أي إيران نختار؟

walidالموقف مع إيران أو ضدها بالغ التعقيد.

لا بد أن نكون معها عندما تستهدفها الولايات المتحدة وإسرائيل. وضدها عندما تستهدفنا هنا وهناك.

إنها معادلة صعبة … وأصعب ما فيها دخول القضية الفلسطينية على الخط.

لقد علّم العربُ إيران على المتاجرة بفلسطين، فسبقتهم إلى أسواقها!

ها هي تلبس قناعاً فلسطينياً يلزمنا بالإندفاع خلفها. وكأن لا أحد من العرب أمامها … حتى منظمة التحرير بكل فصائلها.  فهي تحتكر حلم التحرير إعلامياً وخطابياً. وتتشدد في طرد إسرائيل من المنطقة. ومسحها من خريطة الطريق إلى فلسطين من نهرها إلى بحرها.

ومما يزيد الموقف من إيران تعقيداً، أننا إذا نبشنا التاريخ، نكتشف أنه، وقبل 23 عاماً من نكبة فلسطين، ارتكب الفرس بحق الأمة العربية نكبة الأحواز. فكما أعلن البريطاني بلفور وعداً أعطى فيه فلسطين العربية لليهود، فقد سبق وغد بريطاني آخر وهب الأحواز العراقية للفرس.

على متن طراد إنكليزي في العام 1925، تم تسليم الشيخ خزعل الكعبي حاكم الأحواز لجنود الشاه.

أسروه ثم أعدموه.

وإذا تمادينا في نبش التاريخ، نكتشف أيضاً أنه قبل مجزرة دير ياسين في فلسطين، كانت ثمة مجازر كثيرة مماثلة في الأحواز. استوطنت على أثرها عائلات إيرانية إحدى جنات الأرض وأكثرها ثروة وغلالاً. وبذلك يكون الإستيطان الفارسي في بلاد العرب، قد سبق الاستيطان الإسرائيلي بربع قرن.

لهذا لا نحتاج للتأكيد على أن الأحواز هي “النكبة الأولى”. وعليه تكون فلسطين هي نكبتنا الثانية.

فأي إيران نختار؟

تلك التي تعلن ليلاً نهاراً عزمها على إخراج المغتصب الصهيوني … أم تلك التي تكاد تمحو من ذاكرتنا وجود المغتصب الفارسي؟

هذه الإزدواجية الإيرانية أصابتنا بالحول.

ها نحن نراها قد جهّزت “فيلق القدس” … وفي ذات الوقت، نرى الفيلق الجرار يجر نفسه إلى سوريا والعراق واليمن، مبتعداً عن القدس ومسجدها الأقصى.

من النادر إختلاط الشك باليقين. فهذا أمر يتسبب بتناقض المشاعر، بحيث يستحيل التمييز بين الخطأ والصح في المواقف.

وإذا عدنا إلى حول الإزدواجية الإيرانية، فإنه لم ينجح في حرف أنظارنا عن جزر الإمارات المحتلة. ولا عن الأطماع في البحرين. ولا عن استهداف السعودية بالصواريخ البالستية. ولا عن بناء أحصنة طروادة في اليمن ولبنان والعراق.

لقد وضعتنا إيران في “حيص بيص”. وعليها أن تخرجنا من ريبتنا، وذلك بأن تبتعد عن سياسات مريبة.

عليها أن تسعى إلى علاقات عربية صحيحة وصحية، تنصرها في مواجهة ما يهددها ويهدد إقتصادها.

ليقف العرب إلى جانبها، من واجبها أن تجنِّب المنطقة المذهبية وشرها المستطير. وإذا كنا أخوة في الدين حقاً … فلنكن حقاً أخوة في الدنيا.

وليد الحسيني

Advertisements

آمال كربول: أطلب السياحة ولو في إسرائيل

كتب منصف العلوي:

مثيرة للجدل، أنيقة وتهوى الصعاب.  إنها آمال كربول وزيرة السياحة التونسية، التي خطفت الأضواء منذ ظهورها الأول في مقاعد حكومة مهدي جمعة.

خلال الجلسة التي عقدها المجلس الوطني التـأسيسي (البرلمان التونسي) لمنح الثقة لحكومة مهدي جمعة، كشف أحد النواب عن أن آمال كربول “زارت إسرائيل”. جاءت بعض التدخلات عنيفة جدا وأكد عدد من النواب أنهم “لن يمنحوا الثقة لوزيرة زارت إسرائيل”. هذه الجلسة كانت تبث على الهواء في التلفزيون الرسمي التونسي، وركزت الكاميرا ليلتها أكثر من مرة على ملامح آمال التي بدا عليها شيء من الاضطراب، لكنها بقيت متماسكة إلى حين تناول مهدي جمعة الكلمة للرد على مداخلات النواب، ليقول إن وزيرة السياحة المرشحة أكدت له أن “زيارتها لإسرائيل لا تعدو أن تكون سوى توقف في مطار تل أبيب في طريق توجهها للأراضي المحتلة في إطار مهمة نظمتها منظمة أممية لصالح شباب فلسطينيين ستقوم بتكوينهم، وأن السلطات الإسرائيلية أساءت معاملتها لأنها تونسية وعربية ومسلمة”.

وقتها تعهد مهدي جمعة بأنه مستعد “في حالة ثبوت أي مآخذ جدية على آمال كربول أو أي مرشح آخر لمنصب حكومي لإعادة النظر في تركيبة حكومته”.

محور الأحاديث والحوارات

وانقسمت الطبقة السياسية وحتى عموم التونسيين إلى مساند للوزيرة أو معارض لها. وحفلت صفحات “فيسبوك” بالتعليقات واختلطت الحقائق بالشائعات. وقام البعض بإحداث صفحات مؤيدة للوزيرة، في حين قام آخرون بإحداث صفحات معارضة لها تطالب بعدم ضمها للحكومة. وتجند كل طرف للدفاع عن وجهة نظره. وقام البعض بنشر صور عائلية خاصة للوزيرة على صفحات التواصل الاجتماعي الشيء الذي “أثار غضبها”، حسب قول أحد المقربين منها.

صمدت الوزيرة وصمتت إلى حين أدائها القسم عضوا للحكومة الجديدة لتقول بعد ذلك مباشرة إنها “وضعت استقالتها على مكتب رئيس الحكومة ليتخذ ما يراه صالحا لو ثبت عكس الرواية التي قدمتها حول زيارتها لإسرائيل”. ورأى أحد المراقبين للشأن السياسي التونسي أن قضيتها “أول امتحان صعب ليس للوزيرة فحسب بل لرئيس الحكومة نفسه”.

شخصية قوية

أظهرت آمال كربول منذ توليها وزارة السياحة أنها تتمتع بشخصية قوية وتجلى ذلك من خلال أول القرارات التي اتخذتها في الوزارة؛ إذ بادرت منذ الأسابيع الأولى لتوليها مهمتها بتعيين رئيس ديوان جديد، واستقدمت من خارج الوزارة مديرة للتسويق الخارجي. ولئن لم تثر هذه التعيينات ردود فعل كبيرة وقتها فإن إقدام الوزيرة على إقالة المدير العام لديوان السياحة، وهي الخطة التي تعد من أبرز المناصب في الوزارة قد أثار ضجة جديدة، خاصة أن الإقالة تمت والرجل في مهمة رسمية بالخارج.

ورأى البعض في هذه الإقالة دليلا على قوة شخصية الوزيرة وتمسكها بممارسة صلاحياتها بالكامل، في حين رأى آخرون في هذه الإقالة نوعا من التجني، مبينين أنه كان من الأفضل أن تجري بشكل مغاير.

أما التصريحات الإعلامية للوزيرة فجاءت “بعيدة عن اللغة الخشبة” حسب وصف أحد أصدقائها الذي أضاف أنها “تقول بتلقائية كاملة ما تفكر فيه”، معترفا بأن البعض نصحها بضرورة “انتقاء عباراتها” وهو ما يفسر قلة تدخلاتها الإعلامية فيما بعد.

