الدستور الهيروغليفي

walidالأعرج لا يعلِّم السوي المشي. وعليه فإن ما نسمعه من دفاعات عن الدستور لن تعيد له الاحترام المفقود.

إن الخلافات السياسية في لبنان جعلتنا نعاني من حرمان الإستقرار، أكثر مما تعانيه عكار من حرمان التنمية.

وأحدث مسلسل الخلافات اللبنانية، خلاف عون وبري على تفسير الدستور. فالخلاف القائم هو إستحضار طارئ ونادر لدستور غائب. يتم إلباسه “طاقية الإخفاء” كلما كانت المحاصصات بالرضى والتراضي. ولا يظهر إلا عند حاجة الزعامات إلى شاهد دفاع للمحاججة في أي نزاع حول الصلاحيات ومناطق النفوذ.

ودائماً تتحوّل مواد الدستور إلى مواد سجالية مبهمة، كأنها كتبت باللغة الهيروغليفية، لا العربية.

المصيبة ليست في تغييب الدستور فقط. فالمصائب اللبنانية لا تحصى.

منها:

الديمقراطية التي تحولت إلى حفلة تنكرية، حيث خلف القناع الديمقراطي، إقتناع بأن المذهبية هي الوجه الحقيقي لأصحاب الأقنعة.

الحكومة، وهي منذ زمن معتقلة في “سجن التوافق”. لا يمرّ من قراراتها إلا ما يسمح به غربال الخلافات في مجلس وزاري يضم كل الإتجاهات المتعاكسة والكامنة على أي كوع.

أما الطائفية، فهي المرض العضال المتسبب بكل مصائب لبنان. بما في ذلك أزمة النفايات الخالدة … وبواخر الكهرباء الغارقة، قبل أن تبحر، بين مد هذا الفريق وجزر ذاك.

ولا بد من التوسع في الحديث عن الطائفية، لأنها كما قلنا سبب كل علة.

يقال مثلاً أن الإنتخابات المقبلة ستنقذ لبنان، وأن وجوهاً جديدة ستبعث دماً جديداً في المجلس النيابي.

حتى لو صدقت “النسبية” وفاز الوجه الجديد، فإنه لن يختلف عن الوجه القديم. فالصبغة “المدنية” لا تدوم طويلاً عند إستعار نيران المذهبيات. وقبل كل هذا، فإن الناخب اللبناني عندما يختار لائحته الانتخابية، يختارها بمعيار مذهبي متعصّب. فشعب لبنان واحد من شعوب نادرة تحكمها “جيوش السماء”.

أغلبية شعبنا مشدود إلى الشعبية المذهبية. ولهذا لم يعد بالإمكان التمييز بين رجل الدين والسياسي.

أكثر الساسة في لبنان يقلّدون رجال الدين … وأغلب رجال الدين ساسة.

لا تمر قوانين خارج إرادتهم. ولا تصح محاصصة إذا لم تخرج من تحت أرديتهم. ولا تستقيم سياسة خارجية إذا لم تحظ بمسحتهم المباركة.

الدولة، بكامل مؤسساتها، تتجوّل فيها أشباح “معممة” و”مقلنسة”، حتى لو ارتدت البدلة “السينييه” وربطة العنق.

لقد تحوّلت الديانات والمذاهب من لغة روحية وتعبدية، إلى لغة سياسية، بقدر ما يجيد السياسي التحدث بها، يجيد الوصول إلى المناصب ومراكز النفوذ.

إن البلد اليوم يعيش حرباً أهلية مموهة. فبدل أن تقام المتاريس في الشوارع، ها هي تقام داخل مجلس الوزراء، وها هي أكياس الرمل ترتفع بين بعبدا وعين التينة. وبدل أن يخرج الرصاص من أفواه البنادق، ها هو يطلق بغزارة من أفواه السياسيين والإعلاميين.

وقبل أن يتأكد العالم من أن لبنان كذبة ديمقراطية، يتوجّب على القوى السياسية “العظمى” أن تقتنع بشيء لها وبشيء للوطن. وإلا فلن تحصل على شيء … ولن يبقى لها وطن.

