دعوة بري: لها … وعليها

walidنحذر من عدم تلبية دعوة نبيه بري إلى إصدار قانون جديد للإنتخابات. إذ لا بد من إنقاذ لبنان من “القانون الأفعى”، الذي وهبنا مجلساً نيابياً، هو بالحقيقة هبة من شيطان “النسبية”.

نذكر أن “القانون الأفعى”، بدأ فور إعلان جيشه النيابي، بتعطيل تشكيل الحكومة، التي كانت كلما خرجت من عقدة سامة، دفعت إلى عقدة مسمومة أخرى.

دعوة بري ليست مبكرة. بل يجب أن تبحث بصيغة القوانين المستعجلة. فقانون الإنتخابات لا يحمل التسويف والمماطلة. فهو، وإن أخذ صفة القانون، إلا أنه بسلطات نتائج صناديق إقتراعه، يصبح أقوى من الدستور بجلالة قدره وقدسية موقعه.

هو أقوى من الدستور لأنه يملك، بأغلبية ثلثي نوابه، صلاحية تعديله إلغاء وإضافة.

وهو قانون يشرع كل القوانين من دون استثناء.

وهو ينتخب رئيس الجمهورية. ويقرر من يكون رئيس مجلس النواب.

وهو الذي يكلف رئيس الحكومة ويخرجه من السرايا متى أراد.

وهو الذي يفرض الضرائب ويلغيها.

وهو الذي يوافق على الموازنة العامة، ويلعب ببنودها وأرقامها نقصاناً وزيادة.

وهو الذي يصدر قانون العفو عن المجرمين.

وهو الذي يحدد متى تقترض الدولة وكم وممن.

حتى قيادة المواطن لسيارته هو الذي ينظم سيرها بقانون سيره.

وهو الذي يهبط بدرجات إهتماماته إلى مستوى السماح بالتدخين والأركلة في أمكنة، ومنعهما في أمكنة أخرى.

النتيجة، أنه بنتائج صناديق اقتراعه، يستحوذ على سلطات في البلاد والعباد، لا تغلبها إلا سلطات الله. فأمره علينا وعلى دولتنا، هو أيضاً بين كاف ونون.

إذاً، علينا الإعتراف بأن قانون الإنتخبات هو الذي يشكل مجلسنا النيابي. وبأدواته من النواب يفرض إرداته وما يريد… وغالباً ما يراد له.

ولأن له هذه القدرات التشريعية الهائلة والمطلقة، يستحق صياغة بلا شوائب ولا مخاطر.

من هنا نستأذن الرئيس نبيه بري في الإعتراض على دعوته إلى الإنتقال من نسبية الدوائر إلى نسبية الوطن.

إن النسبية على مستوى لبنان، يا سيد التشريع، هي للأسف ستؤدي إلى هيمنة “الشيعية السياسية” على صناديق الإقتراع، من رأس الناقورة جنوباً، إلى العريضة شمالاَ. ومن بيروت غرباً إلى المصنع شرقاً.

هذه الهيمنة المذهبية، لا يمكن أن يقبلها، يا دولة الرئيس، تاريخك الوطني. لكن النسبية المطلقة لن تنتج إلا مثل هذه الهيمنة.

كيف ذلك؟

ببساطة، وكأمر واقع ومعروف ومعاش، تتوحد أصوات “الشيعية السياسية” في كتلة إنتخابية واحدة، باستثناء تسربات لا قيمة لها عند فرز الأصوات.

تقول الأرقام، أن كتلة الناخب الشيعي تشكل ثلث المقترعين في لبنان على الأقل. وهي كتلة تصويتية تذهب إلى لائحة واحدة، يجمعها اتجاه سياسي واحد. وإذا أضفنا إلى الثلث الشيعي المقترع، جزءاً بسيطاً يمثل أصوات سنة الممانعة. إلى جانب مجموعات متناثرة من دروز أرسلان ووهاب. وإذا انضمت، إلى هذا الحشد الإنتخابي المقاوم، حشود من مسيحيي عون وفرنجية والطاشناق، فالأرقام ستقول مرة أخرى أن مجلس نواب عام 2022 سيكون سيده سيد المقاومة. وسيكون أكثر من ثلثيه تحت قبضة تيار الممانعة.

عندئذ، وعذراً على التساؤل المذهبي المقيت، ما هو مصير نسبية أكثرية السنة والموارنة والدروز.

عندئذ، فإن كل نواب الفائض عن حاجة حزب الله، لا يشكلون سوى أقلية نيابية، أقل ما يقال عنها أنها كتل الأطرش في زفة التشريع.

ألا ترى، يا سيد التشريع، أن قانون النسبية المطلقة هو نقلة من قانون الأفعى إلى قانون الأفاعي.