الضجة الكبيرة الثانية التي أثيرت حول وزيرة السياحة التونسية كانت بمناسبة إشرافها على تظاهرة للموسيقى الرقمية “التكنو” أقيمت في جنوب البلاد على مشارف الصحراء التونسية حيث فاق الحضور وخاصة من بين الشباب التونسي والسياح الأجانب كل التوقعات. وخاطبت يومها الوزيرة الحاضرين بروح شبابية وبكثير من الحماس والتلقائية. ولكن بعض مقاطع الفيديو أظهرت أن عددا من الحاضرين كانوا بصدد تناول مشروبات كحولية، وهو ما اعتبره البعض ترويجا لـ”ثقافة مائعة” وفيه “تشويه لصورة تونس”، حسب رأيهم. ورغم النجاح الجماهيري والإعلامي الذي حققته هذه التظاهرة فقد تعرضت الوزيرة إلى حملة جديدة واسعة من الانتقادات شارك فيها بعض نواب المجلس الوطني التأسيسي ورجال الدين، لكن الوزيرة وجدت السند من جديد من كثير الجهات التي دافعت عنها داعية إلى أهمية تجنب تحميلها وزر تصرفات فردية لسياح أو لشباب شاركوا في هذه التظاهرة.

وبعيدا عن هذا الجدل الذي فرضته بعض المستجدات العابرة، ماذا عن القدرات المهنية لآمال كربول؟ هل يمكن وصفها بأنها الشخص المناسب في المكان المناسب؟ وهل بإمكانها أن تخدم السياحة التونسية وأن تقدم الإضافة لقطاع يعاني منذ ثلاث سنوات أزمة خانقة؟

يرى المراقبون أن الوزيرة بحكم إقامتها لسنوات كثيرة في أوروبا تعرف جيدا ما ينتظره السائح الأوروبي من السوق التونسية وهي لذلك أشارت منذ الأيام الأولى لتوليها الوزارة لأهمية النظافة والعناية بالمحيط. كما عبرت عن رغبتها في إقامة مشاريع مشتركة مع وزارة الثقافة لاستقطاب نوعية جديدة من السياح تبحث عن أشياء أخرى عدا أشعة الشمس وشواطئ البحر. كما أن إتقان الوزيرة وبشكل جيد جدا لثلاث لغات أجنبية هي الألمانية والإنكليزية والفرنسية بالإضافة إلى اللغة العربية، يعد شيئا مهما جدا سيساعدها على الترويج للسوق التونسية.

وتتميز كربول بمعرفة عميقة بواقع السياحة التونسية؛ فهي من أبناء جزيرة جربة من أبرز معاقل السياحة التونسية وقد أمكن لها التعرف على القطاع لأنها غالبا ما قضت عطلتها في هذه الجزيرة وتعرف جيدا نقاط الضعف التي يجب العمل عليها بشكل عاجل.

يقول من يعمل معها في الوزارة، إن كربول مختلفة عمن سبقوها في طريقة عملها، وإنها تعمل كثيرا ولا تعترف بالمصاعب: تبدو وكأنها تبحث دوما عن المصاعب إلى حد التحدي وبشيء من الاستفزاز أحيانا.

ولعل من حسن حظ الوزيرة أن التقديرات تشير إلى ارتفاع نسق حجوزات السياح من مختلف الجنسيات نحو تونس خلال الموسم السياحي الصيفي الحالي، ولكن ذلك يعود بالأساس حسب المختصين إلى الانفراج السياسي الذي عرفته البلاد بعد تشكيل حكومة مستقلة والمصادقة على دستور جديد للبلاد وليس لعمل وزارة السياحة التي هي الآن بصدد ضبط خطط عمل جديدة.

ولدت آمال كربول في 25 أبريل (نيسان) سنة 1973 بتونس العاصمة من عائلة تعود أصولها إلى جزيرة جربة السياحية، وهي عائلة ليست غريبة تماما عن عالم السياسة حيث تحمل والدها محمد كربول في السابق مسؤوليات حزبية في التجمع الدستوري الديمقراطي ووظائف حكومية ودبلوماسية كما شغل منصب سفير تونس لدى ألمانيا، وهو ما يفسر اختيارها القيام بدراستها الجامعية في ألمانيا في مرحلة أولى قبل أن تواصلها في كل من إنكلترا والولايات المتحدة.

تشغل منذ سنة 2013 منصب سفيرة المصلحة العامة لدى مؤسسة “بي إم دبليو ستيفتونغ هربرت كوندت” ببرلين ولندن. أسست سنة 2007 مؤسسة “تشاينج ليدرشيب وبارتنر” تونس، كولونيا، ولندن، وتشرف على إدارتها. وعملت مستشارة دولية، وطورت خبرات في مجالات التأهيل والريادة ووضع استراتيجيات التصرف، والتصورات المجددة والتوظيف الأمثل للعمل في صلب مجموعة. كما عملت في عدة شركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأدارت عدة ورشات عمل في دول مختلفة، وعملت أستاذة زائرة في جامعة بسويسرا، وهي متزوجة وأم لبنتين.

شعبية كبرى

 وتحظى آمال كربول بشعبية لدى شريحة مهمة من النساء التونسيات بفضل أناقتها التي تحولت إلى موضوع للنقاش على صفحات “فيسبوك” وحتى إلى مقارنات في مجال المظهر والذوق مع نساء أخريات سبقنها في تحمل مسؤوليات سياسية في تونس.

وقد تناولت الكثير من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي بالنقاش حضور وزيرة السياحة ومظهرها، كما يجري نشر كل صورها الجديدة بانتظام ولم يخف الكثير من المتفاعلين مع هذه الصفحات والصور إعجابهم بهندام الوزيرة وتصميمات بدلاتها وعدوها “خير سفيرة للمرأة التونسية” و”خير صورة للترويج للسياحة التونسية” حسب تلك المواقع. كما لفتت الوزيرة الانتباه أيضا عند حضورها بعض التظاهرات العامة بلباس تقليدي تونسي مزج بين الحداثة والأصالة التونسية.

لقد استأثرت آمال كربول باهتمام التونسيين منذ قرار تعيينها وزيرة للسياحة في حكومة الكفاءات التي تمّ تشكيلها إثر استقالة حكومة “حركة النهضة”. استطابت هذا الكمّ من الإهتمام فضاعفت من جهودها في الظهور الإعلامي والفايسبوكي لتتحوّل “نجمة” ينتظر الناشطون آخر اخبارها على تويتر وصورها على انستاغرام.

تطبيع

لكن ما نفته الوزيرة الشابة عن تطبيعها مع إسرائيل خلال جلسة الثقة، كشفته صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية حين نشرت تقريراً تحت عنوان “هل مسموح أو ممنوع دخول السياح الإسرائيليين إلى تونس؟”. وأثارت الصحيفة ما سمّته “الجدل السياسي التونسي حول السياحة الإسرائيلية”، مشيرةً إلى أن هذه المسألة تتجاوز القطاع السياسي، وترتبط بحسب وعود لمسؤولين تونسيين بإمكان إقامة علاقات جيدة بين الجانبين.

ونقلت “هآرتس” عن رئيس الحكومة التونسية ترحيبه بالإسرائيليين في بلاده، وتأكيده أنه “لا ينبغي طرح هذه المسألة على طاولة النقاش بالمطلق، بل يجب العمل على استغلال موسم السياحة، أما لجهة التطبيع وعدم التطبيع (مع إسرائيل)، فاتركوا هذه الاسئلة الكبيرة جانباً”. وبحسب الصحيفة، يتبنّى هذا الرأي عدد من المسؤولين التونسيين، ومن بينهم الوزيرة آمال كربول التي تشجع بدورها الإسرائيليين على زيارة بلادها.

وتوضح الصحيفة أن قطاع السياحة يدخل أموالاً مهمة جداً إلى تونس؛ فقبل الثورة حتى عام 2011 كانت تونس وجهة مفضلة بالنسبة إلى السياح الأوروبيين، إلا أن هذا القطاع تلقّى في السنوات الثلاث الاخيرة ضربة قاسية، بدأ ينتعش منها فقط هذا العام. ونقلت عن كربول توقعها قدوم سبعة ملايين سائح إلى تونس، من شأنهم تأمين خمسة مليارات دولار للدولة. وبحسب كربول:”أنا لست مستعدة للتخلي عن أي فرصة من أجل جذب السياح إلى تونس، حتى لو جاءوا من إسرائيل”.

من المتاجرة بفلسطين إلى المتاجرة بالإسلام

walidلم تعد «النكبة» تخص فلسطين فقط.

دول عربية كثيرة دخلت منافسة لها في «النكبات».

ولم يعد الفلسطينيون وحدهم يرفعون المفاتيح الصدئة، لبيوت مندثرة، في مشهد كوميدي يضحك العالم. فهناك الملايين من عراقيي المنافي يرفعون مفاتيح لبيوت، تناوب على تدميرها الجيش الأميركي والميليشيات المتعددة العشائر والمذاهب والأعراق.