يكفي نفخاً بالمذهبية لتحقيق بعض الإنتفاخ.

تواضعوا، وخذوا بقول الشهيد رفيق الحريري “لا أحد أكبر من وطنه”. ولا تستمروا بأفعالكم التي توحي بأن “لا وطن أكبر منكم”.

وليد الحسيني

Advertisements

دستور الأعراف السيئة

دستور الفراغ يحكم لبنان

دستور الفراغ يحكم لبنان

يتحوّل السلوك إلى عرف، إذا مورس لفترة طويلة.

ولما كنا في لبنان نخالف الدستور يومياً؛ ونكرّس الفراغ ليشمل السلطات الثلاث؛ ونقبل بغلبة النفوذ على القانون؛ ونلغي بند إلغاء الطائفية السياسية بالعمل على تعميمها وتعميقها.

لما كنا نفعل كل هذا، يحق لنا أن نسأل عن شكل النظام الذي يحكم لبنان.

للوهلة الأولى، نبدو كبريطانيا التي استبدلت الدستور المكتوب بالدستور العرفي.

لكن العرف في بريطانيا يقوم على القيم المتوارثة والمحفوظة في وجدان الشعب الانكليزي.  وهو موروث رأى فيه البريطانيون منظّماً لحياتهم وحامياً لمصالحهم وحكماً عادلاً بين الناس.

إذاً، نحن نحاكي بريطانيا بالاحتكام إلى العرف، إلا أننا نخالفها في شكل العرف وأغراضه ونتائجه.

أعرافنا المستحدثة ألغت الدستور عملياً، واتجهت إلى مذهبة الحكم.  وجعلت نفوذ القيادات المذهبية مصدر التشريع والسلطات.  وهكذا بدأنا ننحو نحو حكم الفوضى والفراغ والتعطيل.

إننا اليوم نعيش في نظام مبتكر وخاص.  ونعتقد جازمين أن لا أحد في هذا العالم الكبير يقبل أن يقتدي بنا.

أعرافنا المستحدثة، التي ترسّخ قواعد حكمها الآن، هي عدو للمؤسسات التي تحفظ الدول وتعدل بين الناس، حتى ولو انحرف مسؤولوها وفسدت ضمائرهم.

والمأساة لا تكمن في تجاهل الدستور فقط، بل في إلغاء الجيد من أعراف سادت، قبل أن تطيحها أعراف الغرائز والمذاهب التي تجتاح الدولة من رأسها إلى أسفل أسفلها.

أعرافنا الجديدة منعتنا من انتخاب فخامة الرئيس، وبلتنا بـ 24 صاحب فخامة، أي بمعدّل رئيس لكل ساعة في اليوم.

أعرافنا عطّلت مجلسي النواب والوزراء، وسلخت صلاحيتهما لصالح “سباعية” لبنان المتمثلة في نبيه بري وحسن نصرالله وسعد الحريري ووليد جنبلاط وميشال عون وسمير جعجع.  وهي “سباعية” منقسمة، بين من يحاول إعادة الدولة إلى الدولة، وبين من يدفع بالدولة إلى صراعات أكبر من قدرات لبنان وأبعد من مصالحه.

هذا يعني أننا أمام معضلة أقرب إلى الكارثة الوطنية.  فعندما تفقد “السباعية”، التي فرضها العرف، القدرة على الإنقاذ، وعندما يصبح توافق الحد الأدنى غاية الحوار ومنتهى الأمنيات، يبقى سقف الخطر الأوفر حظاً في الانفجار، حيث لا ينفع في منعه نزع صورة هنا أو رفع لافتة هناك.

التوافق الهش الذي يعيش اللبنانيون على أمله، مهدد بالانهيار، إذا ما امتدت يد “خرسان” أو “داعش” وارتكبت ما حذرت منه معلومات الأجهزة الأمنية.

