملة العلاقات العامة النشطة التي قام بها روحاني وفريقه في أروقة الأمم المتحدة مع زعماء ووزراء غربيين، الأمر الذي اعتبره المراقبون بأنه يدل إلى حل يدور في فلك السياسة.

جسور روحاني

وإذا كان الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد قد أثار موجة من الاستياء لإبداء رأيه حول المحرقة، فإن الرئيس الايراني الجديد اغتنم فرصة وجوده في نيويورك ليقول ان “كل جريمة ضد الانسانية، بما فيها الجرائم التي ارتكبها النازيون ضد اليهود، تستحق الشجب والادانة”.

وهنا يقول المحلل في مؤسسة “راند كوربوريشن” للبحوث علي رضا نادر أن روحاني “يعرف ما يقلق الولايات المتحدة، ويعرف ايضا كيف يجتذب الاخرين وكيف يستخدم الدبلوماسية”. واضاف انه “يتفهم هواجس الغربيين ووسائل الاعلام اكثر بكثير من معظم المسؤولين الايرانيين”، مذكرا بأن روحاني انهى قسما من دروسه في اسكوتلندا. لكنه لفت الى ان “لكلا البلدين مصالح مختلفة والجاذبية وحدها لا يمكن ان تؤدي الى اتفاق دبلوماسي”.

من جهته يعتبر المدير التنفيذي لـ”مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات” مارك دوبوفيتز ان “من وجهة نظر روحاني، سجل أسبوعه في الامم المتحدة نجاحا باهرا، وبلغت انعطافة روحاني ذروتها”. لكنه لاحظ “انقضى الاسبوع ويمكن ان تكون هذه الانعطافة قصيرة المدى”.

ويلاحظ رئيس مجلس الشورى الايراني المحافظ علي لاريجاني ان “لهجة المسؤولين الاميركيين تغيرت في هذه الايام الاخيرة لكن يتعين ان يظهروا في الواقع انهم غيروا فعليا سياستهم حيال ايران”. واضاف “يجب ان لا يتصورا اننا تحت الضغط وتعبنا من المقاومة، على العكس، والحل الوحيد بالنسبة للولايات المتحدة هو التخلي عن استخدام لغة التهديد”.

كما يحذر محمد علي بصيري استاذ العلاقات الدولية في مقال في صحيفة اعتماد من “المتطرفين” المعارضين للاتصالات بين قادة البلدين. واوضح انه “اضافة الى المتطرفين (داخل البلاد) المناهضين لتحسن العلاقات بين ايران والولايات المتحدة هناك ايضا معارضون في المنطقة. فالكثير من الدول وخصوصا النظام الصهيوني، ترى ان مصالحها ستكون في خطر في حال تم تطبيع العلاقات بين ايران والولايات المتحدة، وتسعى الى منع ذلك”.

لكن المحلل السياسي سعيد ليلاز يرى انه “ما من داع للقلق من المتطرفين (في الداخل) اذا استمر انسجام الحكومة مع المرشد الاعلى بشأن السياسة الداخلية والخارجية” وان “عتاة المتشددين يمكن السيطرة عليهم”.

ويؤكد الناطق باسم لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى حسن نجفي من جهته ان “روحاني يملك تفويضا (من المرشد الاعلى) للحوار مع اوباما”.

الهاجس الاسرائيلي

لكن في إسرائيل رأي آخر أكثر تحفظاً وتشكيكاً في الانفتاح الايراني على الغرب. إذ يرى المحللون الاسرائيليون أن روحاني “سيحافظ على ابتسامته حتى تنتهي طهران من صنع القنبلة”.

