لن نتراجع!!

walidما يجري في لبنان، وأبشع منه في أرجاء كثيرة من الوطن العربي، هو سقوط الأحلام وإحلال الكوابيس. وأكثر كارثة من المشهد الوحشي الفائض عن كل وحشية، ذلك الجفاف الإنساني الذي حوّل القلوب إلى حجارة صلبة بعد أن فقدت المشاعر والأحاسيس.

نرى القتل والذبح والتدمير… ونسمع من القتلة والجزارين والمدمرين كلمة «لن نتراجع».

لن نتراجع!… نسمعها في سوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن ولبنان.

ترى لن نتراجع عن ماذا؟.

عن هدر دم شعوب هذه البلاد؟.

عن تدمير المأوى والمؤسسة؟.

عن حرق الزرع والشجر؟.

عن التهجير؟.

عن التجويع؟.

عن تعميم الفقر؟.

عن دفع أطفالنا إلى الجهل بحرمانهم من المدرسة؟.

***

لن نتراجع!.

لكننا نرجع الى زمن التتار.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى حضارة الفحم والحطب والخيمة.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى الله لمعالجة مرضانا… وهو القائل «وجعلنا لكل داء دواء»؟.

لن نتراجع!.

لكننا نرجع إلى عصر الطوائف والقبائل والعشائر.

***

لن نتراجع؟!… وإلى متى؟… وماذا بعد؟.

فيا كل من تتقاتلون وتَقتلون… لا يحسب أحدكم أنه شهيد حي عند ربه يرزق.

الشهداء، هم الأبرياء الذين يُقتلون على أيديكم أو بسببكم.

الشهداء هم الذين أفقدتموهم الأمن والطمأنينة، وزرعتم في قلوبهم الهلع، ونصبتم في شوارعهم الأفخاخ، وفي تنقلاتهم كمائن الخطف.

***

لم ترحموا من في الأرض… فكيف يرحمكم من في السماء؟.

تحملون رايات الإسلام… وتغتالون سماحته.

تكَّبرون باسم الله… وتنفذون إرادة الشيطان.

تعتقدون أن صراخكم بقول «الله أكبر» كلما قتلتم إنساناً، أو تسببتم بمقتله، يصبح قتلاً حلالاً، وكأنه «خروف» يذبح على الطريقة الإسلامية!.

***

إلى متى سيبقى «الربيع العربي» يزكم أنوفنا برائحة الدم والبارود، وهو الذي ظننا أنه، كما كان الربيع دائماً، سيبعث لنا روائح الحرية الممزوجة بروائح الزهور والمروج الخضراء؟.

***

هل صدقتم أن الجنة في انتظاركم؟.

ومتى كان الطريق إلى الجنة محفوفة بالإجرام وارتكاب أكبر المعاصي، أي القتل بغير حق… وسلب الله من حقه في القصاص؟.

لقد أوغلتم وتغولتم… ولم يعد مجدياً استغفاركم ولا غفراننا لكم.

أخيراً:

إرجعوا إلى إنسانيتكم وإسلامكم… ولا تقنطوا من رحمة الله.

لعل وعسى.

 

وليد الحسيني

“الربيع” الكاذب: جردة حساب لثورات الدم والفوضى

كتب جهاد مارون

كانت الثلاث سنوات الماضية كافية لإثبات أن “الربيع العربي” لم يكن مُرفَقا بدليل أو خريطة طريق لمواجهة التحديات التي تفرضها المرحلة الإنتقالية، بما فيها “خطر الشتاء الإسلامي”، في ظل عدم تحرّر المجتمع المدني من قيوده، وغياب الرّقيب على عملية بناء الدولة الديمقراطية الجديدة، والفشل في ضمان نزاهة انتخابات ما بعد الانتفاضات إلى بلورة دساتير الغد.

تحوّلت جثة “الربيع” إلى رماد، فالنّار التي أضرمها محمد البوعزيزي في جسده يوم 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010 لم تخمد بعد. المنطقة بأسرها شعرت بالهزّات الارتدادية لزلزا

نقل جريح في اشتباكات التحرير

نقل جريح في اشتباكات التحرير

ل الربيع العربي. “تأثير الدومينو” لايزال متواصلا، وإن كان بدرجات متفاوتة. سوريا مشتعلة، ليبيا تحكمها الميليشيات، تونس تعيش في فوضى، مصر تتخبّط بالثورات المضادة، المملكة الأردنية تواجه غضب الشارع، والتظاهرات الاحتجاجية تُغذي الأحداث السياسية في البحرين والكويت والسودان واليمن.

 وبدلاً من أن يؤدّي الربيع إلى تعزيز الدولة، أسفر عن انهيارها أو على الأقل دفعها إلى الترنّح على حافة هاوية “الدولة الفاشلة”.

في العراق، وعلى رغم الأموال الهائلة التي أنفقت لإعادة بناء جهاز الدولة الذي حلّه الأميركيون عام 2003، لا تزال هذه الدولة هشّة للغاية، بسبب تشظي المجتمع العراقي إلى مكوّنات طائفية ومَذهبية وعِرقية (كردية). الدولة – الأمة في العراق سقطت. والشكل الفدرالي الذي طرح للحلول مكانها، عجز حتى الآن عن لمّ شعثها وإعادة بنائها.

الأمر نفسه يتكرّر في سوريا. فبعد الدمار الذي لحِق بمفهوم القومية العربية الذي يتبنّاه حزب البعث الحاكم منذ عام 1970، يأتي الآن الدّمار الآخر لمفهوم الوطنية السورية، الأمر الذي ترك الساحة خالية أمام صراع الأصوليات الطائفية.

في اليمن (وبعده في ليبيا)، أدى انهيار الدولة إلى دفع القوى القبلية والعشائرية إلى واجهة الأحداث لملء هذا الفراغ، في وقت فشلت فيه القوى الإسلامية في تقديم بديل قابل للحياة عن مفهوم الدولة الوطنية.