فهل يتخلى الله عن حمايتنا من حماقاتنا، في ظل اصرارنا على ارتكاب الحماقات؟  وإلى متى يبقى الحظ صامداً إلى جانبنا، لانتشالنا من الواقع المحدق بنا؟

سامر الحسيني

بلد لكل فريق دستوره

يخضع الدستور اللبناني إلى ثلاثة احتمالات.  فهو إما شائعة يجري تكذيبها بأكاذيب مضادة.  أو سلعة تُعرض بالتجزئة، يختار منها السياسي ما يعجبه ويترك ما لا يعجبه.  أو مجموعة مواد تأويلية يبرع الشطّار بتفسيرها وفق الأهواء والمصالح.

إذا أمعنّا في وظيفته المعتمدة، والمحصورة اليوم بين هذه الاحتمالات الثلاث، يبدو لنا الدستور وكأنه وُضِع لتفريغ الدولة وتفتيتها، لا لتنظيمها وحماية مؤسساتها.

وإذا تابعنا المشهد الدستوري، فنجد أن دستور الطائف قد تعرّض لاغتصاب مذهبي وسياسي نتج عنه إنجاب دساتير عدة غير شرعية، وبمعنى أصرح وأقبح “دساتير أولاد حرام”.

دستور “8 آذار” يحرّم انتخاب الرئيس وربما النواب.  ويحلّل الفراغ، والثلث المعطل، وفيتو الوزير الواحد في حكومة الـ24 رئيساً للجمهورية.

ودستور “14 آذار” يصرّ على العيش بين أطلال “الطائف”، ويتمسّك بالنص على حساب النصف الآخر.

ودستور ثالث لرجال القانون وأهل الاختصاص، وظيفته تبرير الدستورين السابقين، إستناداً على مواد دستورية.

ودستور رابع لببغاوات الصف الثاني وملاحق الصحفيين الذين يرغبون في المزايدة، وبالتالي المبالغة في تقديم تفسيرات دستورية لا يحكمها منطق غير منطق الولاء الأعمى لأولياء النعمة في هذا الفريق أو ذاك.

خلاصة القول أن عدوى التعددية الدستورية، انتقلت إلى العامة التي أقبلت على قراءة الدستور بالأمنيات لا بالعيون، وبالإنتماءات لا بالعقول.

إذاً، نحن نعيش في بلد كل فريق له دستوره.  ولهذا، من المدهش أن نندهش بفوضى المؤسسات.  فلبنان لم يعد دولة ديمقراطية.  هو بلا رئيس للجمهورية، وهذه بدعة لبنانية لم تسبقنا إليها دولة.

وهو بلا سلطة تشريعية، لأن للبنان بدعة أخرى في هذا الشأن.  فقد قلبنا وظيفة النائب إلى معطّل لا مشرّع.

وهو بلا حكومة، رغم أنها لا مستقيلة ولا مقالة.  فقد تحوّلت إلى حكومة تصريف بعض الأعمال التي لا تصلح حالاً،لأنها إذا اجتمعت اختلفت … وإذا توافقت اكتفت بمعالجة أتفه الأمور.

إننا في دولة يحكمها لطف الله بعباده.  وإذا فتحنا أبواب الواقع، يترتّب علينا أن نقرّ بأن لبنان تحوّل من دولة ديمقراطية إلى دولة بوليسية.  وهذا لا يعني أننا في دولة قمعية، بل لأن أجهزة الأمن، من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام ومخابرات، هي فقط التي تعمل في هذه الدولة المحتضرة، لا المتحضّرة كما نزعم وندّعي.

سامر الحسيني

التمديد الثاني: ضرورات «البرلمان» تبيح محظورات الدستور

ساعة التمديد تدق في ساحة النجمة

ساعة التمديد تدق في ساحة النجمة

الأربعة ملايين مواطن لبناني، في طريقهم الى مشاركة المليون والنصف مليون نازح سوري، في شتى أنواع الظروف المعيشية القاسية. فجميع القاطنين على أرض «سويسرا الشرق» مهدد بالعتمة والعطش والعجز عن ولوج أبواب المستشفيات، إلا من استطاع إليها سبيلا.

إنه الفراغ الذي يتنقل بلا رادع من المؤسسات الدستورية، الى مستلزمات الحياة اليومية.

