قانون بلا أخلاق

walidفي إمتحاناتنا المدرسية، أيام زمان، كانت أسئلة بعض المواد تبدأ بعبارة: إملأ الفراغات التالية بالكلمات المناسبة.

الإمتحان نفسه تتعرض له اليوم الزعامات اللبنانية، التي عليها أن تملأ فراغات لوائحها بالأسماء “المناسبة”.

لكن “المناسِبة” هنا مجرّد كلمة إفتراضية ، كثيراً ما يتم تجاهلها. لأن زعاماتنا “المبجّلة” تعرف جيداً أن اللبناني قد يتمعن ملياً في لوائح المطاعم، إلا أنه عند اختيار لائحته الإنتخابية، فإنه يختارها “على العمياني”، بحكم التبعية السياسية والمذهبية. أي أنه لا يدقق ولا يفكر. المهم أن تكون الأسماء “المناسبة” تناسب كبير القوم. فهي بالتأكيد مختارة بمعيار “السمع والطاعة”.

غير أن المشكلة ليست فقط في من تضمه القيادات العظمى إلى لوائحها، إنما في قانون النسبية، الذي نفخ الوهم في شخصيات تدخل المعركة الإنتخابية متكئة على شعبية وهمية.

أسماء مجهولة تدخل السباق. بعض أصحابها يظن أن “نضال النفايات” كفيل بوصوله إلى المقعد النيابي.

كل رصيد هؤلاء أكوام من “الزبالة”. خرجوا ضدها في احتجاجات موسمية.

بمعنى آخر، أننا لولا “الزبالة” لما شاهدنا وجوههم على شاشات التلفزة. ولما قرأنا أسماءهم في الصحف. ولما تكاثرت تنظيماتهم المدنية، كما يتكاثر الذباب فوق “المكبات العشوائية”.

مع ذلك فقد تحقق النسبية أحلام “المناضلين” الجدد بفوز ما في انتخابات هجينة على الديمقراطيات العريقة.

يضاف إلى ذلك، واجب إقرارنا بأن قانون النسبية بلا أخلاق. فهو يجبر جميع القيادات على الغش. ففي كل دائرة ستقوم تحالفات “من كل وادي عصا”. وكل تحالف سيواجه نفسه معدّلاً في دوائر أخرى. وبعد الفرز مباشرة، ستنتهي “رفقة” اللوائح الإنتخابية، لتبدأ “فرقة” الكتل النيابية.

وهو بلا أخلاق، لأنه داخل اللائحة نفسها ستنشب حروب الصوت التفضيلي. وسيعلو شعار “اللهم نفسي” على شعار اليد الواحدة. ولن يأمن مرشح من غدر أخيه في اللائحة.

للأسف، لم يزل لبنان بعيداً عن قانون لانتخابات بلا شوائب كثيرة … وبلا عيوب كبيرة.

قانون الستين، يمكن أن يوصف بقانون “الكبش” الذي يقود رتلاً من خرفان جداول الشطب. وعندما تم تعديله بقانون “غازي كنعان”، انتقل “الكبش” إلى عنجر، ليتولى وحيداً قيادة كل أرتال الخرفان الناخبة في كل لبنان.

ومع إنحراف المجتمع اللبناني نحو الطائفية والمذهبية، انتقلت سلطة هش الخرفان إلى عصا الدين والمذهب.

لم يتوقف “تطور” الديمقراطية اللبنانية عند هذا الحد المهين، فها نحن نقدم للعالم الديمقراطي قانوناً مبتكراً تشكل فيه النسبية حاضنة لتفقيس بعض النكرات … ولإقامة تحالفات كاذبة، تزدهر في ظلها صناعة خناجر الطعن في الظهر.

وبحزن شديد نقول: رحم الله قانون الستين فقد كان الأقل سوءاً … والأقل إساءة إلى الديمقراطية.

وليد الحسيني

Advertisements

محدلة الأكثري في زمن النسبي

samer husseini

سامر الحسيني

لم تعد المعركة الانتخابية المقبلة مقتصرة على 128 مقعداً نيابياً. فلكل فريق حساباته وتحالفاته التي تتجاوز الخلافات التقليدية والمصالح الاقليمية، بحثاً عن أوزان استراتيجية تحكم لبنان في المرحلة المقبلة.

لا أحد يشكك في أن لـ”حزب الله” الوزن الراجح في ميزان السلطة المتجددة بعد تمديدين. فلعبة المقاعد وتوزيعها تبقى رهينة “ثنائيته” مع”حركة أمل”؛ و”ربط نزاعه” مع “تيار المستقبل”؛ و”وثيقة تفاهمه” مع “التيار الوطني الحر” التي تحصّن الجنرال ميشال عون و”ولي عهده” جبران باسيل في قصر بعبدا.

إنها تفاهمات وتحالفات الضرورة، التي تحقق المكاسب وتحافظ على المكتسبات.

فبينما ينشغل اللبنانيون في فك ألغاز القانون النسبي واحتساب الحاصل الانتخابي والأصوات التفضيلية في كل دائرة، نرى اللاعبين الخمسة الكبار يدوّرون الزوايا ويردمون “خنادقهم الآذارية”، بحثاً عن انتصارات تعوّض خسائرهم العسكرية والمالية والسياسية.

فـ”حزب الله” المنهك من حروبه الاقليمية يريد عودة هادئة لفائض قوته لا تصطدم أو تستفز شركائه في الوطن.

و”تيار المستقبل” المتألم من طعنات حلفاء الداخل والخارج، يضمد جراحه بمزيد من الاعتدال والنأي بالنفس.