ورغم الخوف الإسرائيلي من إيران، إلا أن التغيير العربي يساعد السياسة الإسرائيلية بشكل كبير، إذ يلحق الجيش المصري الأذى بحركة حماس، من خلال قطع الأنفاق على الحدود مع قطاع غزة، وتستمر من جهة أخرى محادثات السلام الفلسطينية (رغم أن المسؤولين الفلسطينيين يرون أنها لن تفضي لأي حل).  كما أن اهتزاز أكبر جيشين في المنطقة، السوري والعراقي، يصب في المصلحة الإسرائيلية، وتبدو ثقة تامة على أوجه المسؤولين الإسرائيليين بقدرتهم على منع أي تهريب لسلاح كيميائي إلى حزب الله، في الوقت الذي يبدون فيه واثقين أيضاً من احتواء أي حركة سنية متشددة، يمكنها أن تنشأ في سوريا.

الواضح حتى الآن، ان الاستراتيجية الإيرانية الجديدة في التفاوض، انتجت شكوكاً لدى الطرف الاسرائيلي تجاه خلفيات الموقف الأميركي الذي قد يبني مسارات جانبية مع طهران. مسارات قد تأتي على حساب حلفائها الآخرين، وهو ما عكسته «معاريف» التي كشفت عن خشية اوروبية من ان تكون الولايات المتحدة وايران تؤسسان بينهما قناة ثنائية للمحادثات المباشرة، التي ستقود الى تفكيك مجموعة «5+1». وفي حال حصول ذلك، فإن كلاً من بريطانيا وفرنسا والمانيا، ستُدفَع الى الزاوية. انطلاقاً من المخاوف نفسها، سمع مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى من نظرائهم الأوروبيين تحذيرات من موقف الادارة الاميركية التي قد توافق على اقتراح إيراني جزئي للرقابة على المنشآت النووية، في مقابل تخفيف العقوبات، التي تشكل أحد الانجازات النوعية للدبلوماسية الاسرائيلية.

في سياق متصل، رجّح المبعوث الأميركي السابق للشرق الاوسط دنيس روس، في مقالة نشرتها «واشنطن بوست» ونقلتها «معاريف»، ان يدفع الغاء الضربة العسكرية ضد سوريا، اسرائيل، الى القيام بعمل عسكري ضد ايران، معتبراً ان ذلك يعود لسببين: الأول، انه في اللحظة التي سيتضح فيها ان الولايات المتحدة غير قادرة على استخدام القوة ضد سوريا، سيضعف موقف الرئيس الايراني، الذي ما انفك منذ صعوده الى سدة الحكم يُرسل اشارات عن رغبته بالتوصل إلى صفقة تتعلق بالملف النووي لبلاده. ونتيجة ذلك، يصبح بإمكان صقور الحرس الثوري والدائرة المحيطة بالزعيم الروحي الايراني علي خامنئي، الادعاء أن مواصلة ايران السعي إلى امتلاك السلاح النووي لن تجعلها تدفع ثمناً عسكرياً لامتلاكها، وان ذلك سيقتصر على عقوبات اقتصادية، وهو ما سيعزز موقعها في المنطقة ويزيد قوتها على الردع، فيما سيرى العالم ان العقوبات فشلت وانه ان الاوان لقبول الامر الواقع. في الوقت نفسه، ستصطدم ادعاءات روحاني حول المجازفة وتعريض استقرار النظام للخطر بواقع اسقاط الخيار العسكري، ما يعني التسليم بقبول ايران نووية. وفي ضوء ذلك اسرائيل لن تقبل هذا الواقع. السبب الثاني، بحسب روس، يتمثل بأن عدم التصديق على ضربة عسكرية أميركية ضد سوريا، سيجعل اسرائيل تشعر بأن لا مبرر للانتظار، ولا يوجد ما يدعو لإعطاء فرصة للدبلوماسية، والتصديق بأن تقوم الولايات المتحدة بمعالجة القضية.

ايران – السعودية

وإلى جانب الهواجس الاسرائيلية من روحاني، لا بد من تسليط الضوء على العلاقات المسمومة بين طهران والرياض، والتي تسمم بدورها أي تسوية في المنطقة.