ما حصل، وما في طريقه الى الحصول، ليس من باب التهويل، ولا يرتبط إطلاقاً بالمخيلة التشاؤمية، التي تفرض نفسها على كل لبناني مهما كان متفائلاً.

ما حصل واقع، وما سيحصل نتيجة.

في المؤسسات، لا داعي للتذكير بأن الفراغ المتعمد في رئاسة الجمهورية سيؤدي الى شبه فراغ في مجلس الوزراء. إذ يكفي أن يمتنع واحد من أصل24 صاحب فخامة عن توقيع أي مرسوم ليتحول الى مصنف في أرشيف مجلس الوزراء. خصوصاً وأن الـ24 صاحب فخامة لا يساومون على مصالحهم الحزبية. وخصوصاً أنهم ينتمون الى أحزاب شتى لا تلتقي إلا على أمر واحد هو عدم الاستقالة من الحكومة. لأن الجميع يدرك بأن الاستقالة تعني خراب البصرة.

والفراغ القائم في الرئاسة، وشبه الفراغ القائم في مجلس الوزراء، سيؤدي الى فراغ كامل في مجلس النواب، عندما يحين الاختيار بين شرين: التمديد أو الانتخاب.

التمديد في حد ذاته تكرار لمخالفة الدستور. ومع ذلك فثمة استحالة في إقراره لأسباب عدة. فهو أولاً يحتاج الى دورة عادية، وإلى إحالة من الرئيس الغائب، أو نوابه الأربع والعشرين وزيراً لا ينقصون واحداً، فكيف إذا كانوا وزراء عون الثلاثة وما قد يضاف إليهم من وزراء يرون أن حل الأزمة الدستورية في البلاد تحتاج الى مجلس نيابي جديد، يضم كتلاً نيابية جديدة بالحجم.

أما الانتخاب فإنه يواجه عُقداً أكثر تعقيداً من التمديد الصعب، وربما المستحيل. فبين أصحاب الفخامة الأربع وعشرين وزيراً عدد لا يستهان به من الوزراء لا يناسب مرجعياته إجراء الانتخابات وفق قانون الستين النافذ. بعد أن تأكد العجز النيابي التام عن سن قانون جديد… وهكذا لا يبقى في الميدان غير حديدان، الذي سينط في صناديق الاقتراع إذا قبل النجارون الكبار بتنجير الصناديق والقبول بخوازيق نتائج «قانون الستين» التي تتخوف قوى 8 آذار من مفاجآتها، هذه المواقف ستؤدي طبعاً الى عدم توافق مجلس الوزراء على اصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، وبالتالي، استحالة إجراء الانتخابات النيابية.

إذاً، وفق النصوص الدستورية، لا تمديد ولا انتخابات.

لكن الرئيس نبيه بري لن يستسلم للعقد الدستورية، ولن يقبل أن يكون مصير قصر عين التينة كمصير قصر بعبدا. وقد يلجأ لإنقاذ مملكته من الانهيار، الى قاعدة «الظروف القاهرة»، التي من خلالها يمكنه إيجاد أكثر من طريقة للتمديد، تحت شعار «الضرورات تبيح المحظورات». فغالباً ما كان الدستور «يغني على ليلى» الأستاذ.

وسط ضياع المؤسسات، وفي ظل تخبط دستوري غير مسبوق. يضيف العماد عون خبطة دستورية تنحرف بأزمات لبنان الحقيقية الى أزمة وهمية، رغم أنها تؤدي الى حل كل الأزمات. فقد دعا رئيس التيار الوطني الحر الى انتخاب الرئيس على مرحلتين، الأولى طائفية محصورة بالمسيحيين تتم فيها التصفية على مرشحين اثنين للرئاسة، يدخلان سباق المرحلة الثانية على مستوى الوطن.

رغم أن المبادرة البرتقالية ماتت في مهدها، لأن فكرتها تقلب الكيان اللبناني وميثاقه وطائفه ودستوره. إلا أن دلالاتها مهمة. فهي تشير الى أن عون وصل الى قناعة بأن وصوله الى الرئاسة بات مستحيلاً بعد أن فشل في جذب أصوات تيار المستقبل، ولأنه متمسك بحلمه الرئاسي ألقى بمبادرة انتخاب المرحلتين معتبراً أن قوته المسيحية تتضمن وصوله مع نده سمير جعجع الى المرحلة الثانية، التي يضمنها من خلال حصوله على ما يشبه الاجماع في الصوت الشيعي يضاف إليه رصيده المسيحي وما يفر من أصوات سنية من قبضة الرئيس الحريري، وأصوات درزية من قبضة وليد جنبلاط.

