“خاشقجي” ليس “بو عزيزي”

walidخمسون عاماً في الصحافة، لم أسلك خلالها خطوة واحدة نحو دول الخليج.

لا علاقات ولا معارف.

لكن، عندما يدق الخطر أبواب الخليج العربي تصبح مواجهته مسؤولية قومية.

لا يحتاج الأمر إلى تحليل عميق، فالهيستيريا السياسية والإعلامية، تحاول أن تجعل من جمال خاشقجي بو عزيزي آخر.

الدول نفسها، التي ركبت موجة بو عزيزي، تركب اليوم موجة الخاشقجي.

نفس الأبطال والأدوار والإستثمار.

رباعي “التآمر الأول” على تونس ومصر وليبيا، هو رباعي “التآمر الثاني” على السعودية ودول الخليج.

تركيا وقطر والأخوان وتلفزيون الجزيرة.

هم… هم… بلا نقصان. بل بإضافات، قد لا تكون إيران أولها، ولن تكون آخرها.

لكن بين “التآمريْن” يختلف الوضع والظرف والمزاج الشعبي.

الشعب اليوم لا يريد إسقاط النظام، بل يريد إسقاط المؤامرة.

لا يوجد عربي يرضى لكعبة المسلمين نهايات ليبيا المأساوية. ولا مصير تونس الإقتصادي. ولا أزمات مصر الخانقة. ولا دمار سوريا واحتلالاتها المتعددة الجنسيات.

بعد كل مآسي ونكبات “الربيع العربي”، لن ينفع مستثمرو الدم اللجوء إليه إبتزازاً من قبل تركيا، أو استهدافاً من قبل قطر.

لن ينفع التهويل والتضخيم والنفخ في الأكاذيب.

صحيح أن قتل الخاشقجي جريمة بشعة، لكنها ليست سابقة. فالعالم مليء بسوابق أفظع وأبشع.

قبل الخاشقجي، عرفنا الخطف والقصف والإخفاء والتغييب والإغتيال والقتل الجماعي.

قبله، تعرض مثله رؤساء وقادة أحزاب وكتاب ومشاهير. ومع إحترامنا لقامته البشرية، فهي لا تصل إلى قامات بعضهم الفكرية والإنسانية والثقافية والثورية والنضالية.

يومها لم تتوقف لأجلهم برامج تلفزيونية. ولم تتحول نشرات الأخبار إلى خبر واحد يتناول مصيرهم. ولم يتفرغ كتاب أعمدة الصحف لقضيتهم. ولم تستنفر مجالس نواب ورئاسات دول وحكومات استنكاراً لما ارتكب بحقهم… كما توقفت وتفرغت واستنفرت واستنكرت من أجل الخاشقجي.

من الواضح أن جريمة “قنصلية اسطنبول” هي جريمة فاشلة. بعيدة جداً عن الإحتراف. وتفتقر إلى الحد الأدنى من الخبرة. مما يعني أن مرتكبيها تصرفوا بغرائز التهور والحماقة والإنفعال. وربما يكون بعضهم مدفوعاً من جهات تخطط لاتهام المملكة.

المنطق ينفي أن تفعلها دولة. فللتخلص من الخصوم ألف وسيلة آمنة. لا يحتاج أي منها إلى بعثات مكشوفة الأسماء ومعروفة الوجوه. ولا إلى طائرات خاصة تهبط في دوائر الريبة والشك.

كل هذا تم، كما لو كان هناك قرار يتعمد نشر الأدلة، لا إزالتها… والهدف تسهيل توجيه أصابع الإتهام إلى السعودية، التي يقود إتهامها إلى إشعال الخليج.

لقد تحول مقتل الخاشقجي إلى استثمار مفضوح، رأسماله الإستنكار والإستنفار… وكأن المبتزين للمال السعودي، والحاقدين على أمن السعودية، هم من الملائكة، وليسوا القيادات التي أهلكت ليبيا وأهلها. وألقت باليمن في حرب حوثية مجنونة. واستولت على سيادة العراق. وهزت تعايش لبنان. وتناتشت سوريا… وقصفت ودمرت عشوائياً. وهجرت ملايين العراقيين والليبيين والسوريين ونثرتهم شتاتاً في شتى دول العالم!!.

وأخيراً، نقول لـ “اللاعبين” بنار الخاشقجي بأن اللعب بالنار قد لا يكتفي بحرق الأصابع فقط.

وليد الحسيني

Advertisements

فخامة المشير: السيسي يستعيد دولة الجنرالات

كتب محمد بكير

لا أحد ينتظر موعد الانتخابات المقبلة للتأكد من أن عبد الفتاح السيسي هو رئيس الجمهورية الفعلي لمصر. فولاية المشير الرئاسية لا تنتظر صناديق الاقتراع، بل بدأت من خلف كواليس وزارة الدفاع منذ التفويض الأول الذي حصل عليه من الشعب يوم 30 حزيران (يونيو) الماضي.

مؤيدون للمشير السيسي

مؤيدون للمشير السيسي

لم يبق سوى إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية ليتحول شعار “السيسي رئيسي” إلى حقيقة.  فخطة تنصيب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسا للجمهورية، بدأت مع عملية تطهير البلاد من “حكم الاخوان”، مما استدعى استنفارا سياسيا واعلاميا وعسكريا شاملا، جعل من يفكر في منافسة السيسي يخوض مهمة انتحارية تتعارض مع “إرادة الجيش والشعب”.

إن المنطق الذي يحكم ملايين المصريين اليوم يدعم المشير السيسي ليكون رئيسا للبلاد ومنقذا للعباد، بمساندة عشرات المحطات التلفزيونية بمذيعيها وضيوفها ومتصليها، ومئات الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية بكتابها ومحرريها وبريد قرائها.