ففي سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين تدعم كل من السعودية وايران قوى بالوكالة في صراعات إما مستترة أو علنية يروح ضحيتها الالاف شهريا.

لكن روحاني يقول إنه يريد أن يقيم علاقة ودية مع السعودية. ومما يبعث على الامل في حدوث ذلك خبرة الرئيس الإيراني الجديد في التفاوض مع الرياض.  لكن لا يرى كثيرون أن بمقدور روحاني أن ينزع السم من الخصومة القائمة بين الدولتين.

وعندما كان روحاني رئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران في العام 1998 قضى ليلة بأكملها في التفاوض مع الأمير نايف وزير الداخلية السعودي الراحل بشأن اتفاقية أمنية مع المملكة بعد توتر دام سنوات.

وبتوقيع هذه الاتفاقية تغاضى الملك عبد الله عن شكوك سعودية وأميركية في مسؤولية إيران عن تفجير ثكنات أميركية بمدينة الخبر السعودية عام 1996. كما نحت إيران جانبا ذكريات ما حدث في موسم الحج عام 1987 عندما قتل المئات من حجاجها في اشتباكات مع قوات الأمن السعودية.

يقول روبرت غوردان سفير الولايات المتحدة في الرياض من عام 2001 إلى 2003 “الملك عبد الله يعرف روحاني منذ فترة. أعتقد أن علاقتهما طيبة وأفضل بكثير من علاقته بأحمدي نجاد. يمتلك الاثنان قدرة على التواصل بقدر من الاحترام.”

لكن رغم أن التاريخ قد يبشر بانفتاح في الجانبين إزاء فكرة التعاون يرى محللون ومسؤولون ودبلوماسيون أن فرصة التقارب محدودة.  فالظروف ساءت بكثير عما كانت عليه عند توقيع الاتفاق الأمني قبل 15 عاما مع كثرة الحروب الأهلية والانتفاضات بالمنطقة.

ولا تعقد السعودية آمالا. وشبه عبد الله العسكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي الفارق بين روحاني وأحمدي نجاد بالفارق بين “كوكاكولا وبيبسي.”  وقال لرويترز “لا أعتقد أنه سيفعل مثلما فعل أحمدي نجاد ويتحدث بغلظة… لكن عندما يصل الأمر إلى الملفات الرئيسية أعتقد أنه سيعمل داخل إطار يرسمه خامنئي.”

ولأنه من غير المرجح أن يعدل روحاني عن السياسات التي تعارضها السعودية بشدة لا يبدو هناك مجال كبير لحدوث تقدم بخلاف وجود نبرة أقل عدائية.  إذ يقول علي أنصاري أستاذ التاريخ الايراني في جامعة سانت اندروز البريطانية “إن مستوى الضرر الذي حدث في فترة الثماني إلى العشر سنوات الماضية غير عادي مما يثير سؤالا عما إذا كان الايرانيون يعتقدون أن بإمكانهم تجميل الأمر وحسب أم أنهم مستعدون لاجراء تغييرات حقيقية.”

ومع هذا فإن اتخاذ إيران خطوات مثل استخدام لغة أكثر ميلا للمصالحة في البث الاعلامي المتعلق بالبحرين ودول خليجية أخرى ووقف دعم جماعات يمنية قد تلطف الموقف.  ولا يتوقع دبلوماسيون في الخليج تحركا يذكر في قضايا هامشية ولا يرون فرصة كبيرة في استجابة الرياض لمبادرات إيران دون حدوث تغيير كبير في السياسة.

عزلة إيران النووية

لا شك في أن فوز حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية أثار آمالا عريضة بوجود فرصة لإحراز تقدم فيما يتعلق بإيجاد حل للتوترات التي تكتنف البرنامج النووي في إيران.