حصيلة انهيار الدولة في منطقة “الربيع العربي” كانت واحدة: الفراغ والفوضى وتحويل المنطقة إلى ساحة تنافُس إقليمي – دولي، تحت شعار أن بديل الدولة الوطنية “الفاشلة” هو إعادة بناء “الإمبراطوريات” الإقليمية القادرة وحدها على ملء الفراغ، وهذا ينطبق الآن على ما تحاول أن تفعله كلّ من تركيا وإيران وإسرائيل.

إلى متى يمكن أن يستمِر تحوُّل الربيع العربي على هذا النحو المتسارِع إلى شتاء قارس؟ الأرجح إلى حين تبلور نظام إقليمي جديد، يحل مكان النظام الإقليمي العربي السابق. لكن هذا بدوره يجب أن ينتظر وِلادة نظام عالمي جديد لا يزال الغموض الشديد يكتنِفه، من بكين إلى واشنطن، مروراً بموسكو وطوكيو وبرلين ونيودلهي.

الانقسامات العربية

لا شك في أن “الربيع” أثر في العلاقات العربية – العربية التي لم تشهد انقسامات واختلافات وعداءات بهذا الحد منذ غزو القوات العراقية إلى الكويت في العام 1990.

لقد ساءت العلاقات التونسية مع السعودية (والخليج) منذ استضاقة الرياض الرئيس بن علي ومنحه وعائلته حق اللجوء السياسي.  وفي مصر، أدى الدعم القطري المعلن على شاشة “الجزيرة” لحكم الإخوان ورفض ما وصفته الدوحة بـ”الانقلاب العسكري” على الرئيس محمد مرسي، إلى تأزم دبلوماسي غير مسبوق بين الإمارة الخليجية ومصر، دون أن ننسى قطع العلاقات بين القاهرة وأنقرة التي تصرّ على رفض الاعتراف بالحكم المصري الجديد.

إن مفهوم الأمن القومي العربي الذي قام – بحسب ميثاق جامعة الدول العربية – على فكرة قدرة الدول العربية على حماية الأمة العربية من الأخطار الخارجية والداخلية القائمة أو المحتملة، وتحقيق فكرة القومية العربية، سقط أمام إفرازات الربيع العربي، حيث كانت الحلول الإسلامية التي أتى بها التغيير، وبالا على النظام العربي بأسره. فلا الذين قدموا لسدة الحكم في تونس ومصر وليبيا من الخبرة السياسية والإدارية والأيديولوجية بمكان يؤهلهم لقيادة هذه الدول إلى مرحلة انتقالية تهيئ لمرحلة ديمقراطية حقيقية، ولا الأوضاع التي تمر بها بقية أقطار الأمة تسمح بأن يكون الحكم فيها مطلقا للإسلام السياسي، خاصة في ظل المتغيرات الكبيرة التي طرأت على الحكم في العراق ووضوح خندق الطائفية في سوريا وزيادة وتيرة التدخل الإيراني في البحرين واليمن وغيرها.

الأمن القومي العربي شتت بطريقة مؤدلجة ومدروسة بعناية، خصوصا منذ إعلان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب إبان أحداث أيلول 2001، وقد كان هذا الإعلان في حقيقة الأمر إعلانا لإنهاء الأمن القومي العربي حيث قال قولته المعروفة “من ليس معنا فهو ضدنا”.

ومنذ ذلك الحين وحتى اللحظة لم يتمكن أحد من القضاء على الإرهاب، بل انتشر وتوسع وزادت دائرته نتيجة إطلاق يد الولايات المتحدة في جميع دول العالم الفقيرة، والشرق الأوسط تحديدا، لتحتل دولا منه ولتضرب دون استئذان كل من يوصم بالإرهاب بحسب تصنيفها، وهو ما يجعل الشكوك تدور حول ماهية المنظمات الإرهابية الحقيقية، ومن يقف وراءها؟

لقد شكل “نجاح” أو”فشل” الربيع العربي إحباطا قويا لآمال النهوض بالأمن القومي العربي كإستراتيجية. ففي حين يشهد الدور الأميركي تراجعا واضحا، تظهر قوى دولية وإقليمية جديدة تجهض انتفاضة الجماهير في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها، وتسدّ الممرات الآمنة لتحقيق المشروع القومي في الأمن.

في الوطن العربي، لم يتوافر أي من شروط التحول نحو الدولة المدنية، فلا الهياكل الاجتماعية كانت جاهزة له، ولا الحياة السياسية كانت مهيأة له. فبعد عقود طويلة، من غياب الحريات، نتج عنه تجريف يكاد يكون شاملاً للحياة السياسية، لم يكن منتظراً أن يحدث حراك منظم، ينقل الواقع السياسي القائم من الحالة الشمولية إلى الحكم الديمقراطية، والدولة المدنية .

لكن في ظل الفراغ السياسي، قفز الإسلام السياسي، ممثلاً في جماعة الإخوان المسلمين، الذين التحقوا مؤخراً بالحراك الاجتماعي إلى واجهة الأحداث، ولم يكن ذلك مستغرباً، فهم وحدهم الذين ظلوا قوة متماسكة، بسبب تكتيكاتهم، وتحالفاتهم الخفية والمعلنة مع الغرب وأقطاب النظام السابق. وأيضاً، بسبب تحكمهم في مؤسسات العمل الخيري والدعوي، وادعاءاتهم المتكررة، بأنهم ليسوا سوى جماعات دعوية، ليس لها مطمع في الحكم .

أنظمة ملكية تصمد

لقد تمتعت العائلات المالكة في الشرق الأوسط بربيع عربي جيد حتى الآن، أو بالأحرى أفضل مما كان يتخوف منه البعض، وهو ما حصل في الأردن والمغرب والخليج.