قد يمكننا وصف اللحظة الحالية التي تمر بها مصر، بأنها لحظة تأسيسية للنظام الجديد، وهو نظام الدولة القديمة العائدة بقوة والعازمة على سحق المعارضات المنظمة، ليلوح في أفق مستقبل السياسة المصرية عودة التحالف الأمني العسكري البيروقراطي أيام حسني مبارك.

والسؤال المطروح اليوم هو: هل السيسي هو جمال عبد الناصر الجديد؟ فشعبيته تجاوزت خلال فترة قصيرة حيز التأييد العام لتصل إلى درجة يمكن وصفها بـ “هوس السيسي”.

لكن ما يخدم السيسي فعلاً ويزيد من التفاف المصريين حوله، هو فشل جماعة الاخوان المسلمين منذ أحداث رابعة (آب 2013) في أن تعيد بناء الثقة في مشروعها الذي لم يكن موجوداً أصلاً، فظل خطابها أسير رغبتها في العودة مرة أخرى إلى السلطة. الأخطر من هذا أن تعميق الجماعة لوضع مظلوميتها، وهو رأس مالها التاريخي الأكبر على امتداد عملها، جعلها في حالة من العداء مع محيطها الاجتماعي؛ فجموع المصريين بنظر الجماعة مدانة بتأييدها أو تغافلها عن “مذبحة” رابعة أو القمع الذي حدث بعدها. ورغم تعاطف البعض مع الجماعة بسبب القمع الذي واجهته، فإن هذا التعاطف لم ينعكس في حجم التأييد لمطالبها. وقد ينبئنا فشل التحالف الذي حاولت الجماعة تشكيله أخيراً مع حركات ثورية يسارية مثل “السادس من أبريل” بالأزمة العميقة التي تعيشها الجماعة؛ ففيما أصرت الحركة على خطاب وطني ثوري جامع، أصر خطاب الجماعة على سيناريو العودة المرتقبة لما يسمى الشرعية. ورغم نجاح الجماعة في إحداث اضطرابات في الجامعات، فإن هذا النجاح لم يؤسس لحركة طلابية أوسع، وربما أثار غضب طلاب الجامعة أكثر من أنه انصب في تحقيق أي مطالب على أي مستوى.

الأخطر من هذا أن سلمية التظاهر الإخواني تشوبها دائماً نوبات عنف واستفزاز يراه البعض استدعاءً للحظات استشهادية وربما كربلائية لها جذورها العميقة في ثقافة القواعد الإخوانية التي ترى الوضع على أنه صراع بين حق وباطل أو إسلام وكفر. وبالنتيجة، لم تفلح ازدواجية الخطاب الإخواني الممتدة عبر عقود في أن تنقذ الجماعة من وصمة الإرهاب والعنف.

ويرى الخبراء إن استمرار الإحتجاجات العنيفة في مصر، سيجعل من الصعوبة بمكان إتمام خارطة الطريق بشكل يُعيد الأمن والإستقرار للبلاد، غير مستبعدين احتمال تِكرار سيناريو الجزائر في مصر، في ظلّ اتِّساع رقعة المواجهات مع الاخوان، وبعد مصرع أكثر من ألف منهم في المصادمات مع الجيش والشرطة، وتفاقم موجة التفجيرات الإنتحارية.  ويحذر الخبراء من تحول الصدامات تدريجياً إلى عنف مسلح، مع تدفق أسلحة هجومية عبْر الحدود مع ليبيا ووجود جماعات إسلامية مسلّحة تتّخذ من سيناء ملاذا آمنا لها، بالإضافة إلى ضعف الشرطة المصرية عقِب الضربات التي تلقّتها خلال ثورة 25 يناير 2011.

السيسية والناصرية

فجأة أصبح جمال عبد الناصر في كل مكان.  وفجأة تجسّدت صورة “الزعيم الخالد” في الاعلام المصري والصور المرفوعة في شوارع البلاد، في القائد العام للقوات المسلحة المصرية ووزير الدفاع المشيرعبد الفتاح السيسي.

فالسيسية في نظر المصريين اليوم نجحت في إعادة إنتاج الناصرية، لكن هل التاريخ يعيد نفسه فعلاً أم أن الاستنجاد بالناصرية ليس أكثر من مناورة سياسية للم شمل المصريين في مرحلة الانقضاض على الاخوان؟

السؤال قد لا يكون منطقياً.  ومع ذلك فإن الرغبة الشعبية، والتأييد الهائل للسيسي في الشارع، تبرر مناقشة احتمالات تحقق هذه المقاربة، التي لعب فيها الشحن الإعلامي دوراً كبيراً، جعل غالبية المصريين وربما العرب يحلمون باستعادة حلم وصورة مصر الناصرية والقوية.

 المفارقة أن الصورة تختزل في شخصيتي عبد الناصر والسيسي، على ما بينهما من اختلافات، التي لا تتعلق فقط بخبرات وتعليم وثقافة السيسي وعبد الناصر، وإنما بالظروف التاريخية وخيارات كل منهما، ما يجعل من المستحيل عملياً أن يكرر السيسي تجربة عبد الناصر، على رغم أن الأول لا يخفي ناصريته، بمعنى إعجابه بصلابة المواقف الوطنية لعبد الناصر وحرصه على عزة وكرامة المصريين.

ومثل هذا الفهم يشيع بين أغلب المصريين، بوصف الناصرية هي الوطنية المصرية في مرحلة الحرب الباردة، ومحاولة بناء نموذج تنموي مستقل، أما رؤية وموقف الناصرية من الديمقراطية فهذه هي القضية الخلافية التي ينقسم حولها المصريون بل الناصريون أنفسهم.

في نظر البعض، إن “انقلاب” السيسي المدعوم شعبياً يتقاطع مع قيم وآليات الديمقراطية، بغض النظر عن لا ديمقراطية حكم “الإخوان”، وفشلهم في إدارة الدولة ونزعتهم للأخونة وتقسيم المجتمع، وبغض النظر أيضاً عن الخيال الشعبي حول البطل المنقذ الذي يحافظ على وحدة الوطن وأمنه القومي.