ويتفق الخبراء على أنه ورغم كل المعوقات التي تحول دون الوصول إلى صفقة ما، فإنه يجب استغلال هذه اللحظة من قبل جميع الأطراف.  وبحسب ترتيا بارسي، مؤسس المجلس الوطني الإيراني الأميركي ورئيسه، فإن تلك “قد تكون هي آخر أفضل فرصة” فيما يخص هذه القضية.

وقال بارسي “كانت المباحثات قد وصلت بين الطرفين خلال الأعوام القليلة الماضية إلى طريق مسدودة، إلا أن الاحتمالات بانفراجة أصبحت قائمة الآن”.

ويشاركه في وجهة النظر هذه مارك فيتزباتريك، وهو أحد العاملين في برنامج حظر الانتشار ونزع السلاح بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن.

وقال فيتزباتريك “يعتبر هذا الوقت وقتا فريدا يظهر فيه الطرفان استعدادا للتعاون. وعادة في السابق، وعندما كان أحد الطرفين يظهر استعدادا للمفاوضات الجادة، كان الطرف الآخر لا يبدي ذلك الاستعداد. أما الآن، فإن كلا من واشنطن وطهران تبحثان عن سبيل للمضي قدما من خلال السبل الدبلوماسية”.

وأضاف فيتزباتريك “من ناحية واشنطن، فإنه سيكون عليها أن تقبل بتخصيب إيران لليورانيوم بدرجة معينة إلى جانب رفع جزء من العقوبات الاقتصادية عن هذه الأخيرة، وهو ما يتخطى بكثير المفاوضات التي كانت قد طرحت في السابق”.

من بوسطن إلى دمشق: “ماراثون” روسي – أميركي ضد الاسلاميين؟

كتب المحرر السياسي:

هل يعيد “11 أيلول البوسطني” خلط الأوراق الأميركية – الروسية، بعد التجاذبات السياسية التي شهدتها العلاقات بين البلدين على خلفية صراع النفوذ في دول “الربيع العربي”، لا سيما في ليبيا وسوريا؟  فالأصول الشيشانية للمشتبه فيهما في تفجيري بوسطن الأخيرة قد تدفع بموسكو وواشنطن إلى التقارب والتنسيق في مواجهة “عدوهما الجهادي” المشترك.

تتصدر قضية المشتبه فيهما في تفجيري بوسطن حاليا واجهة العلاقات الأميركية – الروسية التي دخلت مرحلة الجمود منذ حملة الناتو لإنهاء حكم العقيد الليبي معمر القذافي.

من تفجير بوسطن

من تفجير بوسطن

ويقول المراقبون أن طريقة مقاربة “الربيع العربي” لم تكن وحدها سبب الاختلاف بين الجانبين، بل امتدت إلى قضايا حقوق الإنسان في أعقاب ما شهدته موسكو من حركة للمجتمع المدني ضد الكرملين.

كان من نتائج الحملة العسكرية الروسية في الشيشان تدمير مناطق واسعة من هذا الإقليم، ولم يجد الشيشانيون فرصة سوى المواجهة خارج أراضيهم سواء في موسكو أو في العراق وأفغانستان وسوريا.

من هنا تحولت خشية روسيا إلى مواقف في مجلس الأمن ضد التحرك في ليبيا وسوريا خشية من اقتراب المد الإسلامي من أراضيها. وبحسب تحليل لصحيفة “واشنطن بوست”، فإن موسكو اعتقدت بأن الأموال الخليجية لدعم المتشددين ستعود إلى أراضيها بعد الانتهاء من سوريا.

لا يعرف حتى الآن الأسباب التي دعت مقاتلي الشيشان لشن هجمة في الولايات المتحدة هي المحاولة الناجحة الوحيدة منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

كما أن شن هجمة من قبل الأقلية الشيشانية في الولايات المتحدة كانت مستبعدة في ظل أعداد اللاجئين الشيشانيين القليلة بحسب تقديرات صحيفة “يو إس إيه توداي”، إذ يصل عددهم إلى 200 لاجئ، ونحو 70% منهم من النساء.