وأظهر النظام الملكي في البحرين استعداده لاستخدام أساليب أمنية مشددة، بينما عمدت ملكيات أخرى إلى اتخاذ إجراءات أكثر مرونة.

وفي قطر قامت السلطات برفع أجور وظائف القطاع العام في الشهور الأولى من انطلاق موجة الاحتجاجات العربية. وتملك دول الخليج غضبا قابلا للتصدير، فغالبية الوظائف الأقل أجراً يشغلها عمال أجانب، وإذا اشتكوا من ظروف العمل من السهل حينئذ إعادتهم إلى بلادهم.

 سنة وشيعة

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر بين السنة والشيعة في المنطقة، يتحارب “شيعة إيران” و”سنة السعودية” في حرب بالوكالة في سوريا.

لذا فإن تعميق الانشقاقات بين هذين المذهبين أدى إلى ظهور مستويات مفزعة من العنف الطائفي في العراق أيضاً، الذي ربما سيكون أهم موروثات هذه السنين من التغيير في المنطقة.

الرابحون خاسرون

إن اختيار الفائزين والخاسرين سيكون أمرا مخادعًا. ودعونا نلقي نظرة على الإخوان المسلمين في مصر، الذين حققوا نجاحاً ضخماً في الانتخابات التي أجريت بعد إسقاط نظام حسني مبارك. فبعد 80 عاماً من العمل السري، بدت الجماعة مستعدة لإعادة تشكيل أكبر دولة في الشرق الأوسط تعكس صورتها ورؤاها الخاصة.

إلا أن الجيش أبعد الجماعة عن السلطة في مصر، وعادت إلى السرية مرة أخرى، بعد إعلانها “جماعة محظورة” مجددا، وبعد مثول قياداتها أمام المحاكم. فمنذ عام واحد كان ينظر للجماعة أنها الفائزة، لكن الأمر تبدل الآن.

ولم يكن ذلك خبراً ساراً لقطر، تلك الإمارة الخليجية الصغيرة الطموحة التي دعمت الإخوان في معركة السلطة في مصر. ومع بداية الربيع العربي أيضًا، كانت قطر، وهي تدعم الثوار في ليبيا تبدو كأنها تسير وفق خطة استراتيجية لتوسيع نفوذها في المنطقة. أما الآن، فالأمر لم يعد كذلك.

وبدا الأكراد في كردستان العراق كفائزين في الوضع الحالي، بل قد يكونون في طريقهم لتحقيق الحلم الذي طال انتظاره، وهو إقامة دولتهم المستقلة. فهم يسكنون شمالي العراق، في منطقة غنية بالنفط، تبني اقتصادا مستقلا مرتبطا بجارتهم القوية تركيا. كما أن لديهم عَلَم ونشيد وطني، ولهم قوات مسلحة أيضا.

وقد تكون كردستان واحدة من المستفيدين من التفكك البطيء الحاصل في العراق، الذي لم يعد يتصرف كبلد موحد.

ولن يكون مستقبل المنطقة خاليا من الأزمات، فالسكان الأكراد يمتدون عبر الحدود مع إيران وسوريا وتركيا، ولكن الأكراد في مدينة مثل أربيل يتوقعون مستقبلا أكثر ازدهارا وحرية. وقد بدأت موجة التغيير في كردستان قبل الربيع العربي، إلا أن الأكراد يستفيدون أيضا من موجة التغيير التي تجتاح المنطقة لتعزيز ما حققوه من قبل.

لقد بدت الخريطة التي رسمتها بريطانيا وفرنسا للشرق الأوسط خلال الحرب العالمية في طريقها للتفكك. فهناك دول مثل سوريا والعراق، التي جرى رسم حدودها لا يُعرف هل ستبقى في شكلها الحالي كدول موحدة خلال الخمس سنوات القادمة أم لا؟

كذلك ليبيا، التي لا يستطيع المرء التكهن بشأنها. فليبيا كشفت محدودية تدخل الدول الغربية، فقد نجح سلاح الجو البريطاني والفرنسي في إسقاط النظام السابق، لكنه لم يتمكن من ضمان أن تحل محله الديمقراطية والاستقرار.

وهناك درس قديم، يتعلمه العالم مرة أخرى، وهو أن الثورات لا يمكن التنبؤ بها، بل من المحتمل استمرارها لسنواتٍ قبل أن تتضح تداعياتها … لتبقى إسرائيل‏ الرابح الوحيد من “ثورات الربيع العربي”.

ثورة، إعلام، حرية: الانترنت يهدم جدار الفضائيات والصحف الحكومية

حمل “الربيع العربي” في طياته الكثير من التغييرات، التي تباينت من دولة لأخرى، وشملت النظام السياسي والعلاقات بين الدولة والمجتمع، إلا أن التغييرات التي طرأت على ميدان الإعلام والإتصال في هذه الدول تبقى الأهم والأبرز.

بقدر ما كان الإعلام عموما مجسَّدا للواقع العربي وقهْره وتخلُّفه، كان الإعلام، خاصة الرسمي منه، إعلاما متخلِّفا وغير مِهني وأحادي الرأي.  في المقابل، لعب الإعلام غير الرسمي، والحديث منه (عبر الوسائط الحديثة والإنترنت عموما) دورا مهمّا في “الربيع العربي”، سواء تعلق الأمر بإشعال شرارته الأولى أو باستِمراره وانتِشاره، بل بات بعد حصول التغيير في البلدان المعنية، المُعبِّر الأول عن مدى تجسيد هذه الشِّعارات على أرض الواقع.