والمؤكد أن شخصنة التاريخ والمستقبل تعكس ضعف ثقافة الديمقراطية عند الجماهير والنخب، فقد أنهك الصراع السياسي، وغياب الأمن أغلب المصريين، ودفعهم للبحث عن بطل منقذ يحظى بدعم مؤسسة وطنية منضبطة كالجيش.

والمفارقة أن المشير حسين طنطاوي كان قريباً من هذا الدور قبل عامين، لكن أخطاء المجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقالية قضت عليه، أما النخب فقد تنصلت من مبادئها، واستعملت معايير مزدوجة في دعوة الجيش للتدخل.

لكن تحالف الجيش والقوى المدنية أبقى على الانقسام الثقافي والسياسي في المجتمع، وربما عمّقه، كما يتسم بالضعف الشديد، والقابلية للانهيار، بسبب انتهازية نخب الأحزاب المدنية وصراعاتها الذاتية، وعدم تجديد صفوفها أو التوافق على مرشح رئاسي من خارج الجيش،

وهنا يمكن القول بأن تلك النخبة تدرك ضعفها، واستخفاف الشارع بها، وبالتالي فإنها غير قادرة على فرض شروط للتحالف أو وضع أهداف لهذا التحالف، ومن ثم تسلم بتبعيتها للجيش، بخاصة بعد أن نجح السيسي في دعوة ملايين المصريين لتجديد تفويضه لمحاربة الإرهاب، من دون الاستعانة بالأحزاب.

ولا شك في أن كل هذه الأطراف ما كانت تستطيع أن تمانع أو تعارض دعوة السيسي الذي أثبت فيها قدرته على التواصل المباشر والسريع مع الجماهير، في علاقة تدعم شروط تطور كاريزما السيسي، وتقربه من علاقة عبد الناصر بالجماهير.

هذه العلاقة بالاضافة إلى إغراء الالتفاف الجماهيري، وتشجيع نخب مدنية وعسكرية مستفيدة من صيغة الحكم الجديد، قد تدفع السيسي لتكرار تجربة عبد الناصر، أو على الأقل بعض جوانبها، بخاصة تعامله مع “الإخوان” والحفاظ على دولة القانون والمواطنة والاستقلال الوطني.

لكن مهمة السيسي صعبة وتكاد تكون مستحيلة، للأسباب التالية:

–         إن آلية مخاطبة وحشد الجماهير بالنداء العام ومن دون الاعتماد على تنظيم، والتي نجحت في الإطاحة بـ “الإخوان”، ثم اعتمدها السيسي في الحصول على تفويض لمحاربة الإرهاب، لا يمكن التعويل عليها دائماً، لأنها تضاعف من طموحات الجماهير وترفع سقف توقعاتها في قدرات الزعيم في تلبية مطالب الجماهير في العدالة الاجتماعية. غير أن أوضاع الاقتصاد المصري لا تسمح بتحقيقه بالصورة التي تأملها الجماهير.

–         اختلاف المناخ الدولي والإقليمي المحيط بمصر، حيث كان يتيح لعبد الناصر مساحة أوسع من حرية الحركة والمناورة بين المعسكرين الغربي والسوفياتي، كما أن دوائر دول عدم الانحياز وحركات التحرر الوطني في العالم الثالث كانت تدعم قدرة مصر على لعب دور إقليمي ودولي مستقل، لكن هذه المتغيرات تجاوزها التاريخ، وتراجع دور مصر في محيطها العربي والأفريقي، ومن الصعب استعادة هذا الدور في ظل الميراث الثقيل لتركة مبارك في السياسة الخارجية وقيود كامب ديفيد والعلاقات مع واشنطن، والتي ربما نجح السيسي في تحديها جزئياً لكنه لا يستطيع تغيير نمط التعامل مع واشنطن بشكل جذري في المدى المنظور.

–         لا يمكن من الناحية السياسية الدخول في حرب شاملة ضد “الإخوان” وجماعات الإسلام السياسي على نحو ما قام به عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات، لأن الجماعة تضخمت واكتسبت حضوراً اجتماعياً وخبرات تنظيمية وسياسية وإعلامية لا تقارن بما كانت عليه في عصر عبد الناصر، وبالتالي فإن التسرع بالصدام معها يؤدي إلى خسائر هائلة، لا يستطيع الاقتصاد تحملها في هذه المرحلة، على رغم أن المواجهة مع “الإخوان” وحلفائهم لن تجر مصر إلى حرب أهلية على غرار النموذج الجزائري في التسعينيات.

لكنْ أياً يكن مدى صحة هذه التحديات في المقارنة بين السيسية والناصرية، يبقى السؤال:  إلى متى يستطيع السيسي أن يعيش فى جلباب عبد الناصر؟

“الربيع” الكاذب: جردة حساب لثورات الدم والفوضى

كتب جهاد مارون

كانت الثلاث سنوات الماضية كافية لإثبات أن “الربيع العربي” لم يكن مُرفَقا بدليل أو خريطة طريق لمواجهة التحديات التي تفرضها المرحلة الإنتقالية، بما فيها “خطر الشتاء الإسلامي”، في ظل عدم تحرّر المجتمع المدني من قيوده، وغياب الرّقيب على عملية بناء الدولة الديمقراطية الجديدة، والفشل في ضمان نزاهة انتخابات ما بعد الانتفاضات إلى بلورة دساتير الغد.

تحوّلت جثة “الربيع” إلى رماد، فالنّار التي أضرمها محمد البوعزيزي في جسده يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010 لم تخمد بعد. المنطقة بأسرها شعرت بالهزّات الارتدادية لزلزا

نقل جريح في اشتباكات التحرير

نقل جريح في اشتباكات التحرير

ل الربيع العربي. “تأثير الدومينو” لايزال متواصلا، وإن كان بدرجات متفاوتة. سوريا مشتعلة، ليبيا تحكمها الميليشيات، تونس تعيش في فوضى، مصر تتخبّط بالثورات المضادة، المملكة الأردنية تواجه غضب الشارع، والتظاهرات الاحتجاجية تُغذي الأحداث السياسية في البحرين والكويت والسودان واليمن.