و”حركة أمل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” و”التيار الوطني الحر” يدركون جيداً أن وحدها التفاهمات الداخلية تجنب لبنان دفع ثمن التسويات الاقليمية الكبرى في المنطقة.

وإذا كان القانون النسبي يفرض على الناخب اللبناني الاقتراع للوائح مغلقة، فإن النتيجة السياسية للانتخابات تحددها التفاهمات والتحالفات المفتوحة على أكثر من اتجاه.

في انتخابات 2018 تتداخل الخرائط الاقليمية بالخرائط المحلية. فما حصده “حزب الله” في صناديق الذخيرة في سوريا والعراق، يحاول أن يستثمره في صناديق الاقتراع في لبنان، لفرض معادلاته “الذهبية” من جديد.

وإذا كانت صفارات قطار التسوية الإقليمية بدأت تُسمع في موسكو وواشنطن، فإن  انتظار وصوله إلى محطته اللبنانية يستوجب بقاء الغالبية الحاكمة في مقاعدها الرئاسية والنيابية.

من هنا فإن تركيبة الحكم الخماسية، وإن لم تتحالف في قوائم مشتركة، إلا أن تفاهماتها لمرحلة ما بعد الانتخابات، تحيي “محدلة الأكثري” في زمن القانون النسبي.

سامر الحسيني

الدستور الهيروغليفي

walidالأعرج لا يعلِّم السوي المشي. وعليه فإن ما نسمعه من دفاعات عن الدستور لن تعيد له الاحترام المفقود.

إن الخلافات السياسية في لبنان جعلتنا نعاني من حرمان الإستقرار، أكثر مما تعانيه عكار من حرمان التنمية.

وأحدث مسلسل الخلافات اللبنانية، خلاف عون وبري على تفسير الدستور. فالخلاف القائم هو إستحضار طارئ ونادر لدستور غائب. يتم إلباسه “طاقية الإخفاء” كلما كانت المحاصصات بالرضى والتراضي. ولا يظهر إلا عند حاجة الزعامات إلى شاهد دفاع للمحاججة في أي نزاع حول الصلاحيات ومناطق النفوذ.

ودائماً تتحوّل مواد الدستور إلى مواد سجالية مبهمة، كأنها كتبت باللغة الهيروغليفية، لا العربية.

المصيبة ليست في تغييب الدستور فقط. فالمصائب اللبنانية لا تحصى.

منها:

الديمقراطية التي تحولت إلى حفلة تنكرية، حيث خلف القناع الديمقراطي، إقتناع بأن المذهبية هي الوجه الحقيقي لأصحاب الأقنعة.

الحكومة، وهي منذ زمن معتقلة في “سجن التوافق”. لا يمرّ من قراراتها إلا ما يسمح به غربال الخلافات في مجلس وزاري يضم كل الإتجاهات المتعاكسة والكامنة على أي كوع.

أما الطائفية، فهي المرض العضال المتسبب بكل مصائب لبنان. بما في ذلك أزمة النفايات الخالدة … وبواخر الكهرباء الغارقة، قبل أن تبحر، بين مد هذا الفريق وجزر ذاك.

ولا بد من التوسع في الحديث عن الطائفية، لأنها كما قلنا سبب كل علة.

يقال مثلاً أن الإنتخابات المقبلة ستنقذ لبنان، وأن وجوهاً جديدة ستبعث دماً جديداً في المجلس النيابي.

حتى لو صدقت “النسبية” وفاز الوجه الجديد، فإنه لن يختلف عن الوجه القديم. فالصبغة “المدنية” لا تدوم طويلاً عند إستعار نيران المذهبيات. وقبل كل هذا، فإن الناخب اللبناني عندما يختار لائحته الانتخابية، يختارها بمعيار مذهبي متعصّب. فشعب لبنان واحد من شعوب نادرة تحكمها “جيوش السماء”.

أغلبية شعبنا مشدود إلى الشعبية المذهبية. ولهذا لم يعد بالإمكان التمييز بين رجل الدين والسياسي.

أكثر الساسة في لبنان يقلّدون رجال الدين … وأغلب رجال الدين ساسة.

لا تمر قوانين خارج إرادتهم. ولا تصح محاصصة إذا لم تخرج من تحت أرديتهم. ولا تستقيم سياسة خارجية إذا لم تحظ بمسحتهم المباركة.

الدولة، بكامل مؤسساتها، تتجوّل فيها أشباح “معممة” و”مقلنسة”، حتى لو ارتدت البدلة “السينييه” وربطة العنق.

لقد تحوّلت الديانات والمذاهب من لغة روحية وتعبدية، إلى لغة سياسية، بقدر ما يجيد السياسي التحدث بها، يجيد الوصول إلى المناصب ومراكز النفوذ.

إن البلد اليوم يعيش حرباً أهلية مموهة. فبدل أن تقام المتاريس في الشوارع، ها هي تقام داخل مجلس الوزراء، وها هي أكياس الرمل ترتفع بين بعبدا وعين التينة. وبدل أن يخرج الرصاص من أفواه البنادق، ها هو يطلق بغزارة من أفواه السياسيين والإعلاميين.

وقبل أن يتأكد العالم من أن لبنان كذبة ديمقراطية، يتوجّب على القوى السياسية “العظمى” أن تقتنع بشيء لها وبشيء للوطن. وإلا فلن تحصل على شيء … ولن يبقى لها وطن.

يكفي نفخاً بالمذهبية لتحقيق بعض الإنتفاخ.

تواضعوا، وخذوا بقول الشهيد رفيق الحريري “لا أحد أكبر من وطنه”. ولا تستمروا بأفعالكم التي توحي بأن “لا وطن أكبر منكم”.

وليد الحسيني