كما هناك مئات آلاف الليبيين، الذين يرفعون مفاتيح بيوت، إما قصفها «الناتو»، أو نسفتها عصابات القبائل المسلحة والمتصارعة.

أما سوريا، التي يبدو فيها المشهد أكثر مأسوية، فإن الملايين من سوريي النزوح والهجرة، يرفعون أيضاً مفاتيح لبيوت، لم يبقَ منها سوى الركام.

كذلك لم يعد الفلسطينيون وحدهم ينامون على حلم ظهور صلاح الدين محرراً، فيستيقظون على محمود عباس مقاوماً متقاعداً، وعلى خالد مشعل ثائراً منطفئاً. فالعرب جميعهم حلموا بـ«الربيع» فاستيقظوا على شتاء عاصف مدمر.

خمسة وستون عاماً ونحن نعتبر فلسطين أم النكبات، الى أن استولدنا نكبات، لا تفوقها عمراً، لكنها تساويها مأساة. ولهذا نعتذر من فلسطين إذا تراجعت في قائمة الاهتمامات العربية. فكل الدول العربية فيها ما يكفيها.

بعد أن اجتاح الخراب وطننا العربي، لم يعد هناك من يستطيع أن يفعل شيئاً لفلسطين… أو أن يُقدم على «ارتكاب» عمل ما ضد إسرائيل. لقد ولّى ذلك الزمان الذي كان فيه العربي يحلم بامتلاك بندقية تتجه الى الأراضي المحتلة، فعندما حل الزمان وامتلك المواطن بندقية ومدفعاً وصاروخاً، غيّر اتجاهاتها الى رأس جاره وابن وطنه… وهكذا تكون فلسطين قد ضاعت مرة بالسلاح الفاسد، ومرة أخرى بالسلاح المتمذهب والقاتل.

يمكن اليوم القول أن فلسطين قد استقرت في بطن الحوت الإسرائيلي، باستقرار العرب في بحور الحروب الأهلية المتنقلة.

مرّ «الربيع» الثالث، ونحن نسمع عن ثورات من أجل الحرية والديمقراطية. فلم نرَ حرية سوى حرية الذبح والخطف. ولم نرَ ديمقراطية سوى ما تفرضه إرادة الميليشيات المسلحة التي أنجبتها الثورات العربية.

لقد تحولت دول عربية ذات قدرات عسكرية ومالية وبشرية ومواقع استراتيجية، مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا، الى أشلاء، يحتاج كل منها الى عدة أجيال لتستعيد لملمة نفسها، هذا إذا استطاعت فعل ذلك.

ويبدو أن الخراب العربي لن يتوقف على هذه الدول، إذ كما يقولون «على الباغي تدور الدوائر». وها هو السودان يتجرع السم الذي صنعه لـ«ربيع ليبيا»، وها هو عمر البشير يتلقى في صدره الخنجر الذي طعن به القذافي في ظهره.

لقد ثبت أن ثورات الحرية والكرامة والديمقراطية لم تقدم لشعوبها أنظمة أفضل من التي ثارت عليها. لقد أتت بالأسوأ. وإذ أخرجت البعض من «غياهب السجون»، فقد أدخلت الأمة بكاملها في «غياهب العصور».

نعترف لكل ثوار «الربيع العربي» بأنهم ثاروا على حكام مارسوا الكذب والخداع والقم»ع وأفسدوا في الأرض… وعليهم أن يعترفوا بأن ثوراتهم كانت أكثر كذباً وخداعاً، وأشد قمعاً وإفساداً… والفرق بين حكام بادوا، وثوار سادوا، أن أولئك تاجروا بالعروبة وفلسطين… وأن هؤلاء يتاجرون بالإسلام والله.

وليد الحسيني

حرب سيناء: هل سقط “الوطن البديل” بسقوط الاخوان؟

كتب كريم الخطيب :

ما هي شبكة المصالح التي تربط الإخوان مع واشنطن؟  وما هي الاسباب الحقيقية لتأييد الولايات المتحدة تحرك الجيش المصري ضد حسني مبارك ومعارضتها الشرسة لعزل محمد مرسي؟  وهل كانت جماعة الإخوان في مصر “المتعهد” الرسمي لتنفيذ مخطط “الوطن البديل” للفلسطينيين في سيناء؟

بداية، فإن جذور العلاقة الاخوانية – الأميركية ترجع الى فترة تاريخية سابقة حين كانت الولايات المتحدة تمتلك إزدواجية في الرؤية ترى من خلالها ان الجماعة تمثل قوى مجتمعية مهمة وتدرك في الوقت ذاته ان الضباط الاحرار والقوات المسلحة هي القوة الفاعلة في السياسة المصرية.

وتشير تقارير أعلامية مصرية الى ان عبد المنعم عبد الرؤوف عضو التنظيم السري للاخوان وأحد الضباط الاحرار كان على اتصال دائم بالاميركيين وتم تنظيم لقاءات بينه وبين مسؤولين في واشنطن في منزل صحفي شهير بحضور مسؤول في المخابرات الاميركية. لكن كان التقدير الاميركي يقوم على ان حكم الجنرالات يمكن التعامل معه سواء في فترة الرئيس الراحل انور السادات او الرئيس المخلوع حسني مبارك.

في الثمانينيات، بدأت اللقاءات بين الاميركيين والاخوان في لندن وفي بانكوك وميونيخ حيث توجد فروع لتنظيم الاخوان بعيدا عن القاهرة. وفي عهد مبارك ظلت العلاقة ترتفع وتهبط حت

مشاريع إخوانية مشبوهة في سيناء

مشاريع إخوانية مشبوهة في سيناء

ى جاءت السفيرة الاميركية مارجريت سكوبيي التي كانت ترى ان الاخوان قوة مهمة في المجتمع المصري غير انهم لا يمكن الوثوق بهم.

 وبحسب وثائق ويكيليكس قبل ثورة يناير بثلاث سنوات، فإن الشكوك بين الاخوان والولايات المتحدة واسرائيل تزايدت بسبب خداع الاخوان للشارع وتغنيهم بالعداء تجاه اميركا واسرائيل.

وعندما جاءت السفيرة الاميركية آن باترسون، تغيّرت العلاقة بين الجانبين، في ضوء ثلاث ركائز أساسية: أولها  الدراسة التي أعدها مركز “اميركان انتربرايز” وهو مركز يميني قريب من الحزب الجمهوري وقال فيها ان جماعة الاخوان يمكنها ان تقود الاسلام السني في المنطقة. الدراسة الثانية أعدها “مركز راند” وهو مركز أسسه سلاح الدفاع الجوي الاميركي، وتحدث عن أن سطوة العسكريين في الشرق الاوسط تقل وانه لابد من الاعتماد على مجموعات لها رصيد شعبي. الامر الثالث هو تولي السفيرة آن باترسون مهامها، فهي صاحبة خبرة في باكستان وتعلمت كيف يمكن الرهان على الاسلام السياسي بدلا من الجيش.

إحدى وثائق ويكيليكس التي ظهرت بعد ثورة يناير تقول: ان جماعة الاخوان المسلمين طلبت من مبارك بعض المطالب الخاصة بها مستغلة خوف الحكومة من امتداد ثورة تونس اليها، حيث كانت المطالب تتمثل في حل مجلس الشعب وحل الحكومة واجراء انتخابات برلمانية مبكرة وتشكيل حكومة وفاق وطني وانهاء حالة الطوارئ وتعديل المادتين 76 و77 المتعلقتين بالانتخابات الرئاسية – أي انه لم يكن ضمن مطالب الاخوان وقتها اقالة مبارك فهم كانوا قابلين بالتعامل معه.

وكي ندرك المخطط الأميركي – الاخواني في سيناء، لا بد أولاً من العودة إلى اوراق الحكم القضائي الصادر من محكمة جنح مستأنف اسماعيلية في تموز (يوليو) 2013 أي في فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي، حول المجموعة الاخوانية التي خرجت من سجن وادي النطرون.

 ووفقا للحكم، فان المجموعة خرجت من السجن بواسطة “حماس” وقوى اسلامية اخرى في عملية عسكرية مخطط لها من قبل. وبحسب ما جاء في حيثيات الحكم، فان احد المساجين قرر انهم عندما كانوا في السجن سمعوا تبادل لاطلاق النار بين مجموعة مسلحة وقوات تأمين السجن، وان المسلحين اجبروهم على الخروج من السجن وانه شاهد اعرابا ملثمين من البدو يقومون بتكسير ابواب السجن وجزء من سيارات الأمن.