 وبدلاً من أن يؤدّي الربيع إلى تعزيز الدولة، أسفر عن انهيارها أو على الأقل دفعها إلى الترنّح على حافة هاوية “الدولة الفاشلة”.

في العراق، وعلى رغم الأموال الهائلة التي أنفقت لإعادة بناء جهاز الدولة الذي حلّه الأميركيون عام 2003، لا تزال هذه الدولة هشّة للغاية، بسبب تشظي المجتمع العراقي إلى مكوّنات طائفية ومَذهبية وعِرقية (كردية). الدولة – الأمة في العراق سقطت. والشكل الفدرالي الذي طرح للحلول مكانها، عجز حتى الآن عن لمّ شعثها وإعادة بنائها.

الأمر نفسه يتكرّر في سوريا. فبعد الدمار الذي لحِق بمفهوم القومية العربية الذي يتبنّاه حزب البعث الحاكم منذ عام 1970، يأتي الآن الدّمار الآخر لمفهوم الوطنية السورية، الأمر الذي ترك الساحة خالية أمام صراع الأصوليات الطائفية.

في اليمن (وبعده في ليبيا)، أدى انهيار الدولة إلى دفع القوى القبلية والعشائرية إلى واجهة الأحداث لملء هذا الفراغ، في وقت فشلت فيه القوى الإسلامية في تقديم بديل قابل للحياة عن مفهوم الدولة الوطنية.

حصيلة انهيار الدولة في منطقة “الربيع العربي” كانت واحدة: الفراغ والفوضى وتحويل المنطقة إلى ساحة تنافُس إقليمي – دولي، تحت شعار أن بديل الدولة الوطنية “الفاشلة” هو إعادة بناء “الإمبراطوريات” الإقليمية القادرة وحدها على ملء الفراغ، وهذا ينطبق الآن على ما تحاول أن تفعله كلّ من تركيا وإيران وإسرائيل.

إلى متى يمكن أن يستمِر تحوُّل الربيع العربي على هذا النحو المتسارِع إلى شتاء قارس؟ الأرجح إلى حين تبلور نظام إقليمي جديد، يحل مكان النظام الإقليمي العربي السابق. لكن هذا بدوره يجب أن ينتظر وِلادة نظام عالمي جديد لا يزال الغموض الشديد يكتنِفه، من بكين إلى واشنطن، مروراً بموسكو وطوكيو وبرلين ونيودلهي.

الانقسامات العربية

لا شك في أن “الربيع” أثر في العلاقات العربية – العربية التي لم تشهد انقسامات واختلافات وعداءات بهذا الحد منذ غزو القوات العراقية إلى الكويت في العام 1990.

لقد ساءت العلاقات التونسية مع السعودية (والخليج) منذ استضاقة الرياض الرئيس بن علي ومنحه وعائلته حق اللجوء السياسي.  وفي مصر، أدى الدعم القطري المعلن على شاشة “الجزيرة” لحكم الإخوان ورفض ما وصفته الدوحة بـ”الانقلاب العسكري” على الرئيس محمد مرسي، إلى تأزم دبلوماسي غير مسبوق بين الإمارة الخليجية ومصر، دون أن ننسى قطع العلاقات بين القاهرة وأنقرة التي تصرّ على رفض الاعتراف بالحكم المصري الجديد.

إن مفهوم الأمن القومي العربي الذي قام – بحسب ميثاق جامعة الدول العربية – على فكرة قدرة الدول العربية على حماية الأمة العربية من الأخطار الخارجية والداخلية القائمة أو المحتملة، وتحقيق فكرة القومية العربية، سقط أمام إفرازات الربيع العربي، حيث كانت الحلول الإسلامية التي أتى بها التغيير، وبالا على النظام العربي بأسره. فلا الذين قدموا لسدة الحكم في تونس ومصر وليبيا من الخبرة السياسية والإدارية والأيديولوجية بمكان يؤهلهم لقيادة هذه الدول إلى مرحلة انتقالية تهيئ لمرحلة ديمقراطية حقيقية، ولا الأوضاع التي تمر بها بقية أقطار الأمة تسمح بأن يكون الحكم فيها مطلقا للإسلام السياسي، خاصة في ظل المتغيرات الكبيرة التي طرأت على الحكم في العراق ووضوح خندق الطائفية في سوريا وزيادة وتيرة التدخل الإيراني في البحرين واليمن وغيرها.

الأمن القومي العربي شتت بطريقة مؤدلجة ومدروسة بعناية، خصوصا منذ إعلان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب إبان أحداث أيلول 2001، وقد كان هذا الإعلان في حقيقة الأمر إعلانا لإنهاء الأمن القومي العربي حيث قال قولته المعروفة “من ليس معنا فهو ضدنا”.

ومنذ ذلك الحين وحتى اللحظة لم يتمكن أحد من القضاء على الإرهاب، بل انتشر وتوسع وزادت دائرته نتيجة إطلاق يد الولايات المتحدة في جميع دول العالم الفقيرة، والشرق الأوسط تحديدا، لتحتل دولا منه ولتضرب دون استئذان كل من يوصم بالإرهاب بحسب تصنيفها، وهو ما يجعل الشكوك تدور حول ماهية المنظمات الإرهابية الحقيقية، ومن يقف وراءها؟

لقد شكل “نجاح” أو”فشل” الربيع العربي إحباطا قويا لآمال النهوض بالأمن القومي العربي كإستراتيجية. ففي حين يشهد الدور الأميركي تراجعا واضحا، تظهر قوى دولية وإقليمية جديدة تجهض انتفاضة الجماهير في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها، وتسدّ الممرات الآمنة لتحقيق المشروع القومي في الأمن.