 روسيا حضرت في النقاشات المطروحة. والتحليلات ذهبت الى حدّ التكهن بأن تؤثر نتائج تحقيقات بوسطن على المساعي الدبلوماسية الأميركية ـــ الروسية حول سوريا. وبما أن المشتبه فيهما إسلاميان متطرفان سيرجّح ذلك الكفّة لصالح الطرف الروسي الذي طالما حذّر من دعم المجموعات المتطرفة في سوريا. فالنظام الروسي يدعم نظام بشار الأسد ويعارض أي تسليح للمعارضة السورية، تحت عنوان أن «السلاح يذهب الى أيدي المتطرفين الإرهابيين». وهنا، سيكسب الرئيس فلاديمير بوتين نقاطاً إضافية تدعم وجهة نظره تلك، وخصوصاً أن حكومته كانت قد حذّرت سابقاً من أحد المتورطين في تفجيري بوسطن.

ماذا سيكون موقف الرئيس باراك أوباما الآن بعد أحداث بوسطن في ما يتعلق بتسليح المعارضة السورية التي تضمّ في صفوفها عناصر مرتبطين بـ«القاعدة» وآخرين من الشيشان؟ سأل بعض المحللين. «كما في الشيشان كذلك في سوريا، هكذا ستتحدث روسيا عن محاربتها للمجموعات الإرهابية المتطرفة»، أردف آخرون.

ويبقى اللافت في تغطية الإعلام الأميركي لتطورات أحداث بوسطن في الأيام الأخيرة، حالة الإنكار التي عاشها معظم الصحفيين حول الدور الأميركي في الشيشان ودعم واشنطن المجموعات الإسلامية المتطرفة ضد النظام الروسي منذ منتضف التسعينيات. تيّار كبير في الخارجية الأميركية وفي البنتاغون كان يعارض بشدة، ولا يزال، المحاولات الروسية للقضاء على الحركات المتمردة المتطرفة في الإقليم. وللرؤساء الأميركيين المتعاقبين ومسؤولي إداراتهم تصريحات علنية منذ عام 1994 تركّز على «استنكار الأفعال الروسية في الشيشان وانتهاكها لحقوق الإنسان هناك ودعوتها للتفاوض مع المتمردين».

في عام 1999 نشرت صحيفة «ذي نيويورك تايمز» مقال رأي كتبه كبير المحللين السياسيين في السفارة الأميركية في موسكو (1994 ــ 1997)، يفنّد الطرق التي يجب أن تعتمدها إدارة بيل كلينتون للضغط على النظام الروسي بغية وقف حربه على المتمردين الشيشانيين. ومن بينها يذكر المقال، «فرض حصار مالي على روسيا وزيادة دعمنا لجورجيا التي تواجه ضغوطاً من موسكو بسبب مساعدتها المزعومة للمتمردين الشيشانيين». «ذي نيويورك تايمز» سمّت حينها المقاتلين الشيشانيين بـ«المتمردين» وليس «الإرهابيين». لكن الصحيفة ذاتها، كتبت بعد تفجري بوسطن عن «الدعم الاستخباري الذي قدمته واشنطن لموسكو في السنوات الماضية حول الشيشان» وعن «نأي القادة الأميركيين بأنفسهم عن السياسات الروسية التي دمّرت غروزني وتسببت بمقتل عشرات الآلاف من المواطنين».

«ذي لوس أنجلس تايمز»، سردت بدورها، وعلى طريقتها تاريخ الأزمة الشيشانية، محمّلة روسيا مسؤولية التطرف في الإقليم وبطريقة غير مباشرة مسؤولية انتقال الصراع الى خارج حدود الشيشان، مروراً بباكستان وأفغانستان والعراق لتطال أخيراً الولايات المتحدة.