ويتابع الحكم : المسلحين الذين كان بعضهم غير مصري اقتحموا مخازن السلاح وخزنة السجن، وهم ممن تسللوا عبر الانفاق، واخرجوا مرسي، حيث سيكون لهم دور آخر فيما بعد في سيناء.

بداية الانفصال

في نهاية 2010 ، بدأ ظهور ما يسمي بالمحاكم الشرعية على غرار المحاكم الموجودة في الصومال، وتحديدا في منطقة الجورة والشيخ زويد، حيث تم إسقاط سلطة الدولة فكان المواطنون يجبرون على الاحتكام لهذه المحاكم العرفية ولا يلجأوا لمحاكم الدولة. إحدى هذه المحاكم كان يرأسها شخص يسمى الشيخ ابو ايوب ويراس الثانية ابو سليمان والثالثة ابو اسكندر وهؤلاء ينتمون للسلفية الجهادية وتمويلهم من الاخوان ومن حماس، وفق التقارير الاعلامية المصرية.

وقتها صرّح الشيخ ابو ايوب  وبشكل علني، “انه لدينا 3500 مقاتل لا يعترفون بالدولة ويسعون لاقامة امارة اسلامية في سيناء. وفي شهر تموز (يوليو) 2012  أعلنت “امارة المقاطعة” الاسلامية وتم تعيين امراء في مناطق الجورة والجميعي والطويل ونجع شبانة، ولم تتحرك الرئاسة الإخوانية بقيادة مرسي للتعامل مع هذه الحركة الانفصالية في سيناء.

كانت المليشيا التابعة لهذه المحاكم تنزل المدن تجول فيها بالسيارات رافعة اعلام القاعدة، وعناصرها الملثمون يتحركون بحرية مطلقة، في ظل غياب التعليمات للجيش او الشرطة بالتصدي لهم.

التغييب المتعمد لسلطة الدولة في هذه المناطق، سمح للمسلحين بإقامة معسكرات علنية للتدريب في المقاطعة والجورة.

ووفق التقارير، تتكون مليشيا سيناء من 3500 عنصر على النحو التالي: 2000 شخص ممن افرج عنهم مرسي بعفو رئاسي تحت مسمى الافراج عن المعتقلين السياسيين. و1000 من الجهادية السلفية.  و500 من تجار السلاح وتجار انفاق.

سمح لهؤلاء باستخدام الانفاق تحت حجة عدم خنق “الاخوة” في غزة، وكانت العناصر تدخل عبر الانفاق ولا تعلم السلطات المصرية بتحركها داخل مصر.

القرار الخطير كان اعطاء 50 الف فلسطيني جنسيات مصرية، علما بانه لم يكن يسمح بان يحصل الفلسطينيون على الجنسيات العربية حفاظا على قضيتهم من التآكل وهو موقف يتماشى مع القرار الدولي بحق العودة. اجمالي ما كان يسمح به سنويا في مصر لم يكن يتخطى 1000 الى 1500 مجنس، ولكن تم منح الجنسيات للفلسطينيين كي يحق لهم تملك العقارات والاراضي.

 كانت العلاقات بين هذه المجموعات وجماعة الاخوان تدار عن طريق الدكتور صفوت حجازي، فهو كان دائم التردد على سيناء لنقل وتوصيل المعلومات من والى الاخوان، وهو قال انه تاجر في السلاح المنقول الى سوريا لكنه لم يتحدث عن دوره في هذا البيزنيس في سيناء. عندما كان حجازي يتردد إلى سيناء كان يعقد لقاءات دورية في قرية بصاطة مع ثلاثة افراد من قيادات السلفية الجهادية وهم محمد عبد ربه، وفيصل حمدين، واسعد البيك، وكان يحضر اللقاءات معه عبد الرحمن الشوربجي عضو حزب الحرية والعدالة الاخواني.

وتشير التقارير إلى ان التفجيرات الـ14 لخط الغاز بين مصر واسرائيل والاردن كانت تتم بتعليمات من القاهرة. والقناة العاشرة الاسرائيلية اذاعت تسجيلا صوتيا رصدته المخابرات الاسرائيلية بعد خطف الجنود السبعة وخطف الصينيين، تم رصد مكالمة بين الخاطفين والدكتور صفوت حجازي يقولون له ان الجيش نزل سيناء ويجري عمليات تمشيط فقال لهم اطمئنوا فالتعليمات الصادرة لهم بالا يتعرضوا لكم.. وله تسجيل اخر عن ضرورة تنفيذ عملية ضد خط الغاز وتم تنفيذها بعد 24 ساعة.

وكان المهندس خيرت الشاطر حاول إقامة منطقة حرة بعمق 10 كيلومترات على جانبي الحدود بين مصر وغزة بدعوى التنمية. ولكي تستكمل الاجراءات جاءت شركة بريطانية اسمها “البراق” وعرضت تنفيذ مليون وحدة سكنية في سيناء، لكن عندما تتبعت اجهزة المخابرات الشركة وجدت انها مملوكة بالكامل لفلسطينيين، ولمن لا يعلم ان مليون وحدة سكنية رقم كبير جدا فاجمالي الطلب في سوق العقار المصري سنويا 500 الف وحدة. هنا تدخلت اجهزة الأمن ورفضت الموضوع وحصلت خلافات مع الرئاسة كانت ستحسم لصالح رغبة الرئاسة في وقت قريب او بعيد، وسيتم العصف بمن اعترض عليها. هذا هو الوطن البديل للفلسطينيين في غزة، حيث اعلى المناطق في العالم كثافة للسكان.

الدور الاميركي

هنا ياتي الحديث عن السيناتور الاميركي جون ماكين وهو من صقور الحزب الجمهوري، وهو كان دائم التردد إلى مصر.  أول زياراته كانت في شباط (فبراير) 2011  ثم توالت الزيارات، ثم جاءت زيارته في 2012 لمناقشة قضية الجمعيات الاهلية والتقى حينها خيرت الشاطر تحت لافتة الوساطة لدى المجلس العسكري للافراج عن المتهمين في القضية، وهنا كانت بداية العلاقة الطيبة بينه وبين الاخوان.

في 15 كانون الثاني (يناير) 2013 جاء ماكين وقابل مرسي وهشام قنديل وعصام الحداد الذي كان قد ساعده ليكون أول مسؤول مصري ليس على مستوى رئيس جمهورية يدخل البيت الابيض.

 بدأ ماكين يتحدث عن سيناء وحماس واثنى كثيرا على موقف مرسي من الوساطة بين حماس واسرائيل.

إن المشكلة الحقيقية في ما حدث في 30 يونيو والتي ازعجت واشنطن هي انها قضت على التصور الاميركي في التعامل مع جماعة الاخوان والذي يقوم على  انك بدلا من التعامل مع فروع التنظيم يمكنك التوصل لاتفاقات مع الرأس مباشرة ممثلة في المرشد العام.

وهنا لا بد من الاضاءة على طبيعة العلاقة بين مصر وسيناء. فهناك نظرية من ايام الكولونيل سيف ايام الحملة الفرنسية على مصر تقول ان من يسيطر على المضايق في سيناء يسيطر على قناة السويس، ومن يسيطر على القناة يسيطر على الشرق الاوسط كله، ومن يتحكم في مضايق سيناء يتحكم في جبال طوروس ومن يتحكم فيها فقد تحكم في الشرق الاوسط.

فاذا لو تحولت سيناء إلى وطن بديل وخرجت من سيطرة مصر والجيش المصري؟ وماذا لو كان المشروع ليس مجرد احداث عمليات عنف وارهاب في سيناء، بقدر ما هو مرتبط بالنتائج الغامضة للمفاوضات الفلسطينية مع اسرائيل التي تم استئنافها على عجل من دون أي برنامج واضح للتسوية؟

الهجرة من غزة

في صيف 2009، لم تتورع حركة «حماس» عن دكّ مسجد ابن تيمية فوق رؤوس عبد اللطيف موسى وأنصاره؛ المسلحون من جماعة حركة «جلجلت»، التي أعلنت قيام إمارة إسلامية في رفح الفلسطينية، ذات الهوى الجهادي والتكفيري والخالية من النفوذ الأيديولوجي لـ«حماس». حدثت الهجرة العكسية من غزة إلى المنطقة الحدوية من شمال سيناء في رفح والشيخ زويد، حيث عاد الهاربون من ملاحقات (2004 – 2006) وبصحبتهم التكفيريون الهاربون من «حماس»، ومعهم الخبرة القتالية العالية.