في الوطن العربي، لم يتوافر أي من شروط التحول نحو الدولة المدنية، فلا الهياكل الاجتماعية كانت جاهزة له، ولا الحياة السياسية كانت مهيأة له. فبعد عقود طويلة، من غياب الحريات، نتج عنه تجريف يكاد يكون شاملاً للحياة السياسية، لم يكن منتظراً أن يحدث حراك منظم، ينقل الواقع السياسي القائم من الحالة الشمولية إلى الحكم الديمقراطية، والدولة المدنية .

لكن في ظل الفراغ السياسي، قفز الإسلام السياسي، ممثلاً في جماعة الإخوان المسلمين، الذين التحقوا مؤخراً بالحراك الاجتماعي إلى واجهة الأحداث، ولم يكن ذلك مستغرباً، فهم وحدهم الذين ظلوا قوة متماسكة، بسبب تكتيكاتهم، وتحالفاتهم الخفية والمعلنة مع الغرب وأقطاب النظام السابق. وأيضاً، بسبب تحكمهم في مؤسسات العمل الخيري والدعوي، وادعاءاتهم المتكررة، بأنهم ليسوا سوى جماعات دعوية، ليس لها مطمع في الحكم .

أنظمة ملكية تصمد

لقد تمتعت العائلات المالكة في الشرق الأوسط بربيع عربي جيد حتى الآن، أو بالأحرى أفضل مما كان يتخوف منه البعض، وهو ما حصل في الأردن والمغرب والخليج.

وأظهر النظام الملكي في البحرين استعداده لاستخدام أساليب أمنية مشددة، بينما عمدت ملكيات أخرى إلى اتخاذ إجراءات أكثر مرونة.

وفي قطر قامت السلطات برفع أجور وظائف القطاع العام في الشهور الأولى من انطلاق موجة الاحتجاجات العربية. وتملك دول الخليج غضبا قابلا للتصدير، فغالبية الوظائف الأقل أجراً يشغلها عمال أجانب، وإذا اشتكوا من ظروف العمل من السهل حينئذ إعادتهم إلى بلادهم.

 سنة وشيعة

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر بين السنة والشيعة في المنطقة، يتحارب “شيعة إيران” و”سنة السعودية” في حرب بالوكالة في سوريا.

لذا فإن تعميق الانشقاقات بين هذين المذهبين أدى إلى ظهور مستويات مفزعة من العنف الطائفي في العراق أيضاً، الذي ربما سيكون أهم موروثات هذه السنين من التغيير في المنطقة.

الرابحون خاسرون

إن اختيار الفائزين والخاسرين سيكون أمرا مخادعًا. ودعونا نلقي نظرة على الإخوان المسلمين في مصر، الذين حققوا نجاحاً ضخماً في الانتخابات التي أجريت بعد إسقاط نظام حسني مبارك. فبعد 80 عاماً من العمل السري، بدت الجماعة مستعدة لإعادة تشكيل أكبر دولة في الشرق الأوسط تعكس صورتها ورؤاها الخاصة.

إلا أن الجيش أبعد الجماعة عن السلطة في مصر، وعادت إلى السرية مرة أخرى، بعد إعلانها “جماعة محظورة” مجددا، وبعد مثول قياداتها أمام المحاكم. فمنذ عام واحد كان ينظر للجماعة أنها الفائزة، لكن الأمر تبدل الآن.

ولم يكن ذلك خبراً ساراً لقطر، تلك الإمارة الخليجية الصغيرة الطموحة التي دعمت الإخوان في معركة السلطة في مصر. ومع بداية الربيع العربي أيضًا، كانت قطر، وهي تدعم الثوار في ليبيا تبدو كأنها تسير وفق خطة استراتيجية لتوسيع نفوذها في المنطقة. أما الآن، فالأمر لم يعد كذلك.

وبدا الأكراد في كردستان العراق كفائزين في الوضع الحالي، بل قد يكونون في طريقهم لتحقيق الحلم الذي طال انتظاره، وهو إقامة دولتهم المستقلة. فهم يسكنون شمالي العراق، في منطقة غنية بالنفط، تبني اقتصادا مستقلا مرتبطا بجارتهم القوية تركيا. كما أن لديهم عَلَم ونشيد وطني، ولهم قوات مسلحة أيضا.

وقد تكون كردستان واحدة من المستفيدين من التفكك البطيء الحاصل في العراق، الذي لم يعد يتصرف كبلد موحد.

ولن يكون مستقبل المنطقة خاليا من الأزمات، فالسكان الأكراد يمتدون عبر الحدود مع إيران وسوريا وتركيا، ولكن الأكراد في مدينة مثل أربيل يتوقعون مستقبلا أكثر ازدهارا وحرية. وقد بدأت موجة التغيير في كردستان قبل الربيع العربي، إلا أن الأكراد يستفيدون أيضا من موجة التغيير التي تجتاح المنطقة لتعزيز ما حققوه من قبل.

لقد بدت الخريطة التي رسمتها بريطانيا وفرنسا للشرق الأوسط خلال الحرب العالمية في طريقها للتفكك. فهناك دول مثل سوريا والعراق، التي جرى رسم حدودها لا يُعرف هل ستبقى في شكلها الحالي كدول موحدة خلال الخمس سنوات القادمة أم لا؟

كذلك ليبيا، التي لا يستطيع المرء التكهن بشأنها. فليبيا كشفت محدودية تدخل الدول الغربية، فقد نجح سلاح الجو البريطاني والفرنسي في إسقاط النظام السابق، لكنه لم يتمكن من ضمان أن تحل محله الديمقراطية والاستقرار.

وهناك درس قديم، يتعلمه العالم مرة أخرى، وهو أن الثورات لا يمكن التنبؤ بها، بل من المحتمل استمرارها لسنواتٍ قبل أن تتضح تداعياتها … لتبقى إسرائيل‏ الرابح الوحيد من “ثورات الربيع العربي”.