 ما قبل الثورات

كانت وسائط الإعلام والإتصال الوطنية الرسمية (صحف، إذاعات، فضائيات)، تابعة للحكومات التي تعكِس من خلالها رُؤيتها ومقاربتها لتدبير الشأن العام، وسائط محلية تتسم بالتخلّف وعدم الحرية والرأي الواحد الوحيد وعدم المِهنية وتزييف الحقائق، لأنها تعكِس نظْرة الحكومات لشعوبها وتعتبرها قاصِرة لا حقّ لها بالمبادرة والتعبير عن رأيها.

بموازاة ذلك، كانت هناك وسائط إعلام واتصال وطنية غير حكومية، تأسست (أساسا الفضائيات) بمبادرة من أصحاب رأس المال المقرّبين في معظم الأحيان من حكام أو أحزاب أو مهنيين (أساسا الصحف)، تحاول أن تتلمّس فضاءً بمِهنية أعلى، أكثر اتِّساعا من الفضاء السائد. وفي هذا السياق، يُسجّل للفضاء المصري نجاحه باستيعاب هذه المبادرات وتطويرها قبل 25 يناير، وإن كان يسجل عربيا للفضاء اللبناني رِيادته في هذا المجال.

حاولت الحكومات العربية، قبل اندلاع “ثورة الحرية الكرامة” في تونس، عدم المُمانعة في إصدار صحف وإنشاء فضائيات، مع سقْف محدود من الحرية أو حتى (فضائيا) تحديد برامج المنوّعات أو البرامج الخفيفة.

ورغم الصعوبات التي كانت تُواجه هذه الوسائط، إلا أنها لعِبت دورا ملموسا في مُتابعة تطوّرات ما يجري في الشوارع والساحات، وحاولت الذهاب إلى أكثر من ذلك نحو نقل حقيقة ما يجري وآراء الشباب الذين أطلقوا نسائم الربيع، لكنها ظلت محكومة بالقوانين التي أصدرتها الحكومات قبل سقوطها.

الإنترنت سيد الاعلام

جاء “الربيع العربي”، في وقت حقّقت فيه البشرية تقدّما عِلميا هائلا في تكنولوجيا الإتصالات، أدى إلى تقليص تكلفة التواصل مع المُتلقّي بوسائط البث الفضائي، ثم تبعه الهاتف النقال فالإنترنت، سيد التكنولوجيا المعاصِرة، الذي أصبح عنوانا لهذا الربيع، نُسب إليه الفضل في الكثير مما عرفته الجغرافيا العربية من أحداث وتطوّرات وتغييرات.

لكن، بحُكم تفشّي الأمية والفقر في المجتمعات العربية، كانت الفضائيات سيِّدة الموقف، وتحديدا الفضائيات العابِرة للحدود الوطنية. والملفت أن الصور والتقارير التي كان يتلقّاها المشاهد العربي أولا بأول لما يجري بشارع بورقيبة بتونس أو في ساحة التحرير بالقاهرة أو بساحة التغيير في صنعاء، كانت تأتي مباشرة من عواصم، غيْر تلك التي نهضت بربيعها، عبْر فضائيات احتلّت طوال السنوات الماضية الحيِّز الأكبر من مساحة المشاهدين في تلك الجغرافيا، المُمتدّة من البحرين إلى نواكشوط، وأثبتت – رغم بعض الهنات – أن المِهنية تتطور في ظل وجود هامش من الحرية.

عربياً، ظهرت وسائل الإعلام العابرة للحدود الوطنية، بعد أن نجحت قناة “سي ان ان” الأميركية في أن تكون مرجعِية الأخبار في حرب الخليج الثانية التي تلت احتلال العراق للكويت (آب / أغسطس 1990 – شباط / فبراير 1991)، وبعد أن اكتشفت الدول العربية الغنية بالنفط حالة العداء المُستشري لسياساتها ومواقفها، في الأوساط الشعبية العربية، إلا أن التِزام هذه الوسائط العربية بالسّقف الذي حدّدته سياسات الدول الراعية والمالكة لها، وعدم اختلافها في أي شيء (باستثناء برامج المنوّعات والمِهنية الصحفية) عن القنوات الوطنية في تلك الدول، أفقدها شيئا فشيئا قوة التأثير السياسي المطلوب.

التحوّل الرئيسي بالفضاء السّمعي المرئي كان بإطلاق قناة “الجزيرة” من دولة قطر في تشرين الثاني / نوفمبر 1996، لتحتلّ بسرعة المرتبة الأولى من بين الفضائيات العربية، بعد أن نجحت في استثمار طاقات إعلامية عربية اكتسبت خِبرة في الإعلام الغربي مع حرية واسعة في التعاطي مع كل القضايا، بدون حدود وبدون سقْف، مع الإلتِزام بالمِهنية والحِرص على التعددية، بشعارها “الرأي والرأي الآخر”، مع تكسير “المقدّسات السياسية” والإقتِراب ممّا كان يُوضع في خانة المحرّمات، دون السقوط في الإسفاف أو القذف أو التهجّم والشتائم.  لكن مع الشرارة الأولى لثورتي تونس ومصر، واجهت الجزيرة هجرة جماعية لمشاهديها، بعدما انكشف دورها التحريضي والموظّف في خدمة مشروع الاخوان المسلمين في السيطرة على دول الربيع.

في الوقت نفسه، ذكّرت الفضائيات العابِرة للحدود الوطنية المُتلقّي العربي بوسائط أخرى (الإذاعات الدولية والموجّهة تحديدا) لعِبت أدوارا مُشابهة في العقود السابقة، من بينها إذاعة “بي بي سي” وإذاعة “صوت العرب” وإذاعة “مونتي كارلو” وغيرها.

بعد التغييرات السياسية والمجتمعية التي عرفتها بلدان “الربيع العربي”، تراجَع بشكلٍ ملحوظ انتشار ونسبة مشاهدة القنوات الفضائية العابِرة للحدود، خاصة في هذه البلدان، لصالح القنوات الوطنية، التي كانت تبثّ قبل ثورة 14 يناير بتونس وثورة 25 يناير في مصر أو القنوات التي تناسلت بعد ذلك، وهو ما حفّز شبكات القنوات العابِرة للحدود لقنوات خاصة بمصر.

