فاليري جاريت “مهندسة” الاتفاق النووي الايراني: إمرأة الكواليس في البيت الأبيض

كتب سعيد حمدان:

إنها مهندسة “الاتفاق النووي” الايراني – الأميركي.  شقّ بها الرئيس الأميركي باراك أوباما قناة اتصالاته السرية مع طهران قبل سنة من التوقيع العلني على اتفاق جنيف. ففاليري جاريت لم تعد فقط كبيرة مستشاري أوباما، لا بل أصبحت “الجندي المجهول” الذي حقق أكبر انجاز دبلوماسي للرئيس الأميركي خلال ولايتيه في البيت الأبيض.

 اذا كان معروفا ان المرشد الأعلى علي خامنئي كلف مستشاره الاول للشؤون الخارجية علي ولايتي بالاتصالات مع الولايات المتحدة الاميركية، فان ما ليس معلوما هو أن أوباما، واستناداً الى مصادر متطابقة في واشنطن، كلف احدى اقرب مستشاريه واكثر اصدقاء عائلته بالمهمة. فهي التي وظفت خطيبة اوباما، ميشال روبنسن في مكتب عمدة شيكاغو عام 1991 حيث كانت تعمل مع العمدة منذ العام 1987. انها: فاليري جاريت.

والمستشارة جاريت ولدت عام 1956 في شيراز في ايران وهي من والدين اميركيين. والدها الدكتور جايمس باومن كان طبيبا ادار مستشفى للاطفال ضمن برنامج للتنمية. تزوجت من الطبيب وليام جاريت، وحصلت على اجازة الحقوق من جامعة ميشيغان. وهي تتكلم الفارسية والفرنسية بطلاقة. وقد عينها اوباما يوم عيد ميلادها في 14  تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2008 مستشارة اساسية ومتقدمة بعد ان كانت قد تدرجت في مواقع مهمة.

فاليري جاريت مع أوباما في البيت الأبيض

فاليري جاريت مع أوباما في البيت الأبيض

أقوى ثاني شخص

 اسم فاليري جاريت لم يتردد كثيرا، وقليلون هم الذين سمعوا به حتى في واشنطن. إنها امرأة سوداء وهي أقوى ثاني شخص في إدارة الرئيس الأميركي الحالية. فمن أين تستمد هذه المرأة السوداء المغمورة نفوذها؟

في الاجتماعات الرسمية يدلي كل شخص من المجتمعين بما عنده، لكن فاليري جاريت هي آخر من يهمس في أذن الرئيس بعد انفضاض الاجتماع. كل الآخرين يرون الرئيس في قاعة الاجتماعات ما عدا جاريت التي تزوره في بيته. هي التي أقنعت أوباما، كما يقال، بتعيين سوزان رايس مندوبة أميركا السابقة لدى الأمم المتحدة، مستشارته للأمن القومي لتقعد في المكان الذي احتلته في عهد سلفه جورج دبليو بوش امرأة سوداء أخرى هي كوندوليزا رايس.

وفوق ذلك، يعتبر أوباما أن فاليري جاريت ومستشارته سوزان رايس مثل شقيقتيه. جاريت هي التي نصحته بالانسحاب من العراق ضد نصيحة المؤسسة العسكرية له بالتريث. وغني عن القول بأن هذه السيدة التي تتمتع بثقة أوباما ويعطيها أطول مدة ممكنة من وقته للاستماع اليها، مجهولة تماماً من معظم المسؤولين العرب الذين يزورون واشنطن، وهم لا يبذلون أي جهد للقائها اجتماعيا. وهذا بحد ذاته ينبىء بضآلة ما يعرفه المسؤولون العرب عن الولايات المتحدة، وعن سبل الوصول الى مراكز النفوذ فيها.

فالمرة الوحيدة التي تحدثت فيها جاريت عن مناسبة عربية كانت عندما ألقت خطابا في المعهد العربي الأميركي الذي يديره في واشنطن جايمس زغبي، بينما يعرفها الإسرائيليون جيداً ويتواصلون معها طوال الوقت.  ذلك أن جاريت هي الشخص الذي يرى الرئيس أكثر من أي شخص آخر في البيت الأبيض. فهي تضع أوباما والمصلحة القومية الأميركية فوق كل اعتبار.