هوامش بقلم وليد الحسيني

–        الفراعنة حنطوا الجسد… والاخوان حنطوا الفكر والعقل والاسلام.

–        كراهية مصر… رجس من عمل “الاخوان” فاجتنبوه.

–        من حق تمام سلام انتقاد السلحفاة على سرعتها المتهورة.

رحلة التكفير: كيف حوّل الإخوان الفن الحلال إلى حرام؟

عبد الرحمن سلام:

على شاشات الفضائيات التي تتبع “جماعة الاخوان المسلمين” في مصر، وجّه احد اعضاء  هذه الجماعة الى النجمة السينمائية الهام شاهين، اتهامات تمس العرض والسمعة والكرامة، من دون ان يقيم اي دليل على اتهاماته، ما اثار حفيظة اهل الوسط الفني، فتوحدوا حول زميلتهم، وهاجموا من هاجمها، حيث خرجت كل الاقلام تدافع عنها، وعن حرية الابداع الذي قدمته في جميع أعمالها السينمائية، ورافضة الوصاية على الفن، وكذلك الاتهامات التي تطلق بحق الفنانين والفنانات، معلنين بالتالي رفضهم التام لـ”اخونة” الفن.

ورغم أن الاخوان يطيعون مرشدهم طاعة عمياء، فإنهم لم يطيعوه في تلك المسألة، وإنما لجأوا الى العنف في التعبير عن رفضهم للتمثيل وللممثلات، من دون ان يكلفوا انفسهم مشقة البحث عن علاقة مرشدهم الاول مؤسس حركة  الاخوان المسلمين، حسن البنا، بالفن والفنانين، وكان من نتيجة تصرفاتهم الشاذة ان قامت النجمة الهام شاهين برفع دعوى سب وقذف وتشهير ضد عضو الجماعة، انتهت بمعاقبته بالحبس والغرامة، في برهان اضافي على غلوهم.

ورغم لقاء  الرئيس (قبل عزله) محمد مرسي، مع العديد من نجوم التمثيل، فإن جماعة الاخوان لم ينطقوا بكلمة، ولم “يهاجموا رئيسهم” الذي استقبل الممثلات، وصافحهن.

وهذا اللقاء، لم يلغِ تخوّف اهل الفن من رغبة ونية الاخوان من “اخونة” الابداع.

الباحث المصري محمود خليل (باحث في التاريخ) تتبع تاريخ مؤسس حركة الاخوان ومرشدها الاول الشيخ حسن البنا، وأيضا تاريخ الجماعة، حيث لا يمكن فصل احدهما عن الآخر، وكشف في دراسته عن الوجه الآخر للمرشد حسن البنا وجماعته بعنوان “البنا والاخوان تاريخ اسود مسكوت عنه”. وقد يكون هذا التاريخ معروفا لدى البعض، غير ان الكثيرين يجهلونه، ويسعى “الاخوان” (الحاليين) الى طمسه، ومهاجمة كل من يحاول فتح ذاكرة التاريخ ليضيء على الماضي، ومنه، علاقة حسن البنا، والكثير من رموز الاخوان، وبعض مشايخ الازهر الشريف، بالفن والفنانين، وهو ما نتناوله في تحقيقنا هذا.

فنانات ضد الاخوان

فنانات ضد الاخوان

علماء الأزهر يرتادون دار الأوبرا

في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي، كان عدد من علماء الازهر يذهبون الى دار الاوبرا المصرية، ويقيمون علاقات صداقة وتعارف بالفنانين، من اصحاب الفن المحتشم، كالشيخ محمد مصطفى المراغي (شيخ الازهر) الذي ارتاد لمرات دار الاوبرا المصرية وحضر فيها بعض الاحتفاليات، ولم ينتقد هذا الامر اي من علماء عصره. ثم جاءت مرحلة الثمانينيات لتكتب مجلة “التوحيد” التي تصدر عن “جماعة انصار السنة” في مصر، ولتنبش في ماضي الرجل، وتهاجمه هجوما حادا تحت عنوان “عمائم في الاوبرا”،  ما اضطر ابنه الدكتور اسماعيل المراغي ان يكتب توضيحا عن الفارق بين “اوبرا الماضي” و”أوبرا الحاضر”، وان الاولى كانت تراعي البيئة والالتزام في كل ما كانت تقدم من فنون راقية، محترمة، وغير مسفة.

ايضا، كان الشيخ مصطفى عبد الرازق (شيخ الازهر) معروفا بعلاقته مع كثير من الفنانين، وعلى رأسهم محمد عبد الوهاب وأم كلثوم. كما كان بين الفنانين، ملحنون وشعراء ومطربون وعازفون، بعضهم يحمل لقب “شيخ”، ويباهي به، وأيضا، ينادى به، من دون اي حرج، ومن دون ان تستنكف الطبقة الفنية من ذلك، أو تلفظه، أو ترفضه، او حتى تحتج مجرد احتجاج عليه، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ سلامة حجازي والشيخ زكريا احمد والشيخ امام عيسى وصولا الى آخر مطرب برتبة المشايخ، الملحن والعازف والمطرب الشيخ سيد مكاوي.

التلمساني: تعلمت الرقص

ويضيف المؤرخ محمود خليل: في كتاب “ذكريات لا مذكرات”، قال عمر التلمساني (من مرشدي جماعة الاخوان السابقين): ان في حياتي  ما لا يرضي المتشددين من الاخوان او غيرهم، كالرقص الغربي، والموسيقى، وحبي للانطلاق. تعلمت الرقص “الافرنجي” في صالات “شارع عماد الدين” وكان تعليم الرقصة الواحدة في مقابل ثلاث  جنيهات. تعلمت “الشارلستون” و”التانغو” و”الدن سيت” و”الفوكس تروت”، وأيضا العزف على العود. ولئن سألوني عن الهوى، فأنا الهوى وابن الهوى وابو الهوى وأخوه؟!