تجدر الإشارة إلى أن الهيمنة السابقة للقنوات العربية العابِرة للحدود، كانت تعود، بالإضافة إلى المِهنية والحُرية والإنفتاح (التي بات يتمتّع بها اليوم نِسبيا الإعلام الوطني)، إلى إيلاءها اهتماما بارزا بالقضايا الساخنة العربية والإسلامية، مثل القضية الفلسطينية والعراق ولبنان وأفغانستان، وهي قضايا توارت إلى الخلف بسبب التحوّلات الجارية في المشهد السياسي العربي، فيما تصدّرت المشهد القضايا المحلية.

الثورات حطّمت الاعلام التقليدي

الثورات حطّمت الاعلام التقليدي

ثورات الإنترنت

ما من شك في أن الوسائط العربية والدولية الناطقة بالعربية والعابرة للحدود، لعبت دورا أساسيا في “الربيع العربي” وثورات الشباب التي رافقته، إلا أن الفضل الأساسي لانطلاقتها يعود للإنترنت عموما ولشبكات التواصل الإجتماعي خصوصا.

وفي هذا السياق، لعبت القنوات الفضائية دوْر مكبِّر صوت لحركة الشارع العربي، وكانت طلقة في الهواء وأحدثت ضجّة كبيرة ووجدتها مادّة استهلاكية مهمّة، لذلك نالت حِصّة الأسد من المُشاهدة.

 إن مبادرة تحريك الشارع العربي انطلقت من شبكات وسائل الإتّصال الاجتماعي، بل أن صحيفة لوموند الفرنسية قالت “إن الثورات العربية بِنْتُ الإنترنت”.

السياحة في مصر تستعيد “ثرثرتها فوق النيل”

القاهرة – رنا وهبي

تستعيد السياحة في مصر “ثرثرتها فوق النيل”، غير عابئة بالعواصف السياسية من حولها.  فـ”ربيع” مصر السياحي أزهر أرقاماً واعدة.  بهذا الإنطباع إختتم وفد إتحاد الصحفيين السياحيين العالميين جولته التي نظمتها  وزارة السياحة المصرية  في إطار حملة إستعادة الحركة السياحية للبلاد.

 أهرامات القاهرة و معابد الأقصر و شواطئ الغردقة لم تعد المعالم السياحية الوحيدة في مصر. فـ”الربيع العربي” أضاف الى شوارعها شهرة وفضولية عند السائح الذي أضحى يسأل عن ميدان التحرير قبل التقاط الصور مع أبو الهول.

إن مرارة الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي يعيشها المصريون، لم تغيّر “خفة الدم” التي يستقبلون بها الغريب.  فلا تزال عبارات “يا عسولة” و”يا ست هانم”  و”يا بيه ”  و”يا باشا” و”يا فراولة” و”يا مانجا” أول ما يسمعه السائح لدى وصوله إلى مصر.

ويظهر بوضوح جهد وإجتهاد الحكومة المصرية الحالية في الدور الذي تؤديه لإنعاش القطاع السياحي بعد ثورتي يناير و يونيو.  فهي تعمل بالتعاون مع كافة الوزرات، خاصة وزارة الداخلية والخارجية لتطبيق عدّة خطط وحملات سياحية ذكية بهدف جذب أكبر عدد من السواح وطمأنتهم  لزيارة مصر بعد أن ضخم الإعلام خطورة الوضع الأمني في البلاد.

وضمن خطة انعاشية لقطاع السياحة المصرية في العام 2014، يكثف وزير السياحة هشام زعزوع لقاءاته مع العديد من الوفود الدبلوماسية والأمنية والإعلامية وأصحاب وكالات السفر خارج مصر وداخلها، لتصحيح الصورة الخاطئة التي يبثها الإعلام الغربي.  وقد نجح برفع حظر السفر الى مصر في عدد كبير من الدول وآخرها روسيا.

وطوال زيارة الوفد اللبناني في إطار جولة إتحاد الصحفيين السياحيين العالميين، في القاهرة والأقصر والغردقة، لم يكن للتظاهرات المحدودة أي تأثير يعرقل حركة السياحة.

لا خوف ولا رادع يمنع المصريين من السهر. فشوارع القاهرة تستيقظ  ليلا، حيث بائعي الورود وسائقي الحنطور في كل مكان بإنتظار السائح.

والملفت للنظر وجود العديد من المطاعم والحانات والمقاهي قيد الإنشاء مما يدفع للتساؤل حول المخاوف من إنشاء هكذا مشاريع في هذه الظروف.  لكن دائما ما تكون الإجابة بإبتسامة وتفاؤل: مصر زي الفل.

من القاهرة الى الصعيد و الأقصر مدينة المائة باب ومدينة الشمس.  تتمتع الأقصر بمناخها الدافىء وشمسها الساطعة على مدار العام. وسحر وعظمة معابدها تلهم العالم وتدهشه. وأبرز معبد في الأقصر هو الكرنك وهو أكبر دار للعبادة على وجه الأرض ويعتبر من علامات مصر المميزة يظهر مراحل تطور الفن المصري القديم والهندسة المعمارية الفرعونية المميزة. كما أن معبد هتشبوست ملكة ملوك مصر لا يقل أهمية ومعبد الأقصر أيضا. والأقصر تضم عددا كبيرا من الكنائس  نظرا لنسبة الأقباط المتواجدين هناك. فنجد حوالي 100 كنيسة و 10 أديرة هي الأقدم في العالم، وكنيسة العذراء الأورثوذكسية وهي أكبر كنيسة في الصعيد المصري وعمرها حوالى 100 عام .