لقد ظهرت في الآونة الأخيرة خلاصة عن دور فاليري جاريت في مقالة كتبتها الصحفية البارزة سايدي دويل، فيما يلي أبرز ما جاء فيها عن أهمية دور تلك المرأة من خلال علاقتها الوثيقة مع الرئيس أوباما:

–         يمكن القول ان فاليري جاريت هي ثاني أقوى شخص في واشنطن. وليس سرا كيف وصلت الى هذه المرتبة: هي من قادة المجتمع المدني في شيكاغو، وناصرت باراك أوباما منذ أن التقته لأول مرة في عام 1991. وهي التي قدمته الى شبكتها المهنية، وقدمت له المشورة حول الخيارات الممكنة في مسيرته.  وعندما خاض معركته الانتخابية الناجحة في انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي يوم كان عضواً في مجلس شيوخ ولاية إيلينوي، ثم في معركة الرئاسة، بذلت أقصى ما لديها من جهد وخبرات لإقناع كل من يستمع اليها بأن أوباما جدير بالدعم، حتى في صفوف عتاة المتحفظين على ترشحه. وهذا ما جعل أوباما يركن الى آرائها السياسية ونظرتها الى الأمور، بحيث قال عنها: “إنني أثق بها ثقة تامة”.

–         إن جاريت، بحكم توجهاتها السياسية، وبحكم هويتها، ولمجرد وجودها في البيت الأبيض، كان مقدراً لها أن تكون أكثر من مجرد مستشار عادي. فهي دائما في دور الصارية الممتصة للصواعق في الصراع الدائر داخل الحزب الديمقراطي بين الوسطيين والتقدميين. وفي هذا الخصوص، بين فكرة مبسطة غامضة التعريف للتقدمية على أنها “الناس الصغار” في مقابل “القطط السمان”، وبين فهم متدرج الفروق للقضايا العرقية والطبقية وقضايا المرأة والرجل والقضايا المتصلة بالعلاقات الجنسية، باعتبارها عوامل متقاطعة في كيفية تكوين السلطة والمشاركة فيها.

–         إن دور فاليري جاريت في الدعم المبكر للرئيس أوباما أمر معروف. فقد التقته لأول مرة في عام1991 عندما قامت بتوكيل خطيبته المحامية ميشال روبنسون لقضية تتعلق ببلدية شيكاغو. وفي غضون ذلك تكوّن لديها انطباع حسن عنهما معاً، بحيث أن جاريت حرصت على نقل انطباعها هذا الى أشخاص معنيين، فأقامت صلة وصل بين أوباما ومؤيديه الأوائل.

–         لما كانت لجاريت صلات سياسية من الداخل وعلاقات عمل واسعة مع رجال الأعمال، فقد أفلحت في تقديم أوباما الى بعض كبار المتبرعين بالمال لحملاته السياسية. وعندما سعى الى حمل الحزب الديمقراطي الى ترشيحه للرئاسة، وقعت عليها المهمة الصعبة لجمع الأموال الكبيرة، خصوصاً من “وول ستريت” شارع المال في نيويورك، فور فوزه على منافسته هيلاري كلينتون ومؤيديها. وفور انتخابه رئيساً رجاها أن تنتقل معه الى واشنطن.

–         إنه من غير الإجحاف القول ان جاريت أصبحت صديقاً لصيقاً ووثيقاً بأوباما وعائلته، أو التنويه بأن كلاً  منهما يهمه أمر الآخر. بل إن جاريت نفسها قالت إنها تحب عائلته، والرئيس أوباما قال عنها إنها له “مثل ابنته الصغيرة”. لكن التغطية الصحفية الرئيسية أخذت العبارة المتحفظة نسبيا “ابنتي الصغيرة” وغزلت عليها توريات و”تنقيرات” لا حصر لها، مشتقة منها عبارات مثل “الأم الحنون”، أو “العرابة السخية”، أو “الشقيقة الحامية”، أو التعبير الملطّف “العمة” أو “الخالة”. وبلغ ذلك ذروته في التحقيق الذي قامت به مجلة “فوغ” عام 2008 بقلم جوناثان فان ميتر الذي شبّه علاقة جاريت مع أوباما وزوجته بأنها “علاقة زوجية”، حيث قال: “إنها بالفعل متزوجة إن لم يكن منهما شخصيا، فمن قضيتهما”. ومن الشيّق الاستماع اليها وهي تتحدث عن مقدار حبها لهما، حديثاً شجناً ومحرجاً بعض الشيء: إنه ذلك المزيج من المشاعر الذي ينتاب المرء وهو يصغي الى صديق حميم يتحدث متيّماً عن ولهه برفيق روحه!