وتحت عنوان “صليت في السينما” يذكر عمر التلمساني: “لما كنت اباشر عملي كمحام وانزل يوم الجمعة لاشاهد بعض الافلام السينمائية، “كنت انتهز فرصة الاستراحة لأصلي الظهر والعصر مجموعين مقصورين في أحد أركان السينما التي اكون فيها”.

فرق مسرحية “اخوانية”

في كتابه “خصائص الفن عند البنا” يقول الكاتب عصام تليمة: قد يستغرب القارئ، للوهلة الاولى، من عنوان الفصل. فما شأن حسن البنا والفن؟! وهل فعلا كان للبنا تجربة في الفن؟ وهل هذه التجربة غنية الى حد ان يتم تناولها ويجعلها مادة تستحق البحث؟ لقد رأيت بالفعل ان الامر جدير بالبحث، والمناقشة لا سيما وان الموضوع (والكلام دائما للكاتب عصام تليمة) كان دائما من الموضوعات التي نأى الباحثون بأنفسهم وأقلامهم عن البحث فيها، أما لوضع نتائج مسبقة قبل البحث بأن علاقة حسن البنا بالفن لن تتجاوز حدود اصدار فتوى، أو ملامسة الموضوع عن بعد من حيث “الحلال والحرام” وليس اكثر؟! لكن الحقيقة تؤكد ان المرشد مؤسس حركة الاخوان، جعل للفن مساحة ليست بالصغيرة في “جماعته”، فأنشأ فرقة مسرحية. بل فرقا مسرحية، لعل ابرزها وأشهرها “فرقة القاهرة”. فقد أنشأ مرشد الاخوان حسن البنا في معظم شعب الاخوان المسلمين، فرقا مسرحية، رغم ان اول رسالة صدرت تهاجم الفن والتمثيل عند “جماعة الاخوان” كانت بسبب مسرحية قدمتها شعبة “محافظة طنطا” وفيها قدمت قصة “الذبيح اسماعيل” عليه السلام، حيث احضرت الفرقة كبشا، ومثلوا شخصية اسماعيل عليه السلام.

علاقة البنا بالفنانين

وفي كتابه عن المسرح عند “الاخوان”، يقول الكاتب محمود عبد الحليم: اقام حسن البنا علاقات مع الفنانين تركت اثرا طيبا عن دعوة الاخوان في نفوس اهل الفن، سواء كانت العلاقة بلقاء عابر لا يفوتهم فيه غرس معنى من معاني الاسلام الحسنة، او بإقامة علاقة ود، ومن ابرز هؤلاء الفنانين ثلاثة، عرفتهم من خلال البحث، أولهم الفنان انور وجدي الذي كان له صيت ذائع في الاربعينيات من القرن المنصرم، وكان يلقب بـ”فتى الشاشة”، وله جمهوره المتابع لفنه.

ويروي القيادي الاخواني الدكتور محمود عساف  كيف توجه بصحبة المرشد حسن البنا الى البنك العربي لفتح حساب للاخوان، اذ لم يكن لهم حساب بأي بنك، بعد، ولدى وصولنا، كان هناك رجل جالس على مقعد مجاور لمقعد المدير “شومان بك”. وما انتهت المقابلة بين الاثنين، حتى التفت الرجل تجاهنا وهو يعلن بصوت مسموع: “حسن بك. اهلا وسهلا”. ثم تقدم نحونا مصافحا الإمام، ومقدما نفسه لي: أنا انور وجدي المشخصاتي (ضاحكا) يعني الممثل. طبعا انتم تنظرون الينا ككفرة نرتكب المعاصي في كل يوم، مع انني والله اقرأ القرآن الكريم وأصلي.

ورد عليه الامام حسن البنا: يا اخ انور. انتم لستم كفرة. ولا عصاة بحكم عملكم، فالتمثيل ليس حراما في حد ذاته، لكنه حرام اذا كان موضوعه حراما، وأنت واخوانك الممثلون تستطيعون ان تقدموا خدمة عظمى للاسلام اذا عملتم على انتاج افلام ومسرحيات تدعو الى مكارم الاخلاق، بل ستكونون الاكثر قدرة على نشر الدعوة الاسلامية من كثير من الوعاظ وأئمة المساجد. فأنت مرحب بك عندنا وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الاخوان بـ”الحلمية الجديدة” (منطقة في وسط القاهرة) لنتبادل الرأي حول ما يمكن أن تسهموا به في نشر الفضيلة والدعوة الى الله.

وينهي محمود عبد الحليم بأن انور وجدي وعلى اثر اللقاء المذكور، كان له اكثر من زيارة الى مقر “الجماعة”، وأنه، قدم من ثم، ومثل وأخرج فيلم “ليلى بنت الفقراء”.

اما الفنان الثاني، فهو المخرج والمنتج والمؤلف والممثل السينمائي حسين صدقي الذي ميّز مسيرته السينمائية بعشرات الأفلام الملتزمة بالدعوة الى الاخلاق، وكان بينه وبين  جماعة الاخوان عموما، والمرشد حسن البنا بشكل خاص، علاقة في سنوات الاربعينيات من القرن المنصرم، وهذا الفنان، ادخل الى منهج حياته الفنية، منذ ظهوره وحتى رحيله عن هذه الدنيا، الكثير من المفاهيم، كما اتجه، في آخر انتاجاته السينمائية الى تقديم الافلام التاريخية التي تروي الفتوحات الاسلامية، ومنها على سبيل المثال، فيلم “خالد بن الوليد”، وكان انتاجا ضخما، بالالوان وبالسينما سكوب، كما شيد مسجدا قرب منزله، حمل اسمه.

