العروبة المفقودة

walidغابت العروبة، فحضرت المآسي تباعاً.

هي لم تهاجر، بل نحن هجرناها.

توهمناها سبباً لانكسراتنا وهزائمنا وتخلفنا.

اعتبرناها مرضاً ورثناه من جاهلية قريش وداحس والغبراء.

وعدتنا بانتصارات… لم تأت.

تحت نظرها كانت نكبة فلسطين ونكسة حزيران.

دفعتنا إلى استعداء الغرب، وبالذات سيدة الكون الولايات المتحدة. وقد دفعنا هذا العداء إلى كتم شبقنا لمعاشرة العصر المتطور.

كثيرون منا ندموا على قضاء سنوات الشباب قبالة نوافذها، يغني لها ويتغنى بأمجادها.

من منّا لم يقل فيها أعظم الكلام؟.

من منّا لم يغمرها بعيون الشعر. ويشعل بحبها روائع الغناء؟.

لا أحد يدري إلى أين رحلت.

كل ما هو مؤكد أنها لم تعد بيننا.

غريب!!.

مع أنها غادرتنا، ومع اعتقادنا أننا بغيابها أغلقنا أبواب الريح… لنستريح، فإذا بنا نواجه الكوارث الكبرى من كل صوب.

ها نحن من دونها مذاهب شتى ودول مشتتة. منها من يتذابح… ومنها من ينتظر.

ها هي الكراهية تبلغ أشدها، حتى انحدرت إلى أصغر مستويات التمييز العنصري ما بين مسيحي في الحدت وشيعي في الشياح.

والعنصرية لم تقف مواصيلها عند رتبة رئيس بلدية الحدت، بل تعدته إلى الرتب الأعلى، والأكثر علواً. فتم الإعتداء على كرامة النازح السوري وإنسانيته. وقد بالغ العنصريون بكراهيتهم إلى حد منع هذا النازح من التجول ليلاً بتهمة مبنية على نية السرقة المسبقة، أو الشك بأنه إرهابي محتمل.

والعنصرية في لبنان، التي انتعشت بغياب العروبة، قد تكون أقل ضرراً وضراوة من العنصرية التي تمارس القتل والتهجير في بلاد مثل العراق وسوريا، وكانتا يوماً من ذوات “أمة عربية واحدة – ذات رسالة خالدة”.

هذا غيض من فيض الكوارث الزاحفة حثيثاً إلينا. فثمة ما هو أكثر إيذاء من المذهبية والعنصرية. فمن يستطيع أن يتجاهل الإنحراف الخطير بالإسلام وسماحته؟… وإلا كيف ولدت “القاعدة”؟. وكيف خرجت من سلالتها داعش والنصرة؟… وكيف توالت الإنحرافات بـ “حوثية” ملعونة، وبـ “حشد شعبي” ملغوم… وبكثير مثلهما، حيث لا يمكن العد… ولا ينفع الحصر.

منذ أن قدمنا استقالتنا من العروبة، فإن ما أتى عظيم، وما سيأتي أعظم.  في زمانها، كنا نستعد فقط لحرب ضد إسرائيل. من بعدها لم نترك حرباً أهلية لم نخضها بجدراة، وأحقاد كانت دفينة… فآن أوان إعلانها.

كانت العروبة تضمنا إلى صدرها بطوائفنا ومذاهبنا واقلياتنا. وبرحيلها تقطعت أوصالنا. وتزنّرت كل طائفة، وكل مذهب، وكل أقلية، بأحزمة ناسفة في محاولة لتفجير “الوطن الكبير” وتحويله إلى أوطان بلا أمان… وإلى شعوب نازحة بلا مأوى.

في زمانها، ولّى عهد الإستعمار. ومن دونها تحولت الأرض العربية إلى ملاعب عسكرية لأكابر الدول ولأصاغرها.

هنا تلعب أميركا.

هنا تلعب روسيا.