–         لتبديد الالتباس والخوف الذي يكتنف جاريت، لا بد من النظر في أي النواحي من هويتها هي موضع ردود الفعل. إنها امرأة سوداء، وهذا يقدم تصوراً إلزامياً حول مسألة “اللون” في صفوف كبار موظفي البيت الأبيض، وهم ما زالوا في غالبيتهم من “البيض”. وفوق ذلك، هي مولودة في إيران حيث عمل والداها لفترة من الزمن في مدينة شيراز، بينما جدها الأكبر كان يهوديا.  إن هذه الخلفية الشخصية أخذت منحى طاحناً داخل مطاحن اليمين الأميركي الميّال الى الأخذ بنظرية المؤامرة. وحتى في وقت مبكر من عام 2008، نشرت صحيفة “ذي أميريكان سباكتايتور”، في تعليقها  بعنوان “المتربِص”، وصفا لها بأنها “المستشار الغامض الذي تفضل   حملة  أوباما أن لا تعرف عنه شيئا”. ومنذ ذلك الحين أصبحت الأحاديث التي تتناولها بمثابة “فانتازيا حفلة الشاي”: المرأة السوداء بصورة الغريب الأجنبي الأبدي، المعادي لأميركا، المعادي للرجل الأبيض، المعادي للمسيحية، المسلم السرّي، والحليف في أوقات الفراغ لعشيرة يهودية.

–         من جهة ثانية ليس هناك دفاع جيد عن جاريت، كامرأة أولا، ثم كامرأة تقدمية، وكامرأة في موقع داخل السلطة يحسدها عليه كثيرون من الديمقراطيين داخل البيت الأبيض وخارجه. كما أن الاتهامات البشعة التي تساق ضدها من قبل اليمين باتت متمادية ويسمح لها بالتسرب والتغلغل الى الحديث العام من غير عائق أو اعتراض.

–         هناك معضلة تناقض في سمعة جاريت: نصف التلطيخات وعبارات التشهير التي تتناولها تطلق للتقليل من شأنها بتصويرها على أنها الأم الحانية العديمة الكفاءة المفتقرة الى المهنية التي وجدت من يدعوها الى البيت الأبيض لمجرد أن تمسك بيد الرئيس. أما النصف الآخر فإنه مخصص لتصويرها على أنها شخصية مهيمنة، تتمتع بسطوة شريرة. فإذا علمت أن إحدى التهمتين تساق في معرض التهمة الأخرى ينتج من ذلك منطق مدّوخ: إنها غير مؤهلة على الإطلاق لأي عمل سياسي، ومع ذلك فإنها تدير البيت الأبيض بقبضة حديدية. هي مجرد صديقة دلوعة تملأ علب الهدايا، لكنها في الواقع القوة الفاعلة وراء العرش.   ومع أنه من الصعب الحصول على أدلة قاطعة حول تأثير جاريت في قرارات السياسة العامة، إلا أن بعض العارفين بما يدور وراء الستار في البيت الأبيض لديهم ما يقولون في هذا الشأن. فقد قال لنا صديق رفض أن نذكر اسمه إن جاريت كانت فاعلة في حمل أوباما على دعم “قانون ليلي ليدباتر” الذي كفل للنساء حماية الأجر العادل. كذلك أقنعته بإدخال إصلاحات على قوانين الهجرة وجعلها من الأولويات، ووقفت الى جانبه في صراعه مع المؤسسة العسكرية حول الانسحاب من العراق.