إلا أن ثقل الحجر الذي رماه العماد سرعان ما استقر في مياه الانتخابات الراكدة، ليعود الفراغ سيد الموقف ولأجل غير معلوم.

في هذه الأجواء الغارقة في الأوجاع الشعبية وعدم إكتراث الطاقم السياسي، يكون لبنان مقبلاً على أيام سوداء انقطع فيها الحوار بين القيادات، وتنقطع فيها الكهرباء وتهدد بالمزيد، وينقطع فيها الماء عن اللبنانيين… مع بروز خطر أن تنقطع فيها الرواتب عن الموظفين، مع احتمال أن ينقطع حيل الأمن في مواجهة الإرهابيين.

ولن ينقذ السياحة في لبنان تصريح لوزير الداخلية عن صحوة الأمن. ولن ينقذ اللبناني من الحاجة إمتلاء صناديق المصارف بالودائع. ولن تنقذ خزينة الدولة سلسلة من الضرائب الإضافية، وبالذات «المضافة» منها.

لكن ليبقى لبنان مدى الأزمان، كما يقول نشيده الوطني، عليه أن يعتمد على نشيد فيروز «بلكي بيصحى الضمير»… والضمير هنا عائد لأهل السياسة وزعماء الطوائف، الذين تشكو ضمائرهم من «ثقل النوم»، والتي لم توقظها إلى الآن لا أحزمة داعش الناسفة، ولا سيارات القاعدة المفخخة.

رئيس ما بعد الفراغ: لكل دولة نصيب

كتب المحرر السياسي:

ما تشهده البلاد، وما ستشهده، من تطيير للنصاب في الجلسات النيابية المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية هو بالواقع تطيير للدستور اللبناني.

لقد حمى الدستور نفسه من الاعتداء عليه بالتعديل، وفق المادة 79، بوجوب حضور ثلثي أعضاء المجلس، وعلى أن يكون التصويت بأكثرية الثلثين أيضاً. وهذا التقييد المحكم يعود لحماية الدستور من تلاعب الأهواء، ومع ذلك فقد تلاعبنا بدستور الطائف عندما مددنا للرئيس الراحل الياس الهراوي. وعندما استثنينا العماد إميل لحود من الاستقالة قبل ستة أشهر من انتخابه كرئيس. وأيضاً عندما مددنا له لنصف ولاية ثانية. وعدلناه مرة رابعة باسقاط شرط الاستقالة قبل ستة أشهر من انتخاب العماد ميشال سليمان كرئيس ثالث لجمهورية الطائف.

وإذا رجعنا الى التعديلات الأربعة السابقة نجد أنها صناعة خارجية لمطرقة «صُدِّق» النيابية. وهي صناعة بدأت في دمشق وتابعت طريقها الى الدوحة… وهي تبحث باستحقاق اليوم عن طريق اقليمي ـ دولي ما زال مجهولاً.

وفي العودة الى موضوع انتخاب رئيس الجمهورية، يبدو واضحاً، ومن دون الحاجة الى فقهاء القانون الدستوري، أن الدستور عندما أراد تحديد النصاب بالثلثين نص على ذلك صراحة في المادة 79 المتعلقة بتعديل الدستور، ولو أراد النصاب نفسه في المادة 49 المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية لفعل ذلك.

لقد تمت صياغة المادة 49 بلغة سهلة ومفهومة ولا تحتمل اللبس. النص يقول بوجوب حصول الرئيس المنتخب على ثلثي أعضاء المجلس في الدورة الأولى. وهو بذلك يكون قد حدد النصاب في الجلسة الأولى بالثلثين باشتراطه توفرهما لفوز الرئيس.