هنا تلعب إيران.

هنا تلعب تركيا.

صحيح أن البوح اليوم بحب العروبة يثير السخرية، لكن لا يمكن الخروج من سخرية القدر العربي إلا بالعودة إليها.

لم يعد الأمر مجرد حنين للأيام الخوالي… إنها، أي العروبة، هي المنقذ الوحيد من محرقة الفوضى والتفرقة. فهي دون سواها من يجمع ولا يفرق. ومن يرى أنه لا فضل لسني على شيعي، ولا لمسلم على مسيحي، ولا لمؤمن على علماني إلا بالعودة إلى العروبة التي تتسع للجميع ولا تستثني أحداً.

وليد الحسيني

Advertisements

دعوة إلى الحقيقة: من ليبيا… يأتي الإرهاب

walidفي سبعينيات القرن الماضي اتهمهم القذافي بالزندقة، وأطلق عليهم إسم الزنادقة. وقاتلهم وقتل منهم الكثير.

يومها قامت الدنيا على قائد ثورة الفاتح. ووصفوه بالمستبد والديكتاتور.

زنادقة ذلك الزمن هم الآباء الشرعيون لتنظيم داعش وأخواته. وبسقوط القذافي بغزوة غربية قادها الناتو، فتحت مخازن ترسانة كبيرة من الأسلحة المتنوعة والحديثة، الخفيف منها والمتوسط والثقيل والمدرع والصاروخي. وشيئاً فشيئاً تسللت الإمكانات النارية لهذه التنظيمات الإرهابية. وشيئاً فشيئاً تواجدت بقوة في ساحات، وبسطت سلطتها المطلقة على ساحات شاسعة واستراتيجية. وشيئاً فشيئاً عمّ خطرها ونشاطها في مصر وليبيا وسوريا والعراق واليمن. وشيئاً فشيئاً بدأ الهلع منها يتسرب الى دول أوروبا خصوصاً والغرب عموماً.

المشهد يتسع جغرافياً وتشتد أخطاره. فدول المنطقة التي لم يستقر فيها تنظيم داعش أو ما شابهه، هي معرضة لعملياته الإرهابية.

الدول والحكام والأحزاب الذين فرحوا بسقوط القذافي، يترتب عليهم الندم على مشاركتهم بمؤامرة فبراير الليبي. لكنه ندم في تطورات لا ينفع معها الندم.

إن نهر السلاح العظيم ينبع من ليبيا، وفروعه الأولى تصب في كل الساحات العربية المشتعلة الآن.

لولا السلاح الليبي المتدفق على هذه التنظيمات الإرهابية، لما توفرت لها القوة، التي مكنتها من الاستيلاء على مزيد من السلاح العراقي والسوري واليمني.

لقد فات أوان الحساب والمحاسبة عن الجريمة الأولى، التي ارتكبت في ليبيا. فمسلسل الجرائم السائدة والقادمة تستدعي حسابات غير ما درجت عليها دول العالم.

إن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لن ينقذنا من سكاكينه الجازة للأعناق، ولا من نيرانه الحارقة للأجساد الحية. ولا نعتقد أن مليارات أوباما، التي خصصها لـ«إضعاف» داعش، قادرة على منع تمدده وممارسته لأبشع أشكال الوحشية، والأكثر وحشية من كل ما عرفته الهمجية عبر التاريخ.

ولا نعتقد أن تهديدات الأردن بـ«الرد المزلزل» و«الثأر»، واقتلاع تنظيم داعش من جذوره، هي تهديدات قابلة للتصديق وقادرة على ردع «الداعشية»… وفي السياق نفسه تندرج فتوى الأزهر عن الصلب وقطع الأطراف.

إننا في مواجهة معضلة لم يعرفها التاريخ. وهي بالتأكيد تحتاج الى مؤتمر دولي يرفع الحجاب الثقيل الذي تتخفى به الدول الراعية والداعمة لمثل هذه التنظيمات المتوحشة، التي تضم جيوشاً من الأشباح المتحركة في الشرق الأوسط، والنائمة الى حين في دول العالم.