من الأقصر الى الغردقة عروسة البحر الأحمر. هذه المدينة تتمتع بالعديد من عوامل الجذب السياحي خصوصاً للاوروبيين حيث مناخها الدافىء وشمسها الساطعة على مدار السنة. وتعمل وزارة السياحة ووزارة الطيران على تأمين أفضل الرحلات بافضل الأسعار عبر خطوطها الجوية الى مطار الغردقة.

وشواطئها البحرية المتلألئة تضم مختلف الأنشطة البحرية كالغطس ورحلات الصيد وأكثر ما يجذب السواح هي رحلة في الغواصة يستطيعون عبرها مشاهدة أسرار البحر الأحمر والثروة البحرية الرائعة المتميزة. كما أنه سيتم خلال الشهر الحالي إفتتاح مدينة الرمل في الغردقة، وهي عبارة عن متحف لـ 64 تمثالا من شخصيات تاريخية و خرافية من مختلف الحضارات نحتوا من رمل و مياه فقط وعمل على تنفيذ هذا المشروع حوالي 35 نحاتا من 15 دولة أجنبية وإستغرقت فترة تنفيذه ستة أشهر.

ربيع «الهياكل العظمية»

إذا استمرت «ثورات» الربيع العربي على نهجها الدموي، فلا يستبعد أن تتحول الأمة العربية إلى أمة «الهياكل العظمية». وإذا تطور النهج «الثوري» الى طحن العظم نفسه، فلا شيء يمنع من أن تتحول شعوب المنطقة الى «بودرة بشرية». ولولا حيوية ما يجري في مصر لاستحقت «بواقي» جماهير الربيع العربي أن تُعزل في مستشفى للمجانين، بعد أن أصبح جنون القتل ظاهرة عربية لا تستثني عقلاً ولا عاقلاً.

وسط هذا الطوفان الدموي، نرى بارقة أمل بسفينة نوح المصرية، التي انطلقت حاملة على متنها الديمقراطية، في محاولة لانقاذها من الغرق في طوفان الاستبداد الإخواني.

صحيح أن السفينة المصرية المبحرة لم تصل بعد الى شواطئ السلامة، فما زالت تتعرض لأنواء جماعة الشذوذ عن الإسلام. وما زالت تواجه أمواج التنظيمات الإسلامية المتطرفة، التي تحاول تكسير مجاذيفها العصية على الإنكسار.

فعلاً، عظيمة يا مصر. فرياح الشعب المصري تجري بما تشتهي سفينة الإنقاذ.

لقد سرق الإخوان كل ثورات الربيع العربي. لكن مصر قبضت على اللصوص واستعادت ثورتها. وقدمت بذلك درساً للشعوب العربية المستسلمة لثقافة «العين لا تقاوم المخرز».

اليوم، كما في زمن عبد الناصر، ينظر العرب، كل العرب، الى مصر كنموذج يستحق أن تسير الأمة خلفه وأن تتوسله كمنقذ لها من الانهيارات الكارثية.

مصر تعود، كما كانت، خريطة طريق لخروج عربي آمن من دائرة الإرهاب السياسي والديني والمجتمعي، وبالتالي، الإستبدادي.

لن يتكرر في تاريخ مكافحة الديكتاتوريات أن يرى العالم محاكمة رئيسين مستبدين خلال ثلاث سنوات. فالمشهد القضائي المصري حالة نادرة في قمع أنظمة القمع.

الرئيس مبارك، الوارث العسكري للناجين من اغتيال السادات، يتبادل قفص الاتهام نفسه مع الرئيس مرسي، الوارث الإرهابي للفارين من سجن وادي النطرون.

واللافت أن الوارث العسكري، تعامل بانضباطية عسكرية مع المحكمة، وأن الوارث الإرهابي، تعامل بأسلوب إرهابي مع القضاء.

مبارك كان مهذباً، وهو محترف الإستبداد لثلاثين عاماً، ومرسي كان إرهابياً، وهو الذي يزعم أنه وعشيرته، ضحية الإرهاب لثمانين عاماً.

لا نقارن، حتى ولو كانت المقارنة ستجعل من مبارك ملاكاً، ومن مرسي شيطاناً. لكننا نسوق النموذجين لأمة تعاني، حتى الخراب، من نموذج الربيع العربي، وهو الشتاء العاصف، الذي انتحل صفة الربيع وأمطرنا دماراً ودماً وتخلفاً… وصولاً بالإسلام الى ما قبل ظهور الإسلام.

وليد الحسيني

السودان: “الربيع” المتأخر

 كتب المحرر السياسي:

هل هو” ربيع” متأخر أم فوضى قادمة؟  فأحداث السودان الأخيرة تطرح الكثير من التساؤلات، وفي مقدمتها مدى علاقة سقوط حكم الاخوان المسلمين في مصر والمنطقة بالاهتزازات الشعبية التي بواجهها حكم عمر البشير؟

عمر البشير

عمر البشير

من الطبيعي ان يناهض معسكر الاسلاميين بشكل عام وجماعة الاخوان بشكل خاص أي “ربيع” ضد عمر البشير. فهو “اخونجي” بإمتياز ، وفي عاصمته احتضن مؤتمرهم العام قبل سنتين عندما اعلنت حماس من هناك لأول مرة انها ممثلة وفرع للإخوان المسلمين في غزة.

ويجمع النظام السوداني الحالي مجد الديكتاتورية من أطرافه، فهو نتيجة زواج بين نظام عسكري أمني جاء رئيسه الفريق عمر البشير الى السلطة بانقلاب عام 1989، وحزب محسوب على الاسلام السياسي (المؤتمر الوطني)، في صيغة فريدة تمنع الصراع التقليدي الموجود في البلدان العربية الأخرى بين العسكر والاسلاميين.