والنص نفسه يكتفي بالأغلبية المطلقة في الدورات التي تلي، وهو بذلك يكون قد حدد النصاب بالدورات التالية بالأغلبية المطلقة، أي النصف زائد واحد.

أما بدعة نصاب الثلثين في كل دورات الانتخاب، فهي بدعة تشكل اعتداء صارخاً على الدستور، وتُدخل انتخاب الرئيس في نفق التوافق القسري، وهو نفق مظلم لا تتوافر فيه الرؤية إلا إذا أفرج التوافق الدولي والاقليمي عن الضوء الأخضر، الذي يبدو أن قياداتنا السياسية تنتظره، حتى ولو زعمت واشنطن وباريس والرياض وطهران ودمشق أنها لا تتدخل في انتخاب الرئيس، وأن على اللبنانيين أن يختاروا رئيسهم بإرادتهم «الحرة».

إن تعميم نصاب الثلثين على كل جلسات انتخاب الرئيس، هو «التوافق» الوحيد الذي أجمع عليه النواب، رغم أن أكثر من «استاذ» في القانون الدولي خالفوا تفسير «الاستاذ» في مجلس النواب، وهذا يعني أن «التوافق» على عدم اجراء انتخاب «رئيس صنع في لبنان»، هو محطة الانتظار لـ«التوافق» على «رئيس صنع في الخارج». وبذلك تسقط فكرة الرئيس القوي لمصلحة الرئيس الضعيف.

منطق المصالح الخارجية لا يمكن أن ينتج رئيساً لبنانياً مئة في المئة. فكي تتوافق المصالح الاقليمية والدولية، يجب أن يكون فخامة الرئيس عبارة عن قالب من الجبنة لكل دولة لها فيه نصيب.

وإلى أن يتم إبلاغ قياداتنا عن اسم «فخامة الرجل الضعيف» سيبقى الفراغ حاكماً الى أن يلقي الساحر الخارجي سحره على الرئاسة الأولى، كما ألقاه على الرئاسة الثالثة عندما تشكلت الحكومة بعد فراغ حكومي دام أكثر من عشرة أشهر.

صحيح أن السحر الذي أفرج عن مفتاح فرج صبر تمام سلام، ما زال سراً، إلا أن لا شيء يمنع من تكراره في موقعة السباق الى قصر بعبدا.

وفي مرحلة الفراغ، الآتي حتماً وحكماً، يسعى الفرقاء الى تسويق مرشحين حقيقيين لدى الجهات الدولية والإقليمية المعنية باختيار الرئيس اللبناني، فمن هم؟.

المعلومات تتحدث عن أن حزب الله يقوم بتسويق سري للعماد جان قهوجي، وأن الإلتزام بالعماد ميشال عون ليس إلا من باب الحرص على عدم حرق فرص قائد الجيش. وكذلك تيار المستقبل، الذي يدرك جيداً استحالة فوز الحكيم سمير جعجع، يسوّق، من وراء الكواليس، لبطرس حرب كرئيس لا يفسد سحر الوفاق الدولي والاقليمي.

أما المرشح الخفي لكل من نبيه بري ووليد جنبلاط، فما زال جان عبيد. وما ترشيح جنبلاط لهنري الحلو سوى ورقة تطرح في الوقت الضائع.

إذاً في مطبخ «السحر» الدولي والاقليمي ثلاثة مرشحين حقيقيين هم جان قهوجي وبطرس حرب وجان عبيد. ومهمة اعداد الخلطة السحرية التي تنطبق على واحد من هؤلاء الثلاثة ليست سهلة، ومن الصعب أن يتوافق عليها الفرقاء المحليين. إذ ليس من السهل، إذا لم يكن من المستحيل، أن يقبل فريق 14 آذار بالعماد قهوجي. والأمر نفسه ينسحب على قبول فريق 8 آذار ببطرس حرب. يبقى جان عبيد كمرشح يواجه باعتراض لا يصل الى حد الفيتو. وهكذا يكون مرشح بري ـ جنبلاط هو الأقرب الى وصفة المحاصصات التي قد تتوافق عليها مصالح عواصم القرار، إذا قرر كل منها الاكتفاء بجزء من قالب الجبنة… إلا إذا كان الفراغ يحقق، بنظر كل فريق من الأفرقاء الدوليين والإقليميين، آمالاً بقالب جبنة لا يشاركه فيه أحد. وهذا يعني انتظار الحسم في ملفات كبيرة ومعقدة، أهمها نجاح الاتفاق النووي الإيراني مع دول الغرب، ونهاية حاسمة للأزمة السورية. ومصالحة شبه مستحيلة بين إيران والسعودية. وبذلك يكون الشعب اللبناني كالزوج المخدوع… آخر من يعلم.