وليد الحسيني

“عيدية الإرهاب”

من تفجير ستاركو

من تفجير ستاركو

أي “عيدية” في بلاد تطرد الأعياد؟

وأين هي الأيام التي نسأل الله أن يعيدها علينا باليمن والبركات؟

لا “عيدية” للبناني غير ما يهديها إليه الإرهاب.

والإرهاب يقدّم لنا هداياه في الأعياد وخارجها.  فكل فرصة تتيح له وضع سيارة مفخخة هي، بالنسبة له، عيد يستحق “عيدية”.

وآخر معايداته، بين عيدي الميلاد ورأس السنة، متفجرة “ستاركو” التي أودت بحياة ثمانية أبرياء بينهم رأس محمد شطح، “رأس الحكمة” السياسية في بلاد تعيش بلا حكمة ولا حكومة ولا حكم.

يحدث هذا، وقد حدث كثيراً من قبل، لأننا نمدّ للإرهاب يد المساعدة ليحضر إلى لبنان ويحضّر عملياته السوداء.

نحن الذين نغريه في استيطان بلادنا الخضراء.

نبثّ الشائعات، ونكيل الاتهامات، ونسترسل في حملات التخوين، وننقب عن الفتنة، ونردح بالسباب والقدح والذم.

نحن الذين نوفّر البيئات الحاضنة.  ففي كل مكان في لبنان، للإرهاب مكان آمن … فيه ومنه يضرب الأمن والأمان.

هو عدو، لكننا نستعين به على “الأعداء”.

منذ أن مزّقنا “حصر إرث الميثاق الوطني”، ومنذ أن “بلّينا اتفاق الطائف بالماء وشربناه”، ومنذ أن اختلطت أنسابنا ولم نعد نميّز بين أمنا لبنان وبين أمهاتنا بالتبني غرباً بالولاء، وشرقاً بالتبعية … منذ أن كان كل هذا، أصبحت أعيادنا مناسبات للقتل وتقبل العزاء.

مع هذا الخليط من الولاء والتبعية، جفّت عواطف الأبوة والأمومة والأخوة، وأصبح الوطن لقيطاً يتعامل معه الجميع على أنه إبن حرام.

ومن عجائب اللبناني وغرائبه، أنه بدل العمل على التهدئة والتوافق والاستقرار، يفعل كل ما يزيد قلقه قلقاً، ومخاوفه خوفاً.

يعاند ذاكرته، فلا هو يسمح لها في إنعاش الماضي الذهبي في مرحلة ما قبل اغتيال الشهيد رفيق الحريري، للبنان الإعمار والإزدهار.  ولا الذاكرة تجد في رأسه المغلق مكاناً لصورة واحدة من آلاف الصور المأساوية والمرعبة، التي عاشها خلال الحرب الأهلية، والتي يصرّ على عودتها، فيما تصرّ هي على أن لا تعود.

يجب علينا الاعتراف بأننا نتكاره إلى حد الاقتتال.  ونختلف إلى حد الخيانة.  ونكذب إلى حد القضاء على الحقيقة.

إننا مجتمع مشوّه ومجنون، رغم كل ما نعيشه من تحضّر ومعرفة وثقافة. فضميرنا الوطني لا يكاد يستيقظ للحظات، حتى يعود إلى السبات لسنوات.

نتعصّب في أغانينا للبنان، ولا نستغني عن تعصّبنا لمذاهبنا وطوائفنا وجعلها أعلى من قمم جبالنا الشامخة، وأبقى من أرزنا الخالد.

لولانا، لما نجح الإرهاب في تفخيخ أعيادنا، ولما نجح في توزيع “عيدياته” علينا في الأضرحة والمقابر.

سامر الحسيني