–          لقد شهدت انتخابات عام 2012 تحولاً بدرجة غير مسبوقة نحو معالجة قضايا الخيار التناسلي وكيفية بلوغه. وقد شجعت جاريت الرئيس على مواجهة القضية مواجهة مباشرة. ومن القضايا التي يعود لها الفضل فيها لجهة الخيارات السياسية المتاحة، قضية الزامية التأمين لتغطية تحديد النسل، وهي قضية تبناها أوباما في وجه معارضة شديدة من قبل الكنيسة الكاثوليكية واليمين المعارض. كان ذلك صراعاً سياسياً مشهوداً داخل البيت الأبيض بين جاريت واثنين من أبرز الشخصيات الكاثوليكية هما نائب الرئيس جو بايدن، ورئيس هيئة موظفي البيت الأبيض آنذاك بيل دايلي.  ومن ذلك يمكننا أن نرى كيف تعتبر بعض الشلل السياسية عملها هذا بأنه قليل الأهمية من حيث العدالة العرقية والجنسية، بل أقل أهمية من دورها في تنظيم حفلات المكتب. أو حتى في هذا هناك من يرى أنها لا يجوز أن يكون لها مثل هذا القدر الضئيل من النفوذ!

 صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية تصف علاقة أوباما بجاريت، انه بعد عقدين من تعيين جاريت المحامي الشاب باراك أوباما بوظيفة في المجلس المحلي في مدينة شيكاغو، جاء دور أوباما ليعين صديقته القديمة المستشارة الرئيسية في البيت الأبيض ومساعدة الرئيس في شؤون العلاقة بين الحكومة والبيت الأبيض ومستشارة العلاقات العامة.

وفاليري جاريت المحامية الأميركية من أصول إفريقية، برزت في عملها في المجلس المحلي لمدينة شيكاغو حيث كانت مفوضة التخطيط لعمدة المدينة ريتشارد دالاي ومن ثم رئيسة لمصلحة العبور في شيكاغو.

وانضمت جاريت في العام 1995 إلى شركة “هابيتا” (مساكن) في شيكاغو وهي شركة تدير مشاريع لبناء عقارات تتراوح بين عقارات فخمة وباهظة الثمن ووحدات سكنية شعبية. ولجاريت الفضل في تقديم أوباما إلى رجال الأعمال الأثرياء الذين ساهموا في رفع قيمة التبرعات لحملته. ولعبت دوراً بارزاً في تنظيم علاقة أوباما بالخارج إذ ساهمت في تهدئة مخاوف الأميركيين من أصل إفريقي المتوترين حيال فكرة ترشح أول أميركي من أصل إفريقي عن حزب كبير للانتخابات الرئاسية، وساهمت في تحسين صورة أوباما أمام مناصري السيناتور هيلاري كلينتون منافسته في الانتخابات التمهيدية. وبعد انتصاره عينها أوباما أحد رؤساء فريقه الانتقالي.

ووصفت الصحيفة جاريت بأنها هادئة وتشارك أوباما أسلوبه الرزين والهادئ وتعتبر من الأشخاص القلائل الذين يمكنهم التحدث باسم الرئيس بدقة وسلطة، وتعتبر خبيرة في التفاوض وحل النزاعات فضلاً عن النقل والصحة العامة والإسكان.

Advertisements

هيلين توماس: البيت الأبيض يفقد “ضميره”

قبل ثلاث سنوات من رحيلها، قالت ببساطة وشفافية ما يعجز عنه الأبطال التاريخيون: قل لهم (أي الاسرائيليين) أن يغادروا فلسطين… أن يعودوا الى ديارهم في بولونيا وألمانيا والولايات المتحدة وسواها. قالت كلمتها ومشت. هي ابنة عائلة انطونيوس اللبنانية الطرابلسية، قالتها بصدق وجرأة من داخل البيت الأبيض، واليوم يتذكّر العالم كله انه “ضمير” البيت الأبيض … هيلين توماس.

هيلين توماس

هيلين توماس

قبل أيام من بلوغها الـ93 رحلت توماس هيلين. والدها جورج هاجر من طرابلس يوم كان عمره 17 سنة، والدتها ماري أيضاً لبنانية. استقرت العائلة في ديترويت ودرست هيلين في جامعة وين ستيت. بدأت «مراسلة أخبار» في جريدة «واشنطن ديلي نيوز» في العام 1941، وانضمت الى فريق «يونايتد برس» سنة 1943 وغطت اخبار البيت الأبيض منذ كان جون كيندي رئيساً. ثم إنها كانت أول صحفية ترافق الرئيس نيكسون في رحلته التاريخية الى الصين في العام 1971، ورافقت كذلك الرؤساء فورد، كارتر،  ريغان، جورج بوش الأب، كلينتون وبوش الابن.