أما الفنان الثالث الذي يبدو ان المرشد حسن البنا وجماعة الاخوان بنوا معه علاقة ود، ورأى منهم سلوكيات طمأنته الى موقفهم  تجاه الفن، ما انعكس ايجابيا على رأيه فيهم، فكان النجم العربي العالمي عمر الشريف (اللبناني الاصل المسيحي الديانة الذي اشهر اسلامه في القاهرة) فعندما هاجت الدنيا، على اثر فوز جماعة الاخوان في انتخابات البرلمان المصري (تشرين الثاني ـ نوفمبر 2005)، تخوفا من موقفهم تجاه الفن والثقافة، ويومذاك، انبرى عمر الشريف ليصرح في اكثر من مناسبة، بأن “لا اساس لهذا الخوف من الاخوان” فهو يعرفهم منذ سنوات، وهم ليسوا ضد الفن او الفنانين”.

ولا شك في أن هذا الفهم تكوّن لديه منذ نهاية الاربعينيات وبدايات الخمسينيات (كما ذكر) خصوصا وان الاخوان غابوا بعد ذلك، ولزمن، وراء قضبان السجون (منتصف السبعينيات).

والامر المستغرب، ان الاخوان المسلمين، في مرحلة مرشدهم الاول الشيخ حسن البنا، وأيضا في مرحلة مرشدهم التلمساني، اظهروا انفتاحا على الحركة الفنية وعلى الفنانين، بينما اختلف الامر في ازمنة بقية المرشدين الذين توالوا على شؤون الاخوان فيما بعد، فرأيناهم يهاجمون، على سبيل المثال وليس الحصر، الشيخ المقرئ الجليل محمود خليل الحصري، بسبب اتجاه ابنته المطربة (المعتزلة) ياسمين الخيام (اسمها الحقيقي افراج محمود خليل الحصري)، فكان ان تصدت لكل الحملات التي حاولت النيل من والدها رحمه الله، بأن اعلنت في أكثر من مناسبة، ان والدها المقرئ الجليل هو مرشدها، وموجهها، وناصحها، وأنه اوصاها باجتناب الوعورة في طريق الغناء، وأنه لطالما اكد لها على ضرورة افادة الناس من موهبتها الغنائية، ولطالما طالبها بإتقاء الله بها، ولذا، فإن عطاءها (قبل وبعد الاعتزال) كان في حب الله، وحب ابناء وطنها.

مسلك اتهام الفنانين؟

وفي اتجاه تجييش الرأي العام ضد الفن والفنانين، سلك الاخوان، في السنوات الاخيرة، مسلك اتهام اصحاب الاسماء المعروفة في العديد من المجالات الاجتماعية ـ المهنية، بعلاقات ما، مع فنانات معروفات، اضافة الى محاولات تشويه السمعة، وهو السلاح الذي اتبع مع النجمة الهام شاهين أخيرا، ومع الممثلة المعتزلة ايمان الطوخي منذ سنوات، عندما اشاعوا كذبا وافتراء عن علاقة الشيخ المنشد الديني محمد الطوخي والممثلة ايمان الطوخي، حيث ذكروا ان الممثلة هي ابنة غير شرعية للشيخ المقرئ الديني، ما اضطر معه الشيخ المقرئ الجليل الى نفي الخبر جملة وتفصيلا على صفحات مجلة “الاعتصام”، فيما توجهت الممثلة المحترمة (المعتزلة) ايمان الطوخي برفقة محاميها، الى القضاء، حيث لا تزال دعواها منظورة أمامه.

حديث الشارع: رابعة العدوية

رابعة العدوية

رابعة العدوية

يقول ذلك الزمان أن لصاً خطف رابعة العدوية وباعها كجارية لتاجر فاسق ظالم من آل عتيق.

ويقول هذا الزمان أن الإخوان خطفوها اليوم واعتصموا بديارها.

كما بدأت… بدأوا.

بدأت حياة الصخب بالغناء والعبث بعقول الرجال فازدهرت بفضل صوتها جلسات المجون.

وبدأوا حياة الاعتصام بديارها بالزعيق والعبث بعقول الرجال. فازدهرت بفضل أفكارهم جلسات الجنون.

بدأت رابعة العدوية عدوة لأوامر الله وانتهت إلى أن تكون رائدة «العشق الإلهي».

أما الإخوان فقد بدأوا «العشق الإلهي» وانتهوا الى ما بدأت رابعة.

هي اعتصمت بحبل الله… وهم «اعتصموا» بحبل المرشد.

«شوارعي»

تصفيات كأس فلسطين

خالد مشعل ومحمود عباس

خالد مشعل ومحمود عباس

كان الاعتراف بإسرائيل من المحرمات عربياً.  لكن الزمن قلّاب.  فمن يجرؤ اليوم من العرب على الاعتراف بفلسطين التي نعرفها وفق تعريفات التاريخ والجغرافيا لها؟

قبلنا بنصفها.  ثم بمبادلة مناطقها الحيوية بأراض رملية نائية، وفق ما أبلغته لجنة مبادرة السلام العربية للرئيس أوباما.

لقد دخلنا في بطولات تصفيات كأس فلسطين.

خالد مشعل أطفأ “مشعل” المقاومة.

ويمكن وصف محمود عباس بالرئيس التائه.  فهو لا يجرؤ على مفاوضة الاسرائيلي.  ولا يجرؤ على التراجع عن أوسلو.  ولا يجرؤ على التقدم إلى الكفاح المسلح.  ولا يجرؤ على القبول بالشروط الإسرائيلية.  ولا يجرؤ على مكاشفة شعبه بحقيقة نواياه.

يقف الرئيس التائه وأمامه خطوط إسرائيل الحمراء، ووراءه خطوط فلسطين الحمراء … فإلى أي منها ييمم وجهه، وإلى من يدير ظهره، وهو الذي لا وجه ولا ظهر له.

مسكين محمود عباس.  لم يعد بطل التنازلات الوحيد، بعد أن دخلت “حماس” حلبة المنافسة.  وبعد أن كشف “الاخوان المسلمين” – الأب الشرعي لحماس – عن أن التنازل لإسرائيل في فلسطين هو الطريق الأضمن لعدم التنازل عن السلطة في مصر.

(“الكفاح العربي”)