لبنان الشركة

الوحدة الوطنية!

العيش المشترك!

الشريك الآخر!

المشاركة!

هذه هي أكثر المصطلحات تداولاً في لبنان.  بعضها مكتوب في الدستور، وأغلبها يشكّل نصّاً مشتركاً في تصريحات السياسيين إلى أي جهة انتموا.

كلها تدلّ، بل تؤكّد، على أن لبنان “شركة مساهمة”.  وأن اللبنانيين شركاء، يختلف نصيب كل شريك من الأسهم باختلاف الطائفة والمذهب.

من هذا الاختلاف تسقط العدالة، ويبدأ التمييز المذهبي.  فحَمَلَة أغلبية الأسهم موزّعة بين المذاهب الأربعة الرئيسية: السنة والشيعة والموارنة والأرثذوكس.  أما المذاهب الـ14 الباقية، فلا دور لها سوى الخضوع لقرارات الأكثريات المذهبية.  وهذا يعني أن أهمية اللبناني مرتبطة في مذهبه لا في لبنانيته.

بكلام آخر، فكما تسيطر “الرأسمالية المتوحّشة” على صغار المساهمين، تسيطر “المذهبية المتوحّشة” على صغار المذهبيين.

بعد هذه الحقيقة المرّة، نفهم لماذا نعيش في دولة تنتحل صفة الدولة، طالما أن اللبنانيين ليسوا سواء في الوصول إلى المناصب، وفي اتخاذ القرارات المصيرية … والعادية.

من هنا تبدأ العلّة، التي تلد ما يعيشه لبنان من علل لا شفاء منها.

لا شك في أن سياسة “التمييز المذهبي” هي التي مكّنت الزعامات السياسية للمذاهب “الذهبية” من تحويل الدستور، من نص مقدّس، إلى نص مدنّس بالمصالح والأهواء.

لقد عُدّل الدستور “أكثر من مرة” … وفي كل تعديل يتم التصويت على أنه “لمرة واحدة”.  وهكذا، مرة بعد مرة، عُطّلت الاستحقاقات الدستورية، وضُربت نصوصها بعرض الحائط.

حتى “لبنان الشركة” فقد أُدير خلافاً لقوانين الشركات وأعرافها.  فمنذ سبع سنوات تسير “شركة لبنان” بلا ميزانية يطّلع من خلالها المساهمون، أي الشعب أو من يمثّلهم في المجلس النيابي، على الوضع المالي للشركة، أي لبنان.

إذاً، لا نحن دولة، ولا نحن شركة.

نحن عبارة عن دولة بلا هوية، تعيش فيها تجمعات بشرية متناقضة.

تخيّلوا لو أخذنا من سعد الحريري شعار “العبور إلى الدولة”.  ومن نبيه بري “إلغاء الطائفية السياسية”.  ومن ميشال عون “محاربة الفساد”.  ومن أمين الجميل وسمير جعجع “السيادة والاستقلال”.

ألا يؤدّي عندئذ “العيش المشترك” بين هذه الشعارات إلى قيام دولة حديثة، بدل “العيش المشترك” تحت هيمنة المذهبية والتبعية والفساد وخرق الدستور وتعطيل المؤسسات؟

لا بد من جراحة تشريعية توقف تدهور لبنان.  فقلب الخسة مهترئ، ولن تبقى أوراقها الخارجية الخضراء خضراء.  فالاهتراء سيصيبها، وعندها لن نستطيع أن نخدع أنفسنا والآخرين بلبنان الأخضر.

سامر الحسيني