ومعروف أن السلاح في سيناء في يد الجميع، لكن الفرق في الكمية والنوع والاستخدام. فالطفرة النوعية التي شهدتها سوق السلاح في سيناء عقب الثورتين المصرية والليبية ضاعفت كميات السلاح في شبه الجزيرة وقفزت بأنواعه إلى السلاح الثقيل المضاد للطائرات والمركبات والمجنزرات والصواريخ البعيدة المدى، فضلاً عن قذائف «آر بي جي» المضادة للدبابات.

لكن الحديث عن ارتباط الأزمة السياسية في مصر عموماً بالعمليات المسلحة في سيناء يقودنا إلى بحث علاقة «الإخوان المسلمين» بما يمكن أن يوصف بـ«السلاح الأيديولوجي». الواقع أن ارتباط السلاح بالأيديولوجيا في سيناء أوسع من دائرة الصراع السياسي بين «الإخوان» والعسكر داخل مصر، ويمتد ليشمل ما هو خارج الحدود المصرية.

وهنام أربعة تنظيمات سلفية جهادية هي: جماعة «أنصار بيت المقدس»، وتنظيم «مجلس شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس»، وتنظيم رخو أضعف من سابقيه يصدر بياناته الإعلامية باسم «السلفية الجهادية»، وأخيراً بقايا تنظيم «التوحيد والجهاد» الذي أسسه الزعيم الجهادي الراحل خالد مساعد، والذي يتقاطع فكرياً مع التكفير الصريح. يعد «أنصار بيت المقدس» و«شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس» أقوى تنظيمين جهاديين في سيناء وأكثرها فاعلية. وهما التنظيمان اللذان يعلنان عملياتهما ضد إسرائيل، سواء باستهداف إيلات («أم الرشراش» المصرية المحتلة) أو بتفجير خط الغاز المصري المصدّر إلى دولة الاحتلال.

أما المقاتلون المرتبطون بـ «القاعدة» فترمي استراتيجيتهم الى انشاء «إمارة» مستقلة وإحياء الخلافة.  وكان هذا مسعى الجهاديين في العراق وليبيا ومالي وفي سوريا. واليوم، يضع هؤلاء الرحال في شمال سيناء حيث تدور فصول نزاع قديم بين البدو والحكومة يهدد المنطقة بتحويلها ساحة الجهاديين الأبرز.

ولطالما كانت سيناء اكثر المناطق المصرية المهملة. فالسكان، خصوصاً القبائل البدوية ينظرون الى الحكومة على انها قوى احتلال اجنبية تشغلها مصالح القاهرة أكثر من أحوالهم وتتفشى الجريمة المنظمة، وعمليات تهريب السلاح والسلع إلى غزة مزدهرة. وتظهر السوابق التاريخية أن الجمع بين هذه العناصر- أي عدم الثقة بالحكومة وذيوع الشبكات الإجرامية والقمع الحكومي- هو تربة غنية للتمرد، وهذه حال سيناء اليوم.

ساعة الصفر تقترب: طبول الحرب في الجولان وجنوب لبنان

كتب المحرر السياسي:

الرئيس الأسد يتفقد القوات السورية في داريا

الرئيس الأسد يتفقد القوات السورية في داريا

في سوريا حربان، الأولى نتابعها على شاشات التلفزيون التي ترصد تقدم الجيش السوري في الميدان.  والثانية يدور الحديث عنها همساً في الغرف العسكرية والسياسية المغلقة، وتتنبأ بتفجير جبهتي الجولان السوري والجنوب اللبناني.  فما هي حقيقة اقتراب ساعة الصفر للحرب المرصودة في أفق الأزمة السورية المفتوحة؟

كل المؤشرات تؤكد “أننا عشية حرب”.  هذا ما أكده دبلوماسي عربي لمجلة “الكفاح العربي” قام أخيراً بجولة على دول المنطقة من ضمنها لبنان.  ويتابع الدبلوماسي أن المعلومات والدلالات تتقاطع على أن الحرب المقبلة مع إسرائيل ستكون حرباً إقليمية على جبهات عدة (الجنوب اللبناني والجولان السوري)، مستبعداً أن تدخل الصواريخ الايرانية المتوسطة والبعيدة المدى في الصراع العسكري المرتقب.

ويتوقع الدبلوماسي الذي رفض الكشف عن هويته، أن تكون المواجهات العسكرية على الجبهتين السورية واللبنانية محدودة، وهي أقرب إلى المناوشات المنضبطة من قبل مقاومين غير منخرطين بالجيش النظامي، “أي عبر استنساخ تجربة حزب الله في هضبة الجولان” المحتلة.

إلا أن الدبلوماسي يستبعد تحريك أي جبهة في الوقت الحالي، قبل حسم قوات النظام السوري معاركهم الداخلية في ريفي حمص ودمشق، وتأمين المنطاق الاستراتيجية التي تضمن سلامة العاصمة من أي خطر داخلي.  ويشرح الدبلوماسي أن هذه الحرب المصغرة ستؤدي حتماً إلى قلب الموازين السياسية حيال سوريا وحلفائها وإعادة بوصلة الصراع في اتجاه إسرائيل، مما يحرج العرب الداعمين للمعارضة السورية ويدفعهم إلى مراجعة سياساتهم الاقليمية ضد دمشق.

أما في تل أبيب، فإن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال أفيف كوخافي نقل صورة قاتمة للوضع، الذي ستتأثر به إسرائيل من عواقب الحرب الأهلية السورية، محذراَ من احتمال ترسيخ سوريا كقاعدة عالمية «للجهاديين» الساعين إلى الانطلاق منها لإقامة دولة الشريعة.

وتشير المعلومات الإسرائيلية إلى أن بضع مئات من نشطاء «الجهاد العالمي» باتوا يتمركزون في جنوب هضبة الجولان قرب خطوط الفصل مع القوات الإسرائيلية. وتضيف المعلومات أن مواقع الرصد الإسرائيلية تراقب هذه الجماعات في ظل خشية من عمليات تسلل قد يقومون بها انطلاقاً من القرى السورية المحاذية.  ومعروف أن إسرائيل عززت في الأشهر الأخيرة الجدار الفاصل والعراقيل الأخرى التي تنصبها هناك، فضلاً عن أنها عززت الدوريات ورفعت حالة التأهب.

اسرائيل غير مستعدة

وفي بحث صادر عن مركز دراسات الأمن القومي، التابع لجامعة تل أبيب، يكشف الخبراء أن إسرائيل متأخرة جداً عن أعدائها، وجهوزيتها للحرب المقبلة ـــ التي ستستمر ثلاثين يوماً ـــ مثيرة للقلق.

ويشير البحث الذي أعده العميد مائير الرن، رئيس برنامج دراسات الجبهة الداخلية في إسرائيل، الى أنه «إزاء تطور التهديدات من قبل أعداء إسرائيل، حزب الله وحماس وتنظيمات أخرى، لم تنجح إسرائيل حتى الآن، في سد الفجوات المثيرة للقلق». يضيف البحث إن «التقديرات المحدثة حول الحرب المستقبلية التي ستخوضها إسرائيل، قد تشهد تساقط عدد كبير من الصواريخ على الجبهة الداخلية، اذ ستشهد المنطقة الشمالية وحدها تساقطاً لنحو 1500 صاروخ في اليوم، بين صواريخ قصيرة حتى متوسطة المدى، في حين أن الحرب نفسها، ستستمر حتى ثلاثين يوماً».

ويؤكد العميد الرن أن على إسرائيل أن تكون على استعداد لخوض حرب على جبهتين، بالتوازي، وهما جبهة لبنان وجبهة قطاع غزة. ويلفت أنه «بالرغم مما قامت به إسرائيل من خطوات في السنوات الأخيرة لتحسين جهوزيتها للحرب، بدءاً من جهوزية قيادة الجبهة الداخلية، وصولاً الى التزود بخمس بطاريات من منظومة القبة الحديدية. إلا أن المقارنة بينها وبين تهديدات أعدائها تظهر أن الفجوات كبيرة جداً، وربما أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي».