اضافة لذلك، فان الرئيس البشير هو الزعيم العربي الوحيد (حتى الآن) المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهم ارتكاب جرائم حرب، وقد حرمته المظاهرات الأخيرة من انجاز تحدّيه الذي وعد الرأي العام به لهذه المحكمة وللمجتمع الدولي عموماً بزيارة الولايات المتحدة وحضور جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة مثله مثل زعماء العالم الآخرين بعد ان بشّر مواطنيه بأنه أمّن حجوزات السفر والطيران والاقامة في نيويورك!

كما أنه النظام الوحيد الذي قدّم لشعبه انفصالاً ناجزاً قسم فيه بلده الى بلدين متعاديين، حرم من خلاله اقتصاد بلاده من ثلاثة ارباع انتاجه من الخام النفطي الذي كان المصدر الرئيسي للايرادات الحكومية والعملة الاجنبية، وجهّز بذلك الحبل الذي سيشنق به نفسه اقتصادياً، كما فعل سياسياً.

ولعل نجاة النظام السوداني من حركات الاحتجاج السابقة في حزيران (يونيو) العام الماضي والتي قمعت بصرامة، جعلته يظنّ نفسه محصّناً كونه يجمع بين قبضة العسكريتاريا الأمنية وعمامة الاسلام السياسي.

ثورة “الهوت دوغ”

وما نقل مطالب السودانيين من الاحتجاج على رفع دعم الحكومة السودانية لسعر المحروقات إلى المطالبة بـ”قلع” الرئيس، هو “زلة اللسان” التي ارتكبها البشير بقوله إنه صاحب الفضل في تعريف السودانيين بوجبة “الهوت دوغ”: “أتحدى لو فيه زول (رجل) سمع بالهوت دوغ قبل حكومة الإنقاذ”. وكان هذا التحدي كافياً ليخرج الآلاف من السودانيين إلى الشارع.

ويعتقد الكاتب الصحفي السوداني فيصل محمد صالح، أن “رفع الدعم عن سعر الوقود لم يكن سوى الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات، فهناك الكثير من أسباب الاحتقان القديمة، أبرزها الحروب الأهلية، وعدم قدرة الحكومة على حسم الأوضاع، فضلاً عن التضييق على الحريات”.  ورفض فيصل المقارنة بين ما يجري في السودان وبين الثورات التي وقعت في بلدان عربية عديدة، قائلاً “ربما هي هبة شعبية لكن لا أستطيع أن أسميها ثورة، لكن هناك إلهاما للشباب الغاضب مما جرى في مصر وتونس واليمن وغيرها من الدول العربية”.

ويواجه السودان الذي عرف بأنه مرشح ليكون سلة الغذاء العربي، أزمة غير مسبوقة في تاريخه بمعدل تضخم تجاوز 40%، وهو بين الأعلى في العالم.

ويعود السبب الرئيسي لما يحدث اليوم في السودان إلى ارتفاع أسعار المحروقات، وهبوط حاد في سعر صرف العملة المحلية.

وبلغت ذروة الأزمة الاقتصادية في السودان بعد أن فقد حوالي 75% من إيرادات النفط التي أصبحت تذهب إلى خزينة دولة جنوب السودان بعد الانفصال.  ومع تراجع حصة السودان من إيرادات النفط أصبحت الحكومة عاجزة عن توفير الاحتياطات من الدولار لتغطية واردات المحروقات وطرحها في السوق بأسعار مدعومة.

ربيع الديمقراطيات الحيوانية

من أين يأتي كل هذا الخراب العربي؟.

من العراق، الذي يستورد السيارات ليفخخها لا ليركبها؟.

من فلسطين، الملوثة برائحة قضيتها التي تعفنت من الصبر والتنازلات؟.

من تونس، التي ينتعش فيها التطرف، وتموت فيها السياحة، وهي باب الرزق الأساسي للدولة والشعب؟.

من مصر، التي نامت نواطيرها عن ثعالبها، وما استيقظ النواطير إلا بعد أن احتلت الثعالب ساحات النهضة ورابعة العدوية، وبعد ان ملكت أنياباً حادة تمزق سيناء وتنهش في أجساد المصريين وأمنهم؟.

من ليبيا، التي مزقت كتاب القذافي الأخضر، لتقرأ في كتاب الميليشيات الأحمر والمكتوب بالدم؟.

من سوريا، التي عمّها الدمار واستوطن فيها عزرائيل؟.

من لبنان، الذي لا يعرف ما إذا كان قد خرج من حربه الأهلية في السبعينيات والثمانينيات، أم أنه عائد إليها؟.

من الوضع العربي العام الذي، وهو يسعى إلى تهشيم الديكتاتوريات، وجد نفسه في حضن الديمقراطيات الحيوانية، التي تفوقت بوحشيتها على وحشية الديكتاتوريات المنقرضة؟.

من الخلط، الذي ما عاد يعرف الحدود الفاصلة بين الدين والإرهاب؟.

ما زالت هذه الأمة تتابع الانحدار في ظل غياب كامل للعقل والوعي والضمير.

والعصي عن الفهم في هذا الصراع العربي، ما يحمله من تناقض الصيف والشتاء على السطح الواحد.

وعلى سبيل المثال، والأمثلة كثيرة، فإن النظام السوري الذي يخوض حرباً ضارية ضد الإخوان المسلمين، نجد أن حلفاءه الرئيسيون، أي حزب الله وإيران، ينصران إخوان مصر وغزة.

رأينا تلفزيوني المنار (حزب الله) والعالم (إيران) في منصتي الإخوان في رابعة والنهضة. ولا أحد يجهل أن هذين الميدانين لا يدخلهما إلا أهل الثقة والراسخون بالتعاطف مع الإخوان.

وسمعنا عن عودة العلاقات “الجهادية” بين حماس، الأشد عداوة لسوريا، وحزب الله وإيران، الأشد تحالفاً مع سوريا.