وهيلين توماس هي اول صحفية تتولى رئاسة نادي الصحافة القومي في واشنطن، وقد تركت عملها في «يونايتد برس» لتعمل في مؤسسة «هيرست» الصحفية، وهي تحمل اكثر من 30 جائزة صحفية، وشهادات جامعية فخرية، بينها دكتوراه فخرية من جامعتها، جامعة دين ستيت، وقد صنفت قبل اعوام واحدة من الـ 25 سيدة الاكثر تأثيراً في العالم.

والقصة ليست هنا. القصة أنها سئلت في 27 أيار (مايو) الماضي، في  مقابلة مع موقع «رابي لايف» اليهودي، ما اذا كان لديها تعليق حول تصدي اسرائيل لـ»أسطول الحرية» فردت بكل بساطة: قل لهم أن يخرجوا من فلسطين… يجب ان نتذكر أن هؤلاء الناس محتلون، وأن فلسطين ليست ديارهم، وأن عليهم أن يعودوا الى ديارهم في بولونيا واميركا وألمانيا والبلدان الأخرى التي قدموا منها، وأي مكان آخر.

هذا الكلام لصحفية اميركية امضت خمسين عاماً من عمرها تغطي اخبار البيت الابيض، وعايشت خلالها عشرة رؤساء اميركيين، احدث ما يشبه العاصفة في الاوساط اليهودية الاميركية وعلى كل المستويات، لا سيما بعدما نقل بواسطة موقع «يو تيوب» عبر شبكات الانترنت الى العالم كله. وكان من الطبيعي في مجتمع يسيطر عليه الاعلام اليهودي ان توجه اليها انتقادات لاذعة. وفي محاولة لاحتواء الهجمة الشرسة التي تعرضت لها، أصدر مجلس اتحاد مراسلي البيت الابيض، بيانا دان فيه تصريحاتها ووصفها بانها «لا يمكن الدفاع عنها، ومؤسفة، نظرا  لمركزها كقدوة  في البيت الابيض». غير ان توماس، التي يطلق عليها لقب «سيدة البيت الابيض الأولى»، اصدرت تعليقا على موقعها الالكتروني الرسمي، قالت فيه: اشعر بالأسف العميق للتصريحات التي ادليت بها قبل ايام حول الاسرائيليين والفلسطينيين، لقد قلت ما اؤمن به وهو ان السلام سيأتي الى الشرق الاوسط فقط حين يعترف جميع الاطراف بالحاجة الى الاحترام والتسامح المتبادل، وانا اتمنى ان يأتي هذا اليوم قريبا.

يذكر ان هيلين توماس تعمل مراسلة في البيت الابيض منذ العام 1961، وذلك لصالح وكالة «يونايتد برس انترناشونال» قبل ان تصبح كاتبة عمود في صحف «هيرست» قبل عشر سنوات. وفي كتابها بعنوان «الصف الاول في البيت الابيض: حياتي واوقاتي»، ذكرت هيلين توماس ان والدها جورج، هاجر الى اميركا سنة 1892، اي قبل ثلاثين سنة تقريبا من ولادتها. وكان عمره 17 سنة وهو يحمل في جيبه «بضعة سنتات، وكيساً فيه ملابسه وكتاب صلاة مسيحية باللغة العربية». وفي وقت لاحق استقر في ولاية كنتاكي مع أقارب له، وبدأ يبيع الخضروات والفواكه والحلوى والسجائر، على عربة يجرها حصان تجوب الريف الاميركي ومثل سائر المهاجرين تردد جورج في البقاء في اميركيا وعاد الى لبنان، حيث تزوج ماري اللبنانية ايضا، وانجب البنت الاولى كيت. ثم بدل رأيه، مرة اخرى، وعادا الى ولاية كنتاكي، حيث انجبا هيلين وبقية اخوتها واخواتها.

وفي كتابها تقول هيلين ايضا انها لا تتذكر متى قررت ان تصبح صحفية، وتضيف قائلة ذكرت لي صديقة الطفولة، ليلي شيفرت، ان عمري كان 12 سنة عندما قلت لها اني اريد ان اكون صحفية، وبعد سنوات قليلة في المدرسة الثانوية نشرت هيلين اول تقرير في «انديان» جريدة المدرسة. وتذكرت في وقت لاحق، في كتابها: رؤية اسمي في الجريدة، افرحتني الى حد لا يوصف.