ويشير البحث الى قصور في الرؤية والتخطيط والإمكانات الإسرائيلية، ويؤكد أن تل أبيب لم تتخذ حتى الآن قراراً يقضي بتخصيص استثمارات مؤثرة في وسائل الحماية من الصواريخ المعادية، واستمرت على الاعتماد فقط على المال الأميركي والمساعدات القادمة من واشنطن. وأضاف إن دراسة التهديدات تفرض على إسرائيل أن تتزود على الأقل، بعشر بطاريات صواريخ اعتراضية، خاصة أنه لم يعد سراً أن الجيش الإسرائيلي سيفضّل نشر المنظومات الاعتراضية بالقرب من قواعد سلاح الجو، لضمان تمكين الطائرات المقاتلة من الإقلاع وتنفيذ مهماتها، إضافة الى نشر جزء من هذه المنظومات في مناطق وجود البنى التحتية الاستراتيجية، «الواقع الذي يعني أن التجمعات والمناطق السكنية ستكون بلا حماية من الصواريخ المعادية».

ويتناول البحث نقطة ضعف أخرى تطلق من خلفية الحرب الدائرة في سوريا وإمكان انزلاق وسائل قتالية استراتيجية وأسلحة كيميائية الى حزب الله، وهي حماية الإسرائيليين من هذه الأسلحة غير التقليدية، والذي لم يعد تهديداً نظرياً وحسب، بل بات تهديداً ملموساً وتستعد إسرائيل فعلياً لمواجهته عبر مناوراتها وتدريباتها المتكررة. ويؤكد العميد الرن في بحثه وجود نقص كبير في وسائل الحماية من هذا السلاح غير التقليدي، وفي الأقنعة الواقية الموزعة على الإسرائيليين، مشيراً الى أن المعطيات تفيد بأن نحو 60 في المئة من السكان مزودون بأقنعة واقية، والبقية بلا حماية، داعياً السلطات الإسرائيلية الى الإسراع بتأمين الحماية لبقية السكان، وخاصة أنها تعتقد بأن هذا التهديد جدي وملموس.

وما يعزز احتمالات تفجر جبهة الجولان، ما تتناقله مصادر عسكرية اسرائيلية رفيعة حول رصد نشاط استخباري لحزب الله في الهضبة المحتلة وتعزيز جيش الاحتلال حضوره هناك تحسباً لتطور هذا النشاط في الاتجاه العملاني.

وتستند هذه المصادرعلى تصريحات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في أيار الماضي حول استعداد الحزب لمساندة المقاومة السورية في الجولان وتقديم الدعم لها.

وهنا، لا بد من الإشارة إلى إنشاء إسرائيل فرقة إقليمية جديدة في هضبة الجولان،  مسؤولة عن صد ومواجهة العمليات التي تشنها جهات عبر الحدود انطلاقاً من الجانب السوري. وبحسب المعلومات، فإن قرار إنشاء هذه الفرقة يستند إلى تقدير مستجد بأن هضبة الجولان تحولت إلى جبهة نشطة في أعقاب المواجهة الداخلية التي تشهدها سوريا والنشاط المتزايد للجيش السوري والجماعات المسلحة في المناطق الحدودية المحاذية للجانب المحرر من الجولان. ويعتقد الاسرائيليون أنه ينبغي تخصيص وحدة عسكرية كاملة ومستقلة للتعامل مع الاستحقاقات التي تفرضها التطورات الميدانية في سوريا بما في ذلك التصدي لمهمة الأمن الجاري على الخط الحدودي.

خطة “عدم الإزعاج”: سياسة أميركية – اسرائيلية لاستنزاف المعارضة والنظام

كتب كريم الخطيب: 

“من الأفضل لإسرائيل أن تواصل الأطراف الاقتتال في سوريا وتستنزف نفسها، ويجب تركها هكذا من دون إزعاج”.  اقتراح قدمه أحد قادة أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية لحكومته، ويبدو أنه لقي أصداءً إيجابية في مختلف عواصم القرار الغربية، مما يتماشى مع “الخطة المشوشة” التي تعتمدها واشنطن في سوريا.

مسلح في وسط أحياء حلب

مسلح في وسط أحياء حلب

لم يمنع تلويح إسرائيل بمطرقة الكيميائي السوري وسندان النووي الإيراني، الولايات المتحدة من التريث وعدم الانجرار إلى سياسات تخرق سقف التفاهمات مع روسيا في معالجة ملفات المنطقة الساخنة.

فاللعب الإسرائيلي بين “الخطوط الحمر” السورية والإيرانية لتحريض الغرب على اعتماد الخيارات العسكرية، لا يكفي في ظل غياب القرار الدولي بحرب إقليمية مكلفة تتعدى الساحة السورية إلى ساحات أخرى.

هنا تؤكد مصادر إعلامية أميركية لـ”الكفاح العربي” أن واشنطن تراقب عن كثب مخزون سوريا الكيميائي منذ أشهر، كاشفة عن معلومات “شبه رسمية” تتناقلها الإدارة الأميركية همساً، حول وجود خبراء تابعين لوكالات أوروبية “محايدة” متخصصة في مراقبة أسلحة الدمار الشامل، يعملون على الأرض السورية للتأكد من سلامة هذه الأسلحة وتحييدها عن الصراع العسكري.

لكن سياسة “التردد” الأميركي حيال سوريا، تحكمها معادلات أخرى غير ملف الأسلحة الكيميائية.  فعودة واشنطن إلى استخدام «بيان جنيف» في أدبياتها أخيراً، يغلّب الرؤية الروسية الداعية إلى حلّ سلمي في سوريا، بعد الانتكاسات السياسية التي أصابت المعارضة السورية.

كما يظهر التردد الأميركي في تخبط المواقف بين كبار قادة ومسؤولي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بخصوص تسليح المعارضة السورية.  ففيما يؤكد وزير الدفاع تشاك هاغل إلى أن البنتاغون يتحرّك صوب منح الإمدادات الدوائية والغذائية للمعارضة، يحذر الجنرال مارتن ديمبسي أن الانخراط بشكل أكبر في سوريا سينطوي على العديد من المخاطر، وأن الموقف هناك بات أكثر إرباكًا، في الوقت الذي يشيد فيه وزير الخارجية جون كيري بالدور الإيجابي الذي لعبته عمليات تسليم الأسلحة في تعزيز “المقاومة السورية”.

إذاً، تتعامل الولايات المتحدة مع الملف السوري وفق “خطة مشوّشة”، يبررها روبرت فورد السفير الأميركي لدى سوريا بوجود قوى عسكرية متشددة مرتبطة بـ”القاعدة”. ويقول فورد: “هناك منافسة حقيقية بين المتشددين والمعتدلين”، ومن بين تلك الجماعات المتشددة “جبهة النصرة”، التي أعلنت أخيرًا أنها ستعمل تحت قيادة موحّدة مع “القاعدة” في العراق.  هذا وتهيمن الجماعة بالفعل على مدن ومنشآت حيوية في شمال شرق سوريا، وتنشط في 13 من أصل 14 محافظة، مما دفع بجون برينان، مدير وكالة الاستخبارات الأميركية ، إلى القول: “تنتابني حالة من القلق بشأن تجزؤ البلاد، لأن ذلك يسمح لجماعات بعينها، مثل جبهة النصرة، بكسب أرضية، حيث تمتلك أجندات داخل سوريا، وربما خارجها، وأنا أرى من وجهة نظري أنها مناوئة لمصالح الأمن القومي الأميركي”.

بين السيء والأسوأ

وفي غياب الخطة الأميركية حيال سوريا، يحاول الباحث في «معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية» أنطوني كوردسمان، أن يبيّن «أفضل الخيارات السيئة» التي يمكن لواشنطن انتهاجها، في تقرير مطول نستعرض أبرز ما جاء فيه:

–         مهما حصل، فإن الحرب الأهليّة قد عمّقت الانقسام بين السنة والعلويين والأكراد والأقليات السورية الأخرى، وهي تحتاج إلى عقود أو أكثر للسيطرة على مشاعر الغضب والحقد الطائفية.  فقد امتدت الحرب إلى لبنان والعراق ممهدة لصراعات طائفية في البلدين. والأسوأ، أن الحرب ارتبطت بحرب طائفية داخل الإسلام نفسه، بين السنّة والشيعة، وبين المتطرفين والمعتدلين، على امتداد العالم الإسلامي. وقد سمحت كذلك بالتدخل القطري والسعودي والتركي والأردني والإماراتي، على شكل أموال وأسلحة وتدريب، بغطاء أميركي وبريطاني وفرنسي. في وقت دعمت روسيا والصين وإيران والعراق النظام.