نعرف أن ثمة شراكة بين حزب الله وحماس وإخوان مصر في عملية اقتحام سجن وادي النطرون، لكن الذي لا نعرفه كيف تستمر هذه الشراكة في مصر وغزة، وكيف تستمر الحرب بين هؤلاء الشركاء في سوريا؟.

إذاً فإن الإخواني الذي يقتل على باب الحرس الجمهوري في مصر هو شهيد، في حين أن الإخواني الذي يقتل في سوريا هو إرهابي.

إذاً نحن أمام إسلام جديد، لا الحرام فيه بين، ولا الحلال فيه بين. فالعقيدة أصبحت بين بين.

ومع هذا نسأل من أين يأتي كل هذا الخراب العربي؟.

وليد الحسيني

وجهات نظر

 استثمار الكوارث

ليس لأن لبنان جبل لا تهزه الرياح. ولا لأنه يملك خبرات مصرفية لا تملكها سويسرا بجلالة قدرها وشهرتها. ولا لأن فيه عقولاً اقتصادية عبقرية كان يفتقدهما قطبا الاقتصاد في التاريخ الحديث كارل ماركس وآدم سميث.

ليس لكل هذا يتمتع لبنان بالمناعة  ضد الافلاس، فهو بلد يتقن استثمار الكوارث في المنطقة، ويجيد أكل لحوم الأكتاف المثقلة بحمل المشاكل والأزمات.

منذ قديم الزمان ومصائب الآخرين يعم رخاؤها على اللبنانيين. وكلما تكدست الغيوم في دولة شقيقة، أمطرت في مصارف لبنان فزادت ودائعها وفاضت سيولتها.

الهروب الأول

عندما سادت الاشتراكية مصر وسوريا والعراق، وهي دول كانت في ذلك الزمن الأكثر ثراء بين العرب، هرب المتمولون فيها الى بيروت، وهرّبوا معهم ثرواتهم، فانتفخت صناديق المصارف اللبنانية، وانتعشت الصناعة، وازدهرت التجارة، وبدأ النمو يتصاعد الى أن سمّي لبنان، في تلك الفترة، بسويسرا الشرق.

من هنا كانت البداية.

اللجوء

مع ظهور النفط في دول الخليج، كان الجهل وشبه الأمية مدخلاً للاستعانة باللبنانيين. تماماً كما يستعين الأعمى بالأعور، حتى ولو كان الأعور الدجال.

وبشيء من الدجل، وبكثير من الشطارة والفهلوة، في بلاد كانت تحتاج الى كل شيء، كان الأسهل على اللبناني استغلال طيبة أبناء الخليج وقلة خبرتهم ومعرفتهم، لجني الثروات والتربع على عرش التجارة والمقاولات والمصارف.

تجارة الدم

عندما انهزمت المقاومة الفلسطينية في أيلول الأسود، نزحت من الأردن وفتح لها اللبنانيون بلدهم، الذي تحوّل الى سوق للسلاح والدم والدمار.

انتعشت الأحزاب، وتشكلت المنظمات على عجل، وتعددت بأعداد الزواريب، كل ذلك لتقاسم إغداقات الدعم المتعدد المصادر. وعاش العباد في بحبوحة اقتصادية، لم يعكرها سوى الرعب والقتل والخطف والخراب.

صفقات “الربيع العربي”

حتى عندما اندلع “الربيع العربي”، وكادت نيرانه تصل لبنان، ومع أنها ما زالت تقترب منه، فقد أطل الكثير من اللبنانيين، من بين أنقاض الربيع الدامي، عارضين خدماتهم في شتى المجالات، من شراء وبيع السلاح، الى تهريب الأموال وغسلها، وذلك امتداداً من جنوب ليبيا الى آخر صفقة في “كردستان” العراق.

وأكبر استثمار في كوارث “الربيع العربي”، كانت الكارثة السورية، التي حوّلت مصارف لبنان الى ملجأ آمن للثروات السورية الخاصة، ومركزاً ناشطاً لتصدير السلاح والمقاتلين.

“الزمن الوغد”

لياليَ بات العز في غير أهله

وعظّمَ وغد القوم في الزمن الوغد

هذا البيت من الشعر قاله الشاعر الكبير الراحل بدوي الجبل.  فهل كان يصف زمانه، أم كان يتنبأ عن زماننا؟

في أيامه لم يكن السوء سيئاً إلى الحد الذي نحن فيه.  وما كان الوغد سيد الناس كما هم سادتنا من أوغاد اليوم.

حيثما تنقلنا في دول الربيع العربي، نجد أصابع بدوي الجبل تشير إلى عز في غير أهله، وإلى “أوغاد عظام” في زمن وغد يطعن غدراً في أحلامنا الطاعنة بمرور السنين الصابرة على الظلم، لتجد نفسها مطعونة بظلم أشد وأقسى.

رحم الله بدوي الجبل … ورحم الله معه قوافل الشهداء التي ضحّت فكانت ضحية … وكنا ضحاياها.

وليد الحسيني

حديث الشارع

392378_10151646876747990_851688728_nلو بحثنا عن زعيم للمرحلة العربية الراهنة، لن نجد سوى “الحمار”.

لقد ملأ سمعنا “النهيق” الديمقراطي.

وننظر في شوارعنا، فنجد أن الديمقراطية تتعرّض لـ”رفس” جماعي.

ونبحث عن العدالة، فنجد أن غالبية أهلنا يعيشون في “الزريبة”.

والشعب الذي يريد، تمكّن من إسقاط النظام، لكن “الربيع العربي” إستلم “العصا” ووضع الحرية في “الخرج”.

أليس “النهيق” و”الرفس” و”الزريبة” و”العصا” و”الخرج” من مواصفات الحمار ولوازمه؟

إذاً، يستحق الحمار الزعامة، ويستحق أن ننهق له: مات الزعيم … عاش الحمار.

“شوارعي”