صحيفة «تايمز» قالت عن هيلين توماس: في هذه الصحفية الاميركية، اللبنانية الاصل، تواضع قوي وبرودة بسيطة، وتمرد عروبي تحمله من شوارع طرابلس. وهي تريد ان يحفظ التاريخ عنها، اسئلتها المحرجة التي طاردت الرؤساء الاميركيين. وقد عملت مع عشرة رؤساء ابتداء من جون كيندي وصولا الى باراك اوباما. وكانت اول امرأة تحتل مقعدا في نادي الصحافة القومية، بعدما فتح بابه امام النساء في الستينيات، وبعدها، اول امرأة تصبح رئيسة لجمعية مراسلي  البيت الابيض في العام 1975. وهي غطت جريمة اغتيال جان كيندي  وسقوط ريتشارد نيكسون، وخيانات بيل كلينتون، الذي قال عنها يوما: الرؤساء يأتون ويرحلون، لكن هيلين هنا منذ 40 سنة.

وصدر لهيلين توماس، كتاب بعنوان: «اسمع سيدي الرئيس: كل شيء اردت دائما ان يفعله ويعمله رئيسك»، بالتعاون مع الصحفي كريغ كروفورد، يتضمن روايات ودروساً، عن البيت الابيض، وما تتطلبه الرئاسة من مهارات شخصية وسياسية. وعن السبب الذي دفعها الى اصدار هذا الكتاب تقول هيلين: لدينا رئيس جديد وتغيير تاريخي في الرئاسة لناحية وجود اول رئيس اسود. وهذا كتاب ممتع، نحاول فيه تقديم نصيحة الى الرئيس، نعتقد انها عادلة ومتوازنة. وردا على السؤال عن رأيها في الرئيس الحالي، باراك اوباما قالت: انه ضمير حي لكن بلا شجاعة. ويجب ان يكون لدينا برنامج تأمين حكومي… علينا الخروج من افغانستان…  وما كان علينا الذهاب الى العراق, علينا ان نخرج من العراق ايضا. فليس لنا حق في ان نكون في بلدان اخرى. وعن سياسة اوباما في الشرق الاوسط، تقول  توماس: اعتقد ان الاسرائيليين لا يعرفون ماذا يفعلون. كان من المفترض فيهم اولا تجميد الاستيطان، لكنهم الآن، يساومون قليلا هنا، وقليلا هناك… يؤجلون اتخاذ القرار لمدة عام فيما يسمحون في بناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية لليهود، ويطردون العرب خارج بيوتهم لمدة قرن من الزمن هذا خطأ، وسيكون دائما خطأ، وسيكون ذلك في غير مصلحة الاسرائيليين. وعن تأثير اصلها العربي – اللبناني على نظرتها الى السياسة الاميركية، تقول توماس: بدون شك، كل منا يتأثر بمن هو، وبأصله. وانا اتحدر من خلفية عربية، ومن المؤكد ان لدي تعاطفا عظيما مع ما يحصل للعرب، فالارض تؤخذ منهم، والمياه تؤخذ منهم، ومنازلهم دمرها غرباء من كل انحاء العالم: والعرب لم يتماسكوا معا بما يكفي… لديهم الكثير من الدكتاتوريات، ولو انهم اهتموا بعضهم ببعض ، لما كانوا استسلموا الى مشيئة اسرائيل.

الى ذلك، تذكر هيلين انها شعرت بالتمييز المزدوج في مهنتها، كونها امرأة اولا ومن اصل عربي ثانيا. لكنها تؤكد: اشعر انني اميركية ولا يستطيع احد ان يتحداني لانني ولدت هنا.

اما عن الرئيس جورج دبليو بوش فقالت هيلين يوماً: انني اغطي اسوأ رئيس في التاريخ الاميركي. فهو اراد غزو العراق منذ اللحظة  التي دخل فيها البيت الابيض. وترى توماس ان بوش فشل في كل المحاولات، من السياسة الخارجية، حيث قام بغزو بلد لم يفعل شيئا له، واحرجنا بفضيحة التعذيب. كما حرمنا من حقوقنا المدنية، ووضع اللوم في كل ما يحصل على احداث 11/9 ووضع الناس في  السجون وازدهرت في عهده الجرائم وعمليات القتل والمحاكمات.