–         كل هذه الضغوط والانقسامات الحالية والمستقبلية داخل المعارضة السورية، تعني أنه ليس هناك من جانب جيّد للذهاب باتجاهه. صورة الوحدة ليست حقيقية، وهذا يعني عدم القدرة على تكهن حجم الانقسامات في سوريا في حال سقوط النظام، ومن سيصل إلى السلطة وكيف سيصل، ناهيك بقدرته على تحقيق الاستقرار.

–         ما سبق يجبر أميركا على الاختيار بين «الخيارات السيئة» في سبيل إيجاد بدائل أفضل. تستطيع أميركا أن تحلم بتشكيل أو التأثير في مرحلة ما بعد الأسد مع الوقت، لكن ليس هناك من «نهاية» متوقعة، وعليه فإن نفوذ أميركا سيبقى محدوداً بغض النظر عن حجم التدخل الذي تدعمه. وهذا يبرّر جزئياً عمل أميركا مع دول الخليج والأردن وتركيا، ودعم إسرائيل في وجه «حزب الله» وإيران، ويفسّر ما نقلته كل من «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» عن تدريب ودعم المعارضين المعتدلين في وجه الجهاديين، في المجال العسكري وفي التعرّف الى آليات الحكم وإدارة البلاد والإصلاحات الاقتصادية. وبرغم التقارير تحافظ أميركا على ما يشبه «الإنكار العقلاني» في هذه العملية.  لكن يبدو واضحاً أن الجهد الأميركي الحالي لا يمكنه ضمان أي نهاية سريعة للأسوأ في النزاع أو أن يضع حداً لنظام الأسد في وقت محدّد. ففي النهاية، ما حققته المعارضة من مكاسب لغاية الآن ما زال محدوداً للغاية، بطيئاً للغاية، ومشتتاً للغاية داخل سوريا وعلى صعيد المنطقة بأكملها. وفي هذه اللحظة، قد يأتي أي «انتصار» للمعارضة في خانة الهزيمة الاستراتيجية.

–         الطريقة الأسرع والأكثر فعالية قد تكون بالسماح للحلفاء الإقليميين بمدّ المعارضين، المعتدلين منهم، بالسلاح الجوي. وهذا قد يمنع النظام من استخدام جنود ومروحيات، كما يحدّ من قدرته على التحرك في المناطق المأهولة، حيث ستكون الآليات العسكرية مضطرة للوقوف على مدى قصير. وإن ترافقت هذه الخطوة مع إرسال قوات دعم خاصة، ليس بالضرورة أن تكون أميركية، كي تحرص على تسليم السلاح إلى المعارضين «الأفضل»، كي تضمن عدم انقلاب أفعالها عليها أو على حلفائها.

–         الخيار الثاني هو العمل مع تركيا والأردن لتأمين نوع من الملاذات المحدودة لاستخدامها كمساحة لإطلاق الصواريخ مثل الباتريوت والطلب من إسرائيل تأمين مثل هذه التغطية لناحية الجولان. ولكن لا بدّ من توخي الحذر في مثل هذا الخيار، فهو لا يوحي بالقدرة على أكثر من خلق ملاذات غير آمنة او مراكز للنازحين بالقرب من الحدود التركية والأردنية والإسرائيلية. كما أنه قد يخلق مناطق مذهبية أو إثنية أو يعزّز الانقسامات داخل المعارضة. وفي المقابل، قد تدفع هذه الخطوة النظام باتجاه ردود فعل انتقاميّة ضدّ هذه «الملاذات». ومع ذلك، يمكن أن تأخذ أميركا هذه الخيارات بعين الاعتبار في المرحلة المقبلة مع تدهور الصراع وتوسع قبضة المعارضة.

–         أما الخيار العسكري الأخير فهو لجوء أميركا إلى الضربات الجوية لتدمير المفاصل الحيوية للقوات السورية والنظام السوري. هذا الخيار يقتضي مراجعة قواعد تركيا والأردن، ولا يمكن فيه الاعتماد على إسرائيل لأن ذلك سيثير رد الفعل العربي ويهدّد امن إسرائيل المستقبلي. ويبقى أن هذا الخيار قد يعتبر فعل حرب ما لم يحظ بموافقة مجلس الأمن والأمم المتحدة، وهي موافقة غير مرجحة في المرحلة الحالية، كما سيصعّد التوتر مع إيران وروسيا إلى مراحل متقدمة ويخلق مشاكل مع لبنان والعراق.

–         وفي النهاية، يجدر بالولايات المتحدة أن تنتبه إلى أنه في حال لم يكن العراق وأفغانستان كافيين، فسوريا هي دليل آخر على أنه سيكون ضرباً من الخيال الاعتقاد أن سقوط الاستبداد سيجرّ إلى نظام ديموقراطي وتطور اقتصادي. الفصائل التي تحارب في سوريا بعنف وخلفية مؤامراتية ومن دون أي خبرة عملية في السياسة أو الاقتصاد.. العديد منها سوف يحوّل السياسة إلى رياضة دم لسنوات عدة قادمة ما بعد الأسد. أما الولايات المتحدة فستظل بمواجهة لائحة «أفضل الخيارات السيئة» لفترة طويلة في مستقبل سوريا.

المغامرة الأردنية

وسط هذه الخيارات الأميركية بين السيء والأسوأ، بات واضحاً أن الأردن يحاول التواؤم مع أدوار إقليمية ودولية يتم اقتراحها عليه، أو تحديدها له، وأن الأمر يتعدى مجرد لعب  دور المضيف الحدودي لحركة اللاجئين السوريين، إلى مناقشة (وربما تقديم) المساهمة الأردنية في ثلاثة اتجاهات هي: تدريب مجموعات مسلحة مرتبطة بمخططات الولايات المتحدة وحلفائها حول سوريا، وطبيعة المشاركة الأردنية في أي عملية عسكرية مقبلة (قد يكون الإعداد لها بلغ مرحلة متقدمة)، وإيجاد «المنطقة العازلة» بواحدة من الصيغ العديدة، التي يجري تداولها.

ويتساءل المراقبون حول مدى استعداد الأردن لركوب حافلة المغامرة السورية؟

من الواضح أن الأردن لن يبادر إلى تنفيذ تلميحاته الخطرة، ولكنه يستعد لها بانتظار خطوات لاعبين رئيسيين كبار (الولايات المتحدة وإسرائيل)، يمكنهم أن يقتحموا المشهد السوري بفعل نوعي، يرفع الحرج عن عمان التي ستنطلق إلى القيام بدورها تحت شعار تدارك الوضع الإنساني الذي سيجد «الإخوة السوريون» أنفسهم في خضمه، وهذا قد يفتح المجال لاحقاً لإيجاد مبررات قابلة لتسويق المشاركة الأردنية في عمليات موضعية بحجة التعامل مع مخزون الأسلحة الكيميائية.

المعضلة الاسرائيلية

وإذا كان التريّث هو سيّد الموقف في عمّان، فإن القلق المتصاعد بدأ يظهر في تل أبيب من انعكاسات الأزمة السورية على أمن اسرائيل واستقرارها.

معلقون كثر في الاعلام الاسرائيلي أشاروا إلى أن التقديرات الاستخبارية تركز على أمرين: الأول، امكانية انتقال أسلحة كيميائية أو متطورة إلى «حزب الله» أو غيره من المنظمات. الثاني، دراسة الجماعات المختلفة في سوريا، ومناقشة الموقف الواجب على إسرائيل اتخاذه من محاولات الغرب تسليح المعارضة السورية.

ويبدو أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مختلفة في ذاتها بشأن العمل في سوريا. ففي حين يعتقد أحد الأجهزة أنه لا ينبغي الانشغال بالشأن السوري، ويجب التركيز على المشروع النووي الإيراني، يرى جهاز استخبارات إسرائيلي آخر أنه يجب توجيه الأنظار، وفقاً لصحيفة «معاريف»، إلى الحدود بين إسرائيل وسوريا، وليس إلى الشأن الإيراني. وبحسب تقدير هذا الجهاز، فإن إسقاط نظام الأسد سيقود إلى الفوضى، وتفكك الحكم المركزي، وحينها ستتركز منظمات المعارضة على الحدود مع إسرائيل، وستنفذ عمليات ضدها. ولذلك يرى هذا الجهاز أنه من الأفضل لإسرائيل أن تواصل الأطراف الاقتتال وتستنزف نفسها، ويجب تركها هكذا من دون إزعاج.