واعذرنا مرة أخرى يا دولة الرئيس نبيه بري إذا ناقضنا “غودو” وقلنا: أن لا يأتي مثل هذا القانون أفضل من أن يأتي… وإلا فإن الآتي أعظم.

وليد الحسيني

Advertisements

مؤتمر “بيروت 1”

walidلبنان ليس بحاجة إلى الأمطار لتصبح طرقه السياسية والإقتصادية موحلة. وهذا يُرتب على الرئيس الحريري مسؤولية تجفيف حكومته المُقبلة من المُستنقعات، المُتسببة بأوحال تهدد بانزلاق خطير في بناء لبنان الإقتصادي. بتعبير أكثر وضوحاً، لا بدّ له من “مغسلة” تقوم بتنظيف المُرشحين للقب أصحاب المعالي.

إن الوضع ينطلق بسرعة قصوى نحو الأسوأ. وهو بذلك لا يحتمل استمرار “الملوثات” بتلويث مُسقبل البلد.

الحكومة المطلوبة، هي التي يتخلى أعضاؤها عن مصالحهم الفاسدة، وعن مزايدات أحزابهم ومذاهبهم بحثاً عن شعبية مُدمرة لأي عملية إنقاذ حقيقية.

صحيح أن البلاد مشغولة الآن بهمّيْ تشكيل الحكومة ومصير النازحين السوريين، لكن الهمّ الأكبر، والأدعى للإهتمام، يتمثل في تقارير إقتصادية دولية، تقول أن عام 2019 سيكون عام إفلاس أربع دول عربية، على رأسها لبنان.

إن هذا الخطر المؤجل إلى حين، لا أحد يستطيع عبوره بسلام سوى سعد الحريري كصاحب خطة أولاً، وكصاحب شبكة علاقات إقليمية ودولية ثانياً.

من هنا يتوجب على المُغامرين بالبلد، الكف عن مغامراتهم ومخططاتهم بالوصول إلى حكومة القرارات المصيرية المُعطلة. خصوصاً وأنهم لم يتوقفوا عن توجيه الضربات والشكوك لمؤتمر باريس الأخير المُسمى بـ “سيدر”.

لا شك في أن مؤتمرات باريس، منذ أن ابتكرها الرئيس الراحل رفيق الحريري، شكلت مخرجاً من نفق الأزمات المالية.

لقد أدى الخارج واجبه تجاه لبنان. وبقي على الداخل أن يُكمل طريق الإنقاذ. ونعني بالداخل المصارف اللبنانية، التي رست في صناديقها نسبة كبيرة من مديونية لبنان.

إذا تم للحريري تشكيل حكومة نظيفة، خالية من الكمائن والنيات المبيّتة، عليه أن يستكمل مؤتمر باريس بـ “مؤتمر بيروت 1”. أي مؤتمر يضم المؤسسات المالية، ويشجع المصارف المحلية على التعامل مع لبنان بروحية مؤتمر باريس وتسهيلاته وتضحياته… وبالذات إذا علمنا أن قرابة نصف مديونية الدولة اللبنانية تعود إلى مصارفنا الوطنية.

ألا يمكن أن تصاب هذه المصارف بحب لبنان، كما أحبه المشاركون بمؤتمر باريس، فتسهم في نسبة بسيطة من موجوداتها، وبالشروط التي قبلتها دول وصناديق مالية أجنبية، يفترض أنها غير مُطالبة بإنقاذ المركب اللبناني من الغرق.

يقول المصرفيون أن المصارف هي التي مدّت وتمُد الخزينة اللبنانية بالحياة، ويتجاهلون أنهم تعاملوا مع خزينة لبنان بـ “أريحية” المرابي. وأن الفوائد التي أخذوها من الدولة كانت اللحم والشحم الذي تكتنزه مؤسساتهم.

إذا أرادوا أن يسجلوا في كشوفهم المصرفية جميلاً بلبنان، فليتعاونوا معه لا عليه. فلهم في تخفيف أرباحهم، بالتنازل عن الفوائد، فائدة أكبر في بقاء اللبنانيين ودولتهم قادرين على الإيداع والسحب… والإقتراض والدفع.

إن دور لبنان في إنقاذ نفسه، لا يُمكن أن يُحصر بالإحتفال في المروءات الخارجية. من هنا تستحق أمراضنا الإقتصادية الخطرة، إنعقاد مؤتمر مُماثل لمؤتمر باريس، خصوصاً أننا أسرع بلد يقلد “الموضة الباريسية”. فأصحاب البيت أولى بدعم جدرانه الآيلة للسقوط.

إن مؤتمراً يضم المرجعيات السياسية ورؤساء مجالس المصارف وغرف التجارة والصناعة، ربما يكون فرصة يتخلى فيها اللبناني عن إتهاماته لكل هؤلاء في “تبييض” خزينة لبنان. 

وليد الحسيني