وترى هيلين ان الاعلام الاميركي دخل في موت سريري بعد احداث 2001 /11/9، ولم يخرج من غيبوبته تلك الا في العام 2006. وفي حرب تموز 2006 على لبنان، قالت هيلين: كان في وسع الولايات المتحدة ان توقف القصف الاسرائيلي ضد البنى التحتية في لبنان، لكن واشنطن ذهبت الى العقاب الجماعي ضد كل الناس في لبنان وفلسطين.

وقد اصدرت هيلين اربعة كتب في مسيرتها العملية، كان آخرها كتاب «كلاب حراسة الديمقراطية، انتقدت فيه دور وسائل وشبكات الاعلام الاميركية في فترة رئاسة جورج بوش، وقد وصفت وسائل الاعلام الكبرى منها، على وجه الخصوص بأنها تحولت من «سلطة رابعة وكلاب تحرس الديمقراطية، ومراقب على الديمقراطية الى كلاب أليفة».

ولهيلين مواقف اخرى حول احداث الشرق الاوسط، يمكن تلمسها من خلال هذا الحوار الذي اجرته معها إحدى الصحف العربية:

■ وصفتك آن كوتلر، المعلقة الصحافية اليمينية، بأنك «عربية عجوز»، لكن خدمة نشر تعليقاتها بدلته الى «عجوز تجبر الشخص على التقيؤ»، غير أن موقعها في الانترنت أبقى على «عربية عجوز»؟

ـ أنا فخورة بجذوري العربية، لكن ليس عندي تعليق على مثل هذه الاشياء، وافضل عدم التعليق عليها.

■ هل كان الاعلام الاميركي محايدا في تغطية التدخل الاميركي في العراق، وفي تغطية حرب الارهاب؟

ـ تزايد الروح الوطنية وسط الصحافيين ، خلال الحرب شيء طبيعي لأن الصحافيين، مثل غيرهم، يميلون الى تأييد حكومتهم ورفع شعارات الوطنية عندما تشترك بلادهم في حرب، وهذا شيء مفهوم، لكن ليس معنى هذا انهم يجب ان يفعلوا ذلك.

■ إذا استمرت حرب الارهاب الى لانهاية، هل معنى ذلك ان يستمر انحياز الإعلام الأميركي بلا نهاية؟

ـ قد يغير الشعب الاميركي رأيه، ويلزم حكومته بإعادة النظر في سياستها

■ هل سيستغرق ذلك وقتا طويلا؟

ـ حرب فيتنام استمرت سبع سنوات حتى بدأ الشعب الاميركي يغير رأيه فيها. لن يدوم كل شيء.

■ هل يميل الاعلام الاميركي الى اليمين، خصوصا بعد ظهور قنوات تلفزيون مثل «فوكس» التي تؤيد البيت الابيض في كل شيء؟

ـ «فوكس» لا تؤيد البيت الابيض، إنها جزء منه. وآمل ان يسترد الاعلام الاميركي صدقيته، عندما تنتهي الحرب.

■ هل يسهل على الصحافي أن يسأل أسئلة محايدة؟

ـ كنت أفعل ذلك لستين سنة.

■ وماذا عن آرائك عن مشاكل الشرق الأوسط عندما تطرحين سؤالا؟

ـ انهم لا ينتقدونني لأن اسئلتي غير محايدة، انهم لا يريدون مني أن اسأل عن هذه الاشياء، لأنها تضايقهم ويتمنون لو انهم لم يسألوا عنها.

■ ولكنك، بعد ستين سنة في جمع الاخبار، وبعد ان انتقلت من وكالة اخبار «يونايتد برس» الى مؤسسة «هيرست» الصحافية، بدأت تكتبين آراء، وهم يقولون ان اسئلة كاتب الرأي ليست مثل اسئلة المخبر؟

ـ لا تصدقهم إنهم يعرفون من هي هيلين توماس.

■ ما رأيك في حملة الحكومة الأميركية على قنوات تلفزيون عربية معينة؟

ـ لا أريد أن أدخل في هذا الجدل، ولا أريد أن أؤيد قناة ضد أخرى، لكني أشيد بظاهرة انتشار هذه القنوات التلفزيونية، واعتقد انها شيء مهم ومفيد. ولم اشهد مثلها في حياتي الطويلة. وآمل ان تصحبها حريات سياسية.