وتشير «معاريف» إلى أن موقف رئيس الحكومة الإسرائيلية غير واضح حتى الآن، فهو من ناحية يخشى من تسليح الدول الغربية للمعارضين بشكل قد يحسم المعركة ضد الأسد، ونتنياهو يسعى للتأكد من أن الجماعات التي ستتسلح ستتعاون مع الغرب في توفير حل سياسي. وكان تحقيق قد نشر في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، قد أظهر أن غالبية الجماعات المسلحة ذات ميول إسلامية، ولا تحمل قيماً غربية. ولكن ليس واضحاً، إذا كان نتنياهو يؤيد التدخل العسكري الغربي في سوريا، الأمر الذي قد يشعل حرباً إقليمية، ويصرف الأنظار عن الخطر الإيراني.

عموماً لاحظ المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل، أن خلف الخلاف القائم بين أميركا ودول أخرى بشأن استخدام السلاح الكيميائي في سوريا خوفاً حقيقياً أميركياً من التدخل في الحرب الأهلية. وأميركا ليست خائفة تحديداً من عواقب محتملة ضد السلاح الكيميائي، وإنما من الصعوبات في تنفيذ المهمة ذاتها. وأشار إلى أن إسرائيل نفسها غير معنية بعملية واسعة في سوريا، وأنها إذا اضطرت فستعمل على نطاق ضيق. وهذا يسري على الأميركيين أيضاً، الذين يستعدون لسيناريوهات السيطرة على مخازن السلاح الكيميائي في سوريا عبر وحدات كوماندو صغيرة، فضلاً عن التركيز على المعلومات الاستخبارية. ولاحظ هارئيل أن أميركا غير متحمسة لأي عمل عسكري جديد في سوريا، وهو ما يحبط إسرائيل من توقع أي عمل لاحقاً ضد إيران.

جبهات ضد جبهة النصرة

وبرغم كل ما حصل ويحصل في سوريا، لا تزال «جبهة النصرة» الملف الأكثر إثارة للجدل. فالتنظيم السلفي الذي تقدم واجهة الأحداث منذ سنة تقريباً تنصّل بهدوء من قرار إعلان «الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام» من قبل أمير «دولة العراق الإسلامية» أبي بكر البغدادي، ورد عليها بالمبايعة المباشرة لزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري الذي طالب بإعلان دولة الخلافة في سوريا.

كل هذا الكلام الإعلامي تباينت ردات فعله على أرض الواقع السوري، بين من وجده ضربة قاصمة للمعارضة السياسية التي احتفت بـ«النصرة» على أساس أخوة السلاح وبين من حذر منه على اعتبار أنها الأقوى بين تشكيلات المعارضة المسلحة، وبالتالي خطر تحول الكلام إلى فعل، وبين من اعتبره بداية لمرحلة التقسيم والصراع مع تشكيلات أكثر اعتدالاً في الجيش «الحر».

لكن قبل أن يمدّ «الفاتح» أبو محمد الجولاني، زعيم «جبهة النصرة»، يده ليبايع زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري على السمع والطاعة، كانت «النصرة» قد سبقت ذلك إلى استكمال الاندماج في المجتمع الريفي الحلبي والإدلبي، وبدأت تحدث تحولات في منهج العمل السياسي، وتناوله للجماعة السورية مادة رباط وجهاد.

لا يبدو توقيت المبايعة عشوائياً ولا متعجّلاً. لم يضع «الفاتح» الجولاني في مبايعته الظواهري موقف الآخرين من المعارضة في ميزان القرار. الاستفتاء في السياسة والحرب على احتساب «النصرة» في «الثورة» سبق بكثير تأمير الجولاني للظواهري على الشام بالسمع والطاعة. كان ذلك عندما انفجر الخلاف في مراكش مع «أصدقاء سوريا»، قبل أشهر مع الأميركيين، على قرار وضعها على لائحة الإرهاب. حينها رأى الجولاني كيف تدافع المجلس الوطني و«الائتلاف» للدفاع عن الجبهة من دون حساب. قال رئيس المجلس الوطني جورج صبرا حينها إن «بنادق الثوار جميعاً مقدسة»، أما رئيس «الائتلاف» معاذ الخطيب فهاجم الأميركيين وطالبهم بالعودة عن موقفهم. كما رأى قائد أركان «الجيش الحرّ» سليم إدريس أمام البرلمان الأوروبي في «النصرة» جمهرة من أشجع المقاتلين. وهو يعكس بأي حال رأياً متداولاً في أوساط الحراك الشعبي عن «العصبة الأكثر فعالية في القتال ضد الجيش السوري».

وتبدو ملامح دولة الجولاني أقرب إلى البزوغ إلى النور من حكومة غسان هيتو المؤقتة. وتفرض «النصرة» مقاربة تجربة القاعدة «الشامية» من منظور جديد لفهم تحولات الجماعة التي تعلو عن تقشف منهج جهادي عدمي لا أفق له، يهجس بدولة الخلافة ولا شيء غيرها، ويخاصم كل أشكال السياسة، ويهجر ما يتوسط الخاصة المجاهدة التي تبايع أميرها على السمع والطاعة.

فالنجاح الذي جعل منها تنظيماً شعبياً، يضم مؤسسات وإدارات تشرف على إدلب وحلب، وتعين آلاف العائلات السورية وجيشاً يجنّد 12 ألف مقاتل كما تقول التقديرات، يعود بشكل خاص، إلى مراجعة في آليات وتفكير «القاعدة» التقليدي. وفي التجربة الشامية، ينقل الجولاني «القاعدة» من تنظيم عالمي لا أرض له ولا قاعدة يقاتل الولايات المتحدة، إلى أرض وقواعد وعناوين لا لبس فيها وخطوط إمداد وأسماء ومؤسسات، وجد في سوريا الشروط الملائمة لتحقيق تلك النقلة.

“العيون الزرقاء”

وإذا كانت “جبهة النصرة” وامتداداتها “القاعدية” في “الثورة السورية” تشكل الرادع الأكبر للغرب في تسليح المعارضة،  فإن “مجادي العيون الزرقاء” يثيرون بدورهم هواجس أوروبية وأميركية حول مستقبل الصراع في سوريا.  فالأنباء الواردة من الميدان السوري التي أعلنها تقرير لجامعة “كينغز كولدج”، يكشف أن ما يصل إلى 600 شخص “من اصحاب العيون الزرقاء” ينتمون إلى 14 دولة أوروبية شاركوا في القتال في سوريا ضد القوات الحكومية منذ بداية الحرب عام 2011.

وهذا التقرير، الذي حصلت عليه صحيفة “الغارديان” استغرق إعداده عاماً كاملاً وشمل أكثر من 200 موقع مرتبط بالجماعات الجهادية ومئات التقارير من الصحافة العربية والغربية، ووجد أن الأشخاص الذين ذهبوا الى القتال في سوريا ينتمون إلى دول من بينها بريطانيا والنمسا وإسبانيا والسويد وألمانيا.

من الطبيعي ان مثل هذه التقارير تثير قلق الحكومات الغربية ومخاوفها من ان تتحول دولها ساحات مماثلة لتلك التي شهدت عودة المقاتلين من افغانستان في فترة ما بعد الانسحاب السوفياتي من افغانستان.

وتضيف الدراسة التي اجراها المركز الدولي للدراسات بشأن التطرف في “كينغز كولدج” في لندن “أن بين 140 و600 اوروبي توجهوا الى سوريا منذ بداية العام 2011 ما يمثل بين 7 و11 في المئة من العدد الاجمالي للمقاتلين الاجانب”.  وهذه الارقام تستند الى “450 مصدرا من وسائل اعلام عربية وغربية وكذلك الى اعلانات عن حالات استشهاد بثتها مواقع الجهاديين على الانترنت”.  وتقدر الدراسة عدد المقاتلين الاجانب في سوريا بما بين 2000 و5500 .  والمقاتلون الاوروبيون يتحدرون من 17 بلداً بينها فرنسا (بين 30 و92 مقاتلا وفق التقديرات) وألمانيا (من 3 الى 40) وبريطانيا (من 28 الى 132) وايرلندا (26) وبلجيكا (من 14 الى 85) والدنمارك (3 الى 78) وهولندا (5 الى 107 مقاتلين).